Category Archives: رواية

هدى والتينة – رواية

 

هدى و التينة

رواية

وقال لنفسه في لحظة ومض فيها وعيه

“رجاء والحبيبة والزوجتان وكل نسائي، أوهامُ ظمأ.. وسرابٌ جائع!”

الدكتور حسن ميّ النوراني

 

أشعلت هدى عود ثقاب في ظلام كثيف. كان رأسها يضج بتساؤل بريء لكنه مقلق عن شيء يختفي في صندوق قديم ورثته عن أمها.

عصف ريح عنيف بالباب الضيق الواطي للحجرة الزرية المتعفنة في بحر رطوبة خانقة تغرق في برد كانون الثاني. انطفأت شعلة العود الصغيرة قبل أن تصل يد الطفلة المرتجفة إلى المفتاح الذي برق للحظة خاطفة من مخبأه بين بقايا كتاب تآكلت أطراف أوراقه، كان جدها قد دسَّه بينها.

تعثرت قدما ابنة الأحد عشر عاما بكتلة أدمت إصبع قدمها الكبير، وهي تحاول رمي جسدها اللدن الممتلئ بشهوة طفولة مشوشة.

مدّت ذراعاها نحو موضع المفتاح، تخلخلت أصابعها بين الأشياء المبعثرة في فوضى تستر أمواس حلاقة أخيها الذي بدأت ذكورته تعلن عن نفسها. خنقت صرخة ألم قبل أن تفضح جرأتها المبكرة. أصبع التشهد في يدها اليمنى وقع فريسة حدة الموسي العريان. سال دم كثيف منها أحست به يتجمع في راحة يدها التي حاولت أن تستند إليها وهي تهم بالوقوف.

حاولت أن تشعل عود ثقاب جديد، أخرجت علبة عيدان الثقاب من صديري كان مشدودا على صدرها الذي بدأ يوشي، وقبل الأوان، بأنوثة واعدة. لم تعد عيدان الثقاب صالحة للاستعمال بعد أن تخضبت بدم لا زال ينزف من الكف الناعمة التي ضغطتها على بطنها التي تخضبت بدورها بدم انساب في اتجاه نازل مرّ بزاويتها المختومة التي كانت تسترها غلالة من قماش أبيض شفاف لطخها اللون الدموي.

عندما توقف سيلان الدم، مسحت الطفلة بقاياه فوق بطنها، واستسلمت للنوم على الأرضية العارية للحجرة التي يصلها بالسماء المطلقة نافذة تعودت هدى أن تنام دون أن تغلقها.

قبل أن تطلع شمس يوم جديد، عقدت هيئة ذكور أسرة الطفلة جلسة محاكمة عاجلة قررت حرمان هدى من متابعة دراستها، وحبسها في ركن من الحجرة التي كانت لا تزال راقدة فيها مع إغلاق للنافذة بالطوب وإغلاق الباب من الخارج بالمفتاح الذي دسه الجد في جيب سرواله بعد الشروع الفوري في التنفيذ.

وفي دقائق قليلة كان الطوب غير المنسق قد بدأ يحجب هدى وراء كثافة لا طبيعية تمتد جذورها إلى قاع عصور الغاب البشري.

تململت الطفلة في مرقدها ولكنها واصلت النوم: “لم يبدأ النهار بعد”؛ قالت لنفسها. والحلم الذي رأته بهيج وتمنت لو عاودها. لم تكن قد شاهدت غزلانا تمرح في البرية من قبل. لديها ولع بهذا الحيوان الجميل النافر الذي ينطلق في الأفق المكاني المفتوح، كما تعرف من مطالعاتها. هدى شغوفة أيضا بزوجين من الحمام يعشعشان في ثغرة في أعلى الجدار الشرقي لغرفتها ينحشران فيها مع زغلولين لم يكسوهما ريش بعد؛ وهي شغوفة بجروة صغيرة تكاد لا تفارقها طالما كانت الطفلة في البيت. هدى وجروتها عضوتان في أسرة تجمع معهما شجرة من الورد الجوري البلدي ذات أغصان تتزين بورود متعددة الألوان وقوية الرائحة؛ وثعبانا يسكن الحجرة التي صارت منذ اليوم سجنا جسديا للفتاة الصغيرة.

أطلقت الجروة صوت عواء حزين وخافِت بدرجة لم تقلق نوم هدى. وأخذت الحمامتان تهدلان في الوقت ذاته الذي علا فيه فحيح الثعبان الذي أحكم التفافه على بيض له.

في الصباح الأول للسجينة هدى أبرزت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة الموالية للسلاطين أن أجهزة أمن الكرة الأرضية، وفي تنسيق غير مسبوق بينها؛ أجهضت مؤامرة للإطاحة بعروش وطيدة وقديمة قبل لحظات فقط من تنفيذها. وقالت بيانات رسمية صدرت في كل العواصم إن “عناية الله وحده هي التي أنقذت الشعوب من كارثة، كادت أن تسحق الكيان البشري برمته، وأن تهدم إنجازاته الحضارية كلها”.

داعبت غزلان المنام هدى مرة أخرى.. الغزلان تنطلق ببهجة في واد أخضر مزهر ظليل تشقه أنهار تنساب برقة على أنغام موسيقى كونية تحت سماء صافية.

****

رحل صوت “الحبيبة” في غياب امتد سنتين, كأنهما الدهور فوقها الدهور. الهاتف يشق موتي. قفزت من مقعدي في غرفة العلاج إلى غرفة المكتب …

–  “هل تعرفني؟”

فاجأني السؤال . ألجمني الصمت برهة : “امنحيني قليلا من الوقت لأتذكر؟”

–  “أنا…”

–  “أنت…!!!!!!”..

“هل سبق أن استعاد ميت حياته؟! هل سبق..” رددت في نفسي وأنا لا أزال مخمورا بالمفاجأة

–  “التقطتُ رقم هاتفك من فوق اللوحة المعلقة على شرفتك..هل أنت هنا منذ وقت طويل…؟!”

“أجل… منذ وقت طويل و أنا أنتظر هذه اللحظة… لا  هدف وراء تعليقي للوحة التي تحمل اسمي ورقم هاتفي سوى الوصول إلى هذه اللحظة”؛ قلت في نفسي …

تابعَتْ: “ماذا جاء بك إلى هنا؟!”

–  “ألا تعرفين؟!”

صمتَتْ, ثم قالت: “لا أستطيع التحدث معك طويلا الآن, سأعود إلى ذلك قريبا, أو قد أقوم بزيارتك”.

–  “أنا في انتظارك, أنا مشتاق لك شوقاً عميقاً… أرجوك , افعلي ذلك قبل أن أرحل من هنا”.

–  “سترحل؟!”

–  “قد يحدث”

–  “افعل ما شئت, لكني أرجوك.. لا تطلبني الآن على الرقم الذي أتحدث إليك منه”

–  “طمئنيني..هل أنت سعيدة في حياتك الزوجية, هذا ما يهمني معرفته؟!”

–  “الحمد لله أنا سعيدة جداً..ومعي”بيبي”…”

–  “اسمه…”

–  “كيف عرفت؟! …جميل أنك تتابع أخباري..هل تعرف زوجي؟”

–  “اسمه…”

–  “هل قابلته؟”

–  “كلا”

–  “أحسن!!”.

وبعد أيام قليلة, انتصبت لوحتي فوق باب شقة, أجلس الآن في غرفة منها, تحت غرفتها التي كانت تقيم فيها قبل زواجها.. والتي يحتلها ألآن, أحد أفراد أسرتها القاطنة فوق رأسي..أما هي, فلا تزال تقطن قلبي…

–  “إنعام, هل أُخبرك بشيء يُدخل السرور عليك؟!”

ردت إنعام, التي تزوجت قبل أيام قليلة, من رجل غير ذلك الذي كانت تنتظر الزواج منه, الذي كان يحتل قلبها ونجود أحلامها ووديانها: “قل بسرعة يا بابا…البطة على النار, أعِدُّ له الغداء”..

–  “تلقيتُ مكالمة منها هذا الصباح …أنا سعيد جداً”

–  “أنا سعيدة لذلك أيضا, جميل أنها لا تزال تتذكرك!! واعتقد أنها سعيدة أيضاً بأنك     اخترت الإقامة في البلد الذي كانت تقيم فيه مع أهلها قبل الزواج”..

تُرى؛ هل تود إنعام أن يترك خطيبها السابق, البلدَ الذي كان يحلم فيه, وتحلم هي معه, بالعيش فيه معا, بعد أن تزول العوائق التي يفرضها الاحتلال؟! ..تُرى؛ هل تحلم الآن بأن يفاجئها بالانتقال إلى بيت يجاور بيت زوجها الذي عقد قرانه عليها قبل مرور أربعة وعشرين ساعة على تطليقها بالعنف الذكري الأبوي من فتى أحلامها؟!

–  “هل بدأتِ التكيف في حياتك الجديدة مع زوجك؟”

–  “أحاول, ولكني لا أملك أن أمنحه قلبي… أترك له جسدي يفعل به ما يشاء, وألبِّي طلباته كلما أمرني بتلبيتها, أصعد فوقه إذا طلب مني, ويستسلم له جسدي إذا رغب في افتراشي؛ لكني أكون معه جسدا بلا روح”.

بدأت مكالمتي مع إنعام, وهي تلهث…

–  “كنت في المطبخ, وجئت أجري للرد على الهاتف”

–  “هل تجيدين إعداد الطعام الآن؟”

–  “تعلمت, وهو يمتدح طعامي, إنه يحبني, هو طيب القلب, لكن رجلا يسكن قريبا من بيتنا يحمل اسم خطيبي, وكلما سمعت اسمه يتمزق قلبي…نصيبي يا بابا, يجب أن أعيش الواقع!!”

استعدت حادثة وقعت بيني وبينها… كنت طلبت منها عندما كانت تعمل في مكتبي أن تطهو لي “طبيخ عدس”, رأيتها وهي تتحرك نحو مطبخي البائس في الشقة التي كنت أقيم, واعمل فيها والتي بدأت فيها معرفتي بالحبيبة.. وبعد وقت, دق جرس الباب.. أسرعت لفتحه, فوجئت بجاري الطيب يحمل طنجرة (= وعاء للطبخ) ويدفعها نحوي. قلت له: “شكراً لك, لقد أعددنا طعاما, أشكرك”.. رد الجار الذي تعودت منه أن يحمل لي شيئا من طبيخ زوجته :”هذا طبيخكم”.

انتبهت إلى أن الطنجرة هي طنجرتي. فهمت. تناولتها منه. وبعد أن أغلقت الباب, صحت على إنعام:” هل طلبتِ من الجيران أن يقوموا بإعداد طبيخ العدس؟”.. ردت بشيء من الوجل: “آسفة يا بابا, فإني لا أجيد الطهي, أمي لم تعلمني”!

أطلقتُ يومها ضحكة مجلجلة… وعندما انتهيت من رواية القصة القديمة, انطلقت من الخط الهوائي الواصل بين هاتفي وهاتف إنعام قهقهة مجلجلة أيضا من قلبها المجروح, ومن قلبي المنتشي بمحادثة الحبيبة القصيرة…

–       “ها قد أضحكتك, عودي الآن لإكمال طهي طعام زوجك!”.

كانت إنعام ترتبط بالخطبة من رجل ارتباطا موثقا بكتاب القران الرسمي.. كانت ظلامة الاحتلال الإسرائيلي تفصل بين بلديهما، رآها ذات مرة فيما كانت تقوم بزيارة لشقيق لها، كان له صديقا، قبل أن تندلع انتفاضة الفلسطينيين الثانية التي اتخذت فيها السلطات الإسرائيلية إجراءات عزلت مناطق السلطة الفلسطينية التي قامت في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن بعضها البعض.. ثم تحولت الصداقة بين الشابين إلى مصاهرة، إنعام وخطيبها عاشا تجربة عميقة على الهواء الذي يربط هاتفها المنقول بهاتف خطيبها المنقول أيضا.. كانت مهاتفاتهما تجري من وراء ظهر أهل الفتاة.. “عندما ينام الجميع من أهلي، أغلق باب حجرتي ونوافذها وأندس تحت لحافي، وأفتح هاتفي المنقول لاستقبال المكالمة المنتظرة.. ونهزم عادات ناسي التي لا تسمح بتواصل المخطوبين ونهزم تعسف الاحتلال معا، ونتواصل على الهواء تواصلا أين منه تواصل الأبدان بالأبدان!!” قالت الفتاة التي قالت لي مرة: “مرضت مرضا شديدا، وولجت حالة الإغماء فنقلني أهلي على عجل إلى المستشفى، وعندما أفقت من إغمائي، جالت عيناي في المكان: أبي وأمي وشقيقاتي وأشقائي يحيطون بي من كل صوب، والقلق يرتسم في وجوههم.. لكني لحظتها تمنيت لو أنك كنت معهم، وتمنيت لو أني القي برأسي فوق صدرك وأنت تحضنني!!”.. طالت فترة الخطوبة بين إنعام  وفتى أحلامها.. ولم يكن بمقدوره أن يأتي لإتمام الزواج، ويأخذ عروسه إلى عش أحلامهما.. ليس من عادة الناس هنا أن تطول فترة الخطوبة؛ لم يطق الأهل صبرا.. تقدم رجل لطلبها من أهلها.. طلب أهلها منها أن تطلب الطلاق من خطيبها.. فجعها الأمر: “كلا، لن أفعل” ردت على أبيها.. انهال الرجل الهرم بالضرب العنيف على جسدها الرقيق.. بكت بكاء لا يوازيه بكاء الناس منذ كان بين الناس قهر وظلم.. “اتصلي الآن به، واطلبي منه أن يطلقك”.. “كلا، لن افعل”.. عاد الأب يضربها، وواصلت عيناها ذرف الدموع بصمت قطعه قولها، لما وهن جسمها عن تحمل المزيد من الضرب: “أنا لن أتصل به ولن أطلب منه أن يطلقني، إذا أصررت على ذلك، فاتصل أنت به، واطلب منه أن يطلقني”؛ قالت لأبيها الذي تحول إلى وحش كاسر، رغم كل ما عرفته من رقته وحنانه معها في سابق عهده.. اتصل شقيقها بصديقه الساكن في قلب إنعام، وشرح له ما جرى.. كان الوقت ظلاما دامسا.. وفي صباح اليوم التالي، كان الخطيب يقف أمام القاضي في بلده، ويرمي يمين الطلاق على الفتاة التي ملأت حياته بالورد الجوري الأحمر والأبيض.. وبعد سويعات، كانت إنعام تقف أمام قاض آخر، لتبدأ ارتباطها برجل لم ينتظرها حتى تجف دموعها!!

****

أبهجت مكالمة الحبيبة الصباحية نهاري.. منذ خمسة أشهر وأنا أنتظرها… كلا؛ إنني انتظرتها مدَّة عامين..

بعد أيام قليلة، من آخر زيارة قمت بها لها، في المكتب الذي كانت تعمل فيه قبل الزواج, اتصلت بي واقترحتْ أن نترك ترتيب اللقاءات بيننا إلى مبادرات منها. وقالت أنها ستأتي إلى غزة بعد يومين, وأنها ستقوم بزيارتي: “سأفعل ذلك وكندرتي فوق رقبتي”؛ قالت بلهجة تأكيديه وهي تهاتفني من الحجرة التي تقع فوق حجرة مكتبي الذي اجلس فيه الآن..

“كاذبة, لن تعود لمهاتفتي, ومثلما فعلت مع وعدها السابق، فلن تفي بوعدها الجديد بزيارتي!”, قلت في نفسي بعدما أغلقت سماعة الهاتف بعد محادثتها الأخيرة.

قالت لي ذات مرة: “أنا أكذب عندما أشعر أنني أقع في زنقة”؛

قال بصمت: “كاذبة.. ولكنها الحبيبة!”

تمزق السكون الذي كان يريم حولي بصفعة من طفل عاد من روضته لباب الجيران الحديدي. انتبهت إلى الساعة, أدركت أن موعد رجوع هدي من مدرستها قد مر منذ وقت قصير, لكنى لم أعهد منها قبل اليوم, أن تتخلف عن العودة في الموعد المحدد بهذه الدقائق القليلة. قلبي معلق بها, وانتظر رجوعها من مدرستها بقلق. ماذا جرى؟!

كدت أن أهاتف مدرستها, لعل أمرا طرأ فيها واستدعي تخلف عودة هدى عن موعدها.

امتدت يدي نحو سماعة الهاتف. توقفت قبل أن ألمسها, عندما ترامى إلى سمعي تنهيدة طفولية جاءت من جذع التينة المزروعة في الفناء الخارجي للمنزل الذي تشاركني هدى, فيه..

التينة تمتد من تحت نافذة مكتبي إلى فوق شرفة الغرفة التي كانت الحبيبة تسكنها, والتي منها كانت تهاتفني قبل الزواج… تذكرُ التينة قبل عامين, المهاتفة الأخيرة قبل زوجها, كانت رسالة غير خافية الدلالة على أن شيئا ما يجري تدبيره

وعندما استقر المقام بي, في سكني الجديد, وكان الليل قد لفَّ الناس, خرجت إلى الفناء, وحضنت التينة مثلما حضنت الحبيبة ذات مرة, وطبعت قبلاتي على جذع التينة كما كنت طبعتها ذات مرة على خدي الحبيبة.. حينها صاحت إنعام: “ماذا تفعل يا بابا؟”.

قالت الحبيبة بوجنتين محمرتين “أكلني!”.. قلت: “مشتاق!”

– “هدى؟! لماذا تجلسين عند جذع التينة؟! قلقت عليك يا نور قلبي, هل حدث لك سوء؟! تكلمي, مالك واجمة, هل يؤلمك شيء, أخبريني,لا تتركي قلبي يتمزق… أنا لا أحتمل أبدا رؤيتك وأنت غير سعيدة, أنت تعرفين أنك أنت وحدك التي تملك الأهلية على أن تمنحي بهجة الروح. هل فعلتُ شيئا أساءك؟!”

لدى عودتها من المدرسة, تُلقي هدي حقيبة الكتب وتندفع نحوي فترتمي علي صدري, فتلتف ذراعاي حولها وأضمها بشوق أب يكويه الظمأ من فراق أبنائه جميعهم, فراقاً مديدا..  أما اليوم, فقد حدث وللمرة الأولى أن لا تدفن فيها هدى رأسها مليح القسمات, ذا الشعر الحريري, في صدري!!

وقفتْ مستندة بظهرها إلى التينة. قفزتُ من باب الشقة نحوها وأنا ألاحظ دموعها تنساب على خديها. حضنتها بعنف وحضنت التينة معها. اهتز جسمها اللدن الطويل المضغوط بيني وبين التينة ببكاء حاد مكتوم. ألصقتُ وجهي بوجهها. أجهشتُ بالبكاء. ارتفع صوت بكائها. اختلط بكاؤها وبكائي. لكن التينة ظلت جامدة. سقطت أوراق جافة منها حولنا. زقزق عصفور. رفعتُ رأسي إلى الشرفة التي ترقب ما يجري تحتها. تلوَّن الهواء بعالم وجه الحبيبة. خفضت رأسي. أمسكتْ يداي رأسَ هدى. تنهمر الدموع على خديها جداول تحرق فؤادي. فقدَ لساني مرونته. نار تشتعل في عقلي. ضغطت وجهها بوجهي. انسلخت عما حولي. التفَّت كفُّ يدي اليمنى على جذع التينة، انزاح وجه هدى واندفعت شفتاي لتلتصق بجذع التينة.. انسلت هدى من أمامي فاندفعت احضن التينة ووجهي يتمرغ فوق صدر الحبيبة. جالت كفاي تتحسس جذع التينة وتنزل من أعلى إلى أسفل, وشفتاي المخمورتان تحترق وتتنقل من حول جسد الحبيبة الذي تلبَّس الجسد النباتي حتى لامست الأرض من تحتها وهدى تراقب وهي مذهولة مما ترى. أخذتُ أهْذِي: “أين هي.. أين هي؟!” فاسمع صوتا يردد: “طواها شارٍ…طواها…”

****

ضمها بذراعيه. أخذها إلى الفراش. ذهب في النوم ودقات قلبها الصغير تعزف نغماً هادئا يخالط صوت الموسيقى الناعم الذي ينطلق من المذياع. تصلبتْ عينا هدى في أخاديد الشيخوخة. “ما أجملك!” قالت في سريرتها. عاودتها الأحزان القديمة: “أنت أبي وأمي وكل أهلي؛ لكنها تأخذك مني, إنني أخاف أن أفقدك. أريدك لي.. لي وحدي أنا الذي لا أحد لي سواك!”

تقلبتْ بين ذراعيه, فتح عينيه نصف فتحة: “لماذا تجهشين بالبكاء يا نور القلب, لماذا لا تصارحيني بما يدور في صدرك, حقلا للبهجة يجب أن يظل صدرك.. هل تشكِّين في حبي لك, حياتي فارغة لا يملؤها سواك، ولا معنى لها إلا بكِ أيتها الروح التي لا تفارقني.. لا تتركي قلبي يتمزق, قولي لي: ماذا أصابك, أرجوك.. أرجوك؟” وضغطها إلى صدره, وطبع قبلات شغوفة على وجنتيها وشفتيها..

عيناها تتحركان بقلق يسكن قلبها. تحاول أن تستجمع شجاعتها. تتردد.. تجربتها القاسية قتلت فيها القدرة على التعبير عما يختلج في صدرها. لا تزال صحبتها له قصيرة الزمن. تدرك أنه فتح لها قلبه بأوسع مدى يملكه أب ينبض الحب العميق في قلبه وفعله. لكن السجن المظلم الذي كانت فيه لم يرحل من نفسها, رحيله التام. كانت معصوبة العينين, وها هي فجأة في أفق النور. تحتاج إلى وقت كاف لتتكيف مع حياة الحرية والحب الذي تحس أن الرجل يبذل جهده الكبير لتوفيرهما لها.

استلقى على ظهره. ألقت رأسها علي صدره. تخللت أنامله شعرها. وفلتت عيناه في اللاشىء… الهدوء يغمرها. ودقات قلبيهما تعزفان لحن الحب الرباني النوراني. رن جرس الهاتف. توقف الرنين قبل أن يلتقط سماعة الهاتف:” هل هي؟ هه.. لن تفي بوعدها, هذا عهدي بها؛ يشغلها عني طفلها وتنظيف ملابس زوجها إلى تتسخ من حيوانات يربيها ويتاجر بها!”. لم تفارق هدى الفراش. تكورت على نفسها, وانزلقت في النوم, ألقى غطاء عليها. أغلق باب غرفة نومها. خرج إلى فناء البيت. أسند ظهره إلى جذع التينة، وبحلق في الشرفة فوقه. قطة تموء، وعصافير تزقزق، تساءل: “أي عصفور هو الذي كان يعشعش في حجرتها قبل أن تغادرها إلى بيت زوجها؟”. ترامى إلى مسامعه بكاء طفل صغير؛ قال في نفسه: “هل هو ابنها؟ هل هي هنا؟..”.. “الأمر لا يعنيني، نعم، يجب أن لا يعنيني”؛ تابع..

عاود جرس الهاتف رنينه. اندفع نحوه. وقبل أن يلتقط سماعته، كفّ الهاتف عن الرنين. كاد أن يضغط على الأرقام التي تطلب آخر رقم هاتفي طلب رقمه. توقف. تذكر أنها طلبت منه في المكالمة الهاتفية الأخيرة بينهما أن لا يفعل ذلك. وعدها حينئذ أنه لن يفعل ذلك. هي لا تفي بوعودها له؛ لكنه لن يتخلى عن أخلاق الوفاء بالوعود التي يأخذها على نفسه. هدى أمانة في عنقه! يجب أن يبقى قدوة أخلاقية لها؛ قد ينجح مشروعه الذي يرهن له نفسه؛ قد تكون هدى هي نجاحه الذي لم يحققه بعد، ولكنه لا يزال يرنو إليه!!

“الحبيبة لا تفي بوعودها؛ جميع الناس هنا لا يفون بعهودهم. وما هي غير واحدة من عامة الناس؛ ماذا أنتظر منها إذن؟!”.

ضمّ التينة بين ذراعيه. ألقى رأسه على جذعها. ضغط صدره على التينة، رفع رأسه, وبشفتين ملتاعتين، طبع قبلة غير قصيرة عليها.. “ما أعذبها؟!”.. عاش لحظات راوده فيها شعور حقيقي أن حبيبته حاضرة بروحها وجسدها في التينة..

القطة تموء والعصافير تزقزق وصوت المؤذن يرتفع وهدى تنادي بقلق: “أين أنت.. أين أنت؟!”.

****

الناس مشغولون هذا اليوم بذبح البقر والغنم. قال خطيب صلاة عيد الأضحى التي أقيمت في المسجد المجاور لبيت الحبيبة: “اليوم عيد الذبح”! بعد صلاة العيد والخطبة التي تلتها، وقف الحضور وصلوا صلاة الغائب على أرواح الشهداء. المسلمون يذبحون البقر والغنم؛ اليهود يذبحون الفلسطينيين؛ والفلسطينيون يذبحون أنفسهم ويذبحون اليهود معهم في العمليات الاستشهادية التي ينفذها شبان لم يعودوا يطيقون ضغوط الاحتلال وقسوته وزاهدون في الدنيا وفي نسائها.. يعتقدون في قلوبهم أن “حور العين أجمل.. وأن جنة الله خير من العيش في عذاب الهوان في الأرض..”..

عاد “الإمام الأبيض” من صلاة العيد. جلس في فناء بيته الخارجي، وأمامه التينة والشرفة الملحقة بالغرفة التي كانت تسكنها الحبيبة؛ استعاد ليلته الأخيرة..

“ربّاه.. ذُبحت هذه الليلة مرتين!” قال وهو يهاتف رجاء التي بدأت معرفته بها منذ أيام قليلة..

“أريد أن أتحدث معك في موضوع شخصي”؛ قال لها في أول اتصال هاتفي بينهما. تابع: “الوقت ليس مناسبا للحديث في موضوع شخصي، أنت في دوامك الرسمي، وقتك لصالح العمل؛ أعي هذا؛ لكنني اضطررت إلى إجراء هذه المكالمة، ليس هناك وسيلة أخرى أمامي للحديث معك!”.

–       “عفواً.. ماذا تريد؟ من أنت؟”.

–  “أنا..؛ قلت إنني أريد الحديث معك في موضوع شخصي؛ في موضوع الزواج.. أنا آسف، الظرف غير مناسب؛ لكن ماذا أفعل؟!”.

–       “أنت تفاجئني! مَن أخبرك عني؛ هل رأيتني من قبل؟!”.

–       “كلاّ؛ لم أركِ. أحد معارفي تحدث معي عنك”.

–       “هل تخبرني مَن هو؟!”.

–       “طلب مني أن لا أذكر اسمه أمامك”.

–       “أذكره لي؛ سأحتفظ بهذا لنفسي؛ لا تقلق، لن أخبره أنك أفشيت السر!”.

–       “هل هذا وعد؟!”.

–       “أجل، أعدك. مَن هو؟”.

–       “جار لي، علِم أنني أرغب في الزواج”.

–       “ألم يكن من الأفضل أن يقوم هو بالتمهيد لحديثك معي؟!”.

–  “معذرة.. أنا أنتمي لعائلة برج الأسد؛ أحب أن أتجه نحو هدفي مباشرة، أكره الأساليب الملتوية، وأحب الوضوح!”.

–  “ماذا أقول لك؟! أنت تفاجئني. أرجوك، تحدث لي عن نفسك. آسفة، آسفة.. أنا عائدة للتو من زيارة للطبيب، أصابتني نزلة برد.. إنني أصغي إليك.. تحدث لي عن نفسك؟!”.

–       “أنا أبيض الرأس والبشرة والقلب..”.

وقال في سريرته: “والجيب أيضا!؟.. وتابع:

–  “كل شيء لديَّ أبيض.. وعمري ثمانية وخمسون عاماً ونصف العام.. هل اليوم هو السابع من شباط (فبراير)؟!”..

–       “نعم”..

–       “وأربعة أيام”..

في الواقع. كان هذا اليوم هو اليوم الثامن من شباط عام 2002.. بالحساب الدقيق كان يجب أن يقول: “وخمسة أيام”.. اكتشف خطأه هذا بعد انتهاء المكالمة؛ تساءل في سريرته: “هل لإسقاط يوم من عمري قيمة؟!”.. “لا قيمة لكل عمري!”؛ قال لنفسه.. تذكّر ما يتناقله الناس عن حقيقة عمر الإنسان.. “سألوا جبر بعد أن شاخ: كم عمرك؟ رد: “صفر؟!”؛ “ماذا تقول يا رجل؟!”؛ أقول: “صفر؛ العمر لا يحسب بالزمن الذي يمر علينا؛ العمر يحسب بالأيام السعيدة التي نقضيها.. وأرجوكم، عندما أموت، اكتبوا على قبري: هنا يرقد جبر الذي خرج من فرج أمه للقبر”..

وكان اليوم الأول لمعرفته بها، يوم سبت؛ يقول المنجمون إن يوم السبت ويوم الثامن من كل شهر يقعان تحت سيطرة الكوكب المسمى كوكب زحل.. وعلى ذمة المنجمين الفلكيين، فإن هذا الكوكب يدعو للتشاؤم.. ويشعر “الإمام الأبيض” بعدم الارتياح في كل يوم سبت؛ اليهود يزعمون أنه اليوم الذي استراح الرب فيه بعد أن فرغ من خلق العالم في ستة أيام..

في خلال المحادثة، أحجم عن الخوض في الحديث عن تفاصيل حياته الخاصة، كما كانت تود:

–  “اعذريني.. أرجو السماح لي بتأجيل الحديث في تفاصيل حياتي الشخصية إلى الوقت الذي أتأكد فيه أننا قطعنا شوطا أساسيا في العلاقة المشتركة بيننا!”..

قال ذلك ردا على سؤالها: “ماذا عن زوجتك؛ وماذا عن أبنائك؟”..

قالت: “بالتأكيد أنت متزوج، ولك أبناء.. هل يعيشون معك؟!”..

–       “كلا.. أنا هنا وحيد منذ أن عدت لأرض الوطن قبل ثمانية أعوام”..

في مكالمة ليلة العيد الطويلة، قالت رجاء: أنا لست المرأة التي تبحث عنها. أنا واقعية وأبحث عن حياة عادية، مع زوج يمنحني الأمن والاستقرار. أما أنت، فأنت رجل رومانسي، وأنت قد تغادر في أية لحظة وتلتحق بأولادك وزوجتك وتتركني… ومن الأفضل لك أن تفعل ذلك!”.

–       “هل أفهم من كلامك أنكِ اتخذت قرارا…؟!”.

–       “لا أعرف بالضبط، لكني لا أناسبك. لست امرأة شقراء ولا ذات عيون زرقاء؟!”.

–  “يجب أن أراك. لا تتخذي قرارك قبل أن نلتقي. لا تذبحيني.. يكفي أن زيارتها المفاجئة لي قد ذبحتني.. هل هذه الليلة ليلة ذبحي؟! يجب أن نلتقي”.

–       “كيف نلتقي؟!”.

–       “تقومي بزيارتي في عيادتي أو أن نلتقي في مكان عام”.

–  “أنا لا أستطيع أن افعل ما فعلته هي، وأن أزورك في العيادة! قد افعل ذلك في المستقبل وأزورك كمريضة؛ أنا بحاجة إلى طبيب نفسي!”.

–  “لا أريدك أن تزورينني كمريضة؛ أنا بحاجة إليك كطبيبة.. مررت بتجربة ضياع من الأهل عندما كنت طفلا في الثالثة من عمري. كان الأهل يهاجرون من مدينتي يافا التي ولدت فيها إلى مدينة غزة.. طفل في الثالثة يضيع عن أهله في فوضى الحرب والرعب والهجرة.. يغيب عن أمه وأهله لمدة يوم بكامله، لا يزال يبحث عن أمه!! أرجوك؛ لا تتخذي قرارا! انتظري حتى نلتقي!”.

–       “تعال إلى بيتي وفقا للتقاليد”.

–  “تعني أن أجيء لتقليب البضاعة! أكره هذا الأسلوب.. عندما آتي إليك في بيتك، لطلب الزواج منك، فلا بد أن نكون قد اتخذنا قرارنا.. دعينا نبدأ بالحب. دعي الحب يكون نقطة انطلاقتنا”.

–       “تريد حبا.. ثم ماذا بعد؟! أنا أريد زواجا!”.

–  “أدرك أن مجتمعنا لن يسمح لنا بالحب دون غطاء الزواج! لا أمانع أن يشهد اثنان على كتابة عقد زواج يكتبه مأذون.. الزواج غطاء؛ لكن العلاقة هي علاقة الحب.. هذا ما أرجوه!”.

–       “أنت تفكر كما لو كنت تعيش في أوربا أو أمريكا!”.

–  “أعرف أني أعيش هنا.. قلت لا مانع عندي من أن يكون الزواج غطاء لعلاقة تجمعنا.. لكنني أريد امرأة تحبني وأحبها”.

–       “هل تعمل في وظيفة رسمية؟”.

–       “كلا؛ واشتغل الآن بكتابة رواية جديدة”.

–       “هل سأدخل روايتك؟!”.

–       “أستأذنك أن تكوني إحدى شخصياتها؟”.

–       “لكني لا أريد أن أكون شخصية هامشية فيها؟!”.

–       “آمل أن لا تكوني هامشية يا رجاء؛ هل اتفقنا على تأجيل القرار، وعلى اللقاء بعد العيد مباشرة؟”.

–  “أوافق على تأجيل قراري.. لكننا لم نتفق على أسلوب اللقاء.. يكفي هذه الليلة؛ دعنا ننهي المكالمة، ولي طلب عندك.. خاطبني بطريقة رسمية”.

–  “أعدك أن افعل.. لكنني سأخالف هذا الوعد للمرة الأخيرة، وأن أنهي المكالمة، بأن أقول لك: تصبحين على خير يا رجائي!”.

–       “واترك لي شأن الاتصال بك”.

–       “أعدك.. ولكنني سأتصل بك غدا صباحا لتقديم تهنئتي لك بالعيد”.

****

ابتدأت المكالمة التي جرت بينهما ليلة العيد بالحديث عن الزيارة المفاجئة التي قامت بها “الحبيبة” إليه والتي انتهت قبل المحادثة بلحظات قليلة..

كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساء، وهو الموعد الذي كان عليه أن يستأنف عنده  مهاتفة “رجاء” والتي انقطعت قبل أربعين دقيقة تلبية لطلب منها سببه أن خالها قدم لزيارتها. استغل  الزمن الذي يفصله عن موعد استئناف المكالمة في تناول العشاء. وما أن انتهى من عشائه السريع حتى دقَّ جرس الباب. قال لنفسه: “تُرى من يقصدني في هذا الوقت؟!”؛ المتأخر في الشتاء؛ الذي تهمد فيه حركة الشارع الذي يقع فيه منزله بعد أن يسدل الليل عباءته على بلد تخاف من الاجتياحات الإسرائيلية التي تحدث في العادة كثيرا في الظلام. وعلى مهل، توجه للباب الخارجي لينظر من يكون الطارق. أطل برأسه، فلم يرَ أحدا. تراجع إلى الداخل. شق صوت أنثوي الظلام: “أنا..”.. كانت على وشك أن تندفع من الباب الذي يدخل منه أفراد عائلة أبيها. عادت؛ مرقت بسرعة من باب منزله الخارجي. مدّت يدها. صافحها بذهول من صدمة مفاجأة لم يكن يتوقع حصولها: “لا أصدق أنك أنتِ هي التي تقف أمامي الآن!”.. دعاها للدخول.. جلسا على كرسيين متقابلين في الصالة الواسعة لكن شبه العارية من الأثاث. نظر إليها بعينين كانتا تشتهيان رؤيتها بعنف طفل يضطهده شبق نفسي للارتماء على صدر أمّ فقدها منذ دهور.. “هذا ليس وقت تسبيل العيون.. ما الذي جاء بك لتسكن في بيتنا؟!” سألت بلهجة داعبها الامتلاء بشعور سار عبَّرت عنه ابتسامة برقت في عينيها قبل أن ينهمر منها دموع من قلب يحترق لفراق طفلها الوحيد الذي لم يزل في أشد الحاجة إلى ثدي مكتنز بالحنان والحليب..

–       “ألم أقل لك يا حبيبتي في المكالمة الأخيرة أنني سأرحل من الشقة التي أستأجرها؟”.

–       “قلتَ ذلك.. ولكن؛ أن ترحل إلي بيتنا؟!”.

–       “هل تشكين في حبي لك؟!”…

صمتتْ!

–       “أنا في طريقي للارتباط”…

انفرجت أساريرها:

–       “مع مَنْ؟ هل أعرفها؟”.

–       “اسمها رجاء.. عمرها يناسبني..مطلقة.. من هنا”.

–       “ممتاز.. ممتاز!! كيف أبي معك؟”.

–       “ممتاز! كيف حالك؟ أين طفلك؟ وما الذي جاء بك ليلة العيد؟!”.

–  “أنا زيِّ الزفت! ضربني وشتمني قبل قليل وطردني من البيت ومنعني من اصطحاب طفلي معي..أنا تعيسة جدا في حياتي! هو ليس غير بقرة!”.

زوج “حبيبتي” بقرة يشتغل بتربية البقر!!

–  “ماذا جرى بينكما؟ أنتِ لست تلك التي أعرفها من قبل؛ ولولا أنك ذكرت لي اسمك: ما كنت قد عرفتك! ماذا أصابك؟!”.

–  “حياتي نكد متواصل.. وقبل قليل، كنت أتجول بين محطات التلفزيون بالريموت كنترول؛ كنت أجلس إلى جواره, وأنا متزينة كما ينبغي أن تفعل الزوجات في ليلة العيد. أصاب العطب الريموت.. فثار مثل ثور أهوج ضدي؛ طردني، ومنعني من اصطحاب صغيري معي! بقرة.. إنه بقرة؛ كلا؛ إنه ثور مجنون!!”..

وانفجرت باكية.. تمزق قلب يحبها.. وانتظر أن يعود لرؤيتها منذ زمن يمتد بجذوره إلى ماقبل الخليقة..

–       “كم عمر ابنك؟”.

–  “عشرة شهور.. أكاد أجنْ.. أنت تفهم مشاعر أمٍّ مطرودة في ليلة عيد.. ومنزوع ابنها من أحضانها؟! متوحش!! حبيبي يا ابني!! إنه أسمر مثلي.. يفتن اللبّ!!”.

–       “عشرة شهور؟! هل يرضع منك؟”.

–       “كلا.. أجبرني على فطامه قبل شهر!”.

–  “هذه ليست حياة.. هذا عذاب متصل!! كيف تزوجت مثل هذا الذي يفتقد إلى أدنى مراتب الإنسانية أيتها الحبيبة؟!”..

–  “حدث ذلك بسرعة فائقة.. كان يراقبني.. وبعد آخر مرة زرتني فيها، في المكتب الذي كنت أعمل فيه”..

قاطعها وهو لا يزال يبحلق في وجهها بقلب منفطر: “كان ذلك قبل سنتين وعشرة أيام!”.

–       “.. تقدَّم لخطبتي؛ وافقت، وتمّ كل شيء على عجل، وفي أيام معدودة!”.

–  “ما أقساك أيتها المرأة التي تعذبت طويلا بانقطاع أخبارها عني.. كنت أود فقط أن تحيطيني علما بالموضوع.. لم أكن سأفعل ما يعيق زواجك.. هل تذكرين كم مرة قلت لك أنني لن أقف في طريق سعادتك. ولو كان ذلك على حساب سعادتي؟! أليس هذا هو الحب؟! إني أحبك حبا ما أحبه رجل لامرأة من قبل ولن يتكرر من بعد!!”.

–  “سامحني!! كنت محاصرة من كل صوب فلم أجد سبيلا للاتصال بك.. أنا أكاد أُجَنْ.. أريد ابني! أريد ابني.. قل لي بربك: ماذا أفعل؟! سيواجهني أبي بثورة من الغضب عندما أصعد إلى بيته الآن! جئت إليك قبل أن اذهب لبيت أبي! توقعت أن أراك عجوزا هرما! لكنني أراك بصحة جيدة.. يجب أن أذهب الآن!”.

وقفت بقامتها المديدة التي خلعت لبّه منذ أول لحظة رآها.. اقترب منها؛ وجلت: “لا تفعل شيئا! إذا فعلت شيئا، فلن أعود لزيارتك مرة أخرى!”.

“ربّاه.. أشتهي أن أضمها إلى صدري، وأن أعصرها بين ذراعيّ!!”؛ قال في نفسه، قبل أن يرد عليها: “أفهم ظروفك! لن أفعل شيئا.. أرجوك؛ أحب أن أطمئن عليك، لا تحرميني من هذا الحق.. أنا لا أزال أحبك.. أحبك!”.

تناول كفها اليمنى، بشوق، وطبع قبلة عجلى عليها، كررها على عجل أيضا.. قالت: “أرجوك، أنظر هل من أحد في الشارع؟”.

اندفع من باب الشقة إلى الباب الخارجي لمنزله، اللذين لم يزالا مفتوحين تلبية لطلبها عند دخولها؛ جالت عيناه يمينا وشمالا ونظر إلى فوق ليطمئن إلى أن أحدا من ذويها لن يراها وهي تخرج.. الشارع يرقد في التوقف المبكر لحركة الناس فيه.. أشار لها بيده.. تسللت بهدوء وولجت الباب الخارجي لبيت أبيها.. “تُرى؛ ماذا ستقولين لأبيك لو دخل علينا وأنت معي؟”؛ سألها خلال اللقاء..

“هل من عادته أن يأتي إليك؟!”؛ سألت بوجه ارتدى لون الامتقاع… طمأنها إلى أن أبيها لم يتعود زيارته في مثل هذا الوقت. عاد يسألها: “ماذا ستقولين له لو أن ذلك حدث؟!”.

–       “سأقول إني أعرفك؛ ما المشكلة في أني أعرفك؟!”.

–  “قبل الرحيل من البيت السابق، محوت صورتك من محفوظاتي على الكمبيوتر. خشيت أن يضيع الكمبيوتر خلال النقل، وأن يقع في يد شخص فيقوم بفتح المحفوظات؛ فيرى صورتك.. لكنني عندما أتممت عملية النقل، أعدت حفظ الصورة.. فعلت ذلك لحرصي على المحافظة عليك من أن يلحق بك أذى.. لا أحب أن أسبب أي إزعاج لك.. فأنا أحبك!!”.

في اللقاء الذي جاء بعد أن كان قد يئس من وقوعه؛ اللقاء الذي أطفأ نار قلب التاع بالشوق إلى محبوب غاب فيما وراء الزمان والمكان، رددت، بلهجة من يحكي الكلمة بالعادة: “حبيبي”.. لم تكن قد نطقتها من قبل.. كان هو يرددها ويرددها.. ولكنها كانت ترد كلما رغب في تبين مشاعرها نحوه: “أحترمك، وأعتز بمعرفتك، وأرى أن معرفتي بك مكسب كبير لي.. وإذا كان في قلبي حب لك؛ فليس هو من نوع الحب الذي في قلبك لي!!”.. وكان قنوعا بما تكنه من مشاعر نحوه.. كان يكفيه أن يراها.. أو أن يسمع صوتها في الهاتف..

حكى كل ذلك لرجاء في حديثه معها في ليلة العيد: “إنها المرأة التي سحبتني إلى هنا!”؛ لكنه أحس بالندم؛ قال في سره: “لماذا أكشف علاقتي بالحبيبة، لامرأة أخرى أسعى لكسب قلبها؛ ولماذا أكشف سرّ الحبيبة لامرأة قد تكشف للناس سري وسرها؟! فعلت ما لا ينبغي لي فعله، لكن هذا شأني، هذا شأن الرجال، لا يحفظون أسرارهم عن امرأة تسحب عقولهم، فتنفلت ألسنتهم ويهذرون بالكلام من غير حساب!!”. اعتذر لرجاء: “آسف.. ليس من اللائق أن أتحدث معك في مثل هذا الموضوع.. اغفري لي خطأي.. أرجوك.. اغفري لي!!”.

–  “واصل.. أريدك أن تواصل؛ هذا يساعدني على فهم شخصيتك. لكن؛ هل هي مثقفة؟ هل هي جميلة؟ ماذا شدّك إليها كل هذا الشدّ؟!”.

–       “غير متميزة في الثقافة وجميلة في عيون قلبي. أحببتها بلا مقدمات.. هل الحب يعرف المقدمات؟!”.

قصّ على رجاء كيف تعرَّف على الحبيبة.. كانت رجاء تصغي وتحثه على مواصلة الحديث عنها.. كان ذلك يثير أشجانها.. ويستدعي قصة حب عميق جمعتها مع زميل لها في الدراسة الجامعية.. خرجا من قصته مع حبيبته إلى قصتها مع حبيب مضى لكن ذكراه تنهض في أشواقها إليه.. “تقدّم لخطبتي.. وافقت على إتمام الزواج.. بدأنا المسيرة.. لكن الزواج كان حلما تبدد”.. ثم تزوجت رجاء من رجل آخر. قضت معه سنوات طويلة أثمرت بنتا عادت بها إلى أرض الوطن من دون أبيها.. “وأي وطن لطفلة مسلوخة من أحضان أبيها”؛ قال في سريرته وهو يتابع الصمت ورجاء تتابع الكلام.. “وقبل بضع سنين، استصدرت حكما بالطلاق منه، بعد أن أصرّ على رفض المجيء إلى هنا والإقامة معنا”.. حاك في صدره أن يقول: “هل يسافر الرجل إلى أرض ليس فيها امرأة وطن؟!”؛ لكنه رأى أن الموقف لا يسمح بتعميق جرح امرأة نازف، أدماها غياب الرجل من قلبها ومن بيتها معا!!

–       “هل أنساك زواجك قصة حبك؟”.

–       “الزواج الفاشل لا يمحو من القلب حبا كان مزروعا قبله!!”.

–       ” ها أنت وأنا ننطلق في قاربين متوازيين يخوضان غمار موج بحر واحد!!”.

–       “قلتَ هما متوازيان.. والمتوازيان لا يلتقيان أبدا!!”.

–  “أحلم بعلاقة زوجية يظل شريكاها متوازيين.. لا أريد زواجا يطمس شريكا فيه شريك.. أؤمن بعلاقة زوجية تمنح لطرفيها استقلالية التنفس في خطين متوازيين لكنهما حميمان فيما بينهما.. أمقت الأنانية وأرفض حبّ التملك وأعشق حب الحرية والحرية في عقيدتي هي الحب.. أدعوك لأن نبدأ من الحب وأرجوك تأجيل قرارك بشأن علاقتنا، وأنا أرى أنه ليس من كرامة المرأة أن يذهب الرجل إلى بيتها لـ”تقليب البضاعة” فيشتري إذا راقت له، ويفلت بجلده إذا لم يجد ما يبحث عنه بين عروض النساء.. أنا أحب أن أجيء إلى بيتك بعد أن يكون قلبانا  قد عقدا قرانهما لا قبل ذلك!”..

كانت لا تزال أسيرة الصمت فتابع.. “عاد جسدي إلى أرض الوطن.. لكن الوطن الوطن الحق هو امرأة لروحي هي وطني. نحن العائدين بالأجساد إلى الوطن المخلوط من تراب ألوانه شتى نشكو من قساوة الليل ولهيب الصحراء وجفاء ذوي القربى وشحوب الهواء ومن جفاف الماء من حولنا.. فهل تكونين الوطن؟!”. وقال وبأمل ينبعث من صدر يسحب الهواء عميقا.. “امرأة أحبها وتحبني هي قلب الوطن وقلبي؛ وأنا تضطهدني فكرة الهجرة من هنا من جديد طالما أني صريع ظمئي إلى ماء ينبع من قلب الوطن.. أما الحبيبة فقد تزوجت.. ثم أن مشروع زواجي منها لم يكن متوقعا!!”.

–       “ماذا شدّك إلى امرأة لا تمتلك صفات متميزة؟!”

–  “علاقة لا تفسير لها لكنها هزّت قلبي منذ رأيتها فسكنتني مشاعر حب فجائي لم يبرحني منذ بدأ ومنذ وقعت عيناي عليها تمنيتها لي.. يجب أن نتقابل!!”.

–       “أخاف عليك من الصدمة.. قد أكون قبيحة؟!!”.

–       “وقد ترينني عجوزا؟!.. أما أنت فإن حدسي يخمن أنك لست قبيحة!!”.

–       “يقولون عني أني أمّورة!!”.

–  “أمورة ونمورة.. يجب أن نلتقي قبل أن تتخذي قرارك.. ويجب أن لا نخدع أنفسنا؛ لم يعد في العمر متسع للخداع.. نحن أمام فرصة أخيرة.. يجب أن نحرص على سلامة الاختيار”.

–       “دكتور!! كفى.. المكالمة طالت؛ وهذا يكلفك ثمنا باهظا”.

–       “برجي الأسد.. لست بخيلا؛ ولرغبتك في إنهاء المكالمة أقول لك تصبحين على خير!!”.

****

طلب من “الحبيبة” وهو يودعها أن تتصل به لطمأنته ولإخباره بما تؤول إليه مشكلتها الأسرية التي أجبرتها على ترك ابنها في بيت زوجها. سألته عن رقم هاتفه. أجاب: “مسجل على اللوحة” التي تحمل اسمه والمعلقة على بابه الخارجي بطريقة تسمح برؤيتها من الشرفة الملحقة بالغرفة التي كانت تشغلها قبل انتقالها إلى بيت الزوجية: “هل تعتقدين أن هناك هدفا من تعليق اللوحة سوى أنني أردت أن تعرفي منها وجودي هنا ورقم هاتفي؟! جئت إلى هذه البلدة لأنتظر زيارتك أو اتصالك بي من جديد”.

“لماذا كانت عاطفتي هادئة خلال اللقاء الذي انتظرته طويلا وبلهفة رعناء؟!” سأل نفسه بعد خروجها: “هل بدأت الحبيبة ترتسم في صورة امرأة أخرى؟!”.. ألحَّت عليه الرغبة في معاودة الاتصال برجاء.. أوراق التينة جفَّت.. وتتساقط أمام عينيه!! وإذا فقد رجاء؛ فسيفقد امرأة لن يجدها مرة أخرى.. هكذا يتصور؛ وكل الذين تحدث معهم بشأن رغبته في الارتباط بها، شجعوه: “لكن؛ لماذا تبدو وكأنها لا تفسح للعاطفة مساحة في نفسها؟!” أكد ذلك له الرجل الذي عرفها عن طريقه: “هل يعود هذا الغياب للعاطفة من قلبها إلى زواج فاشل كان قد سبقه حب عميق لم يتكلل بالزواج؟!”؛ سأل نفسه..

ولم يبرحه السؤال عن أسباب برود لقائه بالحبيبة؟! هل كان مجرد اللقاء بها هو المطلوب لنفسه ولا أمل بعد ذلك يرتجى؟! هل ذهبت الحبيبة مع غيابها الذي طال؟! أم هل القنوط يقتل حرارة الشوق الذي ما بارحه لا قبل اللقاء ولا بعده؟! هل البرود طبيعته؟! استعاد لحظة دخولها الأول عليه: “هذه المرأة هي التي أتمناها”؛ قال لنفسه حينها.. تُرى؛ هل ما زالت هي التي يتمناها؟! “أنا لست تلك التي كنت تعرفها”؛ قالت له في اللقاء الذي انتظره طويلا.. “أنا هبطتُ إلى أسفل السافلين؛ هل تذكر ما كنت قد قلته لك: إما أن أصعد إلى فوق فوق؛ أو أهبط إلى تحت تحت!” أنا نزلت إلى تحت التحت!!”.. يتقطع قلبه بعذابها على فراق طفلها.. “أتمنى أن أراه!!”؛ ولم يجاهر بما قاله في صدره: “شوقي لرؤيته يفوق شوقي لرؤيتك!! إنه طفلي؛ هو ابن حبيبتي؛ هل الأبوة أبوة الجينات؛ كلا!! نحن آباء للذين نودّ أن نكون لهم آباء.. أود أن أكون أبا لأبنائي من حبيبتي.. هذا هو الحب.. روح تتجسد في كائن من كيان الحب!!”..

صباح يوم العيد، اتصل برجاء؛ قدم لها التهنئة.. تشي نبرتها بحزن يلون نفسها ويتّشح به ما حولها..”هذا أول عيد يمر عليَّ بعد وفاة والدتي.. أشعر أن فقدانها حفر أثرا عميقا في نفسي، لم يمحوه ما سيأتي من الزمن.. كنت بعد وفاة أبي نصف يتيمة؛ أنا الآن يتيمة كاملة!!”.

–       “التيتم من الأم هو التيتم.. قلبي معك.. أنا أُمك!!”.

–       “بل أنتَ أبي!!”.

–  “أمك وأبيك معا.. قل سنوات زارتني امرأة لاستشارتي حول معاناة نفسية تعانيها، وفي آخر الجلسة سألتها: هل لك شقيقة؟ قالت: كان لي شقيقة واحدة؛ والآن لي شقيقتان؟ قلت: أرجوك توضيح ما تعنيه؟! قالت: أنتَ غدوت منذ الآن شقيقتي الأخرى.. أنت شقيقتي الكبرى!!.. أسعدني هذا الشعور جدا”؛ تساءل في نفسه: “هل أسعد رجاء أيضا ذكري لهذه الواقعة ؟ أم أستثرت غيرة النساء في صدرها؟! حماقة جديدة هذه مني قد تكون؟!!”..

في بحر المهاتفة قالت رجاء: “منذ طلاقي، قبل عامين، تقدم لخطبتي عشرات الرجال.. شعرت بتفوقي عليهم جميعا.. لكنني الآن أجد أنني مقابل رجل مختلف!!”..

“مختلف؟! هذا سرُّ شقائي!!” قال في صدر تخنقه قصة فشل مديد عاناها ولم يزل في حياته المتبعثرة المتعثرة.. رد على رجاء: “عرفت عنك أنك قوية الشخصية!!”.

– “هذا صحيح.. لكنني أودّ أن أكون زوجة ضعيفة لرجل قوي!!”..

قال في نفسه: “هذه نقطة لصالحي”.. وتساءل في صمت: “قبل عامين، تزوجت الحبيبة من رجل غيره. قبل عامين أيضا، انفصلت رجاء عن زوجها!!”..

– “هل يجري القدر يا رجاء في غفلة من المعلوم إلى هدف مرسوم غير الذي وددت بلوغه؟! لماذا ساقتني الجاريات إلى هذا المكان وقد كنت أتجه صوب وجهة أخرى؟!”..

– “أنت فيلسوف وأنا امرأة واقعية؛ أنا لست المرأة التي تبحث عنها!!”..

في بحر الحديث بينهما، قال لها أنه رومانسي؛ “وأنا رومانسية أيضا” ردت حينها.. لكن الريح الآن تخبط في الاتجاه غير المطلوب.. قالت: “أنا واقعية.. أنا واقعية.. وأنت رومانسي؛ لا اتفاق بيننا!!”؛ وبعد صمت لفّ الهاتف بين سماعتيه،عادت لتتحدث: “هل تعتقد أنني أراوغ وأتمنع لغرض إغرائك واستثارة مشاعرك وتلهفك نحوي وتعميق تشبثك بالزواج مني؟!”.. لاذ بالصمت الذي تتدافع فيه نفسه نحوها ويود أن يعترف لها بأنه يحبها.. لكنه قرر تأجيل هذا الاعتراف إلى حين لقائهما الذي يتشوق إليه!!.. وتساءل وهو لا يزال سابحا في سماوات الصمت: “تُرى!! هل يهزني اللقاء بها كما هزني اللقاء الأول بالحبيبة؟!”.. ثم بصوت مكتوم صاح: “هدى!! أينكِ يا نور القلب!!”.. قالت رجاء تحرك السكون الظاهر بينهما، ومؤكدة موقفها: “أنت رومانسي وأنا واقعية. لن نتفق!!”..

–       “حسن!! دعي واقعيتك تكمل رومانسيتي.. ثمّ؛ من قال لك أن رومانسيتي تحرمني من العقلانية؟!”.

–       “الرومانسية والعقلانية لا تجتمعان!!”.

–       “هذا ليس صحيحا. أنا مؤمن بالعقل المحب؛ وبالحب المعقلن!!”.

–       “أنت تريد حبا فقط!!”.

–  “أنا أريد حبا.. أجل؛ هذا صحيح.. لكني أدرك أننا في مجتمع لا يرضى بالحب وحده.. لذا؛ أوافق على زواج يكون غطاء للحب!”.

–       “أنا أريد زواجا واستقرارا.. والحب مسألة لاحقة!”.

–       “أنا أريد زواجا مؤسسا على الحب.. ويستمر بالحب!!”.

–  “اتفاقنا بعيد.. استفدت من معرفتك.. عرفت أن في بلدنا دكتور نفساني.. سأزورك يوما ما.. كمريضة!!”.

–       “أرجوك .. لا تتخذي قرارك الآن!!”.

قالت في مكالمة يوم العيد: “لا أريد أن أتحدث بما يسبب لك الضيق!!”.. ردّ عليها: “هذا يوم الذبح!! هل تذبحني السكين التي يذبح الناس بها أضاحي العيد أيضا؟!”.

–       “كل سنة وأنت طيب.. انتظر مكالمة مني!!”.

****

في ليلة العيد.. نام في الحجرة التي يخصصها للعمل.. التي تقع تحت الحجرة التي كانت تقيم فيها “الحبيبة” قبل زواجها.. هي الآن، تنام في الحجرة ذاتها.. تنام فوقه.. وهو ينام تحتها.. لم تتحرك أحاسيس خاصة في نفسه هذه الليلة كتلك التي كانت تعتمل في قراره كلما نام في الحجرة التي تقع تحت حجرة “الحبيبة”.. “لماذا لا تتحرك كوامن نفسي وبيني وبين “الحبيبة” هواء غرفتي فقط؟!”.. ساءل نفسه هو الذي لم يكن يصدق أن الأقدار ساقته ليقيم في الغرفة الملاصقة لغرفتها من تحت.. التي طالما تمنى لو أنها تصير هي .. بلحمها وعظمها تحته؟!.. هل جرفته أحاديثه مع رجاء من تحت سماء حجرته الذي ترقد “الحبيبة” فوقه؟! هل يكفي صوت يشق طريقه إليه عبر أسلاك الهاتف لأن يطفئ نار الشوق الحارق للحبيبة؟! أم هو يريد أن يكون فوق الحبيبة لأن الفوقية تمنحه شعور الانتصار.. في يوم العيد هاتف إنعام؛ قالت له: “عندما أكون تحت، أشعر بأنوثتي؛ وعندما أكون فوقه؛ فإني أشعر بأني أمتلك حرية أكبر في المشاركة”.. “تًرى.. هل الحب هو الحرية الأكبر..الحرية مادة الله.. والذكورة جعلت من الله ذكرا يمنحها الحرية مقابل الأنوثة.. هل يفسر هذا شعوري البارد وأنا أرقد للمرة الأولى والحبيبة ترقد في سماء ينام في أحضانها سقف بيتي؟! هل أريد أن أكون أنا سماءها.. أليس الله في السماء؟!”.. أم يريدها تحته ليستعيد كرامته الذكرية التي هدرتها “الحبيبة” عندما رفضت الزواج منه لأنه يكبرها بثلاثين عاما: “أتطلع إلى علاقة جنسية ساخنة مع الزوج”؛ قالت له وهما يجلسان على مقعد في حديقة الجندي المجهول في غزة بداية تعارفهما..”كبار السن لا يأخذون المرأة إلى نار الجنة المستعرة في الأحضان!!” قالت في سريرتها.. لم يفصح لها عن مكنون صدره: “الجنس صلاة.. إنه علاقة من نسيج الروح.. الروح هي حرية الجسد. الصلاة علاقة عميقة بين العابد والرب.. في الجنس يمارس الله حريته!!”..

جدِّية رجاء لا تسمح له بالحديث معها في المسألة الجنسية!! ولديه: “هذه مسألة هامة وصميمية.. أريد امرأة أصلي في زواياها.. فهل نصلي صلاة الحرية في غير زوايا امرأة يهواها القلب؟!”..

قالت رجاء: “تعال كما يجيء كل الناس!!”

–       “لماذا تريدين قتلي منذ البدء؟!”.

برزت في عقله جملة قالتها امرأة عنه: “ضيَّعته النساء!!”..

صاح من جديد: “هدى.. هدى.. أينك يا هدى أينك؟!!”..

–  “دمّرتكِ جهالة الذكورة وفساد أنانيتها يا نور القلب.. سلبوا الروح منك.. فتعالي فأنا روحك.. أنا الروح لكُنَّ يا نسوة!!”..

“ردت النساء على فساد الذكورة بعقوبة فرضنها على الرجال وعلى أنفسهن فصارت أجسادهن قبورا للرجال لا روحا للحرية ومحاريب للصلاة!!”؛ قال يخاطب هدى..

“أنت فاسق!”؛ قال له أحد شيوخ الدين.. رجاء قالت: “أنا متدينة!!”..

–  “أديتُ صلاة العيد.. لكنني كدت أن أترك المسجد لدى قول الخطيب: “هذا يوم الذبح”.. أنا أكره أن أقتل صرصارا.. الحياة حق له مثلما هي حق لي!!”.. “هل ذبحتِ أضحية؟” سأل رجاء.

–       “كلا.. الأقارب يعطوننا كميات كبيرة من لحوم الأضاحي”.

–       “جاءني أبو الحبيبة بلحم من عجل ضحّى به هو والجيران معا!!”.

أطلّت “الحبيبة” صباح يوم العيد من الشرفة الممتدة في سماء فناء بيته، حيث كان مستغرقا في الكتابة.. قالت وعيناها تبتسمان: “كل سنة وأنت طيب”.. “هذا عيد جميل” قال في نفسه؛ وسألها: “هل من تطورات بشأن مشكلتك؟ وهل نمت في غرفتك القديمة؟”.

–  “انفجر أبي في ثورة غضب ضدي وضد زوجي معا.. لا لم أنم في غرفتي القديمة لكنني سأعود للنوم فيها إذا طالت إقامتي هنا”؛ اختفت بسمتها، تلون وجهها بقتامة حزن أمّ يتفطر قلبها لفراق صغيرها.. قالت: “أكاد أُجنّ.. أريد طفلي”.. ثم طواها الغياب..

صاح للمرة الثالثة.. “هدى.. أينك!!”..

نهضت هدى من الفراش ووجهها ملفوف بأسى قديم.. قفز قلبه في صدره؛ وقف وجذبها إليه وهي تمر من أمامه.. لف ذراعيه حول كتفيها وضغطها وهوى بشفتيه على وجنتيها وطبع بحنان مستعر قبلات سريعة تذوَّق بها ملوحة دموع ساخنة تنحدر من عينيها.. أمسك رأسها براحتيه.. حدّق في وجهها.. ترغرغت عيناه بالدموع.. عاد يحضنها بذراعين ضغطا جسدها الرهيف فأطلقت أنينا مكتوما وهي تجهش ببكاء  انفجر وهو يلصق وجهه بوجهها فاختلطت دموعهما وأجهش بالبكاء فجلس على الكرسي تحت التينة وضغطت راحتيه على رأس هدى الراقد فوق صدره فرفع عينيه نحو الشرفة يتطلع إلى عودة للحبيبة.. لكن الحبيبة مشغولة القلب بفراق ابنها..

هدأت موجة البكاء التي اجتاحته هو وهدى.. رفعت رأسها عن صدره فرمى ذراعيه على كتفيها.. لبست عيناه شفتيها.. وبهدوء تحرك رأسه وبه رغبة للثم شفتيها.. كانت هدى تحدق فيه بعينين بدا له أنهما جامدتان.. تجمدت رغبته في لثم شفتيها.. ذبلت عينا هدى؛ تحرك الشوق في نفسه للحبيبة.. نازعته الرغبة من جديد للثم شفتي هدى.. تهيأ له أن صوتا يكفه.. هل انبعث هذا الصوت من السماء التي تمتد فيها الشرفة التي أسرت عينيه لعلّ الحبيبة تطل منها من جديد؟! هل الصوت انبعث من قلب هدى الوجل”! ليس يدري.. ” انبعث من التينة”؛ قال بصوت مسموع فاهتز جسد هدى ونهضت لكنه عاد وأجلسها فوق ركبتيه وأخذت أنامله تتخلل خصلات شعرها المنسدل بغير نظام حول وجهها وكتفيها.. اشتعلت نار مفارقة الأحباب في صدره.. كم من الأعياد مرّ عليه وهو وحيد بلا مؤنس؟! حتى هدى الجالسة وادعة في حضنه تنكمش على نفسها وتغرق في عزلة أسيفة!! والحبيبة التي تمناها ولا يزال؛ قريبة منه في المكان لكن قلبها بعيد بعيد!! ضغطت كفاه رأس هدى وطبع قبلة أبوية على وجنتها اليمنى فأدارت له بحركة طفولية عفوية وجهها فطبع قبلة أخرى على وجنتها اليسرى.. رمت هدى رأسها المائج بذكريات الشوق واللوعة والرعب على صدره.. ألقى ذراعيه حول ظهرها.. بكيا بصمت.. انطلقت عيناه في الأفق.. الريح تسوق السحاب نحو الشمال.. عصفورة تنقر ثمرة تين متيبسة.. رأس أنثوي يطلّ من حافة الشرفة ويختفي على عجل.. “هل ما تزال الحبيبة هنا؟! أودّ لو أنها عادت إلى ابنها!!”؛ قال في نفسه..

عاوده الحنين إلى :الحبيبة.. أليست هي التي كتب فيها القصائد وقال فيها أنها حقل الورد الذي لم يخلق الله من قبل ولن يخلق من بعد حقلا مثله؟! ولم يكن الله قد خلق الحب؛ قبل أن يحبها؟! هل يفتر مثل هذا الحب في قلب كتب:

أَحْبَبْتُ اللهْ

فِيْ طَلْعَةِ قامَتِها

أَرْسَلَنيْ

فِيْ سَطْوَةِ طَلْعَتِها

اللهْ

يَزْرَعُنِيْ

شَوْقاً قامَ تَبَتَّلْ

وَاللهْ

فَوْقَكِ يَمْحُوْنِيْ

فِيْ

نَهْدَيْكِ وَيَحْمَعُنِيْ

فِيْ المِحْرابِ السُفْلِيِّ العاليْ

أَسْجُدْ

يَا امْرأَتُنْ

قَبْلَكِ ما كانَ اللهْ

يَخْلِقْ

أُنْثى إنْسانْ

كانَ اللهْ

يَعْجِنُ مِنْ

طينٍ فاسِدْ

بَقَراتٍ شَوْهاءَ فَلَمْ

تُطْفِىءْ ماءُ الأَرْضْ

ناراً كانَتْ تَجْتَاحْ

قَلْباً كانَتْ

تَطْحَنُهُ النَارْ

يَبْحَثُ عَنْ جَسِدِ الْرُوحْ

عَنْ مَرْأَهْ

فِيْ طَلْعَتِها

يَأْتِيْ اللهْ

قَبْلَكِ كانَ اللهْ

يَعْجِنُ مِنْ

رِيْحِنْ

مَوْبُوءَهْ

أَجْساداً مِنْ قَرَفٍ تُدْعَى

فِيْ قَامُوْسِ المَوْتْ

أَجْسادَ نِسَاءٍ يَحْشُوها المَوْتْ

قَبْلَكِ مَا

كانَ اللهْ

يَخْلِقُ نِسْوَهْ

وَاللهْ

قال اللهْ

سِرَّاً

قالْ

بَعْدَكِ لَنْ

يَخْلِقَ نِسْوَهْ

يَا امْرَأَتُنْ

إنِّيْ

مُنْذُ لَقَيْتُكْ

وَاللهْ

نَزْرَعُ فِيْ

حَقْليْ

وَرْداً

وَرْدْ

أَنْتْ

يَا

رُوْحَ الْوَرْدْ

هَلْ

خَلَقَ اللهْ

قَبْلَكِ هاذا الوَرْدَ المَنْثُورْ

فِيْ شَفَتَيْكْ

وَصلاتِيْ

هاذا الوَرْدُ المَجْدُولْ

فِيْ لَيْلٍ مِنْ نُوْرٍ هُوَ أَنْتْ

؟؟!!

قَبْلَكِ مَا كانَ اللهْ

أَنْزَلَ وَحْياً أَنْ نُؤْمِنْ

أَنَّ اللهْ

يَقْدِرُ أَنْ

يُبْدعَ أُنْثَى

يَا

رُوحَ النِسْوَهْ

هِيَ أَنْتْ

أَنْتْ

وَحْدَكِ أَنْتْ

فِيْ تاريخِ اللهْ

حَقْلُ الوَرْدْ

بَعْدَكِ أَنْتْ

سِرّاً

قال اللهْ

لَنْ

يَخْلِقَ هاذا الوَرْدْ

أُحِبُّكِ إنِّيْ

قَبْلَكِ أُنْثَى

مَا

أَحْبَبْتْ

أُحِبُّكَ يَا

أَللهْ

أُحِبُّكِ / إلْفِيْ

يَا

جَسَدَ الرُوحْ

يَا

عُرْسَ اللهْ

وكتب….

 

أَلِفٌ تاءُ صَباحِيْ

حاءٌ باءُ سَماءْ

دَيْرُ البَلَحِ وَيَا

فَا

وَرِمالُكِ غَزَّهْ

في “الجُنْدِيْ الْمَجْهُولْ”

تَزْرَعُ بَهْجَهْ

إنَّ الحُبْ / يَا إلْفِيْ

نُورُ هَناءْ

إنَّ الحُبْ / يَانَغَمَ القَلْبْ

بَهْجَةُ نُورٍ / وَ

إنَّ اللهْ

يَا

رَبَّةَ لَيْلِيْ

بَهْجَةُ حُبْ

 

وكتب….

إنِّيْ

أُحِبُّكِ فابْعَثِينيْ

أَلِفٌ تاءُ / … / وَأَنْتِ رَوائِيْ

طُوفانَ فِسْقِنْ

حاءٌ باءْ / حُبْ

وَتَعالِيْ

نُغَنِّيْ

نَشُقُّ المَوْجَ نُغَنِّيْ

نُعانِقُ اللهَ وَنَشْرَبْ

بَحْرَ الخَمْرِ وَنَرْقُصْ

وَنَغْرَقْ

 

وكتب….

أُحِبُّكِ إنِّيْ

قَبْلَكِ مَا

كُنْتُ أُحِبْ

قَبْلَكِ مَا كانَتْ

فِيْ الدُنْيا

بَهْجَةُ حُبْ

قَبْلَكِ مَا

كانَ اللهْ

يَخْلِقُ حُبْ

قَبْلَكِ إنِّيْ

كُنْتْ

مَفْجُوعَ وَأَلْهَثْ

تَشْوِينِيْ الغُرْبَهْ

أَصْرُخْ

وَالْبَرِّيَّهْ

ماذا اقْتَرفَ الإنْسانْ

مِنْ عَمَلٍ يَذْبَحُنا

قُرْبانَنْ

للشَيْطانْ

يَحْرِمُنا مِنْ

حَقِّ البَهْجَةِ مِنْ

بَهْجَةِ حُبْ

؟؟!!

وَكِدْتُ أَمْضِيْ

إلى

مَغَارَةِ الظُلْمَهْ

وَفَجْأَهْ

تَنَزَّلَ وَمْضٌ يَحْمِلُ المَطَرْ

وعَنِ القَمَرْ

إنْشَقَّ لَيْلُ القَلْبْ

عَنْ

طَلْعَتِنْ

مِنْها

نَهَضَ القَلْبْ / وَاللهْ

فِيْ جَذَلٍ يَرْقُصْ / رَقْصَةَ مَجْذُوبٍ يَا

عِطْرَ القَلْبِ وَيَا

صُبْحَ الرَبِّ / أُحِبُّكِ

إنِّيْ

قَبْلَكِ مَا

كُنْتُ أُحِبْ

وعندما علم أنها تزوجت.. كتب بلوعة..

فَأَيْنَ هِيْ

؟؟!!

الظُلْمُ  لَمْ يَزَلْ

جَبْرَنْ

قامَ يَهْوِيْ

أَيْنَ هِيْ

؟؟!!

شَارِنْ

طَوَاهَا

وَطَوَيْتُ أَنا

كِتابَ النِسْوَانْ

****

لماذا يشعر ببرود عاطفته نحوها؟ سؤال لم يبرح عقله: “هل برد حبي لها؟! هل ما زالت هنا؟! لماذا لم تعاود الإطلال من الشرفة كما فعلت صباح يوم العيد؟! هل تنتهي العلاقة بينها وبين زوجها؛ فتخلو طريقها أمامي من جديد؟! هل تقبل الزواج مني بعد أن تكون قد اكتشفت أن سعادتها التي بحثت عنها مع زوج شاب لم تجدها، بل وجدت سرابا؛ ستجدها معي أنا الذي أكبرها بثلاثين سنة؟! ستجد سعادتها معي أنا الذي ينبض قلبي بحبها كما لم ينبض بحب امرأة من قبل؟! أحببتها لذات الأنثى التي فيها لا لشيء سوى ذلك؟!”..

وتابع يسأل نفسه: “هل ما زلت أجرى وراء أوهامي؟! قضيت عمري كله في متاهات الجريان وراء الأوهام.. رجاء امرأة واقعية.. هل أتعلم منها كيف أصبح واقعيا؟ هل أقوم وأتحدث إليها وأعلن لها أنني أختار منهجها وأقسم لها أن منهجها سيصير منذ اللحظة منهجي؛ وأطلب منها تحديد موعد لزيارتها بغرض التقدم لخطبتها، وبالطريقة التقليدية المتعارف عليها بين الناس هنا؟! لكن، ماذا ستقول عني؟! هل تراني مهزوما يتخلى عن مبادئه بدل أن يدافع عما يؤمن به ويطلب الشهادة في سبيله؟! رجاء تريد رجلا قويا؛ هذا مهرها!!”.

كانت هدى لا تزال تغرس رأسها في صدره.. بينما تنبعث موسيقى هادئة من المذياع: “أعشق الموسيقى؛ فهل تعشقها رجاء أيضا؟! وهدى حلمي.. هل تشاركني رجاء في هذي الهدى.. هذا الحلم؟! هل يحلم الواقعيون أيها الرأس المثقل بدوام الأسئلة؟! أفنيت عمري وراء الأسئلة، فمتى تستقر روحي في مرفأ لا تقلقه الأسئلة؟!.. تُرى؛ هل أنت يا رجاء مدينتي التي ستستقر في أحضانها، سفينتي التائهة المتعبة؟!”..

عندما هاتف صديقته بسبس، تحدث معها عن رجاء: “تناسبني؛ لكنها أقصر مني بخمسة وعشرين سنتيمترا.. طولي يخلق مشكلة!”.

–       “أمامك خياران: إما أن تقص ساقيك؛ أو أن تقص رأسك.. هكذا تحل مشكلتك!!”

–  “قص رأسي المثقل بما لا ينفع صاحبه، هو حل جذري لمشاكلي كلها أيتها الصديقة!! أقص رأسي  وأحتفظ بساقيّ الطويلتين فأنا بحاجة إليهما ليساعداني على الحركة السريعة”.

قال في صدره: “أتخلص من رأسي وأكتفي برأس رجاء.. إذا تزوجنا فمن الأصلح لنا أن نكون برأس واحدة هي رأسها.. رأسها واقعي ورأسي فاسد بالأحلام.. سيكون من النافع لي أن أنتهج طريق رأس بريء من بؤس الفلسفة، كرأس رجاء!!”.

قفزت هدى مفزوعة!! وقفت جامدة، صرخت: “أنا خائفة!! أنا خائفة!! غول يندفع نحوي.. الغول يهاجمني.. أنقذني.. أنقذني.. قلبي يفرّ من صدري!!”.. قفزتْ فوق عتبة باب البيت، يداها عصابة مشدودة على عينيها.. اصطدمتْ كتفها بحافة البيت، سقطت على الأرض.. ارتطم رأسها بالبلاط. قفز نحوها والفزع يزلزل قلبه.. صرخ في توسل: “هدى!! يا نور القلب.. أحبك.. أحبك يا حلمي.. أحبك!!”.. أنهضها، ضمها بين ذراعيه.. حملها إلى الفراش الذي يستخدمه في جلساته العلاجية التي يعقدها لمرضاه النفسيين.. تدثرا معا تحت لحاف ورثه عن أمه.. التصقا معا وهما يرتجفان.. عصرتها ذراعاه.. أنفاسها تعلو وتهبط في صخب.. والحزن يفتك بقلبه.. كم مضى من الوقت وهو يحضنها ويلثم وجهها ويذرف الدموع.. لا يدري.. حملهما نوم عميق.. استيقظ والمذياع لم يزل ينثر الموسيقى في الحجرة التي تحت حجرة الحبيبة.. النافذة التي تطل على التينة مشرعة.. قفزت عيناه إلى حافة الشرفة التي أطلت منها الحبيبة يوم العيد.. سرح في المدى الطليق وقال بصوت خفيض: “وحيد وحالم أنا.. وسأبقى كذلك يا هدى إلى الأبد!!.. نهض من جوار هدى، أعدّ كوبا من القرفة الساخنة التي يشريها لتخفيض ارتفاع ضغط الدم الذي يعاني منه..

تجتاح ثورة الأسئلة رأسه وهو يحتسي القرفة على مقعد تحت التينة والشرفة.. ما سرّ وقوعه في حبٍ ملك عقله وقلبه، لامرأة بسيطة لا تبالي بالموضوع الثقافي الذي يشغله حتى النخاع؟! عندما قال لها في زيارة ليلة العيد أنه جاء ليقيم في بيت أهلها من أجل أن يكتب روايتها؛ قالت له: “حدَّثْتُ نفسي عندما وقعت عيناي على اللوحة التي تحمل اسمك معلقة على باب شقتك هنا في بيت أبي أنك لا بد أنك تلخبط شيئا ما عني!!”.. ثم تابعت الكلام عن تعاستها مع زوج وصفته بأنه “بقرة”! هي امرأة من عامة النساء.. وهو لا تشده إلا امرأة فيها تمايز.. ما تمايز هذه المرأة التي تحمل شهادة الدراسة الثانوية التي حازتها في ظروف الانتفاضة الفلسطينية الأولى (من عام 1978 إلى عام 1993م) التي كانت تسمح لكل من يطلب الحصول على الشهادة الثانوية أن يحصل عليها ودون أن يستحقها.. دخلت الجامعة لكنها توقفت عن متابعة الدراسة فيها بعد وقت قصير لسبب عدم الرغبة في متابعتها.. امرأة منصرفة عن الموضوع الثقافي توقعه في حبها هو الذي يرهن حياته لمشروع ثقافي خاص؛ هو صاحب نظرية فلسفية خاصة به، نال عنها شهادة الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس.. كيف سقط في بحر غرام جامح لامرأة كل غايتها أن تتزوج من رجل يملأ بطنها بالطعام ويزرع الأجنة في رحمها ويوفر لها الأمن وراحة البال وجيد الكساء والمسكن!! رددت زوجته أكثر من مرة، كلما كان يعرب أمامها عن رغبته في امرأة أخرى: “لا أعارض في زواجك لو أنني أثق أنك ستكون زوجا صالحا وملتزما بواجبات الزوج كما تريد النساء. لكنك لن تستطيع أن تقوم بدور الزوج وستظلم من ستتزوجها معك!!”.. كان يرفض فكرة الارتباط بامرأة تقليدية لا تتفهم مشروعه وتؤمن بفكره.. وأين الحبيبة من مشروعه ومن فكره؟!! لكنه يحبها كما لم يحب امرأة من قبل.. “ومن بعد أيضا” كما يعتقد!! هذه أول امرأة أحبها، ورغب في الزواج منها من غير أن يربط الزواج بها بمشروعه الثقافي.. أحب فيها الأنثى في ذاتها.. هي أول امرأة كانت مصدرا لبهجته وهو يحمل إليها الحلوى التي تحبها.. عندما ألح عليها أن تتخير شيئا يحمله إليها عند زيارته لها في مكتبها؛ ردت: “أحب الكنافة العربية”.. اشترى طبقا من الكنافة العربية وكانت إنعام بصحبته، وانطلق على عجل حتى يصل إليها قبل أن تبرد الحلوى.. أطعمها بيده وأطعمته بيدها.. لم تسعه الدنيا.. ودعتهما، هو وإنعام، لاصطحابها في رحلة على الأقدام مروا خلالها ببيت أهلها.. هي أول امرأة كان يحب أن يشتري لها الهدايا.. أحبها بجنون دون أن تبادله الحب الذي يجرفه نحوها.. كان يعرف أن علاقتهما لن تتقدم في اتجاه الزواج.. كان يحلم أن تعدل عن رأيها وتقبل الزواج منه: “امرأة متوازنة الأنوثة.. أحبها لا لسبب ظاهر؛ هل يحتاج الحب لمسوغات؟!”؛ كان يقول لنفسه.. أحبها دون دوافع ثقافية مثل تلك التي دفعته للارتباط بامرأتين من قبل.. لكنه لم يبلغ معهما استقرار الرضا الذي بحث ولا يزال يبحث عنه!!

هل تمنحه رجاء هذا الرضا؟! ماذا سيكون موقف رجاء عندما يكشف لها أنها مشروعه الثالث في مسلسل الزواج؟! هل تقول كما يقول كثيرون عنه، أنه يتزوج، ثن يترك زوجته وأولادها، ويغيب في الغياب؟! هل تتفهم رجاء أنه هرب من تجربتيه السابقتين بعد أم نفد صبره واستهلك رصيد المناعة ضد المعاناة التي عاشها كله؟! هل تغفر له وتفتح قلبها لاحتضانه هو المنفلت من قيود الاجتماع والهارب من كل شيء حتى من لقبه الذي استبدل به لقبا جديدا؟! أحب الحبيبة كما هي.. لا كما أراد لها أن تكون!! أحبها ولم يجعل منها مشروعا له.. يريد الزواج من رجاء كما هي أيضا.. “أنا وسطية في كل أمر” قالت له.. هذا ما ينقصه: “أن أكون وسطيا أيضا!!”.

“لماذا لم تتصل بي رجاء كما وعدتني؟! عربية؟!” من عادة العربي أن لا يفي بوعد يقطعه على نفسه.. “أم عاودها المرض الذي كان يلم بها في أول يوم بدأ الحديث معها؟!”.. “أنا مريضة بنزلة برد تفاقمت حتى خلقت لي مشكلة في الكلام”؛ قالت له في بداية المكالمة الأولى بينهما التي أجراها معها وهي في دوامها الرسمي؛ تابعت: “أمامك، لا أجيد الحديث الذي كنت أجيده مع كل الذين تقدموا لخطبتي من قبلك!! تَحدَّثْ أنت!!”..

أقلقه عدم اتصالها. ولج الناس في ظلام الليل. ضاق صدره بصمت الهاتف. هرب من نفاد صبره إلى الإنترنت الموصول بالهاتف.. أغلقه بعد ساعة أو يزيد، وبعد لحظة قصيرة كان جرس هاتفها يدق في بيتها..

–       “منذ ما يزيد عن ساعة وأنا أحاول الاتصال بك. كان هاتفك مشغولا؟!”

–       “كان مشغولا بالإنترنت؛ كيف حالك؟”.

–       “عاودني المرض.. هذه المرة سعال”.

في يوم العيد، ألمحت إلى أنها ليست موافقة على الارتباط به.. “اليوم عيد، ولا أريد مضايقتك”؛ قالت في عرض حديثها.. العيد يجمع همومه في رأسه جملة واحدة: الغياب عن الأبناء والأهل كلهم.. دفء مفقود.. ضياع في الضياع.. ورحلة عمر لم تستقر.. ووضعية اجتماعية غير تلك التي كان يطمح إليها.. كان منذ بواكيره يقلق من تخيل أن تمضي حياته كما تمضي حياة عامة الناس.. كان يستشعر التمايز في نفسه عن الآخرين ويحلم بوضع متميز تميزا إيجابيا؛ لكنه في الواقع، يراوح في دائرة الصفرية؛ هل لهذا صاع نظرية عن الوجود سماها “نظرية صفرية الوجود؟!”؛ التي قال فيها إن “الله صفر كبير يخلق على الدوام أصفارا صغيرة””! يذكر أنه قرأ بعد سنوات من كتابة النظرية الصفرية ملاحظة لأحد المهتمين بقراءة المصير من ملامح الجسد أن أحد ملامحه الجسدية تعني أنه سيبقى طول حياته يراوح في دائرة الصفرية!! هل هذا قدره الذي لا مفر له منه؟! وهل من قدره أيضا أن تفشل علاقاته مع النساء أيضا؟! رجاء لا توافق على الزواج منه!! لن تكون تجربته معها غير إحدى تجارب اللهاث في طلب سراب: “رجاء امرأة وسطى؛ هذا ما أحتاجه؛ وإذا تزوجت منها، فإني سأجد نفسي في عائلة تامة، تتكون منها ومن ابنتها والابنة الأخرى يتيمة الأم التي تعيش معها؛ ورجاء امرأة تستطيع الاعتماد على نفسها، وتتمتع بقدرة على الاستقلالية”؛ قال لنفسه.. وهو لا يريد زوجة تكون عالة على حياته الشخصية: “الاستقلالية مطلب مقدس عندي؛ هل تحترم رجاء حقي في ممارسته؟!”.. رفضت زوجته أن تنتقل للإقامة في غزة، لاشتراطه عليها أن تحترم حقه “المقدس” في الاستقلال بنفسه في شقة خاصة به: “التملك المتضخم مبدأ رئيس من مبادئ عامة النساء!!”.. هذه التملكية خلقت مشاعر مقموعة عنده.. دمرته زوجته الأولى بتخلفها الثقافي؛ صبر عليها ستة عشر عاما قبل أن يطلقها بإجراء رسمي. فعل ذلك على قاعدة أنه ليس من الأخلاق أن تبقي أسيرة ورقة ممهورة بتوقيع مأذون الزواج.. الحرية في عقيدته حق طبيعي له كما للخلق أجمعين. ويؤمن بأن “من الرذيلة أن نصادر حرية الآخرين”..

العقل الناضج ثقافيا حتى درجة ترضيه ميزة تتمتع بها الزوجة الثانية.. كان يدرك نقطة الضعف في زواجه الأول ولكنه غامر بتنفيذه.. المغامرة من طباع أفراد برج الأسد؛ عاد وغامر مرة أخرى بالزواج من امرأة كان يعي نقطة الضعف فيها؛ وكان يعي أن هذه النقطة قد تدفع نحو الفشل؛ لكنه عاد وغامر.. كانت حساباته مبنية بالمسطرة عندما فكر بالارتباط بها؛ ومن أهم نقاط حسابه كان الهروب من نقطة الضعف البارزة لدى زوجته الأولى.. لكن الحسابات ترتكز إلى الظاهر ولا تأخذ غير الظاهر في حسبانها.. كانت في الزوجة الثانية نقطة ضعف ظاهرة، وفيها نقطة ضعف تخفيها النساء وفيها تملكية متضخمة تنزع إلى قمعه وهو ممن لا يقبلون القمع مطلقا!!

كان تخلف الزوجة الأولى الثقافي هو نقطة الضعف القاتلة في تجربته معها.. الثانية مثقفة: “هذا أهم ما أبتغيه في زوجة ثانية” قال لنفسه وهو يدافع عن قراره بالزواج منها: “الزواج منها مشروع ثقافي”.. كانت الزوجة الأولى مشروعا ثقافيا له أيضا: “إنها مادة خام؛ وباستطاعتي أن أخلق منها نموذجي المنشود!!”.. منذ البدء؛ اكتشف أن مستواها غير مؤهل للتطوير؛ لم يكن بمقدوره أن يعرف خفاياها قبل أن تنتقل لبيته.. بيئة أهلها المحافظة لم تسمح بذلك.. والبيئة المحافظة لم تكشف حقيقة مستواها الإدراكي.. الحقائق المخفية تقف وراء فشلنا؛ هل لهذا تطورت فلسفته نحو “الفلسفة النورانية”؛ وأخذ يحلم بوطن من النور؛ لا تحتجب الحقائق فيه؟!!

راوده الحلم أن يبدع من زواجه الأول نموذجا متميزا يشهد له أنه قادر على أن يبدع عالما جديدا للإنسان!! أمّ زوجته الأولى، غير المتعلمة مطلقا في المدارس الرسمية، أحست ذلك منه وهو لا يزال في بواكير شبابه: “أعرف أنك لو وجدت عشرة من أمثالك، لقمت بتغيير وجه الحياة كلها!!”.. راوده الحلم أن يبدأ بابنتها ليغيرها ويغير العالم معها.. فشل.. كان الفشل ذريعا.. وكان مأساة لم ولن تبرح حياته كلها: “أنا أب لأيتام وأنا لم أمت موتا ماديا بعد؛ لكني بالنسبة لهم، أشد من ميت!!”.. هل يعود أحد أسباب رغبته بالارتباط مع رجاء، إلى أن الزواج منها سيمنحه فرصة لرعاية يتيمتين لكن أب كل منهما حي يرزق كما الحال مع أبنائه؟!

قال لأصدقائه عندما شرع في تجربة الزواج الثاني: “هذا مشروع ثقافي!!”.. في وقت متأخر، اكتشف أن الزواج لا ينبغي له أن يكون مشروعا غير أنه مشروع لذاته!! هل لهذا، أحب الحبيبة بعمق.. أحبها لذاتها، لا لشيء سوى ذاتها: “الزواج منها لن يكون شيئا سوى الزواج ذاته!”.. توهم أن مشروع زواجه الثاني سيعوضه عن فشل مشروع زواجه الأول: “الحصيلة فشل مضاعف ومأساة مضاعفة: أب يمتد أمام ناظريه مدى أبناء يتامى.. مأساة تتفاقم.. وفي يوم العيد تبرز أنيابها فتنهش قلبه.. ولا رجاء تريد أن تتزوج منه: “أبحث عن زواج مستقر، من رجل متدين، لا من رجل مثلك له رؤيته الخاصة ولا يلتزم بما يعتقده عامة الناس من الدين؛ وأنت، قد تغادر الوطن في أية لحظة وتعود إلى أبنائك وتتركني”.. هذه رسالة واضحة: “إذن؛ أنتِ اتخذت قرارا!!”. ردت خلال مكالمة جديدة بادرت هي إليها: “أجل؛ أنتَ جئت متأخرا.. سأتزوج من سابق، رجل معروف لي.. من منطقتي.. إنه متزوج؛ سيقسم نفسه بيني وبين زوجته وأبنائه منها”..

قال: “طعنة جديدة في قلب ما زال يدمي منذ تاه الطفل عن أمه وأبيه وكل أهله يا رجاء.. قد ضعتُ منذ انطلقت أنا ابن الثالثة أجرى وراء طفلة في مثل عمري.. عادت هي وأنا لم أزل ضياعا في ضياع أوهامي.. أحبك يا رجاء.. كنت أدخر هذا الاعتراف إلى أن نلتقي.. لكن اللقاء وهْم جديد يضاف إلى سجل أوهامي!!”..

صمت وتأوَّه وقال في صدر خبا فيه الرجاء: “أينك يا هدى!!”..

عندما انتقل للإقامة في البلد الذي يقيم فيه الآن، قال لصديق له: “هنا هواي وقلبي!!”.. هذان هواه وقلبه يتمددان في الماضي وفي الحاضر: حبه للحبيبة تاريخ حاضر؛ لوقت قصير شعر أن حبه للحبيبة ينزاح ليخلي قلبه لحب رجاء.. فلماذا إذن لا تزال عيناه مشدودتين إلى حافة الشرفة وإلى ذروة التينة المحاذية لها: “هل عادت إلى بيت زوجها البقرة، أم أنها ما زالت هنا؟!”؛ سؤال لم يبرحه منذ اختفت بعد أن أطلت عليه صباح العيد.. ويعصره الحزن على رجاء التي رفضته ووافقت على الزواج من رجل قال عنه لها بعدما وصفته له إنه لا يناسبها؛ ويعصره الحزن على “الحبيبة” التي تكابد من حياة من التعاسة مع البقرة.. ويعصره الحزن على أبناء افتقدهم ويفتقدوه.. وعلى زوجة ستنصعق إذا ارتبط بامرأة أخرى: “أنا نبي البهجة تحاصرني الأحزان من الجهات الست، ومن داخلي المشروخ أيضا!!”؛ قال لنفسه.. وقال لرجاء: “طويت كتاب النسوان بعد أن علمت بزواج “الحبيبة”؛ فتحته معك.. ولكني سأطويه مرة أخرى بعدك.. وإلى الأبد!!”..

–       “أين تفاؤلك الذي تدعو إليه وصاياك التي بعثت بنسخة منها لي؟! سيمنحك الله امرأة خيرا مني!!”.

–  “قبل أيام قليلة، سعيت للزواج من امرأة أمريكية تقيم هنا؛ طارت قبل أن أفعل ذلك بوقت قصير؛ أنا أجيء متأخرا دائما؟! رجوت أن أتزوج من أمريكية لتفتح أمامي فرصة للانطلاق في العالم الواسع.. أما أنت فإني كنت أرجو أن تربطيني بالوطن!!”.

–       “قد يغلبك شوقك لأبنائك وتغادر الوطن في أي وقت!!”.

–       “أنا هنا مزروع ولن أغادر!! وامرأة أحبها هي قلب الوطن”.

قبل أن يتعرف على رجاء، راودته فكرة مغادرة الوطن الذي يشعر بأنه “عطن”. نجح شقيقه الذي يقيم في مصر في تجديد وثيقة السفر الخاصة به التي كانت قد انتهت منذ وقت طويل. راوده الأمل أن يفتح تجديدُ الوثيقة الطريقَ أمامه لاستئناف رحلة الغربة التي كانت قد امتدت لاثنين وثلاثين سنة: “في غزة أشعر بغربة أقسى من غربتي خارج حدود الوطن”؛ وكتب: “مرير أنت يا وطني.. وفيك يقتلني الضجر…!!”؛ غزة سجن لروحه: “نعيش في غزة تحت كعب حذاء الدنيا”؛ كما قال لطلبته في الجامعة التي حاضر فيها في غزة والتي استغنت عنه بسبب ما يمتلكه من رؤية لا تألفها غزة: “أنا هنا بين حجارة كافرة”.. و”غزة لا تخلعْ في مساجدها الكنادر.. غزة لا تخلعْ.. في أحضان نسوتها الخناجر!”.. الحرية عشقه.. وغزة مكبلة بقيود تخلفها.. وبعد وقت قصير من عودته للوطن، وقع في غرام فتاة وقع في غرامها لما بدا منها من تحرر لفت نظره، ولم يكن مستساغا في قرية ولدت أمه وأبوه فيها!! تحابا بعنف، وعندما طلبت منه أن يتقدم لخطبتها؛ وتقدم، فسألها أهلها وكانوا يعرفون حبها له، والناس كلهم يعرفون قصتهما: “هل توافقين على الزواج منه؟”؛ ردت: “كلا.. كلا!!”

–       “لماذا فعلت ذلك؟!”.

–       “رأيت في عيون أبي وإخوتي نارا كانت تتقافز نحوي؛ خشيت أن يذبحوني لو وافقت!!”..

“وطني يقتل الحب” قال في مقالة له.. “وأنا أسد حبيس في تخلف قومي”.. وكان قد رفض العودة للإقامة في البلد الذي تقيم فيه زوجته خشية أن يجد نفسه محبوسا في قفص: “أنا أسد لا يدخل مصيدة الفئران!!”..

****

اعتقد أن زواجه من امرأة واقعية مثل رجاء، سيكون ناجحا لا على غرار زواجين لم يبنهما على أسس واقعية.. لم يحالفه الحظ من جديد؛ فلاذ بالخيال: “هدى.. أينك يا نور القلب!! يا حلمي!!؟..

يشغله القلق على مستقبل رجاء وبنتيها: “هل سيمنح سابق الحب والحنان لهنّ؟!”؛ سألها في المكالمة الأخيرة: “أليس هناك من سبيل لعودة أبي ابنتك إليكم؟!”.

–  “مستحيل؛ إجراءات الاحتلال تجعل من حصوله على تصريح دخول إلى قطاع غزة مستحيلا.. أضاع فرصة ثمينة من قبل؛ كنت قد استخرجت له موافقة على لمّ شمله معي، لكنه رفض المجيء إلى غزة، الأمور الآن صارت معقدة!”.

قال في سريرته: “أنا أيضا رفضت مغادرة غزة والالتحاق بأسرتي في البلد الذي تقيم فيه، عندما جاءتني فرصة بذلك! رفضت أن أدخل قفصا تقبض أنثى على مفتاحه! لماذا أبحث عن أنثى أخرى تحبسني في قفصها وتغلق الباب والنوافذ بمداميك طوب ثقيل ترصها فوق أنفاسي؟!”

واصلت رجاء الحديث: “اضطررت إلى طلب الطلاق منه.. أتمنى لو يعود؛ من أجل أبنائنا، إنها شديدو التعلق به، ولا أدري كيف سيكون الزوج القادم معهم؟! أرجو أن يكون حنونا!!”.

–       “هل يعرف صغارك أنك ستتزوجين؟ ما رأيهم؟”.

–       “يعرفون، ويتمنون أن يكون الرجل الذي سأتزوج منه حنونا!!”.

ثم سألته عن ظروفه المعيشية وعن دخله المالي؟

–       “معتكف في وحدتي.. والدخل منخفض جدا، والحمد لله على كل حال”.

–       “لماذا لا تشتغل في إحدى الجامعات هنا؟!”.

–       “لا مكان لي في هذا الوطن المنغلق على ذاته في تاريخنا الذي ولّى!!”.

تذكر قصته مع جامعة عمل فيها بعد عودته إلى أرض الوطن، واصل يتحدث لرجاء: “عقلي وقلبي المنفتحان بالحرية والحب منفتحان أيضا على هلاكي في وطن يقتل الحرية والحب!!”.

****

نهض من فراشه الأرضي، فتح نافذة غرفة نومه، سقطت عيناه على لباسين صغيرين واحد أنثوي يجاوره آخر ذكري ومعهما منشفة على حبل غسيل الجيران؛ قال لنفسه: “نمارس الجنس في الخفاء، وننشر الدليل في عين الشمس؛ لماذا نخجل من فعل المضاجعة؟ صديق قديم قال لأننا نخجل من أنفسنا!! نحن أبناء المضاجعة.. والله يتحقق بصفته الخالق من فعلنا الذي نصلي فيه بين الزوايا”؛ تنهد قبل أن يتابع حديثه مع نفسه: “أنا بحاجة ماسة لمرأة؛ هل كانت الحبيبة أو رجاء ستمنحانني ما أحتاجه؟! هل أي منهما هي المرفأ الذي سيستقر عنده مركبي التائه في بطن الموج وفوقه؟!”.. كانت صديقة قديمة نشأت بينهما علاقة حب وهما يدرسان العلوم الإسلامية في معهد بالقاهرة قد قالت له بعد وقت قصير من تعارفهما: “الارتباط بك غير مُطَمئن!!”؛ في عقيدته: “لا شيء في العالم يثبت على حال؛ غير قانون التغير”.. تعلم هذا من هيراقليطس فيلسوف اليونان القديم: “يتجدد النهر كل لحظة، ولا ينزله أحد مرتين!” التغير مبدأ يعصف به ويحمله على أجنحة قلق أزلي: “قضيت حياتي أحلم بتغيير العالم، ورجاء امرأة واقعية!”.

جلس على مقربة من جذع التينة.. شرفة الحبيبة صامتة من فوقه.. وتتمايل نخلتان طويلتان تحت صخب الريح النشطة.. تنبعث من المذياع موسيقى ناعمة من خلف زجاج يغلق نافذة الغرفة التي تقع تحت غرفة الحبيبة التي تمتد من فوقها الشرفة وتحاذيها التينة.. قطرات ماء تتساقط من سماء ملبدة بالغيوم.. وهدى ترمقه بعينين لوزيتين قلقتين لكنهما شغوفتان به…

يحلم بامرأة تؤمن به، قال لرجاء: “لا أحد يؤمن بي من النساء؛ حتى ابنتي الصغيرة تركت على سطح مكتبي حفرا من كلمات تقول: تسقط حرية أبي.. تحيا حرية أمي!! مماتي في حرية أمها!! هل من مرأة تمنحني أفقا للحرية فأنطلق؟!”.

– “أنا متدينة؛ وأنت؟”

– “من حقك أن تؤمني بما تشائي، أحترم حريتك؛ فاحترمي حريتي.. أنا متدين على طريقتي؛ أؤمن بالقيم الأخلاقية العليا؛ الحرية الجميلة أسمى القيم الأخلاقية!”.

– “الإسلام دين الأخلاق!”.

– “الأخلاق إنسانية!!”.

– “والإسلام إنساني أيضا!!”.

– “أنا من عائلة المتفلسفين!!”.

– “لستَ متدينا؟!”.

– “تقصدين أن تقولي: الفلسفة والدين لا يجتمعان!! هل لهذا فصلتني الجامعة التي عملت فيها في غزة؟!”.

– “لماذا فصلتك؟!”.

– “لأني عملت بجوهر الدين؛ بالأخلاق الكريمة؛ أليس الدين المعاملة.. وأنا متهم بأني منفتح؟! والفلسفة تؤمن بالتباين؛ الناس لا ينبغي أن يكونوا نسخا مكررة من صورة واحدة.. لا أستطيع أن ألقي جوهرة رأسي في الضيق المغلق!!”.

– “أنت فيلسوف وأنا واقعية”.

تابعت في الحديث بينهما قبل أن تقرر رفضه: “تعال واخطبني كما تقتضي التقاليد!!”.

– “الزواج التقليدي صورة مهذبة من سلوك قديم سلكه الهمجيون عندما كانت القبيلة القوية تغتصب نساء القبيلة الضعيفة وتستعبدها!! لا يزال الزواج يعكس في طقوسه وممارساته علاقة من الاستعباد بين الطرفين؛ أحلم بزواج يكون فيه الطرفان في علاقة جوار حميد منسوج من الحب والحرية!!”.

“لا رجاء ولا الحبيبة هي من أبحث عنها”؛ قال لنفسه وتذكر ما رددته زوجته: “لن تجد المرأة التي تحلم بها، ولو بحثت عنها بين نساء الأرض كلهن!!”. تذكر في سره ما قاله فيلسوف ألماني: “هناك امرأتان مثاليتان: الأولى ماتت. والأخرى، لم تلد بعد!!”؛ أضاف: “أما أنا، فسأنتظر من لم تلد بعد!!”.

هتف من قلب مجدول من الضياع والأمل: “أينك يا هدى.. يا حلمي.. أينك؟!!”…

اتفق مع رجاء في نهاية المحادثة التي أبلغته فيها أنها قررت الارتباط بسابق، على أن يكونا صديقين. أعربت عن رغبتها في نيل درجة علمية عليا بعد البكالوريوس الذي تحمله؛ شجّعها..

–       “من يساعدني؟”.

–       “أنا!”.

انتهت المحادثة. طلب مندوبا لجامعة أجنبية، وبحث معه إمكانية حصول رجاء على درجة علمية عليا. عاد لمهاتفتها. ردت باختصار وأغلقت الهاتف على عجل؛ اعتذرت بأن لديها ضيوفا.. “ضيوف؟!”؛ تساءل في صمت؛ وقال يحدث نفسه: “نبرات صوتها تعكس أنها تستقبل العريس؛ تُرى، هل جاء ومعه أهله للمعاينة، كما عادة الناس هنا؟! ستفوز بالقبول، موظفة مثلها بدخل ممتاز وصاحبة عقارات تملك مؤهلات القبول من أي عريس في هذا البلد الذي يقيم وزنا كبيرا للجانب المادي ولا يقيم وزنا للمعنويات التي تمثل رصيده الذي لا يقبل الناس هنا التعاطي معه!! الأهم من ذلك أنها امرأة محافظة؛ الرجال في بلد تحكمه ذكورة متسلطة وأنانية يريدون عشيقة منفلتة من التقاليد، ترقص رقصة مجنونة بين أحضانهم الجوعى العطشى؛ فإذا أفرغوا في فرجها قذاراتهم، فإن السلطان يصدر أوامر تقضي على النساء أن تتغلف بالسواد الثقيل فتنتظر حتى تتراكم الشهوة الحيوانية من جديد، فتعود المرأة من جديد محظية دون كرامة ويغرق تحتها بالمني وينمو المني في رحمها، فينتفخ بطن الأنثى وتنتفخ معه الجهالة وتشتد الظلامة!!”..

يريد امرأة تمنحه من الأنوثة ما ترضيه ويرضيها؛ ويريدها لذاتها الأنثوية لا لشيء آخر. لم يهتم بالوضع الاجتماعي لرجاء ولا بما تملكه من المال.. هذا خارج ما يعنيه: “أريد امرأة أعشق روحها وجسدها معا؛ وتعشقني.. أريدها محرابا وأنا محرابها فنصلي معا وأقوم ما بين ثغريها وأطوف دوخانا بين قبتيها؛ وتدوخ في دوخاني ونرتقي الدرجات العاليات إلى فوق الفوق وهناك يتعانق الاثنان فتنبلج الحرية العظمي في واحدة واحد!!”.. تحاشى الاقتراب من المسالة الجنسية حلال محادثاته مع رجاء؛ ولكن السؤال التالي يقلقه: “هل يمكن أن تمنحني هذه المرأة مساحة واسعة أمارس فيها صلاتي بحرية في محرابها الأنثوي، وان تكون إمامي وتابعي؟!”.. يقلقه أن يفشل في زواج جديد من نساء بلده التي قال فيهن: “يقتلن بهجة الليالي؛ مثلما يقتل هذا الوطن غزلانه!!”..

اعترف في حديثه لرجاء الذي أعقب اتفاقهما على أن يكونا صديقين: “الحبيبة من الأسرة التي تقيم فوق رأسي”.

–       “حاذرْ من التصرف بطريقة غير ملائمة”.

–       “أنظر إليها كامرأة متزوجة وأمّ لطفل!!”..

وعد رجاء أنه لن يرتكب أية حماقة قد تضر بالحبيبة، وأخفى عنها أن هذا الموقف لا يعكس أن حبه للحبيبة لم يعد قائما أو أنه لم يعد يتمنى الزواج منها. الحبيبة تسكن قلبه، ورجاء رفضته، فباتت قصة بلا جذور.. قال للحبيبة في وقت لاحق وهو يقترب معها من بيت زوجها: “انفصلي عنه؛ إنه لا يعاملك بإنسانية أنت جديرة بها!!”.

–       “وأبنائي؟!”..

وكانت قد أنجبت طفلا ثانيا..

–       “أنت وأبناؤك في قلبي؛ سنعيش معا أنا وأنت وهما أيضا!!”.

–  ” لن يتركهما لي زوجي لو انفصلت عنه؛ هو يعلم أن نقطة ضعفي في تعلقي بأولادي، ويستغل هذه النقطة ضدي.. أنا مستعدة لتحمل كل شيء في سبيل أن أبقى مع أبنائي!!”.

قال للحبيبة وهما يقتربان من بيت زوجها: “أنا أحبك؛ والمحب لا يؤذي حبيبه!!”.. لكنه يؤذي نفسه: “أبنائي يتامى وأنا على قيد الحياة؟!”.. هرب مرة من الجهل ومرة من القمع: “ولكني لا أعرف حقيقة رجاء ولا صورتها وأنا أخوض معها في لجة المجهول؛ وأعرف أن الحبيبة ليست عقلا منفتحا: رباه.. ما هذا الذي يجري؟! لا أزال لم أفق بعد من أوهامي؛ فإلى متى هذا الضياع وراء السرابات؟!”..

انتهت محادثته مع رجاء. لم يستمر حزنه من قرارها بالزواج من رجل غيره، وقتا طويلا.. قام فنام.. وعندما استيقظ صباح اليوم التالي، أعد كوبا من الشاي وجلس في الفناء الخارجي لبيته يرمق الشرفة الصامتة: “يبدو أنها عادت لزوجها البقرة!!”.. لفّه صمت وفلت خياله؛ سقط عليه شيء من وسخ العصافير التي تعشعش فوق التينة، انتبه إلى الحقيقة: “أوهامي تبددني.. أينك يا هدى.. أينك يا حلمي؟!”..

استهل علاقة الصداقة مع رجاء بحكاية قصة انتقاله إلى البيت الذي يقيم فيه الآن: “طال انتظاري لها. وعدتني في المكالمة الأخيرة قبل زواجها أن تزورني في البيت الذي اقتحَمَتْه فجأة، فاجتاحت منذ ذاك كل كياني ولم تبرحني.. ظللت انتظر وفاءها بالوعد مدة سنتين.. ضجرت من البيت الذي انبثق في قلبه حبي الذي أوقعني في أسرها منذ اللحظة الأولى. ضجرت منه لأنها لم تعد تشرق فيه؛ البيت الذي لا تنيره الحبيبة ليس بيتي، قبر هو لروحي.. لم أطق البقاء فيه؛ بحثتُ عن بيت آخر في غزة بعد أن تملكني اليأس من مجيئها..”.. خابت مساعيه في العثور على بيت مناسب؛ توجه إلى البلد الذي ترعرعت الحبيبة فيه.. الذي كان يحج إليه للقائها.. وجد شقة تقع على مقربة من المكتب الذي كانت تعمل فيه قبل زواجها فاستأجرها.. دفع مقدم الإيجار واستلم مفتاح الشقة من مالكها واتفقا على أن ينتقل إليها بعد أيام قليلة يكون قد تم فيها إعدادها له.. لن تسمح سكناه في هذه الشقة البعيدة عن بيت أبيها برؤيتها: “لكني ضقت بالدنيا فلجأت إلى قرب الحبيبة!!”؛ قال لصديق له وهو يسوغ قراره بالانتقال من شقته التي تطل مباشرة على حديقة الجندي المجهول في غزة وتقع في أرقي أحياء المدينة التي يسعى الكثيرون للانتقال إليها من مساكنهم في المخيمات والبلدات المحيطة والبعيدة البائسة في قطاع غزة.. تابع يتحدث لرجاء: “رغم أنني كنت يائسا من الالتقاء بها أو مهاتفتها من جديد؛ لكنني شعرت بأنني محتاج للهروب إلى بلد الحبيبة!!”.. ” بعد أيام قليلة، أخبرني مالك الشقة أنها باتت جاهزة لانتقالي إليها.. وبعد أيام قليلة أخرى، وقد كنت قد أخطرت صاحب شقتي في غزة باعتزامي الرحيل منها، فاجأني مالك الشقة الجديدة بقولي لي بالهاتف: آسف.. آسف جدا.. حدثت ظروف طارئة تضطرني إلى التراجع عن اتفاقي معك حول الشقة؛ فيما بعد تبين لي أن واش لعب دورا في إثناء الرجل عن موافقته!”..

–       “لماذا؟ ومن هو الذي لعب هذا الدور؟”..

–  “شكوكي دارت حول مثقف يقيم في هذا البلد، وأحتفظ نحوه بمشاعر احترام!! أما لماذا؟ فلأن الفساد أمحل قلوبنا من جمال الروح!!”..

–       “لا غرابة في ذلك!! هذا شأن الناس هنا!!”.

–   “عاودتُ البحث عن شقة في غزة. عثرت على شقة لم تحز على رضاي ولكني اتفقت مع صاحبها على استئجارها منه، ودفعت له قيمة الإيجار وطلبت منه أن يعيد دهان جدرانها وأخبرت المعارف أنني سـأنتقل إليها قريبا.. وكنت أعرف أن الحبيبة لن تأتي لزيارتي فيها لأنها لا تعرفها، وهكذا لن أراها مرة أخرى.. وما كان أمامي سوى أن أحتفظ بحبي لها في قلبي، وأعيش على ذكرياتي الجميلة الحالمة.. ألم يكن حبي لها منذ البدء يسكن قلبي وحده؟!!”.

لم يفِ مؤجر الشقة بالاتفاق، فأعاد له المفتاح وقرر أن يبحث مرة أخرى عن شقة في بلد الحبيبة.. وفي الصباح المبكر من أول يوم من الشهر الجديد كان يقف في شرفة اكتشف أنها تطل على الشارع الذي كانت الحبيبة قد اصطحبته ومعه إنعام في رحلة مرت ببيت أبيها.. “رباه!! من هنا مررت أنا والحبيبة نحو بيتها!!”؛ خاطب نفسه مندهشا ومبتهجا معا.. عاد يقطع الطريق ذاتها إلى بيت الحبيبة.. لكنه وحيدا عاود السير في الطريق الأثيرة السحرية.. “هذه شرفتها، صامتة مثل القبور تسبح في الهواء من وراء التينة التي تغطيها!!” قال في نفسه وعيناه شاخصتان في الأفق الذي يلف غرفة الحبيبة ويلفه بحزن جميل يكتنفه مخلوطا بتمنيات وردية أن تبرز منها الطلعة التي سحرته منذ رآها أول مرة..

من باب سفلي في شقة تحت شقة الحبيبة التي كانت فيها في عمارة أبيها كان مشقوقا رأى رجلا عجوزا يجلس في الفناء الواقع تحت الشرفة والتينة؛ خطر له أنه أحد أصدقائه.. لكنه لم يتوقف للتأكد.. كان ذاهلا ولم يخطر له أن صديقه ترك الإقامة في مدينة غزة وانتقل للإقامة في بلد الحبيبة  وفي بيت أهلها!! في اليوم التالي دخل متجرا في البلدة التي ارتحل إليها.. فجأة وجد نفسه أمام صديقه العجوز: “هل أنت تقيم هنا؟!”

–  ” أجل؛ وأنت اليوم ضيفي، ستصحبني وستتناول الغداء معي. هيّا اركب في السيارة التي تقف هناك، ستجد فيها زوجتي، اركب جوارها”.

–       “قبلت دعوتك؛ لكن عليك أنت أن تركب في الكرسي الخلفي إلى جوار زوجتك”.

–       “أصبت، اركب أنت في الكرسي الأمامي، انتظرني لحظات سننطلق بعدها إلى بيتنا”.

****

لم يسأله عما إذا كان يقيم فعلا في بيت الحبيبة أم لا.. تمنى أن يكون ذلك واقعا، وعندما دلفت السيارة للشارع السحري التقط أنفاسه التي ما لبثت أن تسارعت مرة أخرى وهو يجلس تحت سقف كانت الحبيبة تهاتفه من فوقه.. عاش بقية النهار مسحورا بالصدفة التي لم يتصور خياله وقوعها، وبالذكريات الجميلة, وعيناه مأسورتان للسقف المتربع فوق رأسه، ملتاع القلب محترق الوجدان من غيابها الطويل!!

وضع يافطته على الشرفة المطلة على الشارع الذي يجتازه الذاهب إلى بيت أهلها في الشقة التي استأجرها وغايته أن تراها الحبيبة إذا مرت من أمامها لزيارة أهلها. وعندما أزعجه مالك الشقة عاد يبحث عن شقة أخرى له في غزة؛ ووجد شقة في غزة واتفق مع صاحبها على استئجارها تمهيدا لانتقاله من الشقة الواقعة في طريق الحبيبة إلى شقة لن تمر الحبيبة بها. حمل النقود التي عليه أن يدفعها لإيجار شقة غزة وقصد صاحبها لتوقيع عقد الإيجار. اشترط أن يبدأ إيجار الشقة الجديدة بعد عيد الفطر بأيام؛ في حسبانه، فإن الحبيبة لا بد وأنها ستزور أهلها بمناسبة العيد ولا بد أنها ستمر من أمام يافطته وقد يدفعها اكتشاف وجوده في طريقها إلى مهاتفته على رقمه المسجل عن عمد على اليافطة أو زيارته ليطفئ عطشه إليها وللمرة الأخيرة وإلى الأبد!! انتظرها في غزة طويلا طويلا قبل أن ينتقل للإقامة في طريقها.. لم تأته فأتى إليها!! والصدفة هي التي ساقته للشقة الواقعة في طريقها، بعد أن تراجع صاحب الشقة الأولى التي اتفق على استئجارها معه وهي النائية عن طريق الحبيبة.. الأقدار تسوقه إلى طريقها!! والوشاية التي يخمن أنها كانت وراء تراجع مالك الشقة تلك، عن الوفاء بالاتفاق، والتي عكرت صفو قلبه حينئذ، كانت تحمل في قلبها خيرا: “للشر وظيفة إيجابية أيضا”، قال لنفسه؛ لكن، هل سيراها قبل أن يرحل من الشقة التي تقع في طريقها؟ تساءل بقلق!!

لم يوقع عقد استئجار الشقة التي نوى الرحيل إليها بعد العيد نتيجة خلاف على مسألة حقه في استغلال الشقة كمكان للسكن والعمل معا، كما اعتاد أن يفعل كلما استأجر شقة جديدة.. لم يوافق مالك الشقة.. عاد يبحث عن شقة أخرى في البلد التي يهواها قلبه لأن فيها كانت حبيبته.. ولم تنقطع صلتها بها طالما ظلّ أهلها مقيمين فيها..

كرر زياراته للرجل العجوز المقيم في عمارة أبيها.. وتعرف خلال زياراته ذات القصد، على أبيها.. وكان يقصد المسجد القريب من بيت أبيها ليمر من الشارع الذي مرّ فيه معها ويحملق في نافذة غرفتها القديمة وفي شرفتها وعندما يصبح بيت أهلها وراءه يلتفت نحو البيت الحبيب وتتعلق عيناه بالشرفة ويتمنى بقلب شغوف لو أنها تكون في زيارة أهلها وأن يراها وتراه!! وكان يحرص على الوقوف جوار أبيها خلال الصلاة ليتمثلها تقف إلى جواره وكان يلمس بذراعه ذراع أبيها ليتحسس حرارته فتسري حرارتها في جسده فتنطلق روحه في محراب الحب بينما رؤوس المصلين تجثو على الأرض ولا تنبض قلوبهم بنبض قلب عاشق مثل قلبه.. في شعره المكتوب عنها، تماهت الحبيبة مع “الله”.. ها هي هنا تتماهى مع صلاته.. بل صلاته لها هي المتماهية مع “الله”!! ما أمرَّ الحب أيها الأشيب الولهان الشقي به؟! “شِركٌ أنتَ تخلقهُ!!”؛ قال مخاطبا الله، في قصيدة له.. اقترح صديقه العجوز المقيم في الشقة الواقعة تحت شقة أهل الحبيبة أن يستأجرا معا شقتين بعيدتين عن بيت الحبيبة قبل زواجها.. “أنا أريد أن استأجر شقتك التي أنت فيها الآن إذا رحلت منها”؛ قال له.. رد العجوز: “إذن؛ لن أترك شقتي!!”..

ملل يجتاح كيانه، وحياته فارغة بلا معنى ولا أحد يزوره ولا يزور أحدا.. وعيادته تكاد تكون يافطة معلقة في السماء لا غير.. في انتظار أن تعثر عليها الحبيبة، إذا مرت من تحتها..

بعد خمسة أشهر من إقامته في البيت الواقع في طريقها حمل الهاتف صوتها المتلهف لسماعه: “سأعود لمهاتفتك، وقد أزورك قريبا”؛ قالت في المكالمة القصيرة التي بددت وحشته وبعثت الروح فيه من جديد!! لكنه في نفسه ردد: “كاذبة؛ أعرف أنها لن تفي بوعدها!!”.. مرت الأيام وتراكم أساه الذي كاد أن يسفر عن وقوعه ضحية حالة نفسية مرضية مرعبة. في العادة، يقترح على طالبي النصح منه من المصابين باضطرابات نفسية أن ينطلقوا في الأفق المفتوح، وأن لا يتجمدوا في لحظات اليأس والقنوط والإحباط والكآبة والقلق والنظرة السوداوية للحياة.. الحرية علاج للنفس من أمراضها، كما يعتقد في نظريته؛ والحرية تلد البهجة.. “ألست أنا فيلسوف الحرية المبتهجة بذاتها؟!” قال لنفسه؛ اتخذ قراره: “إذن فلأنطلق!!”.. الإرادة في عقيدته الفلسفية مطلب أساسي لمواجهة أمراضنا النفسية وما يتعلق بها من أمراض جسدية. تذكر أن اليوم هو يوم سوق عام في البلد الذي تمر الطريق إليه من البلد الذي تسكن الحبيبة فيه مع زوجها.. مرّ ببلد الحبيبة الذيس تقيم فيه مع زوجها.. جال في السوق العام.. عاد يركب سيارة تتجه نحو البلد الذي يقيم فيه.. نزل عندما دخلت السيارة بلدة زوجها، بحث فيها عن بيت للإيجار.. يريد بيتا ليقيم فيه مركزا لرعاية الأمومة والطفولة في القرية الراقدة في كسلها؛ لعل الحبيبة تقصد مركزه فيراها؛ وخطر له أن يسميه باسم ابنها، الذي يشتاق لرؤيته واحتضانه كما يشتاق لأمِّه وأشد!!

استدل على رجل يملك شقة للتأجير في البلد الذي تتنفس الحبيبة من هوائه. قصده. دخل بيته: جاءه صاحبه بالشاي.. مذاق الشاي ممزوج بإحساس الحب، شعر بأنه يشرب شايا من صنع يديها: “قد تكون الحبيبة في البيت المجاور”؛ قال لنفسه.. تذكر عندما زارته في غزة أنها صنعت له فنجانا من القهوة لا تزال عذوبته في فمه.. كان الوقت في شهر الصيام، رفضت إنعام أن تعد له فنجانا من القهوة اشتهاه، بدعوى أن هذا يفسد عليها صيامها؛ فهبت الحبيبة برشاقة نحو مطبخه البائس وهي تقول: “أنا سأصنعه لك!”.. جلس يحتسي قهوته في شرفة بيته المطل على حديقة الجندي المجهول ومن حوله الحبيبة وإنعام؛ وقد حسرت الحبيبة خمارها عن رأسها فانكشف شعر حريري فزيَّن وجهها الذي يأسره من أعماقه. كاد وهو في ضيافة الرجل صاحب الشقة التي يسعى لاستئجارها والذي يستضيفه في بيته الواقع في بلدة زوج الحبيبة، كاد أن يسأله عن زوجها، لكنه ابعد الخاطرة من رأسه: “يجب أن لا أقترب من المساس بها بسوء أبدا، قد يجر السؤال إلى ما لا تحمد عاقبته بالنسبة لها، أكتفي بالحب لها يعمر قلبي، وبذكرياتي الحلوة معها!!”..

وقف في شرفة الشقة التي سعى لاستئجارها في البلد الذي تقيم الحبيبة فيه مع زوجها.. مساكن أهالي البلد تترامى أمامه؛ وحسب ما كان يظن، فالأرجح أنها تقيم في بيت قريب من هنا: “لا بد أنها تقيم في إحدى هذه البيوت التي أمامي”؛ قال لنفسه وهو سعيد بخيال يرسم له أنها لا بد أن تكتشف أنه يقيم هنا ولا بد أنها ستبادر إلى زيارته، خاصة وأنه يريد أن يجعل من مقره في هذه الشقة مركزا للأمومة والطفولة.. رأى الشقة جميلة ففيها سيتنفس من الهواء ذاته الذي تتنفس الحبيبة وابنها منه..

في صباح اليوم التالي، عرج على البقالة القريبة من البيت الذي لا يزال يقيم فيه وهو في طريقه إلى البلد الذي تقيم الحبيبة فيه لإتمام مشروع انتقاله إلى الشقة التي خال له أنه سيتنفس فيها من الهواء الذي تتنفس منه الحبيبة، وسيشرب من مائها.. وقد يراها إذا صعدت إلى سطح بيتها لتنشر الغسيل أو إذا وقفت في شرفة أو إذا خرجت من باب البيت لشأن من شؤونها.. قالت له في مهاتفتها أنها سعيدة في حياتها. والمنطقة التي تترامي بيوتها أمام شرفة الشقة التي قرر أن يسكنها في بلدة زوجها تبدو أنها منطقة الميسورين من أهل البلدة التي تقيم الحبيبة فيها.. ولدى مروره في شارع خلبت بيوته لبّه في المنطقة المترامية أمام الشقة التي سيستأجرها، لفت نظره أغطية جميلة وثمينة فردها أصحاب أحد البيوت على شرفة لتتشمس فحدثته نفسه أن جسد الحبيبة قد يلتف بهذه الأغطية التي تدل على ثراء أصحابها وذوقهم الرفيع الذي يحسب أن الحبيبة تتمتع بهما.. وبحلق في نوافذ البيت وشرفاته، فقد تجود عليه صدفة يتمناها فيشرق وجه الحبيبة عليه؛  بعد غياب يلوِّعه منذ رآها للمرة الأخيرة في مكتب عملها قبل زواجها..

كان غرضه من تعريجه على البقالة القريبة من شقته التي لا يزال يسكنها هو السؤال عن صاحب الشقة؛ قال له صاحب البقالة: “ماذا تريد منه؟”.

–       ” أريد إبلاغه بأنني سأترك الشقة نهاية الشهر الحالي”.

–       “إلى أين ستنتقل؟”.

–       “إلى شقة جديدة”؛

 وأكمل في سريرته : “إلى هواء الحبيبة وجوارها!!”.

–       “لماذا لا تنتقل إلى شقة الرجل العجوز؛ رأيته يخليها”.

–       “هل أنت جاد فيما تقول؟!”.

–  “أؤكد لك أنني رأيته يحمل أثاثه وحقائبه منها على عربة كارو.. شقته أفضل لك من أية شقة أخرى!!”.

“هذا ما أنتظره من وقت طويل”؛ قال في سريرته.. وبدل أن يذهب في اتجاه الشقة الواقعة في منطقة ظنّ أن الحبيبة تقيم فيها.. وكان الظن وهما، كما تبين له فيما بعد.. ذهب إلى بيت أبيها ليطلب منه تأجيره الشقة التي يخليها الرجل العجوز؛ الذي أخفى عن صاحبها ما يفعله!!

كان الظن الذي تبين أنه وهم يدفعه نحو شقة غير مأمونة.. تقع في بناية من طابقين، في منطقة معرضة لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي في أي وقت.. كان الطابق السفلي مشغولا بأنشطة تجارية، وكانت الشقة المجاورة للشقة التي سيستأجرها مشغولة بنشاط رسمي.. عندما ينتهي العمل في المحال التجارية وفي المكتب الرسمي سيبقى وحيدا في البيت الذي يرابط أمامه شرطيان قال لنفسه أنهما سيفران إذا ما تقدمت قوات الاحتلال نحو البيت المرشح لانتهاكه من جانب هذه القوات كما هو شأنها.. سيكون هدفا لا شريك له لقوات الاحتلال.. لن يحظى بالأمن في الليل البهيم الذي سيبقى فيه وحيدا، وقد تداهمه قذيفة صماء عمياء من قذائف الموت التي تطلقها دبابات الاحتلال من غير قيد؛ فيقضي نحبه وحيدا، كما قضى أبو ذر الغفاري الذي عاش وحيدا ومضى وحيدا؛ حدثته نفسه، هو المؤمن بفلسفة واحدية ظل يبشر بها إلى أن تطور تفكيره نحو “واحدية نورانية”: “أنا الإمام الأبيض؛ وحيد وحيد وحيد!! هل أموت موتة أبي ذر أيضا الذي قال: لم يبقِ لي قول الحق صديقا!! وأنا من بعد موتي أقول: قتلني حبي؛ أو: قتلني وهمي وحقق لي وهمي فكرة الواحدية تحقيقا واقعيا!! حريٌّ بمن يستمسك بما يؤمن به مخالفا الناس أن يحيا ويموت فردا واحدا!!”.. وليس مؤكدا أن الحبيبة قريبة من هنا.. لكنها لا بدّ أنها تأتي بين الحين والآخر لزيارة أهلها.. ووجوده في بيت أهلها هو أضمن وسيلة لرؤيتها ولمتابعة أخبارها.. هكذا ساقته الصدفة أو مجموعة من الصدف ليقيم في بيت كانت الحبيبة قد ترعرعت فيه وتهاتفه منه..

****

ظلّ ينتظر زيارتها التي وعدت بها قبل سنتين في مهاتفتها الأخيرة له قبل زواجها. رحل إلى بلد يتهدده الاحتلال الإسرائيلي لقربه من مستوطنات يهودية وقد كان يسكن في أشد مناطق قطاع غزة أمنا.. كان يحدث نفسه: “هل أستشهد هنا؛ فأكون شهيد حب في زمن لا يقيم للحب وزنا؟! لكنني نبي الحب ولا أبالي!!”.. وبعد أيام قليلة من رحيله إلى بلد الحبيبة التي كانت تسكنه قبل زواجها، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنطقة التي يقيم فيها، وحاصرت المنزل الذي يسكنه والذي يقع في طريق الحبيبة. في الساعة الثانية من صباح يوم، استيقظ فزعا على صوت جرس الباب وهو يلح في أزيز يصرخ منذرا بسوء.. فتح الباب وهو نصف نائم: “الجيش يطلب منك أن تنزل للشارع؟” قال الطارق..

–       “أي جيش؟!”.

–  “الجيش الإسرائيلي، يحاصر البناية، وجميع السكان نزلوا منها إلى الشارع، لم يبق سواك، أنا أبلغتك، والقرار لك”.

–       “حالا.. حالا سأنزل!!”.

كان صوت جندي إسرائيلي يصرخ من ميكروفون يحمله وهو داخل مصفحة حربية ترابط قبالة بيته: “انزل فورا؛ لا تحاول الهرب؛ المكان محاصر”.. عاد إلى غرفة نومه، ارتدى ملابس الخروج على عجل، ودخل المرحاض ليتخلص مما يثقل مثانته من مخزونها.. اندفع مسرعا للهبوط على درجات البيت.. الأطفال والنساء والرجال سبقوه، خرج للشارع الذي تحتله دبابات الاحتلال التي كانت تصوب مدافعها نحو البيت؛ صاح الجندي الإسرائيلي حامل مكبر الصوت المتمترس في مصفحته: “نزل الدكتور؟!”؛ توجه الدكتور نحو مصدر الصوت الذي لا يراه بفعل أنوار شديدة تنبعث من نقطة انطلاقه وتعمي العيون وتسقط في المسافة الفاصلة بين المصفحة وبين الرجال الذين سبقوه بالنزول.. صرخ الرجال المصفوفون على الجدار الخارجي للبيت به: “ارجع.. ارجع، قف معنا!!”.. انضم إليهم.. بعد لحظات، صرخ مكبر الصوت من جديد: “دكتور.. تفضل يا دكتور”.. اتجه نحو مصدر الصوت؛ وقف أمام الجندي المتمترس في مصفحته، الذي سأله: “هل أنت الدكتور..؟”؛ رد بثبات: “نعم، أنا هو!”..

–       “أنت رجل محترم؛ أريد أن لا يظل أحد في البناية، هل ما زال هناك أحد، أريد أن ينزل الجميع”.

–       “معذرة.. أنا لا أعرف أحدا من سكان هذه البناية؛ ما زلت حديث عهد بها”.

–        “أين كنت قبل ذلك؟”.

–       “في غزة”.

لم يسأله الجندي الإسرائيلي عن السبب الذي دفعه للرحيل من منطقة الجندي المجهول في غزة إلى هذا البلد المعرض للخطر في كل لحظة؛ تساءل في سريرته: “هل للجندي المحتل قلب يفهم أن الحب مغامرة تقتحم النار لتزرع في قلب الموت بهجة من نور الحياة؟! وهل يفهم أن الحب ولو كان مجرد ذكرى يملك قوة روح تحتضن رجلا هاربا من ضغوط حياة يلعب الاحتلال دورا قويا في مفاقمتها!!”..

عاد إلى جهة الرجال الذين تلتصق ظهورهم بحائط البناية. كانوا عن يمينه؛ وكانت النساء ومعهن أطفالهن عن شماله. وجوده قريبا من النساء يصادف هوى في نفسه.. أليست التي قادته إلى هذا الموقف امرأة يهواها قلبه؟!.. ويتذكر في هذه اللحظة أن أول كلمة نطق بها بعد ثلاث سنوات من الصمت بعد مولده، كانت اسم طفلة من قريباته، اندفع خلفها وهما بين أطفال كثيرين كان أهلهم يستعدون لبدء رحلة الهجرة من يافا التي ولد فيها إلى غزة هربا من الموت الذي أحاط بهم في الحرب التي أسفرت عن قيام دولة إسرائيل في فلسطين.. كان اسمها نبيلة.. عادت الطفلة إلى أهلها وضلّ هو الطريق فغاب عن أهله سحابة اليوم كله.. سأل نفسه من جديد سؤاله القديم: “هل يعود لهاثه وراء الأنوثة إلى تلك الواقعة؟!”.. كان أهله قد فقدوا الأمل في أن ينطق وظنوا أنه سيكون أبكما؛ فهو قد أتمّ ثلاث سنوات من عمره دون أن ينبس ببنت شفة: “قضيت طوال هذه المدة وأنا أفكر بعمق لاختيار أول كلمة أنطق بها؟!”؛ قال لأمه مداعبا لها، عندما روت له حكاية صمته المديد.. “يرحمك الله يا أمي!!”؛ قال بصمت والدبابات من حوله تقصف الهواء بنيرانها المظلمة الثقيلة: “لو ساد بين الناس قانون الحب ما كان هذا الليل مرعبا؛ أمي ماتت بداء الكراهية الذي أنشب أنيابه في صدرها عندما اختلف أشقاؤه الاثنان وتناحرا.. دفعت أمي ثمن النار المشتعلة بينهما.. الفلسطينيون واليهود يدفعون أيضا ثمن النار المشتعلة بينهم.. لو ساد الحب أرض بلادي لقام فيها للنور وطنا!!”.. وتذكَّر أن أول كلمة نطق بها، كما روت أمه، كانت كلمة “نبيلة”؛ فعاد يسأل نفسه من جديد سؤالا قديما أيضا: “هل انطلاقي وراء طفلة اسمها نبيلة، هو الذي دفعني، ولا أزال، لأن أحلم بحياة نبيلة؟!”..

ظلت الدبابات الإسرائيلية تطلق نيرانها الكثيفة لثلاث ساعات.. وكانت السماء لوحة صيفية يحمل هواؤها سحابات بيضاء يضيئها شعاع القمر المكتمل العالي.. أطلق عينيه في الأفق الحر المترامي بلا نهاية وهو يحدث نفسه: “للحياة سبيل غير سبيل الموت!!”.. أضاف: “هذا سمر في حرية المطلق لم أحظ بمثله من قبل!!”.. جلس مطمئنا وسكينة الروح تلفه بالجمال.. كان مبتهجا.. في الأوقات الصعبة، يلوذ “الإمام الأبيض” بعقيدته: “بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء”.. هو لا يكره ولا حتى ألئِك الذين يهددون حياته بالموت العبثي: “يقع الإنسان ضحية جهله؛ الواقع في جهله ليس عدوي.. لو وقع أخوك في هاوية الغرق، هل تبيح لك الأخلاق أن تتركه فريسة ضعفه؟!”، قال ذات مرة، وأردف: “جيش الكراهية ضحايا ضعفهم؛ هم غرقى الجهل!!”.. وعندما بدأ نور نهار جديد يتقدم، سكت ضجيج الموت المنطلق من فوهات المدافع.. وأخذت دبابات الغزاة في التأهب للانسحاب من المنطقة، ابتهل إلى الله بصمت قلب منير: “اللهم أنر قلوبهم بالحب.. إنك إن أنرتهم أنرت جهلهم فصاروا للحب جيشا!!”.. كثيرا ما يردد على مسامع من يتحدث إليهم، خلال جلساته العلاجية: “إذا أصلح الله رجلا يستذله الجهل، فإن صلاحه خير له وخير لك وخير للناس وللخلق أجمعين؛ لكن فساده شر يصيبك بالأذى أنت والخلق كله مثلما يصيبه!!”..

****

لم تدفعه ليلة الخطر التي عاشها إلى التفكير في مغادرة البيت الذي يسكنه. سيواصل انتظار الحبيبة.. طال الانتظار، فرحل من غزة إلى بلد الهوى.. لم تأت كما وعدت: “إذن، أذهب أنا إليها!”؛ قال لنفسه.. مضى إلى المنطقة التي تسكن فيها مع زوجها؛ كان يحسب أنه إذا وقف في شرفة البيت الذي قرر أن ينتقل إليه والواقع في بلد زوجها، فقد يراها. قد يكون بيتها إحدى البيوت المتدثرة بالخضرة اليافعة التي فرشت المساحة أمام عينيه وهو يقف في الشرفة الغربية من البيت الذي قرر أن ينتقل إليه ليتنفس من الهواء ذاته الذي تتنفس الحبيبة منه.. لكنه الآن أمام خيارين: هل يسكن في البلد الذي تقيم فيه الآن مع زوجها أم يسكن في البيت الذي كانت تهاتفه منه؟! قرر أن يرحل إلى ذكرياته.. الحبيبة تسكن في ذكرياته.. يتوهم أنها لم تعد تسكن حاضره: “رجاء تسكن حاضري!”..

سألته رجاء في مهاتفة ليلة جديدة استمرت ساعتين: “لماذا انتقلت للسكنى هنا؟!”.. ردد في نفسه سؤال رجاء: “ماذا وراء مجيئي إلى هنا؟!”.. سأله رجل جاء لزيارته: “لماذا لا تتزوج؟!”.

–       “لا أجد امرأة تناسبني!!”.

–  “أعرف امرأة تناسبك جدا، في الأربعين من عمرها، تمتلك بيتا وأرضا، وتعمل موظفة وبمرتب كبير واسمها…”.

انتهت زيارة الرجل له. كانت ليلة جمعة. بحث في دليل الهاتف عن رقم بيتها.. وجده.. وفي يوم السبت التالي، رنّ جرس الهاتف في مكتب عملها.. وبدأت رحلته مع رجاء.. هل جاء إلى بيت هواه، ليحيا على ذكرياته.. أم جاء ليبدأ قصة حب جديد، أو ليجري من جديد وراء السراب؟! مكالمة الليلة الأخيرة، التي كانت ليلة جمعة أيضا، كانت مختلفة عن المكالمات السابقة بينهما.. هي بادرت إليها: “أنت مختلف عن جميع من تقدموا لخطبتي؛ أنا معك أحلِّق في عالم الخيال!!”. قال لنفسه: “هل هذه فلتة لسان منها؟! قد تكون!! لكن مكالمة طويلة في هدوء ليل تتماوج موسيقاه الربانية بين قمم نخيل شامخة تحتضن بيتها، فيكتمل مشهد رومانسي؛ تكشف عن خبايا قلب امرأة يعبث به الهوى فيطرح عنها ما تتصنعه من سلوك يصورها على أنها تحيا بالعقل وحده!!”..

–       ” قال لي الرجل الذي اقترح زواجنا أنك امرأة بلا قلب!!”.

–       “تعمدت أن أبدو هكذا أمامه؛ أنا عاطفية جدا!!”.

–       “هل تملكين عاطفة نحوي؟”.

تهربت من تقديم جواب صريح على سؤاله، وقالت:

–       “فكرت فيك بالعقل وحده!!”.

–       “هل تزيد نسبة قبولك للعريس الذي وافقت عليه عن 50%؟!”.

–       “تقريبا!!”.

–       “51%؟!”.

–       “تقريبا!!”.

–       “52%؟!”.

–       “حديثه مرتب، ومرح.. مرح مع النساء!!”.

–       “أأنت غيورة؟!”.

ضحكت.. قال إن الغيرة دليل على حبنا لمن نغار عليه.. اتفقا على أن الغيرة لا ينبغي أن تصل إلى درجة تتحول عندها إلى أداة قاتلة للحب.. “الحب حرية والغيرة قيد؛ إذا انقلب الحب إلى قيد وتملك يستعبد المحبوب؛ يموت الحب”؛ قال لها..

أخبرها أنه اتصل مع مندوب الجامعة الأجنبية، وبحث معه إمكانية استئنافها للدراسة بهدف الحصول على درجة الدكتوراه. طلب منها أن تحدد وسيلة للقاء بينها وبين المندوب، سيشارك في اللقاء طبعا، وسيمنح له ذلك فرصة لرؤيتها: “تُرى؛ هل سأواصل تعلقي بها بعد أن أراها؟!”؛ سأل نفسه.. شعر بأن شعورا من الأسى يخالطها: “صدرك مملوء بالأحزان”؛ قال لها. تنهدت واعترفت بصحة ما شعر به من صوتها الذي كشف عن أنثى تعصف بها الرغبة في تكرار تجربة الزواج، ولكنها وجلة منه: “لا شيء يضمن لي أن اختياري سليم.. المستقبل وحده هو الذي سيحدد ذلك!!”. رد علبها: “أرجوك أن تتروي في خطواتك؛ أخشى أن يكون الطمع في ثروتك هو الدافع لتقدم الكثيرين لخطبتك.. كوني على حذر.. أتحدث إليك بلغة الصديق”.. تنهدت قبل أن تقول: “هذا لا يغيب عني؛ وهو يزعجني؛ أريد رجلا يختارني لذاتي، لا لثروتي ولا لوظيفتي!!”.

قبل بد المكالمة بدقائق قليلة، كان والد الحبيبة في زيارته. سأله: “هل قمت بزيارة ابنتك المقيمة في البلد القريب من هنا، كما يفعل الناس بمناسبة العيد؟”؛ أجاب الرجل بتلعثم: “نعم زرتها”.. هذا يعني له أنها غادرت بيت أبيها إلى بيت زوجها؛ وأنها لم تعد موجودة فوق سقفه.. قال الرجل له: “رجاء فرصة زواج جيدة لك فلا تضيعها؛ إنها موظفة وتمتلك بيتا وأرضا”. رد عليه: “هذه مسائل لا تعنيني، أنا أبحث عن مرأة أحبها لذاتها”؛ كاد أن يقول له: “أحببت ابنتك لذاتها”.. قام الرجل للصلاة في المسجد القريب، وقام هو إلى جهاز الكمبيوتر وانشغل بعالم الإنترنت..

كان قد اتصل برجاء ظهر النهار السابق على ليلة الجمعة، كان يرغب في أن يحدثها عن اتصاله المتعلق بها مع مندوب الجامعة.. لم تمنحه فرصة للحديث، وأنهت المكالمة بنبرة خال له أنها تحمل له رسالة تشير إلى أنها لا ترغب في استمرار التواصل الهاتفي بينهما.. وقال لنفسه: “قد تكون الآن مشغولة في زيارة معاينة البضاعة من جانب الرجل الذي قررت الزواج منه!!”.. في المحادثة الطويلة أكد لها أنه يرفض القيام بزيارة المعاينة للبضاعة: “ذلك يصطدم مع مبادئي.. أؤمن بالعلاقة الندّيـّة بين الرجل والمرأة؛ ليس من كرامة أي منهما أن يذهب الرجل ليعاين المرأة التي يفكر في الزواج منها، كما يعاين بضاعة في السوق، فإذا أعجبته دفع الثمن وطواها البائع له فحملها؛ وإذا لم تعجبه أدار ظهره ومضى يقلب بضاعة أخرى!!”.. صمتت.. قال: “هاتي نرفع التكلفة بيننا؛ خاطبيني باسمي مجردا من اللقب”.

–       “دع الأمر يأتي دون ترتيب.. كثير ممن تقدموا لي تحدثوا عن أنهم يحبونني!!”.

–  “أنا قلت ذلك بعد أن عرفت قرارك الذي لم يكن لصالحي والذي احترمته وكففت عنده عن متابعة مشوار زواجنا؛ وأعلم أن اعترافي بحبي لك لن يؤثر على قرارك بالارتباط برجل أنت اخترته زوجا؛ هذا حقك، وأنا مع حقك!! لماذا ترفضين أن تعطي لي رقم هاتفك المحمول؟”.

–  “لكي لا أكلفك ثمن الاتصال بي عن طريقه، فالاتصال به باهظ التكلفة كما تعرف؛ ولماذا لم تأخذه من الرجل الذي رشحني لزواجك منها؛ هل هو الذي أعطاك رقم هاتفي المنزلي؟”.

–   “كلا؛ حصلت عليه من دليل الهاتف منذ أخبرني باسمك، لكنني امتنعت عن استخدامه قبل أن أعرفه منك ليكون هذا إذنا لي منك باستخدام رقمك الخاص”.

–       “أنت مهذب يا دكتور!!”.

–       “أنت أستاذتي!!”.

–       “لا يمكن لي أن أكون كذلك، هذا بحكم الفارق في السن على الأقل!!”.

–  “الفارق في السن لا ينبغي أن يكون عقبة في وجه تعلمنا أشياء جميلة ممن يصغروننا بعدد السنين، إذا كان لديهم ما ليس لدينا.. أنا تعلمت آخر وأعلى دروسي في الحكمة من أصغر أطفالي.. تعلمت منه أن البهجة البريئة هي عين الله وحريته الجميلة!!”.

–       “هل أطلتُ عليك في الحديث؟!”.

–       “أتمنى أن يستمر الحديث ولا ينتهي.. رأيتك في منامي بعد أول حديث بيننا!!”.

–       “كيف رأيتني؟!”.

–       “أعتقد أن صورتك في الحلم لم تكن دقيقة؛ لكن الرؤيا أوحت لي أن مشروع زواجي منك لن يتم!!”.

–       “لم تقل كيف رأيتني؟”.

كرر قوله إنه يعتقد أن الصورة التي رآها عليها لم تكن دقيقة.. لم يخبرها أنها كانت في حلمه ذات أنف أفطس، وأنه رآها تبتسم له وأنها كانت عارية الذراع وأن بعض كتفها من جانبها الأيمن كان عاريا أيضا، وأنها بدت له رشيقة الجسد ومتوسطة الطول.. قالت: “تقلقني أحلام مزعجة، ما زالت تداهمني منذ ماتت أمي؛ ما تفسيرك لذلك يا دكتور؟!”. ردّ عليها: “بوفاة أمك، ووفاة أبيك من قبل ذلك، وغياب الزوج من حياتك؛ فقدت الملاذ الآمن، فغدوت فريسة للخوف من حاضرك والقلق على مستقبلك.. لم يعد من حولك قلوب تحبك؛ أليس الحب هو ملاذنا الآمن؛ أنا رحلت إلى هنا بحثا عن ملاذ آمن في ذكريات الحب!!”. بعد أن انتهت المكالمة، سال نفسه: “هل حطت سفينتها في مرفأي؟!”.. نام وهي تملأ باله.. واستيقظ في صباح اليوم التالي ولا يزال مملوء البال بها.. كان آخر ما قال لها في المحادثة الأخيرة: “قلبي معك، تصبحين على خير!!”.

استيقظ من نومه صباح اليوم التالي بمزاج مرتاح. نصح رجاء في المكالمة الأخيرة أن تحاول تطبيق “وصاياه” التي أرسلها إليها بالفاكس في اليوم التالي من بدء الاتصالات الهاتفية بينهما، قالت له: “قم أنت بتطبيقها أولا!!”؛ قال لها: “ستكون مفيدة لك للخلاص من أحلامك المزعجة.. حاولي تطبيقها، لن تخسري شيئا من خوض التجربة!!”.. عبَّرت عن خشيتها من فشل تجربة الزواج التي قررت أن تقدم عليها: “طلاق مرة أخرى؟! شيء لن أحتمله!!”.. تدعو وصاياه للتفاؤل وللامتلاء ببهجة الحب.. استحسنتها عندما تلقت نسخة منها، علّقت: “لكن العمل بالمبادئ الجميلة أمر غير سهل!”.. تسكن رجاء في قلب الخطر، بجوار مستوطنة إسرائيلية في وسط قطاع غزة، يتخذ منها المقاومون هدفا لهجومهم المتكرر على قوات الاحتلال الإسرائيلي التي ترد عليهم بعنف مبالغ فيه كما تصفه بيانات الجمعيات الحقوقية..

–       “وصاياك كلام جميل لكنه لن يصد همجية العدوان الذي يتهدد حياتي كل لحظة”.

–   “وصاياي أنارت قلبي فانهزم الظلام الذي زحف نحوي عندما حاصرني البغي.. النور يهزم العدوان.. هذه عقيدتي!!”.

–       “كثيرون أصيبوا بأمراض نفسية تسكن قلوبهم بسبب الخوف والقلق الذي ينشره عدوان المحتلين”.

–       “بهجة الحب خير دواء!!”.

–       “أنا أخاف من المجهول القادم مع زوج جديد!!”.

–       “الحياة مغامرة كبرى أو موت لا قيام منه!!”.

استمر الحديث بينهما ساعتين بينما عيون أبنائها ترقبها وهي تشع ببريق فيه دهشة مما تلحظ.. لم يألفوا منها مثل هذا الحديث الهامس وهي مندسة تحت غطاء فراشها خاصة وأنه يجري في قلب الليل الذي يعبث فيه القلق بالقلوب الصغيرة خوفا وتوجسا من اقتحام وشيك لحياتهم من رجل سيكون زوج الأم التي كانت لهم وحدهم من دون الناس.. تُرى، كيف سيكون هذا الوافد الجديد؟! تتساءل القلوب الغضة المترقبة للمجهول.. وتسأله رجاء في مكالمتها معه: “ماذا فعلت باللحم الذي جاءك به صاحب البيت يوم العيد؟”.

–  “غليته بالماء، ثم دلقت مرقته عنه، وجعلته قطعا صغيرة، وقلبتها بالبصل، وأكلتها دون أن تكون قد نضجت”.

–       “كيف دلقت المرقة، الفائدة في المرقة؟!”.

–  “لا أعتني بشؤوني الخاصة، أنا مهمل مع نفسي، لم أحلق ذقني يوم العيد ولا اليوم الذي تلاه، لم أخرج من البيت منذ ثلاثة أيام، أحيا في عزلة، أريد عائلة؛ لو نجح مشروع زواجي منك، لكنت قد انضممت إلى عائلة كاملة.. يلوح لي أنني سأستأنف رحلة الضياع في العالم الواسع من جديد!!”.

توقف بينه وبين نفسه عند اهتمامها بشؤونه الخاصة، ولكنه امتنع عن أن يخبرها أنه طلب من شقيقه في مصر ومن ابن شقيقه في اليمن أن يحاولا، كل على حدة، استخراج تأشيرة له تمكنه من الخروج من قطاع غزة.. المرير المضجر.. كما كتب ذات مرة..

مَرِيْرُنْ

أَنْتَ يا

وَطَنِيْ

وَيَأْكُلُني الضَجَرْ

وَحِقْدٌ يَتَقَيَّأُ شَوْكَنْ

وَسُرَّاقََنْ

غَزَةُ لا تَخْلَعْ

في مَسَاجِدِهَلْ

كَنادِرْ

غَزَّةُ  لا تَخْلَعْ

في

أَحْضَانِ نِسْوَتِهَلْ

خَناجِرْ

قَذَى غَلِيْظُنْ

عُيُوْنُ رِجَالِها

وَفِجَاجُلْ

هَوَى

حَرِيْمُ قُبُوْرٍ مُقْرِفَهْ

غَزَّةُ لا

تَمُوْتُ لأنَّ الْمَوْتَ يَعَافُ صَدِيْدَهَا

وَتَمُوْتُ لأنها

جَدَائِلُ كِذْبِنْ

تَرْضَعُ جَهْلَهَا

مَجَجْتُ مَغَالِيْقَ خَرْقِكِ يا

عَجْمَاءُ يا

بَلَدِيْ

وَحارِسَلْ

بَيْتِ الْعَتِيْقِ قَمِيْئُنْ

وَعَيْشِيْ

هَجِيْرٌ وَأَدْماني الضَجَرْ

فَرْحَمِيْنَا

يا

مَآذِنَلْحَجَرْ

وكتب يحلم بوطن من نور الحب..

وَطَنٌ مَفَاصِلُهُ حِقْدُنْ

خُبْزُهُ جَهْلٌ وأَقْلامُهُ أَوَامِرُ السُلْطانْ

تُجرْجِرُهُ بَسَاطيرُنْ

مِنْ قَفاهْ

قَهْرهُ قَحْبٌ “وَقاحَةُ نِسْوانٍ” تَطْبُخُ القُبْحَ ونارَُ كراهةٍ فاجِرَهْ

تحرقُ الماءَ فِلْ

أَرضِ… وَ… فِيْنا

سُمَيَّهْ / أُخَيَّةَ العِتْمَةِ “الجَامِعَهْ”

لا

تَوْبتَنْ

مِنْكِ أَطْلُبُها

إِليْكِ الحُبُّ أنْهَضَنِي

نُوْرَ الحُبِّ كُنْ

يا

وَطَنِي

****

تلّح عليه فكرة الخروج من الوطن الذي اكتشف انه ليس الوطن.. “هذا عطن!!”؛ يردد كثيرا.. ومنذ خمسة عشر عاما، لم يجتمع بأبنائه المقيمين في بلد لا يسمح له بدخوله إذا أراد.. في الزيارة الأخيرة لهم، جمعه لقاء واحد مع المرأة التي حملت صفة الزوجة الأولى له.. بعد تسعة أشهر ولد له ابن لم يره قط.. صدمته المرأة التي تحمل صفة الزوجة الأولى منذ البداية المبكرة لعلاقة الزواج بينهما.. كتب في أيام خطوبتهما  كتابا سمّاه “مناي”.. خط في عمله الأدبي المبكر أحلام شاب كان يخشى أن يمر به الزمن كما يمر بالعامة من الناس.. يشعر بتمايز بينه وبين الآخرين.. لا يطيق أن يحيا كما الناس من حوله.. كان في أول شبابه، عندما لمس رجل من ذويه أن عينيه تعكسان إرادة خاصة تتطلع إلى مكانة عالية.. علّق حينها أبوه الذي وجّه الرجل الكلام له عن ابنه: “من ينظر إلى أعلى تنكسر رقبته!!”.. كان يأمل أن يصنع من الفتاة التي اختارها زوجة له، نموذجا إنسانيا يحلم به.. لم يكن يخفى عليه أن مستواها العلمي متدن، لكنه لم يتبين أن مستواها العلمي أشد تدنيا مما كان يعتقد؛ وأن قابليتها للتطور العقلي غير متوفرة بما يسمح لحلمه بالتحقق فيها.. لم تسمح له عادات أهلها بالاختلاط بها أيام الخطوبة بما يوفر له فرصة للتعرف المباشر الدقيق بها.. كان يعيش حلما لا أرجل له.. ظل طوال حياته يحلم!! وعندما بدأت علاقة الزواج بينهما، اكتشف أنها لا تستطيع التفرقة بين التاء والباء!! كانت علاقته بأهلها حميمة جدا، وكان يقضي إجازاته الجامعية في ضيافتهم، فلم يكن بمقدوره أن يغادر بلدها إلى قطاع غزة الذي تقيم أسرته فيه بسبب الاحتلال الإسرائيلي له.. أحبها!! جاوز صدمته الأولى بها.. شرع في تعليمها.. كان عليه أن يبدأ من الصفر.. طوال حياته ظل يراوح في الدائرة الصفرية.. سأل نفسه من جديد: تُرى؛ هل أبدعت هذه المراوحة نظريته “الصفرية” التي ترى الكائنات أصفارا صغيرة يخلقها الصفر الكبير باستمرار؟!! بعد أسبوع واحد فقط من زواجهما، سقطت ضحية خلل نفسي عصف بها وبه أيضا.. قرر أهلها أن يعالجوها بالزار.. زوجته تفعل هذه الشعوذة؟! هذه فاجعة له.. كان متدينا بعمق، والزار فعلة شنعاء كما يراها لا تليق بزوجة رجل متدين متنور.. هكذا ارتكب أهلها خطيئة جديدة ضده.. لم يسمحوا له بالتعرف على حقيقتها الداخلية.. ساقوها إلى الشعوذة.. فعلوا ذلك تحت سوط الجهل المظلم الذي نذر نفسه للجهاد ضده.. كان يحلم بزوجة تناضل معه في معركة واسعة ضد سقوط الإنسان في جهله؛ فإذا به أمام زوجة تذبحه بتخلف عقليتها.. يعترف أنها فاضلة وذات أخلاق كريمة كما أهلها أيضا فاضلون وكريمو الخلق.. لكن فضيلة انفتاح العقل غائبة من حياتها.. كان يعتقد أنها تمتلك أساسا صالحا من نبل الأخلاق سيبني عليه تطوير أفقها العقلي فيحظى برفيقة عمر تمتلك فضيلة القلب وفضيلة العقل معا.. لكن، ليس كل ما يتمنى الفتى يدركه.. إنها لا تمتلك إرادة التطوير العقلي.. واجهته حقيقة أنه لا يكفي أن يمتلك الأستاذ إرادة تعليم تلامذته؛ لا بد أيضا أن يمتلك التلاميذ إرادة التعلم أيضا، وأن يحققوا هذه الإرادة عمليا.. تعرضت حياتهما المشتركة لعواصف متكررة هددت استمرارها أكثر من مرة، ومنحها الفرصة بعد الفرصة.. عاد معها من ليبيا إلى بلدها وأقاما في بيت أهلها.. بارعة هي في أعمال البيت من طبخ وكنس وغسل.. لكنه يريدها لعقله.. طلب منها أن تختار طريقها: هل تريد أن تواصل مهمتها في خدمة أهلها بالطبخ والكنس والغسل فتظل نموذجا أمينا يحاكي نموذج أمها طيبة القلب مغلقة العقل أم تريد أن تختار طريق التعلم الذي يريدها أن تسلكه لينقذ تجربته معها من فشل بات مؤكدا؟! قالت أنها ستفعل ما يتمناه منها.. بعد يوم من شقائها المنزلي، تمددت إلى جواره على الفراش، وأمسكت بيدها كتابا مفتوحا فلم تمر غير لحظة واحدة حتى ارتخت ذراعاها وكفاها فسقط الكتاب من يديها على وجهها وغطّت في نوم عميق فتأكد له أنها تغطّ في جعل مظلم لن تبرحه أبدا.. فتبدد أمله.. لم يكن قد تزوجها بغرض الزواج ولكنه اقترن بها ليبدع منها حلما يراوده هو الذي ترتهن حياته بأحلام الإبداع لعالم جديد يفوق العالم الكائن.. لكن جهلها وغياب إرادتها خذلاه!!

****

ثم عاد يحلم مرة أخرى….

تحت ضغوط المعاناة من رفقة امرأة أمية، ارتبط بزوجة ثانية متعلمة وعلى مستوى ثقافي يرضيه. لم يجد في الزوجة الأولى النصف الآخر الذي يحتاجه؛ فبحث عنه في امرأة جديدة ظنّ أنها مؤهلة لأن تمنحه له.. “إذا لم يكن نصفي الآخر في هذه المرأة؛ ففيمن سيكون؟!”؛ قال لنفسه.. لكنه لم يكن واثقا أن اختياره الجديد مأمون، كان يعرف منذ البدء أنه ينطوي على مغامرة قد تدفع به إلى فشل جديد.. كانت مشكلة الزوجة الأولى في تخلفها الثقافي، المشكلة في الثانية ليست ثقافية؛ تمنى لو أنه يدمج الاثنتين معا في كيان واحد فتعوض الأولى ما لم يتوفر في الثانية، وبدورها تمنحه الثانية ما لم يجده في الأولى.. الزوجة الجديدة رفضت فكرة المشاركة بينها وبين الزوجة لأولى، وقالت أنها قبلت بالارتباط به على اعتبار أن الأخرى غير موجودة واقعيا في حياته مطلقا.. وجنّ جنونها عندما علمت أن الأولى حملت منه خلال لقائه بها لدى سفره الأخير إلى بلد الأولى.. معرفته المسبقة بنقاط الضعف في تجربتيه الزواجيتين لم تمنعه من المغامرة: مواليد برج الأسد يغامرون!! الحالمون أيضا مغامرون!! للمرة الثانية كان الزواج لديه مشروعا ولم يكن خياره للمرأة الزوجة خيارا لذاتها؛ كان يختارها لتكون مشروعا ثقافيا له.. “هذا الزواج مشروع ثقافي”؛ قال لأصدقائه عن زواجه الجديد.. ظلّ ما يقارب العام قريبا من المرأة التي اختارها من جديد قبل أن يرتبطا بالزواج الرسمي.. كانت علاقتهما جميلة، ولم يطق فراقها عندما غادرت المدينة التي كانت تجمعهما.. بكى بحرقة لدى مغادرتها، كما يبكي طفل فقد أمّه.. انجذبت إليه لدى سماعها له للمرة الأولى وهو يتحدث في ندوة ثقافية؛ بدأ تعارفهما بعد نهاية الندوة، طلب منها زيارته في مكتب عمله.. لبّت الدعوة.. طلب منها أن تساعده في بحثه عن زوجة؛ في زيارة تالية، صحبت معها إحدى صديقاتها.. جميلة وذات عينين زرقاوين.. طلب من الأخيرة أن تصنع لهم قهوة، أظهرت ارتباكا وهي تحمل الصينية وفوقها ثلاثة فناجين.. صرفه ارتباكها عنها؛ ولدى مصاحبته لهما في سيارة حملتهم إلى بيت إقامتهما قال للمرأة التي تزوجها من بعد: “أنت روح الوجود!”؛ التقطت الرسالة.. قال لنفسه: “ما أهمية جسد يجذبه؛ لكنه يخلو من الروح؟!”.. سافرت إلى أهلها.. استخرجت له تأشيرة دخول للبلد الذي تقيم فيه؛ غادر إلى البلد الذي تقيم فيه الزوجة الأولى، قضى فيها أياما قليلة، ثم عاد إلى البلد الذي كان يقيم فيه، وبعد يوم واحد غادرها إلى البلد الذي يقيم فيه أهل المرأة التي صارت له فيما بعد زوجة جديدة.. كانت مع أمها وأبيها في انتظاره.. استضافوه في منزلهم.. سأله والدها: “لماذا ذهبت لزيارة زوجتك قبل مجيئك إلى هنا؟”؛ أجاب: “أردت أن أتأكد أن استمرار زواجنا لم يعد ممكنا؛ قبل أن أبدأ مشوار زواجي من ابنتك!!”.. حظي بحفاوة أهلها الذين استقبلوه بقلب مفتوح.. وبعد أيام قليلة، كان يجلس قبالة والدها وبينهما المأذون، ومن حولهم شاهدان.. طلب المأذون منه أن يدفع لوالد عروسه مهرا لها.. قال لوالد عروسه: “عمي الحاج، هات مهر ابنتك”.. منذ وصل لبيت أهل الزوجة الجديدة، أودع ما يملك من مال لدى حماته الجديدة.. لم يكن ذهابه لبلد الزوجة الثانية يهدف إلى إتمام الزواج منها، كان بقصد التعرف المباشر على أهلها.. لكن الحاج رأى أن من الأفضل أن يتم عقد القران والزواج: “ستكونان في بلد واحدة بعد عودتكما للبلد الذي تقيم فيه، وتعمل ابنتي فيه أيضا، حتما ستلتقيان معا؛ فليكن لقاؤكما مشروعا إذن”؛ قال له والدها المتدين.. بعد عقد القران مباشرة، حسرت أم العروس عن وجهها الغطاء الأسود الذي ظلت تستتر به منذ دخول الرجل الوافد لبيتها.. “الآن فقط أستطيع أن أجلس أمامك ووجهي حاسرا”؛ قالت له.. لم يكن يمتلك كثيرا من المال: “ما معي من المال زهيد يا عمي الحاج؛ هذا لا يفي بمتطلبات الزواج!”؛ قال.. ردّ عليه الحاج: “ومعها شيء من المال.. اجمعاه وتدبرا الأمر بما تملكان معا”…. أخذا يُعِّدان هو وهي ليوم الزواج.. كانا يخرجان للسوق بغرض شراء ما يحتاجانه لمراسم الزواج، لكنهما كانا يعودان بالكتب في أيديهما.. بعد انتهاء مراسم عقد الزواج خرجا على الفور لإنجاز مقابلتين صحفيتين كانت العروس قد رتبت له أمرهما.. كان يعمل في مهنة الصحافة.. ومغادرته  للبلد الذي كان يقيم فيه للبلد الذي يقيم فيه أ÷ل زوجته الجديدة، هددت استمرار عمله وانتهى الأمر بفصله من وظيفته .. كان يعرف ذلك ولكنه قال لنفسه: “إذا ضاعت مني الوظيفة سأجد غيرها.. لكني لن أجل بديلا عن هذه المرأة إذا تخلفتُ عن الوفاء باتفاقنا على السفر إليها في بلدها!”.. كانت قبل سفرها إلى أهلها قد أخبرته أنه إذا لم يأت إلى أهلها فسوف تقطع علاقتها به ولن تعود مرة أخرى للبلد الذي تعمل فيها والتي جمعتهما.. بعد عقد قرانهما، قضى معها أجمل خمسة عشر يوما في حياته.. كان العناق الليلي المحموم  بينهما يحملهما من الوعي إلى سديمية الوجود الأولى.. دق الهاتف في بيت أنسبائه الجدد.. كان ناشر على الطرف الآخر: تمت الموافقة على نشر كتابه الأول.. بكى ببهجة ممزوجة بالحزن الشفاف.. لماذا اختفت مخطوطة “مناي” التي رسم فيها صورة أحلامه المنسوجة حول اختياره الأول ؛ سأل نفسه، لم يجد مخطوطته الضائعة من بعد أبدا.. شعر أن نشر كتاب له للمرة الأولى مع بدء علاقته بالزوجة الجديدة التي لعبت دورا في الموضوع يعني أن مشروعه الزواجي الثقافي الجديد مفعم بالأمل ودليل على النجاح..

ودعاهما أهلها بحفلة صغيرة أهدته خلالها لوحة فنية وطنية رومانسية، وأهداها مصحفا صغيرا.. قضيا ليلتهما الأولى في فندق في المدينة التي باتا فيها ليلة بعد انتقالهما إليها في طريقهما للبلد الذي يقيم فيه.. وهما يتأهبان في صباح اليوم التالي لمغادرة الفندق إلى المطار متجهين إلى غايتهما، طلبت منه أن يحمل في يده سلة مملوءة بثمار التين الشوكي محمولة إلى قريب لها.. صدمه الطلب، صاح بانفعال احتجاجي: “أحمل صبر من هان لهناك؟!”. “شو فيها؟!”؛ ردت باستغراب.. الأكل شأن لا يشغل باله: “هذه ضربة أولى للحلم!!” قال محبطا لنفسه.. اختارها لأنها مؤهلة تأهيلا ثقافيا يرضيه؛ خطأ جديد بدأ يتجسد أمامه.. ظل رجلا يعيش في أحلامه، لا في الواقع من حوله: “أحتاج لرجاء لأنها واقعية”؛ قال لنفسه وهو يفكر في أمر الأخيرة، وأضاف: “كل النساء واقعيات، والزوجة الثانية واقعية أيضا!!”؛ ظلت في السنوات الثلاث الأولى من زواجه في حمل من بعده حمل.. لم يكن مشروع زواجه منها مشروع حمل متواصل.. كان يقبل على مضض، فكرة إنجاب طفل واحد منها فقط.. قالت إنها حاولت بكل السبل أن تمنع تكرار الحمل بعد أول ولادة.. يحب أبناءه بعمق؛ فإذا هم قد جاؤوا، فليس لهم في قلبه غير الحب.. ويجب أطفال المعمورة كلهم.. سأله صحفي ذات مرة: “كم لك من الأبناء؟”؛ أجاب: “كل أطفال المعمورة أبنائي!!”.. لكن الضياع هوّة غائرة وفاغرة الفم تجذبه إليها!.. هذي زوجة أخرى لكنها لا تسعه.. الكون كله لا يسع ضائعا شاردا وراء أحلام تسبح في الهواء.. تضخمت في إحساسه نقطة الضعف التي فيها والتي كان يخشى عواقبها على مشروع زواجه الثاني.. تحبه بكل جوارحها؛ وهو نافر من فراش مزروع بالشوك يعذبه بصمت وفيه يشعر أن امرأة تغتصبه.. كانت مشاعره تجاهها تختلف تماما عندما يعودان للبيت من ندوة ثقافية تشارك فيها بفاعلية؛ كان حبه لها يتجدد ويغمرها بشوق عميق.. لكن الحياة لا تنحصر في سويعات محدودات ترقص فيها الروح فيرقص في جذل على أنغامها!! ودودة تعامله كما لو كان أحد أبنائها؛ لكنه يشعر أنها تطلب رأسه؛ وما لم تستوعبه، هي أن المغامرين لا يسلمون رؤوسهم للشباك!! اقترح عليها بعد رحيله إلى غزة أن تلحق به ومعها أبناؤهما للإقامة قريبا منه؛ لكن.. في بيت منفصل عنه.. رفضت العرض؛ تريده في قفصها.. قال لرجاء في المكالمة الطويلة بينها وبينه: “لو نجح مشروع زواجي منك، فإنني كنت سأحتفظ بالبيت الذي أقيم فيه، وتواصلي أنت الإقامة في بيتك الذي تمتلكيه!!”.. ربما فهمت رجاء أن قوله ينبع من تشبثه بالبيت الذي شهد ذكرياته مع “الحبيبة”.. لهذا شأن عنده؛ لكن السبب الرئيسي يعود إلى أنه يريد التشبث باستقلاليته.. عندما عرضت عليه زوجته الثانية أن بغادر غزة إلى بلدها الذي تقيم فيه مع أبنائهما، اشترط أن يقيم وحده في شقة تمتلكها غير الفيلا التي تقيم فيها مع الأبناء.. رفضت الشرط.. في الواقع، هو يدرك تماما إن استقلاليته في بيت غير البيت الذي تقيم فيه الزوجة مع الأبناء، لن تكون استقلالية فعلية.. لن يدعه الأبناء وحده؛ لكنه يتشبث بمبدأ الحرية ويرفض مبدأ التملك الذي يرى أنه يساوي فقدان الحرية.. وفي عقيدته: “من حق الإنسان أن يمتلك لحظته فقط؛ ما زاد من التملك عن اللحظة، ينقلب إلى عدوانية تنتهك حق الآخرين في الحرية!!”..

****

هل كانت رجاء ستوافق على مبدئه؟! يشك في ذلك!! ولا تزال رجاء تشغله رغم أنه اعتقد لوقت أن دورها انتهى من حياته، وبسرعة!!

يحب في أيام الجمعة أن يقضي الوقت في غرفة نومه التي لا تزيد مكوناتها عن ثلاث مراتب إسفنجية فردانية تستلقي على حصيرة حملتها زوجته إليه عند أول زيارة له في غزة قبل ثماني سنوات.. تتمدد المرتبة التي يرقد عليها في وسط الحجرة فيما تحاذي المرتبتان الأخريتان جدارين متعامدين وفي زاويتهما القائمة يحتفظ بوسادة ولحافين أحدهما صغير المقاس كانت تعود لأمه، وكان يلتحف بهما في الشتاء ومعهما بطانية قديمة وهبتها له امرأة جمعته بها علاقة أبوية روحية.. تطويه الغرفة في بؤس رجل يفتقد امرأة: “تُرى؛ هل تمتلك رجاء جسدا مؤهلا لجذبه إليها؟!”.. كان يسأل نفسه، وهو يثق أنها لن تكون له: “تساءل: “فلماذا إذن أشغل نفسي بها؟!”.. اليوم هو رابع أيام العيد؛ لم تتصل به الزوجة كما تعودت أن تفعل في أيام العيد.. يرتدي بيجامة ملونة بالخطوط البيضاء والسماوية.. يعشق اللون السماوي.. كانت زوجته قد حملت له هذه البيجامة قبل عدة سنوات؛ تساءل: “لماذا لم تتصل بي لتهنئتي بالعيد؟! هل حدست أني القي مجدافي في بحر رجاء؟!”.. قال يحدث نفسه: “لدى النساء قوة حدس أكبر مما يمتلك الرجال.. كانت قوة الحدس أو ما يعرف بالحاسة السادسة أداة دفاعية يستخدمها الناس في عصورهم السحيقة لتوقع الأخطار من حولهم.. لا تزال النساء تتوقع خطر هروب الزوج من قفصها في أية لحظة، فتفقد الحضن الآمن!!”.. حاول مرارا أن يجعل العلاقة بينه وبين زوجته علاقة صداقة لا علاقة تملك؛ لكن شعار النساء الذي لا يتخلين عنه ـ في رأيه ـ هو: “أنتَ لي أو الموت لك يا زوجي.. يا صيدي!!”.. رجاء عكست تشبثها بهذا الشعار: “قد تعود إلى زوجتك وإلى أسرتك في أية لحظة وتتركني!!”.. “أريد امرأة تربطني بالوطن!!”؛ قال لها.. وكان قد ذكر لها أنه كان يفكر في الزواج من امرأة أمريكية بلغه أنها تعيش في البلد الذي يقيم فيه، لكنه عندما شرع في البحث عنها اكتشف أنها غادرت لبلد آخر.. كان يحلم بامرأة تطير به وراء الحدود التي لا يستطيع تجاوزها: “ضاعت مني فرصة الزواج من الأمريكية التي كانت ستمنحني أجنحة للانطلاق في الأرض وضاعت مني فرصة الارتباط بك التي كانت ستزرعني في قلب الوطن!! أما وطن بلا امرأة، فهو وطن بلا قلب!!”؛ قال لرجاء في المكالمة الطويلة بينهما..

يحلم بجسد أنثوي تحل روحه فيه؛ فيغدو معبدا يتبتل فيه لله روح الوجود فينطلق بالروح ويصدح منفلتا.. جسد امرأة يهواها القلب، محراب صلاة.. هكذا يتخيل.. العلاقة الجنسية في مفهومه صلاة في محراب جسد يعشقه.. جسد بفجر فيه حرية الروح!! الروح – يعتقد – هي حريتنا الجسدية.. يقلقه سؤال: “هل تمتلك رجاء جسدا يملك القدرة على إطلاق روحه المغلولة في سجن الحرمان من مرأة يهواها قلبه؟!”.. يسأل أيضا: “وما الدنيا؟!”.. يجيب مرددا مقولة لشاعر النساء نزار قباني: “ما الدنيا غير امرأة يهواها القلب!!”.. ويسأل: “هل رجاء هي المرأة التي يهواها القلب؟!”.. وقع في هواها بالسماع؛ الأسئلة تلد الأسئلة: “فهل يبقى على هواها إذا رآها؟! هل هي المرأة التي سيصلي معها في محرابها الجسدي فيتوحد بها وينطلق منها في الحرية اللامتناهية؟!”.. لا يزال يحلم في امرأة تستعيده من غيابه الطويل في ضياع يشقيه ويبدده؛ وبها يحوز بهجة الحب التي يقول أنا نبيها!!

ما الحياة؟ بهجة حب؛ هكذا يعتقد: ولكن هنا، في هذا الشيء مما يدعى وطنا ـ يقول ـ الحياة منذورة للموت.. “الحياة هنا ظلام همجي وعداون جاثم فوق صدري.. الناس هنا مصنوعون من حقد وجهل يغلقان القلوب والعقول معا دون النور الذي أنادي به وطنا.. هنا رجال تقمع الأنوثة ونساء تخصي الذكورة”.. هذا الذي “يدعى وطنا” يخنقه؛ ويشعر أنه فيه مسجون وضيق النفس.. لا امرأة في حياته تظلله من شمس صحراء حارقة؛ يسأل: “هل تكون رجاء هي الظل لي والماء؟!”.. رجاء سحابة مرت بقلبه المحزون فأحبها دون أن يعرف كيف صورتها!! قلوب الحزانى تتعلق بالخيالات.. تساءل: “هل الحب خيال يملأ ما في نفوسنا من حاجة للامتلاء بالأمن الذي نفقده لحظة انفصالنا عن أمنا عند الولادة؟!”.. رجاء تحلم بالأمن لا برجل تعصف الريح به من كل صوب وتذروه! وهو في أعماقه الملتاعة يصرخ: “أربد امرأة تمنحني البهجة!!”.. هل في غزة نساء يمنحن البهجة؟! كيف يمنحنها إن لم يعرفنها؟! الحياة مجدبة.. هل تزرع رجاء الورد على ضفتي نهره الراكد؟! رجاء تستسلم للموروث و”الإمام الأبيض” ثورة على الاستسلام للموروث؛ فكيف يلتقيان؟! قالت هي بالفم المليان ويقول هو بصوت مكتوم: “كلا؛ لن نلتقي”؛ وقال: “تُرى، ماذا تخفي يا قدري في طيِّ امرأة قفزت في خيالي؛ فزلزلتني؟!”..

****

اليوم الجمعة. أغلق أبوابه كما تعّود أن يفعل في مثل هذا اليوم، واستغرق في وحدته.. رجاء تشغل باله. ارتفع صوت مؤذن صلاة الجمعة؛ شعر بالبرد فقام يرتدي مزيدا من الملابس وخطر له أن يذهب للصلاة في المسجد القريب منه.. خطيب الجمعة يتحدث في الموضوع الأخلاقي، وهو موضوع أثير لديه.. حثته رجاء في مكالماتها الهاتفية معه أن يخرج من العزلة التي تحاصره.. الصلاة في تقديره، شعيرة اجتماعية روحية، ورياضة بدنية تفيد مفاصل ركبتيه وقدميه التي تعاني من آلام تتفاقم لقلة حركته البدنية.. في الليلة الفائتة اقترحت رجاء عليه أن يعالج المرضى الذين يترددون عليه بالقرآن الكريم:

–       “سيتردد عليك زبائن كثيرون لو عالجت بالقرآن الكريم”.

–       “أستعين بالعلاج القرآني في بعض الحالات”.

استثاره الخطيب عندما روى أن أعرابيا قال معلقا على قسم اقسم الله به في القرآن: “ما الذي أغضب الله فجعله يقسم..”؛ قال في نفسه: “الله لا ينفعل كما ينفعل العربي، فيغضب فيقسم!!”.. وبين خطبتيِّ الصلاة دعا: “اللهم أنر قلبي ببهجة الحب واغنني بك!!”..

بعد أن عاد من الصلاة، صاح هاتفه الجوال.. كان يجهز طعاما في المطبخ، أسرع للإجابة على النداء الهاتفي، ظنّ أنه قادم من زوجته..

–       “مرحبا يا دكتور؛ أنا بحاجة للعلاج من حالة اكتئاب نفسي تصيبني، متى يمكنني المجيء إليك؟”.

–       “في أي وقت شاء.. أهلا بك!!”.

عاد يستكمل تجهيز طعامه.. صنع طبقا من السلطة الغزاوية: هرس البصل بالمدقة ثم أضاف قرنا من الفلفل بعد تقطيعه وهرسه مع البصل ثم أضاف عين جرادة ودقها في الطبق ذاته ثم أضاف حبة صغيرة من البندورة (الطماطم) وهرس الخلطة جيدا.. ثم أضاف إليها زيت الزيتون.. كان يردد وهو يجلس إلى مائدة الطعام مع زوجته الثانية: “أرغب في الزواج من مرأة غزاوية لتصنع لي السلطة الغزاوية!!”.. زوجته تجيد إعداد الطعام ولكنها لا تعرف كيف تصنع السلطة التي يحبها والتي كشفت له تجاربه فيما بعد، عندما بدأ الاهتمام بموضوع الطب البديل ومنه طب الأعشاب، أنها مفيدة في تخفيض ضغط الدم العالي الذي بدأ مؤخرا يعاني منه، ومفيدة أيضا لمقاومة أمراض البرد.. وأخذ يصفها لكل من تصيبه أمراض البرد. تساءل: “هل تجيد رجاء صناعة السلطة الغزاوية الحراقة؟!”؛ كانت قد قالت له أنها ماهرة في صناعة الطبخ. عندما اختار زوجته الجديدة لسبب تميزها الثقافي، لم يكن الطعام من بين اهتماماته؛ كان معنيا بزواج ثقافي.. الأمر يبدو الآن مختلفا: “أرغب في زوجة تهتم بمسائل الحياة العادية؛ ما أهمية أن تكون الزوجة مرأة يشير لها الآخرون بالبنان؟!”.. تشده المرأة المتميزة؛ لكنه جرَّب الزواج من مرأة متميزة بالثقافة.. اكتشف أن المرأة التي يريدها هي المرأة التي يختارها لذاتها الأنثوية.. “الحبيبة” مرأة أحبها لذاتها الأنثوية، لروحها التي أسرته بطلعتها الأولي في حياته التي تجلت بذاتها ودون تمايز موضوعي.. أحبها بدون معرفة الأسباب.. بات الآن، تحت تأثير رجاء عليه، يفضل مرأة وسطية وواقعية.. رجاء وسطية وواقعية وعاطفية أيضا؛ لقد حلَّقت معه في الخيال خلال مكالمتها الطويلة معه: “إنها ممتازة.. ممتازة.. ممتازة جدا!!”؛ قال لصديق له وهو يتحدث عنها.. أضاف: “لكن حظي عاثر!!”..

****

وقال لنفسه في لحظة ومض فيها وعيه…

“رجاء والحبيبة والزوجتان وكل نسائي، أوهامُ ظمأ.. وسرابٌ جائع!”

****

عندما صحا من نومه، في يوم جديد، لم يسارع إلى فتح  نافذة غرفة عمله التي تقع مباشرة تحت غرفة “الحبيبة” قبل زواجها.. النافذة التي تطل على التينة. رجاء تملأ خياله؛ والتينة أوراق خريف متيبسة وتتساقط؛ وليس للماضي وجود تام.. الوجود التام هو الوجود الحاضر؛ كما تقول فلسفته.. “الحبيبة” ذكريات ماضٍ يتراجع أمام عاطفة نشطة ألهبتها رجاء!! سألته في المكالمة القصيرة التي بادر إليها بعد انتهاء نهار اليوم الرابع للعيد:

–       “كيف قضيتَ نهارك؟”.

–  “ظللت مشغول البال بك منذ انتهت مكالمة الأمس وحتى هذه اللحظة.. كتبت كثيرا؛ هل لديك أخبار جديدة؟”.

تنهدت بعمق.. وصمتت!!

–       “لا تؤلميني!!”.

–       “لم يتصل لتهنئتي بالعيد!!”.

تنهدت مرة ثانية، ثم قالت:

–       “أنا عاثرة الحظ!!”.

–  “أرجو لك مستقبلا أجمل مما مضى.. إذا قضينا شطر حياتنا الأول مع حظ عاثر، ثم تبدل الحال بحظ حسن، فهذا أفضل من بداية نحبها، ونهاية نكرهها!!”.

تنهدت للمرة الثالثة، ثم قالت:

–       ” أخشى أن لا يحالفني الحظ في الزواج القادم!! ماذا تغذيت هذا اليوم؟”.

–       “سلطة غزاوية، وبعضا من اللحمة التي جاءتني يوم العيد!”.

–       “أعددنا اليوم طعاما لذيذا.. أنا ماهرة في كل شيء!!”.

لاحظ من حديثها أن لديها ضيوفا..أنهى المكالمة بقوله: “قلبي معك.. تصبحين على خير!!”.

الحَّت عليه فكرة الاتصال بالزوجة.. لا زالت العلاقة الرسمية بينهما قائمة؛ لم ينفصل عنها كما انفصل عن الزوجة الأولى منذ سنوات عديدة.. إنها صديقة.. هذا ما يشعر به، وهذا ما حاول مرارا أن يقنعها به.. لم تقبل؛ ولكنه لا يملك مشاعر لها غير مشاعر الصداقة.. تفهم هي أن الجانب الجنسي من علاقتهما تخلق مشكلة لديه.. أما بالنسبة لها، فهي تمارس العلاقة بامتلاء يرقى بها إلى أعلى ما يرقى إليه المتصوفة من حالة الوجد التي يفقدون فيها وعيهم.. إنها تراهن على الزمن: “عندما تتقدم في العمر، لن يعود للجانب الجنسي أهمية؛ بذلك، يزول هذا المنغص من حياتنا!!”؛ قالت له مرات عديدة.. ولكنه معها، فقد إيمانه بالزواج..

–       “الزواج قيد على الحرية!!”.

–       “بل لأنك فلسطيني ومسلوب الحرية، فأنت تعاني من عقدة فقدان الحرية!!”.

–       “هل غاب عنك أنني لست الفلسطيني الوحيد في هذا العالم؟!”.

كان يحاول إقناعها بأن علاقته الزوجية بها لا تستند إلى أرضية مشروعة:

–  “أنا لست متدينا وأنت تعلمين أنه لا يجوز لك الاستمرار معي في علاقة زوجية.. الإسلام يحرم بقاءنا زوجين!!”.

–       “أنت في حالة شك؛ ولست مرتدا!!”.

كان موقفها يغيظه.. هي تتمسك به وهو يبحث عن طريقة للهروب منها.. لكنها؛ وبعد صبر طال، بلغ اليأس منها مبلغا قررت عنده أن تقطع العلاقة بينهما.. لكن؛ دون أن يتم ذلك رسميا:

–       “أرجوك.. دعنا نحتفظ بعلاقة زوجية شكلية بيننا!!”.

–       “احترم رغبتك؛ وتحت مظلة هذه العلاقة، نستطيع أن نكون صديقين.. أنت صديقة ممتازة!!”..

لم يعد يُطقْ العلاقة الزوجية معها.. اشتدت عليه وطأة مشاعره نحوها كزوجة.. أخذ يتفادى النظر إليها.. وذات ليلة.. بينما كان ينام إلى جوارها .. والليل يلف الدنيا بصمت لا يعكره غير مشاعر سوداء تعتمل في صدره.. عادت به إلى بداية معرفته بها.. وفجأة.. قال بصوت مغيظ: “هل كنت مجنونا؟!”.. تململت وهي تلتصق به.. لكنها لاذت بالصمت..

تحدث إليها ليهنئها بالعيد.. ردت بلحن عليل، أخذ يستعيد عافيته بعد قليل.. سألَتْه:

–       “هل ما زلت تحاول فعل شيء في اتجاه الخروج من قطاع غزة ؟!”.

–       “لا أُفُقَ أمامي!!”.

–       “هل عدت للإقامة في مدينة غزة؟”.

–  “كلا؛ لكنني انتقلت إلى بيت جديد في البلد ذاته الذي أقيم فيه.. وأشعر فيه براحة نفسية، لم أشعر بها في أي بيت من قبل!!”.

****

انتهت المكالمة القصيرة مع الزوجة التي تقيم في بلدة نائية عن بلدها.. المكلومة بالبعد عن صغارها الذين يعيشون بعيدا بعيدا، بلا أب ولا أم.. المكلومة أيضا من زوج تفترسه الخيبات.. شعر أن ليلته التي تختتم أيام العيد الأربعة هي ليلة تتراكم فيها طبقات الحزن.. الزوجة مريضة في غربتها وجروح روحها؛ “قلبي بيت للحزانى”.. يردد كثيرا.. يتعاطف مع النساء منذ بواكيره الأولى.. قال لحشد نسائي كان في انتظاره لدى زيارة قام بها لمركز يُعنى بشؤون المرأة، قصدَه ليقدم مساعدته لهم في التغلب على مشكلاتهن النفسية: “تعاطفي معكن يعود إلى قوة عاطفتي نحو أمي!!”.. وفي ساعة عميقة من ليلته، انتصب في فناء منزله الساجد تحت الشرفة التي أطلت منها “الحبيبة” قبل أيام.. رفع رأسه إلى السماء فانطلق يسبح مع غيوم بيضاء تكتسي بنور القمر.. راوده الحنين إلى احتضان التينة.. تسلق خياله جذع التينة.. تينة الحبيبة.. إلى فروعها المترامية في هواء الشرفة.. شرفة الحبيبة.. عادت الحبيبة إلى طفلها.. “أنا سعيد برجوعها إليه”؛ قال لنفسه.. أضاف: “لكنني حزين لتعاستها التي تحياها مع زوجٍ بقرة.. تذكّر أمَّه التي عاشت في الحزن وماتت به.. ولج البيت وهو يحمل أربعة أحزان نسائية إلى فراشه البارد.. حزنه على الحبيبة وعلى أمِّه وعلى الزوجة.. وحزنه على رجاء التي تألَّم معها لشعورها بأن خيبتها لن تبرحها!!

استدعت أحزانه حزنه على ابنته الكبرى أيضا.. تقدمت في العمر دون أن تتزوج.. لم تتلقَ تعليما جامعيا.. رفضت أن تلحق به في مكان إقامته قبل أن يعود على غزة.. كان يخطط لإلحاقها بدراسة جامعية؛ حصل على مقعد جامعي، أهداه له صديق مسئول في فصيل سياسي فلسطيني، من حصة حصل الفصيل عليها من الحكومة التي كان يقيم في بلدها.. رفضت البنت الالتحاق به.. حشت أمها المطلقة منه، ومعها المحيطين بهما رأس الفتاة بفكرة سوداء محتواها أنها ستضطر للعمل خادمة لامرأة أبيها إذا سافرت للالتحاق بأبيها.. “الغباء والجهل وراثي!!”؛ قال بألم يفترسه!! في الحقيقة؛ فإن زوجة أبيها تحنو على أبنائه من ضرتها أكبر مما يُظهر هو من الحنو عليهم.. أضاعت البنت فرصة تعلمها.. رحل إلى غزة، وفي نيته أن يستدعيها للإقامة معه في غزة، ليفتح أمامها من جديد فرصة الدراسة الجامعية وفرصة الزواج التي رفضت عروضا به عليها.. تؤرقه مشكلتها ويخشى عليها من المستقبل إذا لم تتسلح بالعلم أو بالزواج.. رفضت البنت مرة أخرى؛ قالت: “لن أترك أمي!!”.. ماذا يفعل لها؟ طلبت منه أن يوفر لها فرصة للدراسة في الجامعة في البلد الذي تقيم فيه مع أمها.. لكنه يعرف أن مستواها العلمي الراهن متدن لدرجة لا تساعدها على الالتحاق بالجامعة، وكان يعتقد أن التحاقها بالجامعة وهي إلى جواره سيمكنه من تقديم مساعدة علمية لها تدفع بها في طريق الجامعة.. تبدو من رسائلها له أنها لا تجيد كتابة كلمة واحدة بطريقة صحيحة. وهو يدرك أن ظروف نشأتها كانت ذات تأثيرات سلبية عليها.. وأن توفيره لظروف إيجابية يساعدها على تجاوز تأثيرات الماضي التي ساهم مرغما في خلقها.. يعتقد أنها بحاجة لدعم نفسي سيكون مفيدا لها إذا أتي منه.. لا يغيب عن باله أنها قد تكون ورثت حالتها العقلية النفسية؛ ولكنه يعرف أن من الممكن تهيئة ظروف خاصة تقلل تأثيرات الوراثة المسئولة عن اتجاهات الإنسان النفسية وقدراته العقلية.. “ولكن؛ هيهات لأم جاهلة وابنة مخلصة لجهل أمها أن تتفهّما أن مصلحة البنت تكمن في الانتقال إلى أحضان أبيها!”؛ يقول لنفسه في صمت يذبحه..

منذ أيام زواجه الأولى من أم البنت البكر، استيقن أن هذا الزواج لن يدوم.. جاءت البنت على عجل؛ باتت قدرا لا يستطيع الفرار منه.. وبولادتها أصبح قرار الانفصال عن أمها قرارا صعبا وشاقا.. تمنى أن يرزقه الله بولد ذكر شقيقا للبنت البكر حتى يكون إلى جانبها عندما يكون الأب قد فارق الأم الفراق المحتوم.. جاء الولد الذكر الأكبر.. وتحرك الزمان فغدا الصغير شابا أنهى دراسته الجامعية ووقع قلبه في شراك زميلة له.. طلب المحبان منه مساعدته المالية ليتوجا عاطفتهما بالزواج.. بارك حبهما!! لكن العاشق لا يكتفي من أبيه ببركات من كلام.. ثار غضب الشاب على أبيه، وكتب إليه رسالة إليكترونية: “أين مالك الذي جمعته خلال وجودك الطويل في بلد من بلاد النفط؟!”.. يفترس الألم قلب الرجل الذي جعل من الدعوة للحب رسالة له؛ يتمنى أن يتزوج ابنه من الفتاة التي يحبها؛ يتمنى نجاح حبهما لسببين: لأنه حب.. ولأنه حب لابنه!! لم يجمع من فترة وجوده في إحدى دول الخليج مالا كما يجمع غيره.. حظه في العمل وفي الزواج عاثر ، وكان هذا الحظ العاثر هو أحد الأسباب التي دعته لمغادرة الدولة الخليجية النفطية التي يسعى الناس لدخولها.. عندما ترك بلدا نفطيا عربيا أفريقيا حينما أنهى إقامته وعمله فيها إلى البلد الذي منه زوجته الأولى، أنشأ مع والدها مشغلا لماكينات البلاط التي يجيد حماه صناعتها؛ فعل ذلك ليوفر لأبنائه من زوجته الأولى ولها مصدرا للدخل عندما يفارقهم.. عاشت الزوجة مع أبنائها بعد أن غادر هو البلد الذي هي منه، إلى دولة خليجية، قبل وبعد طلاقها في كنف أبيها دون أن يعانوا من مشكلات الحياة المادية؛ إلى أن مات جد الأبناء الذين زادوا إلى ثلاثة والذي كان لهم أبا بعاطفته.. ساءت الأحوال الاقتصادية في بلد الزوجة الأولى، وانخفض دخل المشغل بعد انتقال إدارته لخال الأولاد.. ابن هذا الخال اعتدى بالضرب على الابنة البكر، وطلب منها ومن إخوتها الرحيل من البيت الذي يقيمون فيه مع جدتهم من جهة أمهم وجدته من جهة أبيه.. تمزق قلب الأب البعيد على أبناء لا يرغبون في الالتحاق به ويطلبون منه الدعم المادي الذي يفوق قدراته.. ماذا أمامه أن يفعل غير أن يبكي بقلبه وبصمت رجل خالف وجهة السياسة في الشيء من وطنه فلم يحصد ما حصده الكثيرون من أنداده ومن هم دونه!! كان يتلقى عن تقارير صحفية يكتبها لصحيفة ما، بعض المال الذي لا يفي إلا بجزء يسير من احتياجاته المادية.. وباع قطعة أرض صغيرة كان قد ورثها عن أمه ليسدد  بعض ديون تراكمت عليه.. احتفظ بمشرط حاد ليضع به نهاية لحياته إذا بلغت به الأمور حدا لا يستطيع عنده مواصلة الحياة بكرامة.. كان معارفه يعتقدون أن زوجته العاملة بدولة ثرية، تتكفل بتغطية احتياجاته المادية.. لكنه، منذ بدأت علاقتهما لم يتدخل في شؤونها المالية وظلت تتصرف باستقلال عنه في هذا الجانب.. وكانت، لوقت محدود، “تفتقده” بقليل من المال وتشتكي دائما من فقر حالها.. لكنها تتكفل بتغطية احتياجات أبنائهما المشتركين، وقد اشترت لها شقة في المدينة التي تسكنها، ثم بنت لها بيتا آخر في المدينة ذاتها أيضا.. ودعته للعودة إليها..

كتب في نص تحدث فيه عن أحد فصول مأساته.. وعن رده على طلب زوجته له بمغادرة الشيء من الوطن.. قال..

جَيْشُ الخَرِيْفْ

يَجْتاحُ طِفْليْ

فِي حَلْقِ الرَبِيْعْ

يَغْرُزُ الطُوفانُ شَوْكَهْ

يَسْحَقُ الوَرْدَ فيْ

وَجْهِ القَمرْ

يَنْشُرُ المُرَّ في الحقلِ إذا

نَامَ إذا

قَام:

ــ أُحِبُّ أبيْ؟

ــ كلاّ!

عَلِيُّ يَزْعَمُ أَنَّهُ لا

يُحبُّ أبَنْ

تَركَ البَيْتَ وعادْ

إلى شَيئِنْ

مِنْ

وَطَنْ

الطَرِيُّ اْبْنِلْ

مُنادِيْ

بَهْجَةُ الحُبِّ صَلاتِيْ

يَفِرُّ مِنْ هاتِفِيْ

عافَ أباً كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ كانَ لهُ الـْ

مَلاذَ لَهُ وَلـْ

مَسَرَّهْ

يَبْغَضُ النَّاسَ وَيَبْغَضْ

عَلِيُّ الذَكِيُّ الزاكِيْ

أَنْدَادَهُ وَمَدْرَسَتَهْ

والأهْلَ والحارهْ

ويَزْعُمُ أنَّهُ لا

يُحِبُّ يَزَنْ

أخاهُ ولا

سَنابِلَ أخْتَهْ

ويَحْنِقْ

ويَصْرُخْ

خَلَعْتُكُما

أمِّيْ

و”ذاك”

لا يَقُوْلُ أَبِيْ

ويُهَدِّدْ

لأنْتَحِرَنْ

فَلِمَ لا يَعُوْدْ؟!

“هُوَ” لا يُرِيْد!!ْ

ولا أَنْتِ أُمِّيْ

ولا الحَياةُ حَياهْ

وعَيْناكَ عَلِيُّ ما

أَجْمَلَها

وتَخْزِنْ

ما عِنْدَ الُأمَّةِ مِنْ إحْباطْ

وحِقْدَ الشَيْطانِ الطِفْلْ

وَكُلَّ شَقاءِ الإنْسانْ

كانَ عَلِيُّ ابْنَ لَيالٍ مَعْدُوْدَهْ

تَرَكَتْهُ الأُمْ

مُكْرَهَةً فيْ

بلدِنْ

مُبْعدْ

ركَبْتُ الرِيْحَ حَمَلـْ

تُهْ

فَوْقَ الْجَوْرِِ العَرَبِيّْ

قانُوْنُ الكُفْرْ

أكرَهَ أمَّاً أنْ تَتْرُكْ

طِفْلاً ظامِىءْ

يَبْحَثُ عَنْ ثَدْيِنْ

بِكْرْ

فَيَجُوحُ الثَدْيُ النائي

ويَظَلُّ الْكُفْرْ

أصَمَّ يَظَلُّ وأعـْ

مَى

الأمُّ اليَوْمْ

مُكْرَهَةً أيضاً تَتْرُكْ

أكْمامَ الوَرْدْ

تَمْضِيْ

تَنْبِشْ

أرضَ الصَحْراءِ العَرَبِيِّهْ

تَبْحَثُ عَنْ

كِسْوَهْ

لِلأطْفالِ وعَنْ

لُقْمهْ

يَمْضُغُها الجُوْعُ وتَنْهَشْ

أَحْلاماً عَطْشَى

لِلدِفءْ

في الحَضْنِ الغائِبْ

نِصْفاً فيْ

سِجْنٍ ضيِّقْ

إسْمُهْ

غَزَّهْ

نِصْفاً فِيْ

لَهَبٍ فِيْ

آخِرِ ماءِ الشَرْقِ العرَبيّْ

طِفْلٌ يَحْمِلْ

وجْهُهْ

قلْبَ مُهاجِرْ

يرسمُ في كُرَّاسةِ بُؤْسِهْ

إسْمَ فِلِسْطِيْنْ

مَمْنُوْعٌ أنْ يَصْحَبْ

أُمَّاً تَشْقَى

في صَحْراءٍ لا تَعْبأ

بِبُكاءِ الطِفْلْ

لا تَعْبأ

بِالأُمِّ وبِالْحُبْ

لا تَعْبأ

بِحُقُوْقِ الإنْسانْ

والأبْ

بُرْجُهُ الأسَدْ

وَيَقُوْلْ

لا يَدْخُلْ

أَسَدٌ فِيْ

مِصْيَدَةِ الفِئْرانْ

قَضَى في غَياهِبِ الْعُرْبِ

جُلَّ عُمْرِهْ

يَتَدحْرَجُ نَحْوَ السِتِّيْنْ

ونَحْوَ النَقْلةِ الكُبْرى

وَأْوْصَى

هُنا

في بَيْتِ أمِّي العَتِيْقِ ادْفِنُوْنِيْ

في القَبْرِ الذِيْ

يَضُمُّ رُفاتَ أَبِيْ

لَعَلِّيْ

إذا قُمْتُ بَعْدَ المَوتِ أنْجُوْ

مِنْ عَذاباتٍ طَارَدَتْنِيْ

كُلَّما تَخَلَفَتْ

حُكُوْماتٌ عَنْ الإذْنِ لِيْ

بِالإقامَةْ

في بِلادٍ تُقاسِمُنا اللُغَهْ

تُشارِكُنا الدِّينَ لا

تُقاسِمُنا الأَمْنَ لا

نُشُارِكُها الرَّخاءْ

إلافُ يَا ابْنَة أُمْ

هاذا

بَيانٌ يَقِيْنْ

أَنا

هُنا مَزْرُوْعٌ وَلَنْ

أُغادِرْ

وَتَعالَ بُنَيَّ وَهاتْ

أَحِبَّتِيْ

وافْتَرِشُوْا مَعِيْ

فَقْرِيْ

فَإنِّيْ

لَمْ

أبِعْ

وَفِيْ قَانُونِ الْجَوْرْ

فِيْ السوقِ الأَمْرِيْكِيِّ العاهرْ

مَنْ باعَ التاريخَ وباعَ الحَقْ

أَوْ

يَصْمِتْ

يَقْبِضْ

عَنْ بَيْعِهْ

أَوْ يَقْبِضْ

ثَمَنَ الصَمْتْ

والنُّورُ الأَسَدْ

يَمْلِكْ

قَلْباً لا

يَقْبِضْ

لا أمْلِكُ حَقَّ الْبَيْعْ

لِمَسْقَطِ رأَسِيْ

يَافَا

وَكُلُّ فَلِسْطِيْنَ لَنا

وَأَبُوْكَ بُنَيّْ

لا يُتْقِنُ فَنَّ الصَمْتْ

لا يُدَجِّلْ

لا يُدَجَّنْ

لَنْ أُغادِرْ

غَزَةَ إنَّ هُنا

مَرْبَضُ الأَسَدِ الحَقِّ لا

هُناكْ

فِيْ العاصِمَةِ القَدِيْمَهْ

لَعَلِّيْ

إذا قُمْتُ دُوْنَ الْمَوْتِ أُجاهِرْ

يَا عَدُوَّ النَّاسِ يَا

ظَلامْ

لَنْ يَغْفِرْ

أَنْبِيائيْ

لَكُمْ

جَرِيْمَتَكَمْ

سَأُطَارِدْ

قَوْميْ

غَفْلَتَكُمْ

سَنُطارِدْ

عَارَ الإنْسانْ

كُلَّ خَطِيْئَهْ

إسْرَائِيْلَ ومَنْ مَعَكَمْ

يَا عَيْبَ الأرْضْ

خَطِيِئُةُ كُلِّ الأزْمانْ

لَنْ أُغادِرْ

أَنَا الْحَقُّ أكْبَرُ مِنْ

صَغَارَ العُرُوبَهْ

واكْبَرُ مِنْ

صَدْرِ امْرَأةٍ يَخْنُقْ

ثَوْرَةَ عَقْلِيْ

يَخْنُقْ

فَلَتانَ الرُّوْحِ مِنَ كَذِبٍ لا زَالَ يَطْغَى

ولا زَالْ

يُصادِرُ حَقَّ بَهْجَتِنا

أَلجَّهْلُ يَا

وَلَدِيْ

ألظُّلْمُ يَا

ولَدِيْ

بَنُوْ يَعْرُبْ

وبَنُوْ اليَهُوْدْ

وأَشْياعُ الجَرِيْمَةِ مِنْ كُلِّ الأُمَمْ

يَذْبَحونَ مَعاً طُفولَتَنا

والْحُبَّ وحَقَّ بَهْجَتِنا

فَيَا اللهُ يَا

بَهْجَهْ

تَقَبَّلْ

صَلاةَ النُوُرِ تَنَزَّلْ

بَهْجَةَ حُبٍّ يَا

كَريْمُ يَا

قَادِرْ

وَهَبْ

قَمَريْ

والخَلْقَ كُلَّهُمُوْ

سَلاماً وبَهْجَةَ النُوْرِ وهَبْنا

حُرِّيَّةً أنْتَ

هِيْ

فَنَغْدُوْ

ضِيْاءً ونَهْزِمْ

بَغْيَ الدُجَى

أُصَلِّيْ

إليْكَ رَبَّنا

بِالحُبِّ تَوَلَّ بُنَيْ

وامْلأْ

بِالحُبِّ قَلْبَهْ

وَقَلْبَ الأَنامْ

رَبَّنا

إنَّ العَظِيَمَ إذا دَعَوْتُهْ

زادَ عَطُاؤُهُ وَعَمَّ فَاسْتَجِبْ

رَبَّ بَهْجَتِنا اْسْتَجِبْ

****

بمناسبة العيد، تحدث هاتفيا مع ابنته الصغيرة.. البنت متفوقة في دراستها، وبعد أشهر قليلة ستتقدم لامتحان شهادة الثانوية العامة.. قالت البنت بنفس محبطة، ردا على تشجيعه لها للحصول على معدل مرتفع: “ما جدوى أن أحصل على معدل عالٍ إذا لم يكن أمامي مجال لدخول الجامعة!!”؛ الدراسة الجامعية في البلد الذي تقيم فيه، غالية التكاليف.. تابعت: “وأمي تقول أنها لا تستطيع تغطية نفقات دراستي الجامعية!!”.. قال محاولا أن يبعث فيها أملا يبدد يأسها:

–       “إنشاء الله تجيئي إلى غزة، وتدخلي الجامعة هنا!”.

–       “”كيف؛ وأنت لا تمتلك ثمن خبزك؟!”.

يعرف أن دخولها إلى غزة أمر غير ممكن طالما ظلت الظروف التي صاحبت الانتفاضة قائمة؛ فمنذ أن بدأت الانتفاضة (الثانية) في أراضي السلطة الفلسطينية، قبل حوالي عامين وخمسة أشهر، توقفت السلطات الإسرائيلية عن منح الفلسطينيين المقيمين في خارج فلسطين، تصاريح دخول إلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي تقوم فيهما السلطة الفلسطينية.. زوجته ترغب بقوة في زيارته.. تعودت أن تفعل ذلك منذ عودته إلى غزة.. وكان هو يستصدر تصريحا لها بدخول غزة نزولا عند رغبتها.. لم يكن يفعل ذلك برغبة منه.. من عادته، أن يفعل أشياء تُرضي الآخرين، وإن كانت لا ترضيه.. يقول “هذه أخلاقي أنا النوراني!!”.. في تقديره، هي صديقة.. وكان قد عرض عليها في إحدى زياراتها له، أن تستغل قطعة أرض ورثها عن أبيه، لتبني فيها بيتا لها، تستقر فيه هي وأبناؤهما؛ فهذا يجعلهم قريبين منه.. طلبت أن يمنحها القطعة فلا يشاركها أحد في ملكيتها.. رفض: “لك الهواء وفيه تستطيعين أن تبني بيتا لك؛ ومن حق أي من البنات والأبناء أن يستغل الهواء من فوق بيتك ليبني له بيتا أيضا!!”.. اختلفا.. عادت إلى بلدها، وهناك بنت لها فيلا.. عادت تلح عليه للحاق بها.. هناك في بلدها، تجد نفسها.. وهي بين أهلها.. والأبناء لا يهوون الانتقال إلى غزة خاصة بعد أن زاروا أبيهم فيها للمرة الأولى في الصيف الأخير قبل اندلاع الانتفاضة في 28 من أيلول (سبتمبر) عام 2000م.. وهو يحاذر من الإقامة في بلد غير بلده: “لن أملك حريتي كما أملكها في هذا الشيء من وطن.. الوطن هنا ليس هو ما أتمناه.. أنا أحلم بوطن في النور.. ومن النور.. لكن؛ لا أحد يستطيع أن يطردني من هنا!!”؛ قال لرجاء التي شاركته في التعبير عن الضيق الذي يشعران به، ويشعر به العائدون إلى قطاع غزة من خارجه، في هذا الشيء من الوطن.. رأى في منامه في الليلة الأخيرة، أنه سافر إلى اليمن.. هذه الرؤية المنامية تكررت كثيرا معه.. كرر مرارا: “اليمن واحدة من خمسة دول في العالم هي الأشد تخلفا.. ولكنني أعشقها”.. الأحزان تجعل منه أشلاء تبعثرها العاصفات.. أب يسع قلبه الناس أجمعين.. لكن أبناءه يتامى .. أم تعمل في بلد بعيد.. وأم جاهلة ضعيفة الحول.. وهو، في دروب الخيبة يهوي!!

والظلم الزاحف من كل صوب يُفاقم أساه.. شعب العراق في انتظار حرب تستعد القوة الأعتى الظلوم في العالم لشنها على بلده.. الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، تحشدان جيوشهما في منطقة الخليج، لخوض حرب في العراق، ستكون مدمرة وقاسية.. مصالح الرأسمالية العالمية ومعها مصالح إسرائيل تقتضي ضرب العراق.. الظلم في العالم هو المتحكم في مصير الإنسان، منذ بدء التاريخ: قوي يأكل الضعيف؛ لكنه يحلم بثورة الروح.. “فليكن عالما من النور.. ولتكن البداية من وطني.. وطن الروح!!”؛ يرزح وطنه تحت نير احتلال ظلامي يزعم أنه يستمد مشروعيته من عقيدة دينية تعود إلى النبي إبراهيم.. كتب في أول كتبه: “الدولة الإسرائيلية جماع الفساد الإنساني”.. الموت هنا طقس يومي لا يفلت منه الأطفال ولا الشباب اليانع ولا النساء الحوامل ولا الطاعنون في السن. هنا شعب منذور للموت.. والساسة الإسلاميون يكررون: “هذا الوطن في رباط إلى يوم القيامة!!”.. هو يؤمن بفلسفة للحياة.. ولكن الجنازات تغلق الشوارع، والصيحات تسد الأفق: “الانتقام.. الانتقام”.. الموت يجلب الموت.. يمقت السياسة والتجارة: “صناعتان للكذب والخداع وعدوانية الأنانية الظلوم.. يموت الواهمون المخدوعون الأنقياء ويتصارع السُرّاق على اقتسام الغنائم!!”؛ هذا ما يعتقده.. الشعب يتضور جوعا، وشاعر صديقه، يصبُّ جامّ غضبه على مسئول في حكومة السلطة الفلسطينية قرر أن يخصم من مرتب الشاعر الذي يتقاضاه كل شهر، دون أي مقابل عملي، ألفا وستمائة دولارا أمريكيا كانت حكومة السلطة قد صرفتها له “بدل” رحلة ثقافية قام بها إلى عاصمة عربية مع رفاق له، تقاضى كل منهم مثل ما تقاضاه، بدعوى المشاركة باسم فلسطين، في مهرجان ثقافي.. “ذهبت إلى هناك وضاجعت امرأة؛ لماذا يستكثرون ذلك، وهم يبددون الأموال بلا وازع ولا رقيب!!”؛ قال الشاعر الساخط .. وهدد الشاعر مسئولي السلطة أنه سيتحدث علانية عن فسادهم المالي والإداري إذا ما تم خصم ما تلقاه من مال “استثمره” في مضاجعة امرأة في المدينة التي ذهب إليها، على نفقة شعب يرزح تحت نير الفقر!!

يتألم مما يشاهد.. موظفو السلطة، يجتازون كل يوم، حواجز الموت التي تنصبها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الطرقات الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لتصيد المناضلين، ولتجعل من حياة المواطنين عذابا متواصلا.. كثيرون من موظفي السلطة، يتقاضون مرتباتهم لا عن خدمة يؤدونها لمواطنيهم.. كل موظفي السلطة نالوا وظائفهم بالواسطة.. وباستثناء قلة، يتقاضى الموظفون مرتباتهم مكافأة لهم على قتل الوقت في مكاتب جيدة التأسيس، وهم يحتسون القهوة والشاي، ويمضغون الكلام الفارغ.. والرجال منهم، منشغلون في التخطيط للإيقاع بامرأة في مصائد شهواتهم؛ فالحلائل لا يشبعن رغبة الجنس لدى رجال حظوا بوظائف يحصلون منها على المال بواسطة حرمت من هم أحق بالوظيفة منهم.. والنساء حصلن في حالات عديدة على الوظائف بواسطة رجال في نفوسهم طمع ذكري يسترونه حتى يظهر في وقت لاحق .. والموظفات من النساء، غير المتزوجات، مشغولات طوال الوقت بالثرثرة وبالتفكير في وسيلة يوقعن بها برجال في شباك الزواج.. وأمام مبنى المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، في مدينة غزة، يتجمهر عمال فقدوا فرصة العمل في المناطق التي تقوم فيها دولة إسرائيل.. يرفعون في أياديهم أرغفة الخبز.. ويطالبون بالعدالة؛ يطاردهم بؤس أطفالهم، فقد جفت محافظ المال في جيوبهم، مما يسد رمق أطفال ونساء وعجزة، يعولونهم!! سارع عضو مرموق في مجلس السلطة التشريعي بالخروج من مكتبه الفاخر وانتصب وراء الميكروفون.. حيّا صمود العمال، وطالبهم بالمزيد من العطاء للوطن!! ثم حملته إلى بعيد، سيارته الأنيقة، التي حظي بمثلها كل عضو في مجلس السلطة التشريعي، الذي جاءت به اتفاقية أوسلو، التي تنازلت فيها القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية عن حوالي أربعة أخماس الوطن.. كل عضو في المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية يتقاضى مرتبا يكفي ثلاثين أسرة من أهالي قطاع غزة الذي زادت نسبة معدلات الفقر بين سكانه عن 60%.. لسان حال المواطنين المسحوقين يقول في تهكم مرير على نفوسهم: “يستحق نوابنا مرتباتهم التي يتقاضونها من أموال الدول المانحة!! أليسوا هم الأبطال الصناديد الذين يقاومون بصدورهم العارية دبابات الاحتلال وطائراته؟؟ أليسوا هم الذين يقاومون الفساد المالي والإداري المتعفن في مناطق سلطتنا؟؟!!”.. فساد فساد.. هي سلطة الفلسطينيين الذين ناضلوا نضالا لم يناضله شعب آخر في المعمورة.. الانتفاضة الدامية تتواصل.. وزعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ المقعد أحمد ياسين، ومن فوق كرسيه المتحرك، يحث الشباب على نيل الشهادة، والفوز بحور عين ينتظرنهم هناك.. قال في نفسه: “الحق معك يا شيخنا المجاهد.. هناك حور عين، وهنا نساء بلا قلوب؛ هنا نساء منحوتات من حجر، لهنّ أرحام تحضن الأجنة ثم تقذفها للموت؛ فتتدلى كروش المنتفعين تحت تدليها!!”..

أحزان تتزاحم في قلبه.. من فوقها أحزان…. هذي “غزة لا تخلعْ.. في مساجدها الكنادر!!”.. كما يراها.. وعيون الرجال فيها يطمسها القذى.. “غزةُ لا تخلعْ.. في أحضان نسوتها الخناجر!!”.. والنساء؟؟.. “تلك امرأة تحشر في أنفي قيحا!!”.. “مرير أنت يا وطني.. ويقتلني فيك الضجر!!”.. مفاصل الوطن “حقدُنْ.. والبنات جَوْعَى.. والفقر يفترش العراء!!”.. يملأ الحزن نفسه، ويشتته.. لكنه يملك من الأمل ما ينتصر به على ظلام الجهل من حوله: وفيما الانتفاضة مشتعلة، توجه إلى الشيخ أحمد ياسين، زعيم الفصيل الأهم من بين الفصائل المشاركة في الانتفاضة، صاحب الأيديولوجية الإسلامية الجهادية.. ودعاه للانضمام إلى “جماعة حق البهجة – حب” التي سبق له أن أسسها، والتي تتبنى فلسفة للحياة، تناهض جبهة الموت التي تحاصر كل الأنفاس في وطنه، وتتهددها بالهلاك.. كان يأمل أن يقبل الشيخ دعوته، ليقول للعالم إن حركة فصيله تجاهد في سبيل الحياة، لا من أجل الموت.. “لو قبل الشيخ دعوتي؛ لكان هذا أكبر وأفعل رد على اتهام العالم الخارجي لشعبي بالإرهاب!! لكن الذكاء خان الشيخ الكبير الذي أحترمه بكل قلبي، رغم خلافنا الأيديولجي العميق!!”؛ قال “الإمام الأبيض”.. الشيخ واصل تحريض الشباب على مقاومة الاحتلال بالعمليات الاستشهادية التي ينفذها أفراد مفخخون بقوة التدمير؛ وواصل “ألإمام الأبيض” أحلامه، في وطن يخنق الحب، بقبضتيه القاسيتين..

نادى: “هدى!! أينك يا نور القلب.. أينك؟!”..

****

جلس جانب التينة مشغول القلب.. تنتصب اليافطة التي تحمل اسمه بين عينيه.. ظلت خمسة اشهر، معلقة في الهواء على شرفة البيت الذي رحل إليه من غزة، صامدة في وجه ريح الشتاء العاتي، تنتظر مرور الحبيبة من أمامها.. اليافطة فوق باب البيت الخارجي الذي يسكن فيه الآن، تنتظر زيارة ثانية من “الحبيبة”.. سأل نفسه متمنيا.. بينما يحدق في راية سوداء تلتف على نفسها في ركود الريح، معلقة على عامود الإنارة أمام بيته، راية تحمل شعار حركة جهادية تقاتل الاحتلال: “هل تدخل فجأة؟!”.. أضجرته شؤون السياسة.. في الانتفاضة الأولى (1987-1993م) كان لا يزال يقيم في مدينة من مدن الثراء العربي.. كان يقف في مصرف ويبيع مشغولات تراثية فلسطينية بأسعار عالية يدفعها المشترون وهم يعرفون أنه يبيعها لصالح الانتفاضة التي كان يودع في حساب مصرفي لها، حصيلة ما يجمعه.. عندما اندلعت الانتفاضة الراهنة، شرع في تأسيس لجان تتكون من المثقفين، تحت شعار: “المثقف في قلب المعركة”.. صعقه بعد أيام قليلة ما كشف عنه جهاز أمني فلسطيني من أن أحد المشاركين في تأسيس اللجان كان من العملاء للاحتلال الإسرائيلي.. خيانة الوطن خطيئة لا يستطيع التسامح مع مرتكبيها.. يؤسفه، أن يلعب الخونة من أبناء شعبه دورا خطيرا في ملاحقة واغتيال أفراد المقاومة المسلحة؛ يدرك أن الاحتلال الإسرائيلي ينجح في إسقاط العملاء تحت تأثير ظروف صعبة أو مستغلا نقاط ضعف بشري في أشخاصهم.. مع ذلك؛ فهو لا يستطيع التسامح مع خائن لوطنه وشعبه وقضيته.. هذا رغم أن التسامح إحدى أهم صفاته التي يعرفها عنه المقربون منه.. مشروع لجان المثقفين فشل؛ المثقفون محبطون، ولا يملكون قوة روحية مثل التي يمتلكها؛ يتهمونه بأنه يحلم بتغيير العالم، و “يزرع الورد في المزبلة”؛ كما قال له أديب كبير في غزة، عندما دعاه “الأمام الأبيض” للانضمام إلى “جماعة حق البهجة – حب”؛ لكنه ردّ:

–       “أليست مزبلة بوردة، أفضل من مزبلة بلا ورد؟!”..

–  “نحن مثقفي هذا البلد، نملك مفاصل متكلسة.. لا نستطيع مجاراتك فيما تطرح.. خير لك أن تبشر بفكرك في أوساط العامة من الناس، قد تصادف هناك من النجاح ما يعسر عليك أن تلقاه بيننا!!”..

أحد أصدقائه القدامى، وهو موضع اعتزازه، قام بزيارته للمرة الأخيرة، زيارة نصح.. دعاه فيها الصديق القديم، إلى الإقلاع عن إدعائه بأنه نبي: “هذه بضاعة لا سوق لها، لا بين عامة الناس، ولا بين المثقفين!!”؛ قال الصديق.. ابتسم “الإمام الأبيض” لصديقه، بعد أن أنهى نصيحته له، وتساءل بينه بين نفسه: “متى ادعيتُ أني نبي؟!”.. بعد عودته إلى الشيء من الوطن، وعندما أخبره صديق مشترك، أن الصديق الناصح هذا، موجود في غزة، ، غمرت السعادة قلبه، وقال في سره: “هكذا أستطيع أن أتنفس بحرية!!”.. قاطعه الصديق الناصح بعد زيارته.. وإن تقابلا صدفة، أو بادر هو إلى الاتصال الهاتفي به، يلمس منه استجابة سلبية، ما زال حتى اللحظة، لا يعرف لها سببا!!

قبل ظهر يوم الأحد، تحدثت معه رجاء من هاتفها الجوال الخاص بها:

–       “هل تناولت إفطارك؟”.

–  “أجل، فعلت ذلك امتثالا لما طلبته مني في محادثة الأمس؛ أضمرت أن أخبرك بذلك، عند أول اتصال بيننا؛ وأن أقول لك، إنني طفل مطيع!! أحد أصدقائي وصفني ذات مرة بأنني طفل كبير!!”.

–  “إني أتصل معك الآن من هاتفي الخاص، أفعل ذلك رغم أن الجميع يستخدمون هواتف العمل لأغراضهم الشخصية؛ لكني امتثلت لما قلته لي بالأمس بأنه لا يجوز استخدام هاتف العمل في الاتصالات الشخصية!!”.

–       “إذا ارتكب غيرنا الأخطاء، فإن هذا لا يسوغ لنا ارتكابنا نحن للأخطاء!!”.

سألته في مكالمة الأمس: “كيف قضيت نهارك؟ ماذا أكلت؟”.. حدثها عن زيارة والد “الـ..”.. لم ينطق باقي الكلمة: “حبيبة”.. فهمت معنى توقفه، اقترحت عليه أن يقول: “الجارة”.. تساءل بإحساس مبتهج: “هل تشعر بالغيرة؟!”.. يلاحظ أنه كلما يمس الحديث بينهما مسألة العلاقة القلبية، التي يحاول الاقتراب منها، تحرف هي الكلام في اتجاهات أخرى، يتساءل: “هل النساء مخلوقات من المراوغة؟!”.. تنهدت وقالت: “أرسل إحدى قريباته اليوم، وتحدثت معي في مسائل تتعلق بالجانب المالي، أشعر أنني مجروحة”؛ لكن سابق، الذي تأمل رجاء، أن تقترن به، والذي أوفد إليها قريبته، لم يتصل بها شخصيا، وهي لا تزال تنتظر؛ تحدثت عن خيبتها: “ضاعت مني قبل ذلك، فرصة زواج، كنت أتمنى أن تتم.. زميل لي في العمل، وجدت فيه كل الصفات التي أتمناها في الرجل الذي أرغب في الارتباط به؛ اقتربنا من الشروع في الزواج؛ لكنه تراجع قبل أن يبدأ التنفيذ!!”. ردّ عليها: “لا تتعجلي في اتخاذ قرار ارتباط برجل.. أتحدث إليك بقلب مفتوح، ولا أريد أن أقول بقلب…، حياتك بدون رجل لا يربطك به الحب، خير لك من زواج من رجل لا تحبيه ولا يحبك.. هذا موقفي؛ لا أريد امرأة لا أحبها.. لا أريد أن أكون أنا، أو تكون هي، كتلة صماّء من اللحم والشحم.. أريد علاقة بين روحين ناشطتين معا!!”.. تنهدت، وقالت:

–  “ترددت قبل أن أطلبك على الهاتف، خشيت أن يكون خطك مشغولا بالإنترنت؛ هل ينشغل خطك بالإنترنت فقط؟!”.

–       “ينشغل بالإنترنت بشكل رئيسي؛ أمّا اتصالاتي مع سواك فتكون قصيرة!!”.

انطلقت إشارة صوتية من هاتفه الجوال، تعلن وصول رسالتين عليه، تلكأ في فتحهما لمعرفة ما تتضمناه، أو التعرف على مصدرهما.. واصل الحديث مع رجاء: “انظري إلى السماء.. القمر بدر مكتمل.. وغيوم متفرقة تسبح في نوره”؛ استجابت لدعوته، ولكنها لم تتذوق جمال الصورة الفنية الكونية التي رسمها لها وهو يتذوقها!! كشف عن مصدر الرسالتين، صاح ببهجة طفولية: “إنها الشيطانة!!”.. لم يتبين فحوى الرسالتين الصادرتين منها؛ جوّاله قديم ولا يستقبل الرسائل المرسلة إليه باللغة العربية..

انتهت المكالمة بينه وبين رجاء بعد ساعة من بدئها.. هاتف “الشيطانة” التي لم يسمع صوتها منذ عدة شهور..

–       “هل قرأت الرسالتين؟”.

–       “لم يسجلهما الجوّال.. ماذا كتبتِ فيهما؟”.

قالت بدعابتها الحلوة المعهودة منها: “هبل!!”. سألها عن حالها وعن طفلتها؛ فقالت: “أية طفلة تعني؟!”.. أخفت عليه طوال فترة الحمل بها أنها حامل.. وأنكرت أنها ولدت عندما تحدث إليها في الموضوع بعد أن كان قد ترامى إليه أنها أنجبت طفلة.. بكت الطفلة التي تنكر أمها وجودها؛ قال لها: “أيتها الكاذبة؛ بكاء مَن هذا؟!”.. علا صوت بكاء الصغيرة؛ انفجرت “الشيطانة” ضاحكة.. بعد عودته من غيابه الطويل عن الوطن إلى غزة، شاركته “الشيطانة” التي سماها “حقل الفرح”، تجربة عاطفية اشتعلت بالجنون.. سألها من جديد:

–       “ماذا كتبت في رسالتيك؟”.

–       “شيئا تهواه!!”.

–       “في الحب؟!”.

–       “أجل!!”.

قال لرجاء قبل أيام قليلة، إن “الشيطانة” خرجت من دمه!!.. وتحدث مع “الشيطانة” عن رجاء..

****

ريح واهنة تداعب العلم الأسود المثبت على عمود الإنارة الواقف أمامه.. حماسه للانتفاضة واهن أيضا!! يتألم من مسلسل الموت الذي يحصد مواطنيه، ومعه عذابات متلاطمة فوق صدور بني شعبه.. ويتألم أيضا من الموت الذي يقع في صفوف الإسرائيليين.. في عقيدته الفلسفية: “هناك سبيل غير سبيل الموت”.. لا ينسجم مع حرب تجعل من إقامة دولة فلسطينية في أجزاء من فلسطين في الضفة الغربية وقطع غزة هدفا لها.. يقول: “كل فلسطين لنا”؛.. ويراهن على الوقت: “أوقفوا الموت في وطني.. ودعوا الحب ينتصر!!”.. في اعتقاده: بالحب الذي يجمع الرجال والنساء من بني شعبه، وراء الأبواب المغلقة، تنهزم الدولة الصهيونية.. إسرائيل لا تخشى أسلحة العرب المدججة جيوشهم بها.. تخشى إسرائيل على مصيرها من زيادة عدد الفلسطينيين عن عدد اليهود في دولة واحدة تضمهم معا.. لذا، ينادي: “فلسطين وطن واحد، لا يقبل القسمة.. وطن واحد لعاشقيه!!”.. بعد سنوات قليلة، ترجح كفة العرب على اليهود في حدود فلسطين التاريخية؛ فينتصر الحق بدون موت ودمار.. يقول: “بالحب المعقلن، نصنع وطنا للنور في فلسطين، فتعود فلسطين موطنا للنبوة التي تفتح المحدود الإنساني على المطلق الوجودي”.. الإسرائيليون يرفضون دعوة الحب التي يبشر بها؛ ففيها هلاك عدوانيتهم.. وهلاك ظلاميتهم التي تعود لعقيدة دينية ضالة.. الحب في النور؛ هو الدين الحق.. هكذا يعتقد.. والمتعجلون من بني وطنه، لقطف ثمار شجرة محرمة.. المستفيدون من حل عاجل يكرس وجود العدوان؛ لن يقبلوا دعوته.. التي لن تسمح لكروشهم بمزيد من الانتفاخ على حساب شقاء المعدمين، والأبرياء المخلصين.. قالت له رجاء: “أنت مختلف!!”.. أخبرها أنه تحدث مع شيخ السياسيين الدكتور حيدر عبد الشافي؛ فقال له الأخير: “وضعنا لا يسُر.. هكذا يريد قادتنا!!”.. قالت رجاء: “إذا كنت على معرفة بالدكتور حيدر، لماذا لا تطلب منه مساعدتك للخروج من وضعك الرديء؟!”.. أجابها: “لا أحب أن أفعل ذلك!!”.. تابع.. “أحترم من السياسيين اثنين: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد الشافي.. الأول رأس الحركة الإسلامية، والثاني يساري عتيق.. لا أتوقف عند أيديولوجية كل منهما، التي أتفق معها وأختلف.. لكنني أحترمهما لالتزامهما بمبادئهما!!”.. ذات مرة، سأل الدكتور عبد الشافي، عما إذا كان من المجدي للنضال الفلسطيني ضد إسرائيل، أن يستثمر الفلسطينيون الورقة الأخلاقية، في وجه العدوانية الصهيونية والجهات الداعمة لها؛ فرد الدكتور عليه مؤيدا الفكرة، لكنه استدرك،”ينبغي أولا أن تكون لدينا أخلاق!!”..  كانا لحظتها، يقفان على باب مكتب الدكتور حيدر، ليودع المضيف ضيفه.. ضحكا معا، وتصافحا.. وانطلق.. أخبرته رجاء، أن رجلا ذا لحية طويلة، تقدم لخطبتها.. اكتشفت أنه يستخدم اللحية للخداع.. قالت:

–       “الحمد لله أني كشفته قبل فوات الأوان!!”.

–  “الصدق تاج الأخلاق وفضيلة الفضائل أيتها الصديقة.. وكانت قد راودتني أحلام سياسية منذ مطلع شبابي.. لكنني الآن أرغب في شغل نفسي بالعناية بالأمومة والأطفال!!”..

صوت الصغيرة فيروز يجلجل من بيت أسرتها المجاور.. تصيح: “بدِّي الوح عند الدكتول”.. تقلب الراء لاما. قالت أمها له: “فيروز تحلم بك يا دكتور، وتقول إنها تحبك أكبر مما تحب أبيها!!”.. ينصح المترددين عليه للعلاج النفسي باللعب مع الأطفال.. تلقى ذات صباح، مكالمة هاتفية رفعت توتره العصبي إلى درجة خطيرة.. كانت من زوجته.. أحس أن ساقه اليمنى قد أوشكت على التعرض لخطر الشلل.. قال حينئذ لنفسه: “هل أترك نفسي فريسة لهذا الهجوم البشع من التوتر العصبي؟! كيف أفعل ذلك وأنا صاحب النظرية التي تعالج ببهجة الحب.. التي تجعل من الحرية شرطا لازما للبهجة.. واللعب ممارسة بريئة للحرية..”.. يعتقد أن اللعب مع الأطفال حرية مبتهجة.. يتابع مستكملا القصة: “كان طفل في الثالثة من عمره، من أبناء صديقي الذي كنت حينها أنزل ضيفا عليه، يقف أمامي، وهو يحضن كرة بيديه.. قلت له: هيّا نلعب معا.. استجاب الطفل على عجل..انضم أشقاؤه الصغار أيضا إلينا.. لم أشعر بالوقت الذي استغرقته ساقي لعودتها إلى حالتها الطبيعية.. وانتهى توتري.. وزال الخطر عني!!”.. رنّ جرس الهاتف الجوال، رنّة واحدة.. الرقم الذي استقبله الهاتف غير معروف له.. كثيرون من معارفه يفعلون ذلك عندما تكون لديهم حاجة للحديث معه، فيقوم هو بالرجوع إليهم، دون أن يبالي، رغم شحة ما يكسبه من مال، بأنه سيدفع في نهاية الشهر تكلفة الاتصالات العالية بالهاتف الجوال.. قال لنفسه: “قد يكون أحد المعارف يطلبني من هاتف ليس له؟!”.. عاد للرقم الذي سجله الهاتف، عرف الطالب من صوته، صاح ببهجة: “هلا عريسنا!!”.. منذ وقت طويل لم يتصل عاهد به، ردّ الأخير، مشيرا إلى مطلقته: “لا تزال تزعجني!!”.. كان “الإمام الأبيض” قد اتصل أمس مع مطلقة عاهد التي تتخذ من “الإمام” أبا روحيا لها.. شكت إليه: “عاهد يلاحقني بمضايقاته لي!!”.. منذ تعرف عليها وعلى زوجها عاهد، لم يتفقا على رواية واحدة عما نشأ بينهما من خلافات، كان يبذل جهده لتسويتها.. وكانت جهوده تكلل بالنجاح.. لكن الخلاف الذي انتهى بهما للانفصال، وقع من وراء ظهره، وبعد أن كان قد رحل من مدينة غزة، التي يسكناها، إلى البلد الذي فيه هوى قلبه!! ناشد المنفصلين اللذين يجمعهما طفل لهما جاء بعد أكثر من عشر سنوات من زواجهما: “لا تخوضان حربا بينكما.. ما وقع قد وقع.. المستقبل مفتوح أمام كل منكما.. تنعكس علاقتكما على طفلكما؛ أفضل لكما وللطفل أيضا أن تكونا صديقين.. هذا أجمل لكما وللطفل وأنفع أيضا!!”..

لكنه يدرك أنه “لا أحد يؤمن بك!”؛ كما رددت عليه زوجته مرارا!! التي أنذرته من عاقبة اقترانه بامرأة أخرى: “ستخسرني وستخر أبناءك مني، وعليك أيضا أن تتوقف عن الكتابة في الصحيفة التي تكتب فيها.. سأقول للأولاد أنك توفيت!!”..

****

قالت له رجاء:

– “أشعر أنك لا تحب الحديث عن مسألة عودتك إلى زوجتك وأبنائك!!”..

–       “أنا هارب!!”..

لا يزال يواصل الهروب منذ ارتبط بالزواج.. هل سيهرب من رجاء أيضا؟! يقول في نفسه: “سأهرب منها إلى الموت”؛ إنها فرصتي الأخيرة؛ وستكون رجاء سجنه الأخير.. ستكون السجنَ الموصولَ بالموت.. يتساءل: “هل الزواج مشروع للموت؟! لماذا النساء في العادة، يفضلن موت أزواجهن على هروبهم من سجونهن؛ ورثن هذه الصفة من عهود سحيقة تعلمت المرأة فيها أن تفترس الرجل الذي يقضي حياته في افتراس الآخرين، ومنهم امرأة يطاردها فتراوغه ثم توحي له أنها استسلمت له فيتوهم أنه اصطادهها.. لكنه يكون قد وقع هو في شباك الموت فيها!!”.. يقول الإمام الأبيض: “وهْمُ القوة يحكم الرجال؛ لكن الفضيحة تنكشف لدى سقوطهم على النهود وفي الزوايا الرطبة!!”.. صوت أم كلثوم يصدح من المذياع: “لستُ أنساك وقد أغريتني..!!”.. الليل يلف الناس، وأبواب بيته لا تزال مفتوحة؛ يجلس تحت الشرفة ملاصقا لجذع التينة: هدى في قلبه وعقله ونهاره وليله وحلمه؛ ينتظر رنين الهاتف الآتي من رجاء.. تتقدم قطة الجيران مطمئنة نحو طبق مملوء بالسمك وضعه لها فوق جدار الفناء الخارجي للبيت الذي يسكنه؛ يضع لها بقايا الطعام كل يوم.. كانت رجاء قد قالت له في مهاتفة صباح اليوم إن عليه أن يأكل ما تبقى لديه من السمك الذي طبخه قبل أسبوع، قبل أن يفسد، حيث لا يملك ثلاجة يحفظ فيها الغذاء. عندما رغب في تناول الطعام اكتشف أن السمك لم يعد صالحا للأكل!! ماءت القطة، قفزت وراء السمك الذي سقط من فوق الجدار فتبعثر فوق أرض الفناء الذي يجلس فيه.. أخذ يراقبها ببهجة: لا تزال مطمئنة!!

روى لمعارفه أكثر من مرة أن الله أنقذ عشرين أسرة كاملة لا يقل عدد أفرادها عن مئة، كان هو وعائلته من بينهم، من موت محقق عندما جنحت بهم مركبة ركاب كبيرة كانت منطلقة على طريق معبد على حافة جبل ينحدر السفح من قمته مستقيما يشكل زاوية عمودية مع قاع الأرض السحيق عند بدايته التحتية..

ماءت قطة على الجدار المقابل لنافذة مطبخ بيته في مدينة عربية كان يقيم فيها، قال لنفسه إنها تطلب منه ماء لتشربه.. كان صوت سيارة تنظره في الخارج، يشق الأفق، يحثه على سرعة ركوبها، وكان الأطفال أبناؤه يتصايحون ببهجة وهم يندفعون من باب البيت إلى جوف السيارة التي ستقلهم للحاق بالمراكب التي ستقلهم مع كثيرين في رحلة بين جبال شاهقة.. الزوجة تلح عليه بدعوته للخروج، وهو يرد عليها: “سأضع ماء للقطة قبل أن أغادر البيت؛ أشعر أنها ظمأى!!”..

انطلقت الرحلة فوق قمم جبال يلف بها السحاب، وعلى طريق كأنها الصراط المستقيم الذي تصفه كتب الدين: الدقيقة الحادة كما لو كانت في رقة وحِدِّة نصل السكين، ومن لا يملك رصيدا من العمل الصالح الذي جناه في حياته الدنيا لن يفلح في المرور منه صوب الجنة، وسيهوي في قاع الجحيم الذي يمر الناس في يوم الحساب الأخروي من فوقه!! فرقع صوت انفجار وارتجت الحافلة الكبيرة الحبلى حتى الثمالة ببهجة راكبيها، وبأجسادهم، ارتجفت قلوب الصغار والكبار، كبح السائق بمهارة اندفاع السيارة وهو يجاهد للسيطرة عليها وإبعادها عن الحافة المفتوحة على قاع الموت الغائر.. تجمدت نظرات العيون وتدافعت الأنفاس وسكتت الأصوات.. الحمد لله.. الحمد لله.. نجى ركّاب الحافلة من السقوط عن قمة الجبل الشاهق إلى بطن الوادي السحيق الذي كاد يقع عندما انفجرت عجلة السيارة الأمامية من الجهة اليمنى فيما كانت تنطلق مسرعة في خط لا يفصله عن الهاوية الواقعة عن يمين السيارة غير مسافة قصيرة جدا، وغير آمنة.. قال “الإمام الأبيض” لزملاء الرحلة عندما حطوا رحالهم فوق رأس جبل من الجبال العالية: “نجونا بفضل الله لأني رفضت أن ألحق بكم إلا بعد أن أطفأت ظمأ القطة!!”.. ردّ عارفوه بعيون تضج بالتساؤل الحائر: “لستَ ملحدا إذن!!”..

عندما أنهى كتابة رسالة “المبادئ”، طلب من صديق له، صومالي مثقف، أن يحمل نسخة منها إلى أديب كبير.. استأذنه الصومالي في قراءتها.. في اللقاء التالي بينهما، قال له الصديق: “هذا هو الإسلام؛ أنت كتبته بأسلوب جديد!!”.. لم يكن خطر على باله أنه كتب في “المبادئ” عن الإسلام، قال في نفسه: “قد يكون ما تقوله صحيحا يا صديقي؛ فالمثل العليا سماوات مفتوحة يحلق المبدعون في آفاقها!!”..

“المبادئ” صورة فلسفية لجماعة خلقها خياله الجامح.. قضى عمره يجري وراء الخيال والنساء! يذكر “الإمام الأبيض” مرارا ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي من أن “النبوة خيال!!”.. قال لزوجته: “لو كانت ورائي امرأة مثل خديجة، لكنت نبيا!!”.. ويردد: “لولا خديجة ما صار محمد نبيا!!”.. في الواقع، يرغب هو في امرأة مجدولة من زوجتيِّ النبي خديجة وعائشة معا!! قضى النبي شيخوخته في صبابة مع عائشة؛ يرى أن من جمالات النبي، عشقه للنساء!! سأل نفسه وهو لا يزال ينتظر رنين الهاتف: “هل تقبل رجاء أن أحبَّها وأحب معها غيرها من النساء؟!”.. أرخى جسده على سرير المرضى الذين لا يجيئون إلا نادرا: “كل مشروعاتي فاشلة!!”، قال وأضاف: “حتى رجاء!! فما هي إلا سراب ألهث نحوه، لكنني سأزداد ظمأ على ظمئي!! قد يكون سابق الآن في زيارتها!!”.. يصدح صوت أم كلثوم: “أين من عيني حبيبي؟!”.. وقف أمام مرآة صغيرة: “وجهي شاخ ولن تقبل بي؛ قالت إنها تبدو وكأنها في العشرينات من عمرها!!”.. ألقى جسده المعتل النفس فوق سرير المرضى مرة أخرى؛ بحلق في السقف الذي تسكن فوقه ذكريات “الجارة”.. ما زال ذبيح العزلة.. قال لرجاء: “أنت أُنسي!”.. سكتت رجاء!! كان يسمي “الشيطانة” باسم “حقل الفرح؛ لكن زوجته كانت تصفها بأنها “شرموطة”. وعندما خسر معركته معها، كتب: “مضى.. مضى.. حقل الفرح!!”.. وسمى “الجارة في شعره، “حقل الورد!!”.. لكن الزوج “البقرة” اشترى “حقل الورد وطواها في زرائبه!! خرج إلى الفناء الخارجي: القمر بدر مكتمل، والشرفة ترتدي في برودة الشتاء عباءة الموت!! تقترب الساعة من الثامنة ليلا، ولا يزال الهاتف صامتا، نفد صبره وهو ينتظر رنين هاتف يأتيه من “أنسه”.. عاد إلى حجرة عمله، رفع سماعة الهاتف، ضغط أرقامها.. الخط مشغول؟! كرر الطلب، لا يزال الخط مشغولا.. غرز عينيه في صورته التي تعكسها شاشة الكمبيوتر التي يجلس قبالتها.. يرتفع صدره وينخفض تحت لباس ثقيل، هرب من إلحاح عقله عليه بالتفكير في أسباب انشغال هاتفها، لا يراوده الأمل بأن علاقته بها ستثمر رابطة دائمة؛ قال لنفسه: “ما رجاء إلا سحابة صيف في صقيع يلفه!!”.. طلبها للمرة الثالثة؛ لكن الهاتف ظلّ هذه الليلة مشغولا بغيره!!

****

نهض صباح اليوم التالي من نومه تحت ضغط الحاجة للتخلص من فضلات الجسد.. أفرغ ما كان يضايقه، وعاد للفراش بعد أن فتح نافذة حجرة نومه المطلة على جدار بفصله عن بيت الجيران.. رأس امرأة يتحرك في الفناء المجاور.. وفوق سطح بناية مجاورة، تستغرق حمامتان في علاقة جنسية: المنقار في المنقار، الأنثى ترقد، يقفز الذكر فوق ظهرها، ويهز جناحيه بقوة مبتهجة وهو يضغط مؤخرته في مؤخرتها.. وهو في هذه اللحظة المبكرة من النهار، يستعر بالشهوة لامرأة يصلي فوق شفاهها وبين تلالها وزواياها؛ يتذكر رجاء: “لكنها ليست خديجتي!!”.. قالت له أن عدم التزامه بالصلاة، يقف وراء عدم قبولها للارتباط به:

–       “غدا الاثنين، هل ستصلي كما صليت يوم الجمعة؟!”.

–       “هل هو عيد أيضا؟!”.

–       “نعم، النبي ولد يوم الاثنين!”.

–       “مشكلتي أنني لا استطيع أن افعل شيئا يخالف قناعاتي!!”.

بعد انتهاء مكالمته معها، اتصل بقريب له، تحدث معه عنها، وعن سبب رفضها له.. ضحك الشاب وقال: “إذا كانت الصلاة هي الحل؛ فإن أسبوع صلاة ليس شاقا ولن يضرك!”. سأل نفسه: “هل تريد رجاء رجلا صادقا أم مخادعا؟!”.. لا يخفى عليه، أن الخداع سهل، قال لنفسه: “لكن الصدق فضيلة، وأحب أن أتمسك بها وأنا أعي أنها تزج بنا في المسالك الوعرة!!”.. وصفه أديب خلال ندوة، بأنه “متسلق”؛ لم يغضب منه؛ ولكن، غضبت عليه زميلة له في مهنة الصحافة: “قم وردّ عليه؟!”.. ابتسم، وطلب منها أن تتحلى بالصبر.. غادرت الزميلة الندوة وهي مغتاظة منه.. قبل أن تنتهي الندوة، طلب الكلمة، فاجأ حضوره الأديبَ الذي هاجمه، ولم يكن هذا الأديب على معرفة شخصية به من قبل، وبنى فكرته عنه بالسماع من مبغضين له.. وقف على المنصة وقال موجها الحديث للرجل الذي هاجمه: “أشكرك يا أخي، أشكرك من كل قلبي.. أنا كما وصفتني بالضبط.. أنا متسلق؛ نعم أنا متسلق.. ولكنني أتسلق الطرق الوعرة.. أتسلقها نحو القمم!!”.. اعتذر الرجل الذي هاجمه بقوة، ورجاه أن يكتب عن ديوان جديد له!! قال في نفسه: “قد أخسر رجاء، ولكن خسارتي لها أهون من خسارتي لمبادئي!!”.. يلفه الأسى، قرر أن يعود إلى طيّ كتاب النسوان من جديد؛ تذكر ما قالته له زوجته مرارا: “لن تجد امرأة تؤمن بك!!”.. نوى أن يوجه علاقته مع رجاء في اتجاه آخر. تحدث معها عن رغبته في إنشاء مؤسسة تُعنى بالأمومة والطفولة؛ استحسنت الفكرة واقترحت عليه أن يؤسس جمعية أهلية لهذا الغرض، وقالت: “أكون أنا رئيستها، وتكون أنت نائب الرئيس؛ أم أنك لا تقبل أن تكون نائبا لامرأة كما هو شان الرجال هنا؟!”. أكد لها أنه ليس حساسا من هذا الجانب، وان طبيعة عمل الجمعية المقترحة تستوجب أن ترئسها مرأة.. فردت: “بل تكون أنت الرئيس!!”. كان تفكيره قبل ذلك يتجه إلى تنفيذ فكرة تأسيس جمعية تُعنى بالأمومة والطفولة في المنطقة التي تسكن فيها “الجارة” مع زوجها، وكان ينوي أن يسمي الجمعية باسم ابنها.. قبل ثلاثة أسابيع، في يوم اثنين أيضا، ذهب إلى منطقة سكنى “الجارة” لاستئجار بيت يبدأ منه الانطلاق لتنفيذ مشروعه.. في المكالمة الأخيرة، سأل رجاء عما إذا كانت تعرف بيتا في منطقة سكناها، لاستئجاره بغرض بدء المشروع الذي اتفقا على الاشتراك في تنفيذه.. بعد نصف ساعة من الحديث الهاتفي بينهما، أبدت رجاء رغبة في إنهاء المكالمة؛ سألها: “هل يحمل هذا رسالة؟!”.. أجابت: “كلا؛ لكني لا أريد زيادة الأعباء المالية عليك من طول المكالمات الهاتفية بيننا!!”.. استمر حديثهما بعد هذا القول إلى ساعة وربع الساعة.. جدد تشجيعه لها لاستكمال دراستها والحصول على درجة الدكتوراه.. خاطبها:

–       “من هذه اللحظة؛ أنت الدكتورة رجاء”.

–       “سألقي على عاتقك مسئولية إنجاز هذه المهمة!!”.

–       “أنا مستعد لذلك!!”.

اتصلت به صباح الاثنين:

–       “هل صليت؟!”.

–       “هل تفضلين الصدق أم الخداع؟!”.

–       “أفضِّل الصدق بكل تأكيد، وأريدك أن تصلي عن قناعة!! هل تناولت طعام إفطارك، أم لا؟!”.

–       “لا أهتم بشؤوني!!”.

–       “هل توقعت اتصالي؟!”.

–  “أحب سماع صوتك دائما يا رجاء.. آسف، يا مدام رجاء!! هل ما زلتِ تفضلين أن أناديك بـ “يا مدام رجاء”؟!”.

–       “أجل!!”.

–       “إذن، لا زلتِ تقيمين الحواجز بيننا!!”.

في حديثه مع رجاء، قال عن موقفه من المسالة الدينية:

–  “إيماني بالله عميق، لكن موقفي من مسالة النبوة، مختلف: أعترف بعظمة النبي، وبالنبوة أيضا؛ لكنني افعل ذلك بطريقتي!!”.

–       “لا أرى الأمور بطريقتك الفلسفية؛ أراها بواقعية، عليك أن تكون واقعيا!!”.

–       “طرقتُ باب قلب واقعي، رجوت أن أتعلم منه منهج الواقعية، لكنه صدّني!!”.

تابع.. “اخترت أن أكون صادقا مع نفسي، لذا؛ أنا لا أزال أعيش على حصيرة.. لو اخترت طريقا آخر، فلربما كنتِ أنتِ الآن مديرة مكتبي، لا مديرة مكتب رئيسك ذي الوظيفة المرموقة.. للصدق ثمن دفعته، ولست نادما!!”.. الحمامتان سابحتان في الحب في نور شمس يوم شتوي دافئ؛ والمذيع يفضح ما يفعل الناس: أحد عشر فلسطينيا سقطوا قتلى في الساعات الأخيرة، ستة منهم ماتوا بانفجار غامض، والباقون قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ وفي إحدى نصوصه، كتب: “دينك الحق يا حمام!!”.. “أقلقتني المسالة الدينية منذ عشرات السنين، وموقفي منها ليس ارتجاليا ولاعبثيا”؛ قال لرجاء، لكنه لم يخبرها أنه أول من أسس حركة جهادية فلسطينية إسلامية لمقاومة المشروع الصهيوني..

****

كان حينئذ لم يزل في الثالثة والعشرين من عمره.. لكن عاصفة الشك في مفاهيمه الموروثة اجتاحت عقله؛ فعصفت بكيانه.. ها هو الآن، وحيد في برد الغربة، رغم أنه فوق أرض وطنه.. كتب يصف حاله: “أنا هنا بين حجارة كافرة!!”.. تمتم لسانه المحبط: “رجاء ليست مُخِلِّصتي!!”.. دلق في زوره ما تبقى في كأسه من شاي بارد مضى عليه ساعة وهو يحتسيه، الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، التينة وراء ظهره، والنافذة التي تطل عليها مغلقة.. وهدى تنتعش في خياله!!

يتذكر أنه طلب من دكتورة صديقة وصفت نفسها أنها لا تخطىء قراءة الفنجان؛ أن تقرأ له فنجان قهوته.. تفحصت الدكتورة رسومات الفنجان ثم زرعت عينيها في عينيه.. قالت له إن المرأة التي ظل يعتقد منذ أول عمره أنها أمه، هي في الحقيقة ليست كذلك.. سأل بدهشة فيها دعابة: “مَن أمي إذن؟!”.. أشارت قارئة الفنجان الدكتورة الواثقة من صحة ما قالته، بحركة من يدها تعني أن أمه الحقيقية ماتت ذبحا!!

–       “متى؟!”.

–       “لحظة ولادتها لك”..

–       “فهل الرجل الذي عشت في رعايته هو أبي حقيقة لا أبي بالتبني؟!”..

–       “نعم، هو أبوك حقيقة لا بالتبني!!”..

قضى سهرة ممتعة في ضيافة الدكتورة قارئة الفنجان وزوجها الدكتور الذي ربطته به علاقة متميزة منذ أيام الشباب.. وعندما أخبره صديق مشترك أن صديقه الدكتور زوج الدكتورة قارئة الفنجان موجود في غزة، أبتهج من أعماق قلبه، وقال: “ها قد انشقت في جدار العزلة نافذة للروح في بلد هجرته الروح!!”.. لكن “نافذة الروح” انطمست أيضا بعد وقت قصير لأسباب لم يتبينها.. قاطعه الصديق الأثير لديه، وفشلت كل محاولاته لاستعادة الصديق الذي ظلّ يسكن قلبه منذ عقود!!

أغلق أبوابه على غير العادة.. نفسه مغلقة أيضا في قنوط يتلبسها: “لا بد أن أغادر هذا البلد”؛ قال لنفسه وتساءل: “هل قراءة الدكتورة لفنجاني تطابق الحقيقة؟!”؛ راوده خاطر: “قد يكون حدث ذلك؛ لو أن هذا حدث فعلا فهو سبب لهاثي المتواصل وراء المرأة.. أبحث عن أمي التي فقدتها منذ ولادتي؛ سأبقى الهث إذن.. ودون جدوى!!”.. يرى، أن الرجل يبحث طوال عمره، عن مرأة يستعيد فيها أمه: “مَن يفقد أمه في حادثة مخيفة، يتم فيها ذبحها؛ يقضي عمره كله ذبيحا في طلب المرأة!!”.. بعد عودته إلى غزة، قصد مركز وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين لاستخراج بطاقة تمنحها الوكالة لكل لاجئ مثله.. بحث الموظف المسئول في الأرشيف عن اسمه المفترض أن يكون مدرجا تحت اسم أبيه، فلم يجده: “ما اسم أمك؟”؛ سأله الموظف، وعاد يقول:

–       “هل أنت متأكد أنك ابن المرأة التي قلت أنها أمك؟!”.

–       “لا أشك في ذلك!!”.

عاود الموظف البحث عن اسمه مع أسماء قريبة له: “هل تعرف امرأة تحمل اسم..؟”.. ردّ على عجل:

–       “نعم، نعم!!”.

–       “اسمك مدرج معها باعتبارك ابنها!!”..

هذه المرأة التي يقع اسمه تحت اسمها في سجلات اللاجئين ليست أمه التي يعرفها.. سأل خالته لأمه التي يعرفها: “هل حضرت يوم مولدي؟!”.

–       “أجل، وحملتك ساعتها، وغنّيْت لك”.

–       “أنا ابن أختك إذن!!”.

–       “غريب أمرك.. هذا مؤكد؛ لماذا تشك في ذلك!!”.

****

الدكتورة قارئة الفنجان أكدت له أن قراءتها دقيقة، كما تشهد لها تجارب سابقة؛ سأل نفسه: “هل هناك أشياء جديرة بتصديقها بدرجة مطلقة وأن نمنحها ثقتنا التامة؟!”.

قال لرجاء في المهاتفة النهارية الأخيرة: “أحب سماع صوتك دائما!!”.. لكنه قرر أن يجعل من هذه الليلة التي تجاوز الوقت فيها آذان العشاء، أول ليلة لا يتحدث فيها معها.. نادى هدى.. وقفت أمامه.. كان جالسا على كرسيه الهزّاز، بحلق في عينيها، لفّ خصرها بذراعيه، جذبها إلى حضنه، لفّت كفاه رأسها، لثم شفتيها بقبلة ملتهبة، تراجع رأسه قليلا عنها: “منذ الآن، لن يشغلني سواك!!”.. حضنته بذراعيها البضتين؛ أضاءت البهجة عينيها ومحياها.. تدحرجت دموعها على خدودها المتوردة، ورمت رأسها فوق كتفه.. حملها بين ذراعيه، وأطلق في بحار الخيال أشرعته.. جلس مطرقا ساهما، إلى أن أيقظه رنين الهاتف، رفع السماعة.. رجاء على الطرف الآخر.. رجاء عادت على التو لتملأ وجدانه.. ودفعة واحدة!!

وفي صباح اليوم التالي، وكان الطقس صباحيا دافئا، استيقظ مبكرا.. استدعى خياله رجاء وهو لا يزال في الفراش.. تخيلها تقول له: “لا أستطيع الاستحمام قبل ذهابي للعمل!!”.. تخيّل أنه يرد عليها وهو يتخيل أن يده كانت تتسلل تحت ثيابها: “تستطيعين الذهاب إلى عملك دون اغتسال.. إني أشتهيك!!”.. لا يزال الخيال متواصلا: استسلمت له، قبض على شفتيها بقوة جوعان ظامئ.. أفرغ توتره.. مضى الخيال، فقام وفتح باب البيت الداخلي: “صباح الخير يا تينة!!”.. صمت لحظة ثم تابع: “رجاء ليست لي؛ هدى والتينة لي!!”.. التينة ذكرى حبِّ لم يهجره. وهدى حلم.. يوم أن رحل من غزة إلى هنا، كانت هدى والتينة قد بلغتا الثالثة عشرة من عمرهما.. هاتفته رجاء ليلة الأمس مرتين؛ قال لها: “هممت ظهيرة هذا اليوم أن أهاتفك، شعرت أنني كنت قاسيا معك خلال مهاتفة الصباح!!”.. ردّت: “بل أنا التي كنت قاسية!”.. أخبرَتْه أنها اتصلت مع مدير المستشفى الذي كانت أمها قد توفيت فيها، نتيجة إهمال المدير وطاقم المستشفى، كما تعتقد.. كانت تحمل شعورا بالحقد عليهم.. توفيت أمها بعد خمسة أيام من رحيله من غزة إلى هنا.. في الذكرى الثامنة لقدومه إلى الوطن بعد اغتراب طويل..

كانت رجاء قد تحدثت قبل يومين مع مدير المستشفى بقسوة؛ وفي المحادثة الأخيرة التي بادرت هي إليها، اعتذرت للمدير عن قسوتها:

–       “أسعَدَتْه مكالمتي جدا!!”.

–  “أنتِ فعلتِ ما تدعو إليه فلسفتي.. سعادته هي بهجة الحب، أنت أيضا ابتهجت لبهجته باعتذارك إليه.. من الأجمل أن نفتح كل يوم كتابا جديدا!!”.

في المكالمة الأولى لهذه الليلة بينه وبين رجاء، تنهد بأسى عميق؛ ردت بلهجة احتجاجية، تعكس ضيقها: “هل اتصلت بك لأسمع تنهدك؟!”.. ردّ: “يبدو أن واحدا منا لا بد أن يتنهد”.. ردّت بخفة روح: “لماذا لا نبتهج معا؟!!”.. هذا ما يتمناه.. أوقفت المكالمة كيّ لا تلفت نظر ابنتيها اللتين ترقبانها باندهاش.. بعد نصف ساعة، عاد جرس الهاتف عنده للرنين من جديد؛ بدا من حديثها أن مزاجها متعكر.. أخبرته أن سابق اتصل بها، لكن القلق والخوف لا يزالان يسكنا قلبها.. تحدثت بأسى: “لا أزال أريد الارتباط به، ولكن، كيف أطمئن إلى أنه لا يريد الزواج مني طمعا في مالي الذي يأتيني من عملي؟!”..

–       “واحد فقط، هو الذي لا يسأل زوجته عن مالها الذي تتقاضاه عن عملها!”.

–       “أعرفه، إنه أنت!!”.

–       “الناس هنا يعتبرون أن الزوجة ومالها ملك للزوج!!”.

–  “قد يكون في ذلك شيء من الصواب: المرأة تعمل على حساب الوقت الذي يجب عليها أن تمنحه لزوجها!!”.

–  “أنا لا أشجع عمل المرأة المتزوجة، وأرى أن وظيفتها الحقيقية هي أن تصنع البهجة لها ولأطفالها ولزوجها؛ لا أريد العودة بالمرأة إلى عصر الحريم.. أريد تحريرها من أعباء وظيفة تمتص ماتمتلكه المرأة من قدرة على إبداع عالم أجمل.. لا أصادر حرية المرأة الإنسانية، اقتراحي يوفر لها الحرية الجميلة!!”.

–  “أتمنى لو أنني لا أعمل في وظيفة رسمية، أتمنى لو ينحصر عملي في البيت وفي المشاركة في أنشطة اجتماعية!! لكن، هل لا تشجع عمل المرأة قبل الزواج؟”.

–  “أشجع عمل المرأة قبل الزواج، فهذا يكسبها خبرة بالحياة، ويمنحها فرصة للالتقاء بشريك المستقبل.. فإذا تزوجت، وأنجبت، أصبح من حقها على المجتمع أن يرعى وظيفتها الجديدة.. وظيفتها الأجمل!!”.

عاد للحديث عن مشروع رعاية الطفولة والأمومة الذي اقترح عليها تنفيذه معا، قالت:

–       “أي نشاط لي بعد زواجي من سابق لن يكون إلى بإذنه وموافقته!!”.

–       “هكذا، أنتِ تغلقين الباب في وجهي بالإسمنت المسلح!!”.

–  “أرجو أن يوفقك الله في الارتباط مع امرأة غيري, وأعدك أن أقوم أنا وزوجي بتبادل الزيارات العائلية معكما!!”.

–       “حينئذ سأسترق النظرات إليك!!”.

–       “كلا، لن تفعل؛ فستكون زوجتك حبيبة لك!!”.

قال في نفسه: “بل أنت الحبيبة!”؛ ثم سألها:

–       “لماذا ترفضين زيارتي في هذه المرحلة؟!”.

–       “لا أريد التشويش على نفسي!!”.

تبدو وكأن قلبها معه، وعقلها يختار سابق زوجا لها.. سألته:

–       “أخبرني بالضبط عن أحوالك المالية؟”.

–       “صعبة؛ هل هذا سبب يضاف لأسباب رفضك للارتباط بي؟!!”.

–       ” ماذا تنوي تسمية الجمعية التي تعتزم إنشاءها؟!”.

–       ” سيكون مركبا من اسمك واسمي! لماذا تهربين كلما أحاول الاقتراب من المسألة العاطفية بيننا؟!.

–  ” ألا تلاحظ أن هناك إشارة صوتية تشير إلى اتصال هاتفي يطلب صاحبه التحدث معي.. أحسب أنها صديقة لي ترغب في التحدث معي هاتفيا، تنتظر مني أن أتصل بها، إنها تذكرني بوعدي لها بذلك، إنها لا تزال غير متزوجة، تكبرني ببضع سنين، لا تسألني عما إذا كانت تقبل بك زوجا، لن توافق، إن ظرفك المالي صعب، سأتحدث معها عما بيننا، أنا لا أخفي عنها أسراري!!”.

****

وقف تحت التينة والشرفة يحتسي شاي الصباح.. المرآة التي تغطي شرفة البيت المقابل لبيت “الجارة”، تعكس صورة حمامة، وهي تقف على حافة سطح بيت أهل “الجارة”، تلاحق ذكرها الذي يبدو عزوفا عنها.. وفوق سطح بيت مقابل، تعالج أنثى حصيرة، وهي تلتفت إليه.. حملت الأنثى الحصيرة، وشرعت في هبوط درجات سلم بيتها، وهي لا تزال ترسل نظراتها إليه، وعيناه تتبعها حتى اختفت: “وقريبا تختفي رجاء أيضا!!”؛ قال بأسى.. يجلس في فناء بيته الخارجي.. يلفت انتباهه ظهور أوراق  جديدة حمراء وخضراء على شجرة قريبة منه.. الحياة تسجل انتصارها على الموت الخريفي.. أوراق التينة الجافة تتساقط من حوله.. الريح تنشط.. يلتفت إلى الوراء، النخلتان الشاهقتان تهتزان.. وعلى صفحة الهواء، يرسم أطفال حضانة قريبة منه، لوحة مسموعة من ضجيج عفوي بريء وجميل.. قال في مكالمته الأخيرة مع رجاء:

–       “أنا في الحب مجنون؛ لكني أجد نفسي هذه المرة، وحتى الآن، على غير ذلك.. يجب أن أراكِ!!”.

–       “هل استطعتُ أن أجعل منك عاقلا!! آمل أن تتحلى بالصبر، أؤكد لك أنني سأقوم بزيارتك!!”.

في الصباح، حلق ذقنه خوفا من أن تفاجئه رجاء بالزيارة الموعودة، فيبدو وهو بلحيته النابتة في مظهر قد تضيفه على قائمة الأسباب التي تستند إليها في قرارها عدم الزواج منه.. تابعت رجاء تقول له:

–       “رأيتك في الحلم: أسمر قصيرا”.

–       “أحلامك تشوه حقيقتي: أنا أبيض وطويل!!.

–       “لا تزال الكوابيس تطاردني، كم جلسة أحتاج لعلاجي؟!”.

–       “سأجعلها تمتد دون أن تصل إلى نهاية!!”.

انتقل من الفناء الخارجي إلى غرفة مكتبه.. ينتظر هاتفها الصباحي الذي تبادر إليه وهي في مكتب عملها.. تناول إفطاره.. طالع جديد الإنترنت.. خرج إلى السوق الشعبي الذي يقام هذا اليوم من كل أسبوع في البلد الذي يسكنه هو ورجاء.. قالت له أمس بلحن فيه دعابة: “أقترح أن يذهب كلانا للسوق العام غدا، ودعنا نتعرف إلى بعضنا.. تُرى، هل ستعرفني قبل أن أعرفك، أم أعرفك أنا قبل أن تعرفني؟!”.. كانت في مكالمة سابقة قد سألته: “ألن تعرفني لو حدث وتقابلنا بالصدفة، وبعد كل هذه الاتصالات بيننا؛ أنا سأعرفك؟!”.. في المكالمة الأخيرة، قال بغيظ مكتوم: “لا أستطيع احتمال أن لا نلتقي، وخاصة إن ما بيننا من مسافة تقطعها السيارة في أقل من خمس دقائق؟!”.. ماكينة المنجرة المجاورة لبيته تنشر في الأفق صوت بكاء.. فتح الباب ليستطلع أحوال الطقس: ريح متربة، اشتدت حتى أحنت جذع النخلة الطويلة.. لكن الرأس منها ما يزال شامخا في عليائه، يقاوم الشدائد.. “أحب شجرة النخيل”؛ قالت رجاء.. “وأنا أحبها لشموخها”؛ قال..

وهو في طريقه إلى السوق العام، عرج على مكتب خدمات الهاتف، وطلب تزويد خطه الهاتفي بخدمة تسمح له بتحويل المكالمات التي يستقبلها هاتفه الثابت إلى هاتفه الجوال، لكي يعرف باتصال رجاء به وهو خارج منزله؛ فلا تضيع منه فرصة للتحدث معها!! السوق مزدحم بوجوه نسائية كثيرة، بحث بينها عن مرأة يعرف صوتها ولا يعرف صورتها.. مالت امرأة ممشوقة القوام نحوه، كانت تسير في اتجاه معاكس له، صدمت بكتفها اليمنى كتفه الأيسر.. تمنى لو أن هذه هي رجاء التي حضنها في خياله هذا الصباح.. وعندما كانت عيناه تقعان على شفاه أنثوية مثيرة له، كانت النار تتوهج في قلبه.. مصمص في هذا الصباح شفاه رجاء في الخيال.. الشفاه الأنثوية ولعه الذي يواصله ساعات وساعات دون أن يملّ أو يرتوي!! رأى فتاة سوداء توازيه في الطول وتسير في اتجاه معاكس لاتجاه تحركه.. انقلب وتابعها لبعض الوقت.. قال لرجاء في مهاتفة الأمس: “سأسعى إلى أن أتزوج من امرأة سوداء.. السود سود الجلود بيض القلوب!!”..

****

حكى لرجاء أنه اعتزم منذ عدة سنوات، الخروج من غزة إلى العاصمة السودانية الخرطوم، في مسيرة على الأقدام، ليعلن وحدة المظلومين في فلسطين والسودان، وذلك بعد تعرض الأخير لعدوان أمريكي دمَّر مستشفى في الخرطوم.. كان في تلك الأثناء، يعرف فتاة سوداء، تمنت أن تتزوج منه.. قال لفتاته السوداء: “سأعقد قراني عليك، وأصحبك معي في مسيرة الاحتجاج التي أنوي تنفيذها”.. اشتعلت عينا الفتاة ببريق البهجة.. تحدث إلى ممثل مصر في غزة، في شأن السماح له بعبور الأراضي المصرية في اتجاه السودان.. قال له السياسي المصري: “سأبذل جهدي للحصول على الموافقة المطلوبة لك لعبور الأراضي المصرية.. لكنني لست متفائلا؛ فالجهات الأمنية المصرية، حسب تقديري، لن تسمح بذلك!!”.. سأله مدير تحرير الصحيفة ذات الاتجاه الإسلامي التي قصدها ليعلن فيها عن مشروعه للسير حتى السودان: “هل تسمح لك صحتك بفعل ذلك؟!”. أجاب “الإمام الأبيض”: “هاجر الرسول محمد من مكة إلى المدينة وعمره يقارب عمري!!”.. رمقه الرجل بنظرات تنبئ عن امتعاضه من المقارنة، وقال: “ذاك رسول الله!!”.. ردّ: “لا تزال عندي بقية من صحة تكفيني!!”.. كان يهدف من اصطحاب زوجة سوداء البشرة معه في رحلته أن يؤكد عمليا على عمق توحده مع المقهورين.. كانت أمه تحمل في رأسها عطفا على الحزانى والمساكين والمقهورين؛ يردد كثيرا: “أمي هي أول من علمني حكمتي!!”.. انتهى مشروع المسيرة والزواج من سوداء البشرة بالفشل.. حياته سلسلة متصلة من الفشل؛ لكنه لا يفقد الأمل.. اشترى من السوق شتلات ريحان ونعناع وشجيرات منتور وأخرى قال البائع عنها أنها تلد أزهارا زرقاء بلون السماء.. اللون السماوي هو لونه المفضل.. وأزهار المنتور حية في ذاكرته: كان أبوه يهوى زراعة شجيراتها في حديقة صغيرة في بيته.. وفي أول عهده مع “الجارة”، أهداها لوحة رسومها أزهار منتور بيضاء.. وعندما جلس مع أبيها في حجرة ضيافة أسرتها، ، جالت عيناه تبحثان عن لوحة المنتور، لعلها تأخذ مكانها على جدار من جدران الغرفة التي يجلس فيها مع أبيها ليكتبا عقد إيجار الشقة التي يشغلها الآن.. “الجارة” كانت قد أخبرته من قبل أن أفراد أسرتها استحسنوا اللوحة بقوة، وأصروا على تعليقها في صالة المنزل، ورفضوا تعليقها في حجرتها كما كانت تنوي!! عاد من السوق إلى بيته، وشرع على الفور في زراعة الشتلات في الحوض الممتد ما بين البابين الداخلي والخارجي للشقة التي يقيم فيها.. كان الرجل العجوز الذي سكن قبله في الشقة، قد ترك خلفه شجيرة فلفل حار.. قال في خاطره: “عندما تأتي رجاء لزيارتي، يجب أن يكون المنتور والنعناع والريحان والأزهار الزرقاء في استقبالها؛ أتمنى لو تحدث معجزة، فتنمو شتلاتي وتكتمل وتلد أزهارها، قبل الزيارة الموعودة التي أتمنى حصولها اليوم قبل الغد؟!!”.. تساءل: “هل تحدث معجزة، وأفوز برجاء؟!!”.. تذكر وهو يزرع الشتلات أن صديقة رجاء تحمل شهادة جامعية حملها هو أيضا.. لم يبرح البيت منذ ثمانية أيام؛ .. لم تتصل به رجاء صباح اليوم.. يسال نفسه: “هل شغلها سابق؟!”.. وكان قد سألها: “هل سأفقدك بعد أن تتزوجين منه؟!..هل قصتي معك، حكاية تعبث برأسي ثم تهجرني دون رأفة؟!”.. شاهد وهو في طريقة إلى السوق، ملصقات تحمل اسم منظمة جهادية إسلامية، فيها: “الدم قانون المرحلة”.. قال في نفسه معلقا: “العبث قانون المراحل كلها!!”.. وفي أحلامه: “الحب شريعة الحياة!!”.. قال بصمت أسيان: “لكن رجاء تقمع عاطفة الحب وتقمع الأحلام الجميلة”.. نادى: “هدى.. أينك يا هدى.. أينك!!”..

قال في مكالمة جديدة مع رجاء، بادر هو إليها، وسكت فيها أطول مما تحدث: “أنا التائه في الضلالة بين السرابات!!”.. قالت: “غدا سألتقي به، ونحسم أمر زواجنا”.. شعرت أن كلماتها ضايقته، تابعت: “أخبرتك منذ البدء، أنني في طريقي للارتباط به”.. سألته عن “الجارة”.. منذ أيام عديدة، لم يستدع صورة “الجارة” من محفوظات الكمبيوتر إلى شاشة العرض، كما اعتاد أن يفعل من قبل، كلما جلس أمام الكمبيوتر.. استدعى صورتها فاحتلت شاشة الكمبيوتر أمامه، وهو يتحدث مع رجاء: يتوجع من الإحساس بأن نهاية قصته مع رجاء اقتربت.. نلوذ بالماضي، عندما نخسر الحاضر.. الماضي يملكنا ولا نملكه.. وعمره تجربة خاسرة!! بادرت رجاء للاتصال به في الليلة ذاتها: “هل توقعتَ اتصالي؟!”.. كان لحن كلامها ودودا.. في المكالمة التي سبقت هذه المكالمة، كان صوتها يخلو من الطراوة.. ردّ: “بصراحة، لا؛ لم أتوقع اتصالك بي!!”.. أخبرها أن صديقا له، يعمل في الجهة التي تعمل فيها صديقتها، اتصل به، بعد انقطاع طويل.. قالت:

–       “هل سألته عنها؟!”.

–       “عهدك بي أني أقول الصدق؛ سألته، لكنه لا يعرفها.. أتمنى لك حياة جميلة مع سابق!!”.

–       “من قلبك؟!”.

–  “أجل؛ من القلب الذي تسكنين فيه.. وقد صليت من أجل سعادتك، بعد انتهاء مكالمتنا الأولى لهذه الليلة!!”.

ردّت والتنهد يتلبس كلامها: “آمل من الله أن يوفقني معه.. هل توّد التعرف إليه؟!”.. أجاب: “كلا؛ لا تعنيني معرفته، المهم عندي أن تحالفك السعادة في حياتك معه.. هل تسمحين لي بأن أناديك الحبيبة؟!”..

رفضت.. وتنهدت. وأنهت المكالمة!! وكانت قد أخبرته أنها تحدثت مع صديقتها عنه، وعن سابق: “لكنني تحدثت عن سابق، قبل أن أتحدث عنك!!.. العقل لديها يحكم العاطفة ويسبقها: لقد وقع اختيارها على سابق.. وأغلقت أبواب العاطفة التي كانت تفتح على “الإمام الأبيض”!!

****

اصطبغت لهجته في المكالمة الأخيرة مع رجاء، بالراحة التي غابت عن المكالمة السابقة لها.. حكى لها أن الصديق الذي اتصل به قبل لحظات، زاره ومعه زوجته بعد عودته إلى غزة: “كنت حينها أقيم في ضيافة أقارب لي، ومن عادتهم أن يعزلوا الرجال عن النساء خلال الزيارات”.. طلبت زوجة قريبه من زوجة صديقه أن تنتقل معها إلى مكان غير المكان الذي جلس الضيوف فيه أول مقدمهم.. رفضت الضيفة.. الحّت المضيفة عليها بطلب الانعزال عن الرجال.. رفضت الضيفة من جديد.. عاودت المضيفة طلبها.. انفجرت الضيفة: “هل أنا مجنونة حتى أترك زوجتي مع هذا الرجل؟!”.. “هذا الرجل هو أنا!!”.. انفجر هو ورجاء ضاحكين معا.. تعود معرفته بالصديق وزوجته إلى أيامه في الغربة؛ قال لصديقه: “سأحاول الرجوع إلى الغربة، لا متسع لي هنا!!”.. قال لرجاء: “أنت تهربين!!”.. قالت: “هذا أفضل!!”.. قرأ لها أسطرا من روايته التي يكتبها:

–       “جميل ما تكتبه!!”.

–       “أنت أجمل.. وفي الواقع، فإنك أنت الكاتبة الحقيقية لها، أيتها الحبيبة!!”.

تنهدت.. وتحولت بالحديث في اتجاه مغاير!! وفي ساعة متأخرة من الليل، خرج إلى فناء منزله، ونظر إلى فوق: الشرفة والتينة والقمر.. والبلد الذي يهواه.. وقلبه النازف.. سابحات وسابحون في الصمت حزانى.. والنخلتان شامختان صامدتان في وجه ريح قوية.. وعَيْنا هدى المنيرتان، تواسيه، وتُشعلان الأمل: “الحب لا ينهزم.. والشمس تشرق كل يوم جديدة!!”..

استيقظ صباح اليوم التالي، على أخبار يبثها راديو لندن، تعلن عن مقتل أحد عشر فلسطينيا، عند الفجر، في أعمق توغل لقوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة، منذ بدء الانتفاضة الراهنة في 28 أيلول (سبتمبر) من عام 2000.. ومن موقع الموت، جدد شيخ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أحمد ياسين، التوعد برد قاس على المعتدين، وكرر القول: “فلسطين أرض رباط حتى يوم القيامة”.. قال في سره: “إذن، ستبقى بلادي، مرهونة للموت الأبدي!!”.. وفي خضم الموت، فلا مكان لدعوة “بهجة الحب” التي يتبناها.. سجّل التاريخ، أن الأنبياء يهاجرون من أوطانهم!! لا يزعم “الإمام الأبيض” أنه نبي؛ لكنه يصف نفسه بأنه: “باب في كتاب النبوة المفتوح!!”.. وهذا اليوم، لم يفتح بابه الخارجي، كما تعود أن يفعل، منذ إقامته في بيته الحالي: “لماذا أفتحه، والمرضى لا يأتون.. ولن تأتي الجارة.. ولن تأتي رجاء أيضا!!”.. جلس ووراء ظهره، الحوض الذي غرس فيه أمس شتلات النعناع والريحان والمنتور وذات الأزهار الزرقاء.. أشعة الشمس الصباحية تلفه، بعد أن تتسلل إليه، من بين أوراق التينة التي تنتشر أغصانها قبالة شرفة “الحبيبة”.. تقول فلسفته: “الآخرون يمنحوننا فرصة لبهجتنا؛ لكن، بشروطهم!!”.. وصفَ الحرية بأنها “مادة الله”.. وقال لرجاء: “إيماني بالله عميق.. عميق!!”.. حفرت ابنته الصغرى على سطح مكتبه الرثِّ الأزرق الصغير، خلال زيارتها له في غزة، قبل عامين ونصف، بصحبة أمها وشقيقيها: تسقط حرية بابا.. تحيا حرية ماما!!”.. قال: “لا أحد يؤمن بي.. أريد زوجة مؤمنة بي!!”.. لا ينتظر اتصالا هاتفيا من رجاء هذا الصباح: “رجاء لا تؤمن بي أيضا!! ورجل يؤمن بأن الله حقيقة مادتها الحرية، لن يجد مرأة تملأ فراغ الأنثى الواسع العميق الصاخب القلق المترامي في كيانه وعقله ووجدانه”.. الزواج قيد لم يطقه فيما مضى من حياته.. دعا في نظريته، إلى “البهجة الذاتية”.. فيها: “نتحرر من ارتهاننا للآخر”.. البهجة الذاتية مطلب عسير المنال. لكنها خياره الوحيد. قالت له رجاء: “سأعمل بوصاياك بعد أن تعمل أنت بها!!”.. شرع اليوم، في تجديد التزامه بفلسفته: “ابتسم.. واملأ بالهواء النقي صدرك.. وفي خشوع المتقين، لله تضرَّع: اللهم يا رب العالمين.. اجعل قلبي وعقلي بيتا لنورك.. وشمسا وأقمارا ووردا.. واجعلني خيرا لي.. وخيرا للخلق أجمعين.. آمين.. آمين!!”.. على الناحية الأخرى من سور البيت، يضج تراكتور بصراخ ماكينته وهي تشفط بئر الملفوظات البشرية.. فتح بابه الخارجي، وصافح سائق التراكتور، في هواء مشبع بالروائح الكريهة.. تقول وصاياه: “الكراهية بغيضة ونتنة.. أما الحب للحياة الجميلة، وللناس والخلق أجمعين، فهو ماؤنا ونورنا”.. وتضيف: “واصفح/ي.. وسبع مرات عميقات استنشق/ي هواء بكرا وقولي/قل: يا رب العالمين أنر بالخير قلبي وعقلي وسعيي وما حولي واجعل يومي الجديد بهجة حب لي وللخلق أجمعين.. وانطلق/ي..”.. دخل البيت على عجل، وتناول من المطبخ أجمل تفاحة لديه، واندفع عائدا إلى الرجل الذي كان قد أنهي شفط قاذورات الجسد وقدّمها له.. ابتهج الرجل وببهجة قال إنه تزوج أربعة من النساء.. وأنه يرغب في الزواج من خامسة.. تحدث وهو يحتسي شايا جاء له به صاحب العمارة التي شفط بئرها الأسود، عن مرارة الغربة خارج الوطن، وقال: “دمرتني!!”..

وبينما كان الضجيج الصاخب لا يزال ينشر الرائحة الكريهة في المكان، اندفعت فيروز ببراءة الطفولة نحوه؛ حملها بشوق بين ذراعيه، وطبع قبلتين شغوفتين على خديها؛ قال لرجاء: “أنا طفل”.. والأسى يملأ جوانحه من أخبار الموت.. أدى رياضة خفيفة عندما نهض من نومه.. لم يستحضر خيالُه رجاء هذا الصباح!! بعد أيام قليلة، سترقد عروسا في حضن سابق.. قال له صاحب البيت، والد “الجارة”: “ستطرح شجرتيِّ الرمان المزروعتين جوار التينة ثمارا هذا العام”.. يحب الرمان الناهد فوق صدور النساء.. كتب: “دوّخاني.. نهداك يا جارة!!”..

****

جاء الرجل الذي كان اقترح عليه الزواج من رجاء، ووالد “الجارة” لزيارته، ومكثا وقتا طويلا.. تحدث الزائران في الجلسة التي انتهت عندما ارتفع آذان الظهر، عن مشكلات الرجال مع النساء.. وفي معرض حديثهم المتشعب، انتقدوا الرجل العجوز الذي كان يسكن البيت الذي يسكنه الآن، اتفقا على أن الرجل العجوز “لم يحترم سنه، فتزوج امرأة أصغر من بناته.. جميع الناس في الحيّ يعيبون عليه ذلك!!”.. قال “الإمام الأبيض” محتجا: “ما شأن الناس باثنين اختارا شيئا لهما الحرية في اختياره؟! هذا حق لهما، ولا حق لأحد سواهما أن يتناوله بسوء!!”.. حدّق فيه زائراه بصمت، ثم خرج الرجل الذي اقترح عليه الزواج من رجاء من موضوع العجوز إلى موضوع رجاء، التي أشار إليها بقوله: “الزلمة (الرجل) الذي بيننا!!”.. تحدث الرجل عن تواضع رجاء وعن شخصها كلها حديث المادح.. وعندما غادر والد “الجارة” الجلسة، تحدث الرجل عن امرأة تمتلك بيتا: “هنا في هذه المنطقة، لكنها لا تمتلك مواصفات رجاء، أنا أعرف ذوقك، ورجاء هديتي لك!!”.. اتفقا على أن رجاء فرصة ثمينة.. قال في سره: “لكن شمس هذا النهار لن تغرب، قبل أن تكون رجاء، قد اتفقت مع سابق على أن يشرعا في أطلاق مركبتهما المشتركة لتبدأ إجراءات الزواج بينهما!!”..

خطر له أن يبتعد عن المكان، وأن يذهب إلى بلدة بعيدة، ليقدم تهنئته لابن خال له، وأمه، على سلامة عودتهما من الأراضي الحجازية بعد تأديتهما فريضة الحج بها؛ سيساعده هذا الهروب على تخفيف وقع الصدمة التي بات وقوعها مؤكدا.. وعند غروب هذا اليوم، سيغرب حلمه الأخير.. قال لها أمس: “إذا تزوجت من صديقتك، سيكون أمامي مجال للبقاء قريبا منك”.. أبدت في ثنايا حديثهما الأخير، تحفظها على كلامه عن وقوعه في حبها: “ليس معقولا أن تحبني قبل أن ترني!!”.. هل تختبر عاطفته نحوها.. قال:

–       “نصف الناس يتزوجون هذه الأيام عن طريق التعارف بالهاتف أو المراسلات!!”.

–       “دعني أسمي عاطفتك نحوي إعجابا.. الحب الحقيقي يأتي بعد الزواج، ويحتاج لوقت!!”.

تأبى هذه المرأة أن تكشف عن مكنون صدرها.. يتمنى لو أنها تعترف أنها تحبه، كما اعترف هو بأنه يحبها.. تريد أن تقنعه أن ما بينهما ليس حبا.. قال لنفسه: “اعتقد أن وراء هذا الموقف أخلاقا نبيلة”؛ فهي ترفض الاعتراف بحبها له، لأنها وافقت على الاقتران مع سابق.. سألها: “هل قبولك بسابق نهائي؟!”.. لا تريد أن يكون وقع الصدمة شديدا عليه، قالت: “تقريبا!!”..

لم يحظ كلام الرجل الذي حمل له اقتراحا جديدا بالزواج من المرأة التي تمتلك بيتا، باهتمامه الجدي؛ فإذا فكر في الزواج من امرأة أخرى، فإنه يميل إلى صديقة رجاء.. فيما مضى، رفض قبول اقتراحين بالزواج من فتاتين حملتا اسم صديقة رجاء.. رفض إحداهن لتدني مستواها العلمي.. كان لا يزال يحيا محنة الزواج من مرأة غير متعلمة، كلفته ثمنا معنويا باهظا.. هرب منها إلى امرأة، حرص على أن لا يكون مستواها العلمي، أقل من المستوى الجامعي.. والثانية التي تحمل اسم صديقة رجاء، اقترحتها عليه، المرأة التي صارت زوجته الثانية، وذلك قبل أن يرتبط بها.. فكان الارتباط بها، تكرارا لخطأ الاختيار الحالم.. فهل يسوقه القدر، نحو ثالثة، تحمل اسم صديقة رجاء؟! أعربت رجاء عن ندمها لأنها تحدثت معه عنها، وقالت: ” لا تعتقد أن تقدمها في العمر، يضعها في موقف ضعف، ويدفعها للقبول بك.. إنها تعتز بنفسها اعتزازا شديدا.. عدم تدينك، وصعوبة ظروفك المالية، ستدفعها لرفض الزواج منك!!”.. تعتز بنفسها؟!.. هذه صفة تستهويه.. وهي أطول من رجاء.. والطول في النساء يستهويه أيضا!! ويكفي أنها صديقة رجاء الوحيدة، التي تسرُّ إليها ما تخفيه عن سواها، من خصوصياتها.. والمرءُ على دين خليله.. يشعر أنه لو كسب جولة صديقة رجاء، فلن تكون خسارته بفقدان رجاء كبيرة.. وعندما كان يحرقه الشوق لرؤية “الحبيبة الجارة”، راودته فكرة الزواج من شقيقتها.. الحبيبة اقترحت عليه ذلك أيضا، في إحدى زياراتها له: “لو تزوجت شقيقتي، سيكون أمامنا فرصة للتزاور العائلي”.. لم يستحسن الفكرة، فالزواج من شقيقتها، لن يكون نقيا.. سيكون من أجل أن يلتقي بالحبيبة.. لم تنحطّ أخلاقه إلى مستوى الخديعة.. راودته ذات مرة، فكرة الزواج من مرأة كفيفة، همس الشيطان في أذنه: “ستحظى بفرصة لمغازلة الأخريات دون أن تنتبه الكفيفة إلى ذلك!”.. سأل صديقه الشاعر عن رأيه في الزواج من امرأة كفيفة؟ رد الصديق المسكون بهاجس الجنس، الخبير بأسراره: “الكفيفات ممتازات من ناحية الممارسة الجنسية!!”.. والجانب الجنسي مهم في أي مشروع لزواجه، وهو يتعذب من غياب امرأة يبحر في أنوثتها.. إن حقله قاحل من النساء!!. لكنه رفض الفكرة الشيطانية: “لن أستغل عاهة إنسان لخديعته!”.. وعندما نبتت رجاء في صحرائه، حسب أن الأقدار ساقته للإقامة في هذا البيت الذي أحب إحدى بناته.. ليعوضه عن فقدان الحبيبة التي ظنّ أنها أول الحب وآخره وكله.. توهم أن رجاء هي مخلِّصته من شقائه الذي ظل يلازمه منذ عهود بدأت عند أول الخلق.. وعند غروب شمس هذا اليوم، ستكون رجاء وهْما تبخر في ومضة عين.. سيندس من جديد في مغارة نفسه، وسيغيب تحت طبقات الخيبة الكثيفة.. وسيطوي كتاب النسوان طيّا أخيرا..

****

في حركة واحدة، فتح النافذة المطلة على التينة وأغلقها.. الريح ساقعة، والأفق مكتظ بالغيوم.. كما حاله تماما.. السماء مثقلة بحمل قاتم من المطر، وتتأهب أن تذرف دموعها الغزيرة بكاء عليه، ومعه.. بعد وقت قصير، ستنطلق رجاء في رحلتها مع سابق.. سألها أمس:

–       “هل سيكون بمقدوري، الحديث معك بعد ذلك؟!”.

–       “سيكون ذلك في حضوره؛ هل تعتقد أن من حق امرأة أن تحادث رجلا آخر من وراء ظهر زوجها؟!”.

ألجمته.. وفي صدره لهب تتصاعد ألسنته.. خرج إلى فناء البيت، روى التينة والرمانتين والزيتونة وحقل الشتلات.. لفّه الوجوم.. أغلق نوافذ البيت والأبواب عليه.. انقطع التيار الكهربائي  فتوقف الكمبيوتر عن العمل.. ومن الشارع، يتسلل إليه، ضوضاء بنات صغيرات يلعبن ببراءة يهواها عقله.. والنهار يوشك على السقوط في الظلمة.. والقلب مصدوع، والرجاء تبدد.. تبدد.. وفي خيبته تتراقص الشياطين: “هل ترقد كفّها هذه اللحظة، بين راحتيه؟! هل ارتوى من رحيق شفاهها؟! هل داعبت أصابعه حلمتيها؟! هل ضغطها بين ذراعيه؟! هل.. هل..؟!”.. تهيأ له أن جرس الهاتف يرن.. فاق من ضياعه، لا رنين من خارجه.. الرنين جوّاه.. صلَّى من أجلها: “اللهم اجعل من أيامها ولياليها بهجة من البهجة التي لا تنقضي، ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. رمى جسده فوق سرير المرضى، وحملق في سقف كانت الحبيبة تسكن فوقه.. الصمت يلفه.. وفي خشوع عاد يصلِّي من أجل رجاء: “اللهم اجعل من أيامها ولياليها، بهجة من البهجة التي لا تنقضي ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. نهض، صنع كوبا من الشاي، أرتفع صوت المؤذن، بدأ الظلام يتزاحم.. أمس قالت: “سأهاتفك غدا بعد لقائي مع سابق”..أطلّت رأسه من الباب الخارجي، لا زالت الصغيرات تلهو، لم ينتبهن إليه، دخل معتكفه، أمس قال لها: “لن أبادر إلى الاتصال بك بعد الآن”.. جلس خلف مكتبه، تنهد وقال لنفسه: “شراعها مفرود للريح في نهر ليس نهري؛ أنا المنذور للحسرات!!”.. تعلقت عيناه بمصباح مضاء.. فتح الكمبيوتر، واستقرت شاشته على صورة باقة ورد جوري أحمر، تلقّاها من محبوبة ابنه الكبير.. لن ينتظر هاتفها منذ الآن، قال بصمت: “حلم يقظتي الأخير أدبر!”..

****

مضت الليلة الأولى التي لم يسمع فيها صوت رجاء.. مضت بهدوء..نام مبكرا، ونهض صباح اليوم التالي مبكرا أيضا.. ابتسم، وأدى شعائر صلاته الأخرى التي رسمتها وصاياه.. حلق ذقنه، وأزال التراب الذي حملته ريح الأمس من أمام بيته.. بهجة النور تشع في عينيه وقلبه وعقله ويديه.. رجاء لم تبرح مخيلته.. لكن عهد ما بعد رجاء بدأ.. الجارة أم البنات تحمل فيروز فيما هي تقف أمام نافذة مكتبه الشرقية.. جمع أصابع يده اليمنى، وهو جالس وراء مكتبه، وطبع عليها قبلة سريعة أطلقها ببهجة نحو الصغيرة فيروز.. قالت الأم بصوت خفيض، يخشى أن يحمله الهواء للجيران، لصغيرتها: “أرسلي له قبلة منك!!”.. طبعت الطفلة ببراءة مبتهجة، قبلة على راحة كفها، ودفعت بها إليه.. سأل الجارة أم البنات: “هل ذهب عنك الصداع الذي أصابك أمس؟”.. حمدت الله، وقالت: “لا تصنع لنفسك غداء هذا اليوم، سأحضر لك أنا الغداء”.. . غابت فيروز وأمها.. نهض عن مكتبه وتفقد رمانتيه والتينة والزيتونة وشتلاته.. أعدَّ شاي الصباح، ودلقه في كأس كان أبو “الجارة” قد أتي به أمس مملوءا بالشاي.. رجاء و”الجارة” باتتا ذكرى.. الليلة الأخيرة، طلب صديق منه، أن ينضم إليه لتنفيذ مشروع يخدم الطفولة.. , وافق؛ لكنه لم يقابل بحماس، دعوة الصديق له بالرحيل إلى غزة، قال: “أشعر هنا بالراحة النفسية!!”.. موسيقى هادئة تنثر العطر على صفحة الزمان والمكان. وبهجة الحب تشتعل في قلبه وعقله: “اللهم اجعل من أيامها وأيامي.. ومن الليالي كلها.. لها ولي.. وللناس والخلق أجمعين.. بهجة من الحب التي لا تنقضي ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. العصافير تزغرد.. وقمم الأشجار تترنح من خمر كونية تحتسيها.. وشمس صباح شتوي، تلفه بالدفء، وأوراق التينة القديمة تنسحب.. وعمّا قريب، تنمو أوراق جديدة، والثمار قادمة.. وفي دمه، ترقص هدى في أحلامه.. وتتكوّر على صدرها رمانتان صغيرتان شهيتان.. يحلِّق بهما إلى سماء السماء..منطلقا في الحرية السرمدية.. يفرد أجنحته، ويهتف في شبق روحي: “هدى! أنت.. وحدك أنت.. حبيبتي!!”..

هبط به من علياء أحلامه، رنين جرس الهاتف.. الساعة التاسعة صباحا.. رجاء تتحدث.. صوتها عذاب وتنهدات يتقطع لهما قلب من حجر.. “طمئنيني، ما ذا حدث؟!”.. ردت والألم يعصرهما معا: “لا ذنب له، ثارت امرأته ثورة هائجة، وتهدد بإشعال الحريق!!”..

–       “لا توجد مرأة ترضى بهروب زوجها لأخرى!!”.

–       “جاهلة!!”.

تنهد، وردد بصمت: “جاهلة.. جاهلة!!”.. رفع صوته: “الحياة مع امرأة جاهلة، شقاء لا يطاق!!”.. فتح أمامها صفحة من كتابه لم يكن فتحها من قبل.. كان ينتظر فرصة مناسبة.. تحدث عن عذابه القديم المتصل، الذي صاحب تجربة زواجه الأولى.. سألته عن التفاصيل.. الحريق الذي تهدد زوجة سابق بإشعاله، ينفجر في قلبه وصوته: “لم أرَ طفلي الأخير منها أبدا.. عمره الآن خمسة عشر عاما.. آسف، أضفت صدمة أخرى إلى صدمتك من خيبة أملك في نجاح مشروع زواجك من سابق.. آسف.. أنا لم أتحدث إليكِ بالأمس، التزاما بعهدي.. هل أنا مجرم؟!”.

–       “ما ذنب أبنائك؟!”

–       “أعترف بذنبي.. ذنب الحالم!!”..

حرص على أن لا يفتح جرحا قديما في نفسها، فلم يذكِّرها بأنها هي أيضا فعلت الشيء ذاته، عندما انفصلت عن زوجها، وحرمت أبناءها من أبيهم.. حكى لها قصته مع عذاب الزواج من “جاهلة”.. قست عليه في تعليقها.. وقالت:

–  “كنت منذ البدء أعتقد أن الاستقرار معك مسألة غير مضمونة.. أولاد متفرقون بين الجهات، وأب فشل مرة ثمّ مرة، فهرب مرة، ثم مرة!! فما الذي يضمن أنك لن تفشل وتهرب من زواج ثالث أيضا؟!”..

–       “قلت لك من قبل، إنني سأهرب من الزواج الثالث إلى الموت!!”.

–       “أرجو أن تلتزم في حديثك معي بإطار الصداقة.. إذا تجاوزته سأقطع اتصالي بك!!”.

–  “أقترح عليك تطبيق ما جاء في الوصايا التي أرسلتها لك.. هل ضاعت منك؟ هل أرسلُ لك نسخة أخرى عنها؟”.

–       “كلا، إني أحتفظ بها في حقيبتي!”.

–  “هذا وقتها؛ قد لا يكون سابق مناسبا لك.. أنتِ لا تعرفيه معرفة تامة.. أسال الله أن يرزقك خيرا منه!!”.

“لم أكن أعرفها معرفة تامة يا هدى.. القاضي يحكم بالسجن على متهم يقف أمامه.. لكنه لا يلاحق مجرمين احتموا بالاختباء في الظلمة.. مشكلتي أنني وقعت ضحية ما ظلَّ مختبئا في الظلمة.. حتى جاءت ساعة التعري، فكانت الحقيقة فوق الاحتمال.. هذه قصتي في مغامرتي الزواجية التي خضتها ولم أكن قد تحصنت بالمعرفة .. الجهل يحجب الحقائق، لكنه، كما إبليس كما يقول الدين، يخذلنا إذا وقعت الواقعة، فنحصد شوك الجهل وجهل الجهل ظلمة فوقها ظلمة.. فهل أنا المجرم وحدي يا هدى؟!!”..

تمنى على رجاء أن تكون صدرا يسعه. استمرت المكالمة بينهما إلى أن أطلقت قهقهتها الرقيقة، قال في غبطة:

–       “هكذا أكون قد أنجزت شيئا جميلا هذه الليلة!! هل اهتزت صورتي أمامك؟!”.

–       “قد تكون هناك زوجة رابعة وأخرى خامسة.. هل هناك زوجة سوداء؟!”.

–  “كلا، لكني التقيت بامرأة سوداء من الحبشة، وضعت تحت تصرفي بيتا لها وحديقة في أديس أبابا لأعيش فيهما بصحبة أسرتي.. كانت فرصة جيدة.. ستتيح لي الحصول على جواز سفر أثيوبي، كان سيوفر لي حرية الحركة التي لا توفرها لي وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين الممنوحة لي من الحكومة المصرية.. أبوها يحتل مركزا دينيا مرموقا، ويملك أموالا لا حصر لها.. لكنني لست الرجل الذي يجيد اغتنام الفرص!!”.

هل تغفر له رجاء جريمته؟! سؤال يقلق راحته: “من الأجدى لي أن لا أفكر في الزواج مرة أخرى يا هدى!!”.. انطلق إلى مركز نسوي.. هناك تنتظره مريضات نفسيات بحاجة إلى استشاراته التي يقدمها لهن بالمجان..قالت له هدى: “يجب أن تُكفِّر عن جريمة أنت لست َ وحدك فاعلُها!!”..

طلب من مرأة التقى بها، صادف أنها تعرف رجاء، أن تحث رجاء على قبول الزواج منه. أعربت رجاء في محادثتها مع المرأة، عن رفضها مجددا لفكرة الارتباط به.. في الاتصال الهاتفي الليلي الذي جرى بعد ذلك بينهما، سألته بنبرة احتجاجية:

–       “ما الذي دعاك إلى فعل ذلك، وأنت تعرف موقفي من مسالة الزواج منك؟!”.

–  “رسالة أردت أن أؤكد لك فيها لمرة جديدة، أنني أريدك زوجة لي.. لكنني اتخذت قراري: من الآن، أنتِ أختي وصديقتي، ولن أعود للتفكير في مسألة زواجي منك، حتى لو وافقت أنتِ على ذلك!! هل لديك مشاعر عاطفية تجاه سابق؟!”.

–       “هل تظن أني أقبل بالزواج منه، دون أن أمتلك عاطفة نحوه؟!”.

تنهدت، ثم قالت والحزن يلف صوتها: “لماذا حظي عاثر دائما؟!”.. وخلال المحادثة، قالت له: “أنت تسعى للزواج مني، بدافع ما أمتلكه من عقار ووظيفة!!”.. استفزه كلامها، ورد بعصبية مكتومة: “زوجتي في وضع مادي أفضل من وضعك، وقد رفضت إلحاحها بالسفر إلى حيث تقيم، فأقيم وأنعم فيما تمتلك من عقار ومال.. أنا أريد مرأة لذاتها!!”.. لم يلبث التوتر الذي ساد محادثتهما هذه الليلة غير وقت يسير.. قال معاتبا:

–       “غرزتِ هذا الصباح سكينك في عنقي النازف من ذبح قديم!!”.

–       “أنت وزوجتك الأولى وأبناؤك ضحايا.. والثمن الذي دفعته، ولا تزال تدفعه، باهظ!!”.

–       “المتهم الماثل في القفص، ليس هو المجرم وحده.. القاضي والمحامي والشهود.. والضحية.. والمجتمع كله.. شركاء في الجريمة!!”.

****

اليوم الجمعة.. نهاية أسبوعين مرّا على العلاقة بينه وبين رجاء.. لم تنقطع فيهما الاتصالات الهاتفية بينهما سوى اليوم الذي كان من المقرر أن تلتقي فيه رجاء مع سابق، للاتفاق على اللمسات الأخيرة، الخاصة بزواجهما (رجاء وسابق)، قبل الشروع في اتخاذ إجراءات الارتباط الرسمية بينهما..

ظلّ ساعة ونصف الساعة في الفراش، بعد أن استيقظ وفتح غرفة نومه.. حلاوة الليلة الأخيرة، استيقظت معه: انتهت مكالمة بادر إليها، بدأت الساعة العاشرة.. وقبل منتصف الليل بنصف ساعة.. كانت تتحدث وهي تتدثر بفراش ثقيل، في ليلة باردة: قالت: “أشعلت المدفأة الكهربائية لكي أطرد البرد”.. قال: “عمّا قريب، إنشاء الله، ستنعمين بدفء طبيعي!!”.. أسكتها الحياء.. تابع: “هذا حق لك؛ لماذا لم تقولي لي منذ البدء، أنه يسكن قلبك؟! لو علمت ذلك، لما كشفت لك عن مكنون صدري نحوك!!”.. قالت: “تكاد يد الهاتف أن تسقط من يدي.. نعست.. تصبح على خير يا..”.. لم يسمع كلمتها بوضوح، ولكنه حدس أنها تناديه، وللمرة الأولى، باسمه المجرد من الألقاب: “أعيدي الكلمة الأخيرة، لم أسمعها جيدا!!”.. “كلا؛ بل سمعتها!!”.. “أقسم أني لم أسمعها بوضوح وأني لا أعرف بالضبط ما هي!!”.. ترددت.. ثم أعادتها.. ما حدسه كان حقيقة.. للمرة الأولى تخاطبه باسمه الأول مجردا من الألقاب.. قال ببهجة الطفولة البريئة: ” هذا أنا للمرة الأولى أكتشف جمال اسمي.. ما أجمله من بين شفتيك!!”.. خاطبها أيضا باسمها المجرد وهو يقول: “تصبحين على خير يا رجاء..!”.. بهجة هذه الليلة كانت ذات مذاق لم يألفه من قبل.. اتفقا على أن يتبادلا مشاعر الأخت وأخيها: “لا أخت لي من أبي وأمي، جاءتا ثم ذهبتا مبكرا. ماتتا في طفولتهما.. غياب الأخت من حياتي يشوش على الجانب الأنثوي فيها!!”.. راودتها الشكوك في صدق نيته في اعتبارها أختا له:

–  “لست مطمئنة إلى أنك ستتخذ مني أختا ولا شيء سوى ذلك.. أنت متقلِّب.. مرة جعلت مني أمَّـا لك أنت الطفل الكبير.. ومرة صديقة.. ومرة زوجة.. ومرة حبيبة.. ما الدليل على أنك سنكون أخي، ولا شيء سواه؟!.

–  “صحيح أنني تمنيت أن تكوني لي كل هذا.. لكنني أقسم بأجمل أخت أنني سأبقى أخاك المخلص لك دائما!”.

ثم قال ضاحكا: “هل تعرفين لماذا تسمى المرأة ستّا؟!”.. أجاب: “لأنها تحيط بالرجل من جهاته الست!!”.. قالت بتنهد: “إنه لم يتصل!!”.

–       “هل أستقدمه عندي، وأتحدث معه في المسألة؟!”.

–       “ليتك تقوم بعمل غسيل مخ لزوجته!! ثم أنا أخشى أن تلتقي به، فتحرضه على الابتعاد عني!!”.

–  “سبق لي أن قمت برعاية مشروع خطبة بين حبيبة لي، كانت نارها لا تزال متقدة في صدري؛ وبين رجل رغب في الزواج منها!! كان العذاب يعتصرني، لكني أعتقد أن الحب ليس تملكا لمن نحب.. الحب هو أن نحب ما يحب أولئك الذين نحبهم!!”.

قرأ عليها آخر ما كتب، وقال لها إنه صلى من أجلها هذا اليوم أيضا، وأكد لها أنه لن يعود للتفكير في الزواج منها، حتى لو وافقت هي.. ردت بلهجة فيها تحدٍ له:

–       “حتى لو أنا وافقت؟!”

–       “كتبتُ هذا!!”.

–  “كتبته؟! أصدق أنك كتبته.. لكن، هل أنت فعلا متأكد من صدق ما كتبت، وأنك لن تقبل إذا أنا قبلت؟!”.

قال بصوت تخالطه قهقهتهما المشتركة: “والله كتبته.. والله كتبته!!”.. الطفلة فيروز تتسلق قضبان الحديد المثبتة على نافذته.. شقيقتاها تلعبان أسفل النافذة من الجهة الأخرى.. تقول فيروز بعذوبتها الطفولية: “أريد المجيء عندك، لكن بابنا الخارجي مغلق”.. خطوات طفولية سريعة تتقافز فوق أرض الممر الموازي لنافذته من جهة بيت الجيران.. صوت أم البنات يزعق: “أين أنتن ذاهبات؟!”.. وقف يتابع ما يجري: “صباح الخير يا أم فيروز. كيف حالك، كيف حال زوجك؟”.. “بخير، كيف حالك أنت؟!”.. سألته شقيقتا فيروز معا: “هل شربت شايا يا دكتور؟”..

وبعد دقائق، تناول من يد كبيرة البنات الصغيرات كوب شاي يتطاير منه بخار الدفء الذي يفتقده؛ قال يحدث نفسه: “رجاء أختي.. الأخوَّة حب أحتاجه، إنه حب لا تقتله تحولات العاطفة.. أنا سعيد بحبي الجديد!!”.. عاد للفراش، وهو يحتسي الشاي، ويواصل القول بصمت جريح: “لم يعد في خيالي امرأة يستدعيها إلى حضن ذكورتي!!”.. الريح الخفيفة تعزف على أوراق شجرة الليمون الكبيرة في البيت المجاور موسيقى حفيف.. وأشعة الشمس تتسلل من بين الأغصان إلى حجرة نومه.. والعصافير تزغرد أهزوجة الصباح.. واختفت البنات الصغيرات من مجاله السمعي.. قفزت صور أبنائه من ذاكرته.. صلى من أجلهم.. حاول تشغيل المذياع على محطة الموسيقى؛ لكن التيار الكهربائي مقطوع.. تمدد على ظهره.. فرد البطانية فوق جسده.. وأغمض عينيه.. وردد الحرمان في صدره الملتاع: “سقطت مئذنة الفتى.. شاخ.. فما جدواكِ مئذنتي، في بلد يقتل غزلانه؟! ما جدواكِ مئذنتي.. في بلد تقتله النسوان؟!”.. رقد على جانبه الأيمن.. أطلق عينيه على أجنحة تحيكها صفحة الأفق ألأزرق البعيد. تمرُّ سحب بيضاء متفرقة.. وتمضي في المسافات المترامية التي لا تكشفها نافذته.. نهض.. تناول إفطارا من الخبز والشاي والحمص.. خرج إلى فناء البيت الخارجي، وهو لا يزال يرتدي ثياب النوم.. روى شتلاته وشجرة التين والرمانتين والزيتونة.. وبعد قليل، يرتفع آذان صلاة الجمعة.. نوى أن يذهب للمسجد القريب الذي كان قد مرّ من أمامه مع “الحبية الجارة” عندما كان يزورها قبل زواجها.. كان المسجد حينئذ في طور الإنشاء.. قال في نفسه: “أختي تحب أن أصلي.. يجب أن أفعل ما يرضيها”.. عندما بدأت إقامته في بلد الهوى، كان يتردد على المسجد الذي تمر الطريق إليه من أمام غرفة “الحبيبة – الجارة”.. كان يفعل ذلك، راجيا أن يصادفها.. أو مستعيدا ذكريات ساقته إلى هنا.. سألته “أخته” في مكالمة الليلة الماضية عن “الجارة – الحبيبة”.. قال: “أنتِ محوتِها!!”.. قال في نفسه، وهو يتمنى الزواج من رجاء: “الجارة “الحبيبة” خطوة نحو أختي.. تُرى، إلى أين أمضي بعدها؟!!!”.. رغب في الخروج من البيت لأداء صلاة الجمعة.. وفيما هو يوشك على ذلك، دق جرس الباب الخارجي.. دخل صديق له وهو يسأله عما إذا كان يعتزم الذهاب للمسجد.. اقترح على صديقه أن يذهبا معا.. لم يتحمس الصديق للاقتراح.. وفيما كان صوت خطيب الجمعة العالي يغطي الهواء، كان الصديق يتحدث عن حذره من النساء.. روى قصته مع إحداهن.. اتفقتْ مع زميلة لها على الإيقاع به في حبائلها؛ قالت له:

–       “أراك تنظر لي بإعجاب!!”.

–       “جمالك اللافت يدفعني إلى ذلك!!”.

–       “عيد ميلادي يحلّ قريبا، هل تقبل دعوتي للغداء معا احتفالا بهذه المناسبة؟!”.

في يوم عيد ميلادها، وفي موعد اتفقا عليه، جلس في أحد مطاعم غزة، ينتظر قدومها.. تخلفت عن القدوم في الموعد المحدد.. هاتفها.. استعجل حضورها.. كانت زميلتها بصحبتها في لحظة اتصاله بها، وكانت تسمع استعجاله لحضور الفتاة التي ينتظرها.. وصلت للمطعم، أخرجت من حقيبة يدها وردة حمراء وقالت له بدلع إنها تعرف عنه أنه بخيل.. “لذا، اشتريت هذه الوردة لأعطيها لك، فتقوم بدورك بتقديمها لي في مناسبة عيد ميلادي!!”.. ولتشاهد الزميلة بأم عينيها دليل سقوط الضحية فوق المذبح.. وعندما أحست بخطوات زميلتها وعي تصعد السلم الخشبي إلى صالة العائلات في الطابق الثاني من المطعم، التي يجلسان فيها.. تناولت الفتاة بخفة الوردة التي كانت لا تزال ملقاة أمامها على الجهة التي تجلس عليها من منضدة الطعام. ، وقبل لحظة من وقوف الزميلة أمامهما، أعطته الوردة ليقدمها لها.. فاجأه واستثار حنقه، حضور الزميلة الذي لم يكن في حسبانه، واصطبغ وجهه باحمرار الخجل.. خطر له على الفور أن هناك لعبة مدبرة ضده.. جلست الشاهدة معهما.. شرح لها ما دار بينه وبين صاحبة الدعوة لهذا اللقاء.. غارت الأخيرة في خجلها..”أفشلتُ خطتها!!”؛ قال الضحية.. وقهقهت الشاهدة.. قال السامع في صدره والصديق يتحول لرواية قصة أخرى من قصصه النسائية: “عندما يكون هناك امرأتان ورجل واحد، تنفجر حرب أنثوية بينهما.. فإذا كانا رجلين وأنثيين.. تتجدد نار حرب لا تزال متصلة منذ البدء القديم.. فإذا كانا رجلين وكانت امرأة واحدة، كان صراع ثيران لا تقضي فيه أنثى نحبها!!”..

تابع الصديق، يحكي قصة ثانية له مع مرأة جارة له: “طلبت مني أن أشتري لها بعض حاجيات من السوق.. ركبت سيارتي بعد أن ناولتني ثمن ما ترغب فيه.. عدت إليها وأنا أحمل ما طلبته.. كانت نساء في ضيافتها.. قدمت لي شكرها بصوت مسموع وبطريقة أوحت للنساء الضيفات بأنني جئت إليها بما أحمل بمبادرة مني، وعلى سبيل الهدية مني لها.. بعد أيام، تناقلت الألسن في حارتنا أنني أرتبط مع هذه الجارة بعلاقة عاطفية!”..

وحكى قصة ثالثة: “سرقت مني زميلة لي في الجامعة كراسة لي كنت قد دونت فيها بعضا من كتاباتي الشعرية.. وبعد أيام، ادعت أمام صديقاتها وهي تعرض عليهن الكراسة أني كتبت هذا الشعر تغزلا فيها وتعبيرا عن حبي لها!!”..قال: “لذلك، تعلمت أن أكون حذرا في التعامل مع النساء.. ثم إن هناك نساء يحاولن نسج علاقات مع الرجال بأغراض غير شريفة؛ فللأسف، فإن العدو نجح في إيقاع بعضهن في شباكه، وهنّ يقمن بدورهن في إيقاع رجال في الشباك السوداء نفسها!!”.. اتفقا، هو وصديقه، على أن كل خطيئة مغفورة إلا “جريمة خيانة الوطن”.. قال في نفسه، والصديق الضيف لا يزال في زيارته: “لن أكذب على أختي عندما تسألني إذا ما كنت قد أديت صلاة الجمعة أم لا؟!”.. كان ميكروفون المسجد ينقل تحية السلام معلنا انتهاء الصلاة، وفي صدره الأسيان يقول: “قلب المحبين واسع غفور.. ولكن الحب في وطني حرام!!”..

****

“في بداية علاقتي مع الحبيبة الجارة.. نشرت الصحف يا هدى، أنك سجينة في ظلمة جهل أهلك.. خرجت أطرق أبواب القلوب. أبحث عنك.. وأدعو إلى ثورة الروح على قانون يجور أكثر مما يعدل. ثورة تنير لنا العقول. وتفتح الأفئدة!!”..

منذ مكالمة الأمس مع أخته، رأي في عينيِّ هدى، إشراقة منيرة من بهجة الحب.. خاض “الإمام الأبيض” معركة ضروس، كسب في ذروتها، حقّ احتضان هدى، بعد انتزاعها من أسرة  قتلت في ابنتها الإنسان.. لمّا مضغت أفواه الثرثارين بالسوء أن البنية دنّست الشرف المصون.. ظنّ ذكور الأسرة عُمْيُ القلوب أن الطفلة هدى، فقدت بكارتها في عدوان غشوم اجتاح براءتها.. ثم احتجب الغشوم وراء نذالته. وتحت استرحام شقيقة أدمتها القساوة المتوحشة، تراجع الأهل عن نية القتل فعزلوا الضحية الطفلة عن الشمس والهواء معا.. توسل الذكور إلى طبيبة من مكان بعيد، أن تكشف عما إذا كانت ضحية الأوهام العفنة، قد سقطت فريسة أنياب هتكت خاتم العفة السفلي.. قالت الطبيبة بعد المعاينة: “لا يوجد للطفلة غشاء بكارة “.. أصاب الجنون شقيقها الذي خاض في النساء شرقا وغربا ومن كل صوب.. التقط ساطورا ثقيلا، وكاد يهوي به على الرقبة الطفلة.. صرخت الأم والشقيقات. واستجمعن القوة المتجذرة في الأرحام.. نزعن الساطور من يده.. فانطلق في الشوارع يهذي وغاب ولم يعد.. كان المشهد قد أفزع الطبيبةَ فاختفت دون أن يدري أحد كيف تلاشت.. كانت على وشك أن تكمل حديثها، وتقول: “هناك بنات من البنات، يلدن من غير غشاء بكارة، أو بغشاء ذي فتحة واسعة؛ ولا دليل يشير إلى أن الطفلة كانت هدفا لعدوان سلبها الخاتم القديم.. أتوسل إليكم، أن ترحموا براءة هذه البريئة، وأن تنقذوا كرامتها، وكرامتكم!!”.. ظلت الكلمات محبوسة في صدر الطبيبة حتى استنطقها قاضٍ لملم بقايا الشجاعة المنثورة بين الثنايا المنسية في الظلمات.. فأصدر حكما منح لـ “الإمام الأبيض” حق احتضان هدى.. يوم صدور القرار الذي حمله “الإمام الأبيض” على الفور إلى حيز التنفيذ.. وافق يوم انتقال “الإمام..” إلى جوار التينة التي زرعها أبو الجارة، قبل زمن، يعادل عمر هدى بالتمام!!

****

“رأيتك في منامي الأخير يا هدى.. وأنا صامت اللسان، مشتعل الجنان.. وأنت تقرئين على الناس من قلبي كتاب الحب بصوت جهوري واثق عميق.. ثم تقدم فتى، مديد القامة شامخ النفس موفور الجمال فخطبك وألقى بين يديك صندوق ذهب وياقوت وألماس ومن كل الحليّ تكاد لا تحيط به ذراعاه المجدولتان مع عيون أطلقت في محيّاكِ شراعها.. فقلتِ في أدب وقور صريح: أنا دعوة النور لا يأسرني قيد وأنا نبية الزمان رسالتي كرامة الإنسان!!”..

****

أسند ظهره إلى وسادة أمه الملقاة جوار الحائط أسفل نافذة تنفتح على وساعة الوجود.. فرد ساقيه.. رمت هدى رأسها على حجره.. تخللت أنامله بين خصلات الشعر المضفور في جدائل صغيرة تزيِّن رأسها بعدما كان محلوقا بالموسي.. قال وهو يحني ظهره إلى الأمام: “سواد ما فعلوا بكِ أشعل نور قلبي!!”.. رفع رأسها بين كفّيه.. طبع قبلة حنان شغوف على شفتيها.. ازدهرت بالبهجة عيناها.. نامت وملائكة الحب الكبير تهدهدها… وتعلو بها أثيرا طيبا.. تمتم قلبه: “اهنئي ببهجة غادرْتِها منذ تلقفتْكِ أيادٍ عجاف، تفحصتْ المعالم، فكانت العصا الغليظة غائبة من مجيئك، لكن باب الحرية من تحت كان.. باب كرامتكْ.. حاضرا كان وكان للقديسين فخرا.. لكن جهل الجاهلين تأفف، وندبتْ ظلامة التاريخ حظها.. أما الآن فاهنئي.. فأنتِ القلب المنير في عقلي!!”..

نهضت هدى بعد ساعة، ووجها بسمة ألق رباني..ألقى شيبه على صدرها الناهد في خياله، وطوَّق خصرها اللدن بذراعيه، تم تعلقت عيناه القديمتان بحدقتيها الوضّائتين، وقال: “رأيتُ في منامك أنكِ أتممت دراساتك حتى أرفع الدرجات.. وأن الدهر أحني ظهري، وأن الرزق ضاق، وأنكِ نهلت الحكمة من ينابيع الخلق، وأنكِ سعيتِ بين دوائر تزعم إعلاناتُها أنها ترعى النشء والأمهات.. ولمّا انتهى بك اللّفُ إلى الوقوف بين يديّ القائم على الأمر، سألك عن ولائكِ، فقلتِ بأدب وقور: للحب وللإنسان ولائي.. فإذا بالجهل الحقود يدور بالكرسي الجاثم فوق صدور المحرومين دورة، ويدقُّ جرس خارج باب القاعة المفروشة بدماء الفقراء.. فيجذبك غليظان من ذراعيك الرقيقة وتقول لك حيّة يتلوى خصرها تحت وجه تصبغه الزيوف أن المسئول قابض المال الكثير ينتظرك في خلوة يفرغ فيها لصيد المعوزات إلى توقيع يمهر به طلبات الفتيات الباحثات عن عمل يصون الكرامة ويسد رمق الجوعى من العجزة والصغار.. ولكنك وبأدب وقور أجبت: “بل أسُفُّ أنا وإمامي التراب ونصطبر ولا نهون!!”..

ثم غشاهما برد الليل فاندسّ في الفراش البائس واندسّت في حضنه، وقبّلته، وزرعت في قلبه رأسها وقالت: “علمني مما علمت شيئا يغذو بالزيت مصباحي؟!”.. لفّها بذراعيه ولفّته بذراعيها، وصمَتَ برهة ثم قال: “روى حكيم البراءة أن عملاء الشيطان نصبوا في الظلمة الحقود شركا لقلب طفل ذي عمر مديد.. عصبوا عينيه وربطوا خلف ظهره، بأغلال الحديد يديه، وقيدوا رجليه وألصقوا وجهه بحائط ملطخ بالكراهية، وحوله حرّاس شداد يراقبون أنفاسه الهادئة وهم يتنفسون الجهالة ويزفرون الشرور.. ابتسم قلبه وابتسمت عيناه وابتسم كله فاستنار بالحب عقله.. وما ارتعد ولا لانت قناته، ولا كدَّرت الإساءات صفحته الداخلية ولا عكّرت مزاجه.. فشاء الله الذي يكرم الحرَّ إذا تكالبت جيوش اللؤم والطمع حوله، فانزاحت الغمة.. وكان له البراءة من مرض لم يعرف الأطباء له سببا ولا دواء.. وكان مرضا يهدد بخطر جسيم.. فيا نور القلب إن بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء.. وإن الحكمة الشعبية تقول إن من يحفر لأخيه حفرة يقع فيها.. وإن الأيام مضت مسافة قصيرة، فنزل القصاص بساحة البلاء واندحر الشيطان وانتصر الحب وإن الحب لا محالة منتصر!!”..

****

طبع قبلتين على وجنتيها.. زرعت رأسها في قلبه.. وشددت ذراعاه التفافهما على جسدها الطري الشهي لروح شيخ يحلم أن تكون هدى باكورة مجد الإنسان.. نهض.. هاتفته الزوجة، فنازعته نفسه وقال يخاطب هدى الخيال: “مشغولة هي بالتدبير للنماء في الواقع ومشغول أنا بالتدبير للتدمير.. فهل يا هدى أنا هارب مجنون أم تائه قديم؟!”.. ضغطت أصابعه على أرقام أخته على هاتفه فردّ صوت غير صوتها وقال إنها تصلي.. قام للمطبخ فأعد شرابا من الحلبة والينسون، ثم ارتدى معطفه الطويل وطاقية الصوف وجلس ينتظر هاتف رجاء.. طلبها مرة ثانية، قال لها: “أحببت أن أطمئن على أختي!!”.. قالت بلهجة تحمل شكها في نيته: “هل هذا قصدك؟!”.. أقسم لها “بأجمل أخت” أنه يريد الاطمئنان عليها ولا قصد له غير ذلك.. ردت: “هل تريد الاطمئنان أم تريد معرفة ما استجد من تطورات؟!”.. “أطمئن عليك، وعلى ما هناك من تطورات إذا وقعت تطورات جديدة!!”..

****

“غدا، سيعقد قراني!”.. قال بنبرة واضحة: “مبروك لك.. ألف مبروك”.. سألت: “تقولها من قلبك؟!”.. “ما دام هذا هو اختيارك، فإني أهنئك به ومن أعماق قلبي”.. تنهدت، وقالت: “سأتصل بك في وقت لاحق، البيت عندي مزدحم بالناس!!”.. ابتسم وعاد يحتسي شرابه الساخن، في ليل يتمادى في الظلام البارد.. خرج ووقف تحت الشرفة، حضنت ذراعاه جذع التينة.. صلى من أجل رجاء: “اللهم اجعل الآتي من حياتها بهجة حب من نورك.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. رمى رأسه على الجذع الذي ظل ينتظره منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما.. طبع قبلة عليه، تذوق لها طعما كطعم القبلتين اللتين طبعهما على خديِّ “الحبيبة/الجارة” قبل عامين وأربعة أشهر.. رفع عينيه إلى أعلى: الشرفة مظلمة، وغارقة في الصمت، والسماء غامقة، ونجم عالٍ يتلألأ.. تلوّن شعوره بحزن عميق رقيق.. عاد يصلي من أجل اخته: “اللهم بارك زواجها.. وهناءً فليكن.. هناءً لها وله!!”.. رسم البهجة في عقله؛ فشعَّ النور في قلبه: “أحببتها؛ اللهم فاجعل أيامها ولياليها، حبا لا ينقضي ولا يبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”..

جلس في فناء بيته الخارجي.. تنبعث موسيقى ناعمة من مذياع في غرفة نومه.. والريح النشط لا يقوى على هزيمة نخلتين كبيرتين بشموخهما.. وفحيح أوراق الشجر، يصعد من جفاف الثرى، يستنزل المطر.. “وعندما يجيء صباح الغد، وتنهض فيروز من فراشها الطفولي.. سأقول لها، العقبى لكِ.. رجاء مضت!!”.. ثم انقضى زمن قصير.. وجاء القمر، فهزم حشود السواد الظلوم.. ثم غدا تأتي الشمس جديدة.. وتزغرد العصافير في قلب عقلي.. وحولي.. ولك يا بهجة الحب أغنِّي..وأصلِّي!!”..

****

لم يكن حديث رجاء عن مشروع زواجها يقينيا: “تمنيتُ لو أن عقد قراني يكون غدا، لكن أختك تعيسة الحظ، أهله غير موافقين على زواجه مني، وأنا لا أريد الارتباط به، ما لم يوافق اقاربه على ذلك!”.. تحادثا ساعات طويلة: “أنا بحاجة إلى أخ لي!”.. ردّ: “وأنا بحاجة إلى أخت!”.. غاصا معا في أعماقيهما، فتحت خزانة أسرارها..

–       “لم أتحدث في هذا الموضوع مع أحد قبلك؛ أشعر أنني ارتكبت خطيئة!!”.

–  “كل منا يحتاج إلى شخص يثق به، ويصحبه إلى أغوار مكنوناته. يريد سابق أن يتزوج منك، لسبب واحد، هو أنه بحاجة إلى امرأة يتحدث معها.. أنت قلتِ أنه لا يجد من يتحدث إليها حديثا من القلب إلى القلب!! وأنه لم يستطع أن يتخذ من امرأته خليلة لروحه؟!”..

–       “هل يمكن لرجل أن يتخذ من زوجة جاهلة خليلة لروحه؟!”..

تنهَّد.. قال بتمزق قديم متجدد: “أنت تفتحي جرحي العميق النازف”.. سألته:

–       “لماذا لم تحاول تعليمها؟!”.

–  “حاولت طويلا، لكنني فشلت.. المبادرة من طرف واحد، لا تكفي لنجاح مشروع ما، لا بد من استجابة الطرف الآخر.. كنت أحلم بخلق العالم من جديد، وأن أجعل منها بداية تحقيقي لحلمي!!”.

استمرا يتحدثان إلى ما بعد منتصف الليل بنصف ساعة.. كانت تتكلم بصوت خفيض: “أنا أفعل شيئا غير صحيح، وإلا ما كنت أخشى رفع صوتي، لتحاشي أن يسمعني من يشاركونني في البيت من أبناء وضيوف!”.. ردّ: “أنتِ لا ترتكبين خطأ.. اعتقاد الناس أن ما تفعليه خطأ، هو الخطأ.. وليس الخطأ هو ما تفعليه.. يريد الناس أن يحبسونا في قوالب من صنعهم، هنا الخطأ.. وهذا هو الخطأ الذي ارتكبته في تجربتي زواجي السابقتين، كان أبي يقول: “المرأة عجينة يستطيع الرجل أن يصنع منها ما يشاء! كلا؛ أثبتت تجاربي فساد هذا الرأي. لذا.. أنا أريد الزواج من امرأة أختارها لذاتها أيتها الحبيبة!!”.. هددت باحتجاج مغيظ: “سأغلق الهاتف!!”.. سارع للاعتذار: “لن أعود إلى ذلك؛ ولكن الرجل يحب أخته، وليس بيننا نزاع على الإرث حتى يغيب الحب مما بيننا.. أنت تعرفين أن المشكلات بين الأخ وأخته في بلادنا تأتي من طمع الذكور في حقوق البنات.. الحمد لله ليس بيننا خلاف على ما ترك لنا والدانا!!”.. أضاف: “كنت أعتزم الاتصال بك، لأعرف رقم سابق، رغبت في تهنئته بالفوز بك، وأردت أن أطلب منه، أن يمنحني فرصة الشهادة على عقد قرانكما!!”..

ثم دعاها للتفكير مليّا في قرارها.. وفي صباح اليوم التالي، أخبرته أنها لم تنم طوال ليلتها الأخيرة، وأنها قررت أن لا توافق على عقد قرانها مع سابق قبل أن يوافق أهله على زواجه منها. وقبل مغيب شمس اليوم، زفت له رجاء أخبار سارة: “بعض معارضي زواجي من سابق أظهروا شيئا من الليونة في موقفهم”.. كانت نبرتها مبتهجة، وهي تشعر أنها تقترب من تحقيق هدفها.. عكست اطمئنانا أكبر له وهي تهاتفه: “أشعر أنني أصبحتُ في مأمن من تطلعاتك بالاقتران بي!!”.. أضافت في المكالمة المسائية التي أعقبت مكالمة صباحية طويلة بينهما: “عندما أرتبط مع سابق، لن يبقى أمامك مجال للتفكير في الزواج مني.. وستكون أخوتنا بريئة من رغبتك التي لا تزال حية في صدرك.. كنت قد قررت أن لا أعود للاتصال بك مرة أخرى هذا اليوم، لكنني لم أملك أمري، فطلبت رقمك دون تردد، ورغم ما كنت قد اعتزمته!!”.. ردّ: “انتصر قلبك الذي لا تزالين تقمعيه بعقلك!!”.. اعترفت: “أنت تعاملني بحنان، وأنا أتعمد القمع.. إنني أترك لعقلي الكلمة الفصل.. إنني خائفة من عواقب زواجي من رجل له زوجة جاهلة.. قال لي سابق في المكالمة الأخيرة بيني وبينه، إن زوجته أخذت تبدي اهتماما به، لم يعهده منها من قبل!!”..

****

هذا اليوم.. نهض من نومه، وقبل أن يغسل وجهه، أو أن يبدل ثيابه، فتح النافذة المطلة على التينة، وأسرع إلى مهاتفة رجاء: “صباح الخير يا أختي”.. أضاف في صدره: “صباح الخير يا تينة!”.. ثم سأل رجاء: “هل حظيتِ بنوم هانئ ممتع، في ليلتك الأخيرة؟”.. وقبل أن يحين موعد انصرافها من عملها، عاد لمهاتفتها: “هل طرأ جديد؟”.. أجابت بنبرة يائسة وفيها حسرة: “لم يتصل!!”..

ضاق بصمت الهاتف، عاد للاتصال بها للمرة الثالثة هذا اليوم، جاء صوتها منهوكا: “صداع شديد! أرجوك أن تتركني!!”.. أجاب منزعجا: “هل حدث ما أساءك؟!”.. أنهت الحديث القصير، الذي استغرق أقل من دقيقة: “أرجو أن تتركني يا دكتور، مع السلامة!”.. صدعت كلماتها قلبه، وشوَّشت تفكيره: “لماذا عادت لمخاطبتي بلقبي بعد أن تعودتُ منها على مناداتي باسمي المجرد؟!.. هل تراجعت عن اتفاقنا على أن نكون أخوين؟!”..

ضغط رأس هدى فوق صدره، وقال: “رأيتك وأنت تذرفين دموعك.. تمسحين الحزن الذي ينهمر من عيون ينهمر الألم منها.. ورأيتك وأنت في أبهى بهائك، وتمام زينتك.. تراقصين البهجة في أعراس المساكين واليتامى.. وبعد أن أودعْتِ جثماني، بطن الأم الكبيرة، هرولتِ إلى الجهة الغربية، ولوّحتْ كفّاك الناعمتان بتحية الشوق لمغيب يأتي بعده شروق جديد. وبينما أنت تكتبين قصيدة في جمال الشفق، تعالى صياح النجدة.. فخلعت عنك ثيابك، وجدّفتْ يداك وساقاك في بحر الظلمة.. والنور من قلب عقلك صاعد.. فاندثرتْ الحيتان، ومددتِ ذراعيك..فحضنتِ الفتى.. وقفزت به فوق طوفان الموت.. ثم صحوتُ.. فتلمستكِ.. فما وجدت غيري..!!”..

****

بعد ساعة من المكالمة القصيرة جدا، رنّ جرس الهاتف في غرفة مكتبه التي لم يبرحها، حتى الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي. بعد نهاية أطول مهاتفة بينه وبين رجاء.. ردّدَ فيه، وقبل أن تذهب في صمت عميق، مرّات عديدة: “أُحبكِ.. أحبك..!!”.. امتنعت في البدء عن التحدث عن أسباب ما بها من حزن احتجاجي فظيع.. قال لها: “لا تحزني على فقدان من لم يقدرك حقّ قدرك.. إنه لا يناسبك.. ولم أكن أستطيع أن أقول ذلك بصراحة، كي لا يستدعي تأويلات ما منك.. احمدي الله على أن الموضوع لم يتم.. كنت أشفق عليك من مستقبل ستواجهين فيه خصما جاهلا!!”.. تنهدتْ.. وقالت: “كنتُ على وشك أن أتصل به، وأن أنقل إليه أنني عدلت عن قبولي به، لكنه سبقني بلحظة، وأخبرني أنه لن يكون قادرا على الارتباط بي.. إن ما يعذبني هو أنه سبقني!!”.. ردّ بنبرة فيها تفكُّه: “إنه سيد سابق!!”.. تابع:

–       “أنتِ لا تزالين تشكين في صدق مشاعري الأخوية نحوك!!”.

–       “لا أشك.. ولكني ألوذ بالحذر!!”.

–       “لن تجدي الرجل الذي يناسب قلبا وعقلا كبيرين مثل قلبك وعقلك!”.

–       “تعني لن أجد من يناسبني باستثنائك أنت!!”.

–  “أعرف أني أناسبك من جوانب، ولا أناسبك من جوانب أخرى، وأعرف أيضا حقيقة مشاعرك نحوي، التي تحاولين إخفاءها.. أعرف أنك تحبينني!!”..

صمتت، وتنهدت.. قال: “أنا في الحب مجنون.. ولا أدري لماذا أتحلى بالعقل في حبي لك!!.. أودّ أن أخرج هذه اللحظة، وأصعد مئذنة المسجد القريب مني، وأنادي بأعلى صوتي: أحبك.. أحبك يا رجاء.. أحبك!!”..

–       “فإذا نهض الناس وقصدوا المسجد؟!”..

–       “أكون إماما لهم في صلاة الحب!!.. هل خفّ صداع رأسك؟!”..

–       “أفضل مما قبل!!”..

صَمَتا معا.. ثم قال: “أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. رجاء؟ أين ذهبت؟.. رجاء؟ تكلمي.. تكلمي يا رجائي وسمائي.. لن أبقى الطفل المطيع ولا الذي يكبت مشاعره في صدره.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. ؟!!”.. انتبه إلى أن الحياة تحركت تحت سراويله الشتائية التي يرتديها.. والصمت يرتدي الوجود كله.. قال في نفسه: “هذه أول مرة يتحدث فيها الصمت بلغة الحب!!”.. وأوغل الصمت.. وعقارب الساعة تدنو من الواحدة صباحا.. وبرد الليل القارس يتوغل في جسده.. وجيش الاحتلال الإسرائيلي قتل ثمانية فلسطينيين في الساعات العشر الأخيرة.. ورجاء أغلقت الهاتف، وحاول أن يفتح الخط معها من جديد.. دق جرس الهاتف جوار فراشها ثماني مرات.. لم تجب.. خلع ملابسه، وارتدى بيجامته الزرقاء السماوية، واندس تحت لحاف وبطانية من اللون ذاته.. وتذكر أن رجاء قالت له وهي تهاتفه قبل قليل، أنها تتدثر ببطانية زرقاء سماوية، وفوقها لحاف أزرق سماوي أيضا.. “قريبان جدا نحن يا رجاء.. يا أختي وحبيبتي!!”.. وأول ما صحا في صباح اليوم التالي، هرع إلى هاتفه الجوال.. طلبها على هاتفها الجوال الذي يكشف رقم الطالب.. لم ترد.. طلبها على هاتف عملها.. لا أحد يجيب.. عاود المحاولة، رنّ هاتفها الجوال طويلا.. لا جواب.. طلبها على هاتف العمل مرة أخرى، ردت زميلتها: “رجاء لم تأت بعد!!”.. طلبها على هاتفها المنزلي. لا أحد يرد..السماء ملبدة بالغيوم، والريح عاتية.. والبرد يتسلل من باب مشقوق.. والنوافذ مغلقة.. وصوت فيروز الطفولي غائب هذا الصباح.. لكن العصافير تغرِّد.. والنخلتان الطويلتان صامدتان.. والأوراق الجافة المتساقطة من التينة تفرش الأرض تحت التينة وتحت الشرفة الصامتة إلا من ذكرى حبيبة كانت هنا. والرمَّانتان ماضيتان إلى حمل النهود.. النهود؟!! يحلم.. يحلم بصدر من حب لا يزول.. ولا فطام له عنه أبدا..!!

****

عاود محاولات الاتصال بها.. طلبها على الجوال، لم ترُد.. طلبها على هاتف عملها، ردت زميلتها: “رجاء لن تأتي هذا اليوم”.. طلبها على هاتفها المنزلي. ردّت:

–  “لا أرغب في الحديث مع أحد، ورددت على الهاتف لظني أن زملائي في العمل يحتاجون للاستفسار عن مسالة ما تتعلق بشؤون العمل”.

–       “أحبك!!”.

–       “لا تضطرني إلى إغلاق الهاتف كما فعلت في مكالمة الليلة الماضية!!”.

–       “أريد أن أراكِ”.

–  “لا.. لا أريد لك أن تتولع بي أشد من ولعك وأنت لم ترني بعد.. أرجو أن لا تجري وراء سراب.. أنت سفينة لا تستقر في مرفأ!!”.

–       “أؤكد لك أنك مرفأ سفينتي الأخير.. سأقرأ عليك شيئا مما كتبته!”.

–       “لا أرغب في سماعه.. أنت تحاول استغلال ظرفي النفسي!”.

–  “أنت تجرحينني بهذا الكلام؛ اخلعي نظارتك السوداء.. أنتِ تعرفين أني أحبك من قبل أن تنتهي علاقتك مع سابق.. أرجوك، اسمحي لي بالتعبير عن عاطفتي نحوك؟!”.

–       “لن أسمح!”.

كانت تضغط سماعة الهاتف المنفصلة عن قاعدتها بين كتفها وأذنها.. ويداها مشغولتان بتجهيز طعام الملفوف الذي يشتهيه؛ قالت: “ها قد أشعلت النار لإنضاج الطعام!”.. قال: “أنت تشعلين نارين!!”.. وصمت، ثم تابع: “أنت تذبحينني!!”.. ردت: “أنا مذبوحة!!”.. صمت مرة أخرى، ثم قال: “دعيني أنزف وحدي!!”..

قال في نفسه: “رجاء تثأر لكرامتها التي هدرها سابق بالانتقام مني.. للمرأة أنامل وشفاه ناعمة، ولها أيضا قلب تسكنه وحوش ضارية، تخرج إذا أفلت من قفصها رجل تهواه.. وإذا لم تمتلك المرأة من تحبه، أحبت له أن يموت دون أن يفرّ منها!!”..

****

غادر غرفة مكتبه، التي كان يتحدث منها مع رجاء.. ارتمى على فراشه البارد.. جذب هدى وألقاها على ظهرها.. باعد بين ساقيها، وغرس وجهه أسفل بطنها.. قبضت كفاه على نهديها.. وقال بصوت آت من الأعماق: “ورأيتك يا نور القلب أريجا يملأ الفضاء، فركبت السماوات حتى علوت فوق أقصاها.. ومن هناك، أمرت، فطويت الوجود، فكان الوجود خيالي وبهاءك.. ولثمت شفتيك، فاستضاء العقلُ بهجةً ولثمت صدرك فاستقام الحب قانونا ولثمت وجنتيك فانبلج الليل وردا ولثمت بطنك فأينعت بعثا من النور فنهضنا فانطلقنا بين الوديان نقفز من وعر إلى وعر نتسلق الجبال ونزرع الحقول والنمور معنا تحرث الأرض والأسود ترويها والحسناوات يصنعن الخبز والفتيان ينثرون العدل فوق العتبات وجوقة تغني والكون يرقص رقصة الحرية..!!”..

****

قالت رجاء في مكالمة الليلة الأخيرة:

–       “لن أتزوج!!”.

–  “وسأعزف بدوري أنا الإمام الأبيض عن النساء كلهن وأكرس ما تبقى من حياتي للتكفير عما اقترفت من الخطايا.. فهاتي نشرع في تنفيذ فكرتنا المتعلقة بخدمة الأمومة والطفولة في حيِّكم يا رجائي!!”.

****

ألحّ عليها أن تعترف بحبها له:

–       “قولي إني أحبكَ.. قولي.. قولي.. ارحميني!!”.

–       “لن أنطقها!!”.

–  “أنت تحبينني!! ولا تفسير لعلاقتنا سوى أننا نتبادل الحب. تعالي نعلنه معا، في هذه اللحظة العميقة من الليل، وعلى إيقاع موسيقى كونية صاخبة، تختلط فيها أصوات الزوابع مع سقوط الثلج.. وفي هذا الصقيع الذي يلفنا.. انطقي.. قولي إني أحبكَ!!”..

استمرت المكالمة التي بدأت بينهما قبل منتصف الليل حتى الواحدة من صباح الأربعاء.. وقبل ظهيرة الأربعاء، قالت له إنها ستبدأ خطوات من شأنها أن تربطه بامرأة أخرى: “حتى لا يبقى أمامك مجال لمعاودة الكرّة معي!!”.. قال لها في محادثة الليلة السابقة: “زواجي من امرأة أخرى غيرك انتحار لي.. أرجوك لا تدفعيني إليه!!”.. اعترفت أنها تتمنى رجلا ناضجا:

–       “أحب عقلكَ وكتاباتك!!”.

–       “إذن، أنتِ تحبينني!!”.

–       “إني أحب كتابات نجيب محفوظ، هذا لا يعني أني أحبه شخصيا!”.

–       “الدلائل تقول إنك تحبينني.. لا تواصلي قمع قلبك!”.

–       “افهم ما تشاء.. ولكنني أعزّكَ وأحترمكَ! دعنا نبقى أخوين!!”.

–       “إذن، لا تدفعي أخاك إلى الانتحار!!”.

–  “أنت لست مستقرا، ولا تصلي.. وأنا أريد أن أتزوج رجلا يوفر لي ظرفا يسمح لي بالاستغناء عن عملي الوظيفي.. أنت لا تتصور كم يذل العملُ المرأةَ؟! لماذا لا تبدأ في تنفيذ مشروع إنشاء جمعية لرعاية الأمومة والطفولة؟!”.

–       “أود أن تكوني زوجتي وأختي، وأن نعمل معا لإنشاء الجمعية المقترحة!!”.

قبل الساعة الواحدة ليلا بدقائق، قالت: “أنا خائفة!”.. قال، والغضب الكوني العاصف، يهز الليل: “أنا معك..أتمنى لو أنك الآن في حضني.. أنا أحبك. أنا أحبك!!”.. ألحّ عليها من جديد: “لا تقمعي قلبك!”.. قالت: “هذا قدري!”.. ثم أغلقت الهاتف..

قال لها في الاتصال الهاتفي الليلي التالي، الذي استمر مائة دقيقة، إنه محبط!! دعته إلى العودة إلى التدين الذي كان عليه فيما مضى؛ سألها: “هل هذه العودة هي مهرك؟!”.. قالت بنبرة صوت نابع من القلب: “قد يكون!”.. وأكدت:

–       “عودتك للتدين، ستزيح عقبة جوهرية تقف بيني وبين موافقتي على الزواج منك!”.

–       “ولكن، ماذا سيكون رأيك عني، إذا عدت للتدين من أجل الفوز بك؟!”.

–  “سأشعر أني صنعت شيئا جميلا، ولن أرى الأمر على أنه تخلٍّ منك عن قناعاتك لغرض الفوز بي!”.

–       “ألن ترينني رجلا ضعيفا لا يستحق الزواج منك؟!”.

–       “كلا؛ سأكون قد أنجزت شيئا يرضيني!”.

عدم تدينه، سبب من أسباب أخرى، يعود إليها رفض رجاء للزواج منه.. قالت في أحاديثها معه: “أريد رجلا مستقرا، ووضعه المالي جيد.. أريد رجلا يأخذ بيدي، لا رجلا أنا آخذ بيده!”.. وحكت عن زوجها السابق: “فعلت له كل ما استطعت فعله، استصدرت له موافقة على جمع شمله معنا، بما يسمح له بالحصول على هوية فلسطينية، والاستقرار هنا، وأعددت له عملا يشتغل به عند عودته إلينا.. وقررت أن أفتح صفحة جديدة في علاقاتنا رغم أني لم أكن راضية عنها أبدا.. لكن ذلك كله، ضاع في مهب الريح.. لا أريد العودة إلى ذلك من جديد”.. وجهت له الكلام: “ظروفك المادية صعبة، وأنت رجل غير مستقر على حال!”.. وعندما كان يطلب منها أن تصغي لنداء قلبها، كانت تهرب إلى الحديث في موضوع مختلف. وفي محادثة أخذت طابع الصراحة القاسية من جانبها، أخبرته أنها تراجعت عن وعدها له بأن تفتح أمامه طريقا للزواج من مرأة أخرى.. طلب منها أن لا تتخلى عنه: “لا تتركيني أغرق أيتها الأخت والحبيبة؟!”.. ردت: “إذا كانت مواصفاتك تبعدني عنك، فكيف تريد مني أن أسعى لربطك بامرأة أخرى؟! ماذا أقول لها عنك؟!”..

وفي صباح اليوم التالي، تباطأ في النهوض من فراشه.. رنّ جرس الهاتف، قالت: “هل أغضبتك صراحتي؟!”.

–       “لا عليك! ومهما تكن الصراحة جارحة، فلا بد منها!”.

–       “إليك ما وصلني عنها من معلومات. عمرها.. وضعها.. لديها طفل من زوجها المتوفى…”.

–       “أنا على استعداد لاحتضان الطفل.. لا بد أن هذا يسعدها!”.

–       “إنها تناسبك!”.

لكن رجاء رفضت أن تقوم بالاتصال بها والتحدث إليها في موضوع الزواج المقترح.. وطلبت منه، إذا قام هو بالاتصال بها، أن لا يتحدث معها عنها: “لا تتحدث معها عن معرفتي بك، ولا عن أية علاقات أخرى لك مع النساء.. عليك أن تقطع كل علاقاتك مع النساء، وكفَّ عن ترديد: هذه أختي وهذه ابنتي.. لن تجد امرأة تتقبل ذلك.. سنتحدث أنا وأنت من وقت إلى آخر، وسأزوركم أيضا.. إنها تناسبك، والله يوفقك”.. وأغلقت الهاتف..

****

“ورأيتك يا هدى.. وقد حملتِني إلى فوق الفوق.. فقال فوق الفوق مبتهجا أنتَ الصادق المقدام أيها الأمجد لا تبالي.. ونزلتُ.. فإذا الكريم أنا لم أزل وحدي أفترش الحصيرة والسقيع دثاري.. ولكنك يا نور القلب.. أنتِ.. أنتِ حلمي.. فإن لم يكن بك غضب عليّ.. فلا أبالي!!”..

****

في الطريق إلى شقيق المرأة التي اقترحتها رجاء عليه للزواج منها.. دخل مسجد الحي الذي يقع بيت رجاء فيه.. شعر أنه يقترب منها أكثر.. وكان في صلاة الجمعة ظهر اليوم ذاته قد صلى من أجلها: “اللهم املأ بالبهجة قلب رجاء!”.. كانت رجاء في هذا الوقت الذي يتجه فيه نحو المرأة التي يقصد بيت شقيقها، كانت تشارك في مراسم حفل زواج إحدى قريباتها، قالت له: “كنت وأنا في الحفل أدعو الله أن يوفقك في مشروع زواجك من المرأة التي اقترحت عليك الاقتران بها”.. لكنه لا يريد الابتعاد عن رجاء.. ويخشى من نتائج غير مرضية، إذا اقترن بالمرأة المقترحة: “لا أعرفها، ولن يكون بمقدوري التعرف إليها جيدا قبل الزواج.. وأخشى أن تزداد ناري نحوك اشتعالا!”..

****

إلى أين يسوقه القدر: من الحبيبة الجارة، إلى الحبيبة الرجاء.. إلى امرأة لا يعرف من هي؟! الجار أبو الجارة، الذي اصطحبه إلى بيت شقيق المرأة الجديدة، طلب منه أن يترك مسألة ترتيب الزواج له، وأن يمتنع عن فعل أي شيء قد يعمل على إفشال مشروع الزواج من المرأة الذاهبان للتعرف عليها.. “ما يخالف التقاليد لن يكون مجديا”؛ قال أبو الحبيبة الجارة.. كان والد المرأة الجديدة وشقيقها في انتظارهما.. كانا يخمنان سبب الزيارة.. تحدث أبو الجارة مباشرة في المسألة.. قال شقيقها إن الرد بعد يومين.. قال له أبو الجارة، وهو يشجعه على الزواج من المرأة التي حثته رجاء على الزواج منها: “إنها فرصة ثمينة يجب أن تحرص على أن لا تضيع منك”؛ وإشارة إلى ثراء المرأة المقترحة لزواجه منها، قال أبو الجارة بلغته العامية: “إنها كُس وكيس!”.. رجاء تريد زواجه من المرأة هذه، وتعلل ذلك بقولها: “حتى أنتهي من موضوعك!”.. زواج محكوم بالتقاليد.. قبوله به يمثل انقلابا على مبادئه.. هذه هزيمة، هل يسلم بها.. في شبابه المبكر، كان شعاره: “لا.. لا، في وجه كل كائن”.. أبو الجارة، الذي يجعل من الثراء المادي، هدفا رئيسا، ورجاء التي يحبها، يدفعانه إلى امرأة لا يعرف عنها، سوى أنها ابنة أغنى عائلة في بلد هوى القلب.. هل يهوي؟! رجاء رفضته لأسباب منها أنه فقير: “أحب فيكَ فكرك؛ لكن المال حاجة أساسية!”.. في الطريق إلى ابنة العائلة الغنية بالمال، حاول أن يقنع رفيقه، بزيارة ابنته التي ضربها بعنف، يوم العيد، عندما طلبت منه، أن يسمح لها بالعودة إلى بيت زوجها: “كان يجب أن تفعل ذلك، تريد أن ترجع إلى طفلها.. أرجوك، اذهب إليها.. لا تتركها في العذاب.. النبي محمد أجاز لكل الرجال المتزوجين أن يتزوجوا نساء غير زوجاتهم.. لكنه رفض أن يتزوج علي بن أبي طالب زوجة أخرى مع زوجته بنت النبي فاطمة.. عاطفة الأبوة، دفعت النبي إلى أن لا يقبل لابنته، ما يقبله لبنات الناس غيره.. أرجوك، اذهب إليها.. وصالحها!!”.. رد الرجل الذي لا يعرف عن علاقة رفيقه بابنته شيئا: “لن تقنعني.. لن اذهب إليها.. وإذا جاءت عندي سأقيدها بالحبال!!”.. حب الجارة لم يغادر قلبه. حدّث نفسه وهو عائد من زيارة بيت المرأة المنحدرة من عائلة ثرية بالمال: “هل يساعدني الزواج المقترح على تنفيذ مشروعي الروحي؟.. “هاتي نشرع في تنفيذ مشروع جمعية الطفولة والأمومة يا رجاء!”.. ردت: “دعنا ننتظر، نحن بحاجة إلى دعم مالي أرجو أن توفره لنا المرأة التي أنت مقبل على الزواج منها!”..

****

“رأيتك يا هدى، تحرثين الأرض، وتزرعينها من جديد. ورأيتني أصلي في محراب رجاء. ورأيتني دونك، فصرختُ فانشقّ الثرى عنك.. و ظلّ الحلم يلازمني!!”..

****

جلس يدفع في جوفه لقما مغموسة بطبيخ العدس الرديء التجهيز والطعم.. الذي لا يزال يأكل منه منذ ثلاثة أيام.. تذكر المرأة لا يعرفها والتي قصد بيت أخيها ليطلب الزواج منها.. التي تقيم مع أسرتها في قصر من أفخم قصور قطاع غزة.. وتذكرّ أنه دفع ثمنا باهظا، لا يزال يتفاقم، عندما تزوج من امرأتين، اختارهما لا لذاتيهما.. وتساءل بقنوط: “هل أكرر جرائمي، وأتزوج من امرأة ثالثة، لا تشدني ذاتُها إليها؟!”.. لم تشده امرأة لذاتها غير الحبيبة التي رافقه والدها إلى الأسرة الثرية لطلب يد امرأة حثته رجاء على الزواج منها.. ولا رجاء أيضا.. إنه لم يقع في حبها منذ رآها كما حصل مع الحبيبة الجارة.. إنه لم يرَ رجاء.. هل يمكن للحب أن يقع دون أن تقع العين في شباك العين؟! يشك في ذلك.. فما قصة رجاء إذن؟ لا شيء هي غير رجاء..

جلس في مكتبه، شارد الذهن، ومن فوق رأسه ذكريات نسجها مع الحبيبة قبل أن ترحل من هنا: “إلى أين يذهب القدر بي؟! أنا الذي قضيت عمري مجدفا عكس اتجاه الريح؟!”.. ارتشف ما في قاع الكوب من شاي بارد: “رجاء قمعت قلبي وقلبها.. هل أتعلم منها درس الواقعية؟!”. يتمنى لو أن المرأة التي سعى لخطبتها، تشدها بذاتها إليه!.. لا يريد أن ينطبق عليه القول السائر: “يا ميخد القرد على ماله.. يروح المال، وبظلّ القرد على حاله!!”.. ينتظر ما ستنكشف عنه الأيام القريبة.. أمس، وهو في طريقه مع والدة الحبيبة، إلى بيت شقيق امرأة لا يعرفها.. عبر حقول النخيل الشامخ.. توقف عند زهرات شقائق النعمان.. ثورة الريح والمطر هدأت.. وربيع جديد بدأ.. والسماء صافية، والتائه يخطئ مدخل البيت الذي يقصده.. وجد نفسه مع والد الحبيبة “الحبيبة” التي جاءت به إلى بلد الهوى.. يهبط سلالم قليلة، من باب قصير، دخله وهو يحني هامته: “هل تعلمت من رجاء درسا جديدا في الحكمة يا هدى؟!”.. هاتفته رجاء قبل قليل من انطلاقه مع والد الحبيبة، وحثته على أن يمضي نحو الهدف الجديد بلا تردد؛ قال لنفسه:

“هل تكون المرأة الجديدة حنانا لي أنا التائه في السقيع، المِعْوَز إلى حنان مخملي دافئ يا هدى؟!”..

****

“وفي صباح هذا اليوم.. الذي يسبق الغد المنتظر.. هاتفتني الثلاث نساء اللواتي أحببتهن بعد عودتي إلى شيء من الوطن.. صدفة لم تتكرر؟! فهل هو الوداع يا هدى؟! أم هي حاسة النساء حبيباتي التي أحسسن بها أن طائري على وشك الإقلاع إلى أفق جديد.. أريدك أن تصحبيني إليه يا هدى؟!”..

****

ابتدأ صباحه، بنداء فيروز الطفلة: “يا دكتول.. يا دكتول..”.. فتح نافذة غرفة نومه.. ناولته أمّ فيروز كوبا من الشاي اللذيذ. طبع قبلة على جبهة فيروز التي تسلقت على الحديد المثبت على النافذة.. وطبعت الجارة قبلة على خد ابنتها.. السماء صافية.. وزهرة بنفسجية.. ليست زرقاء بلون السماء.. تتفتح في الحوض الممتد بين بابيِّ منزله.. والهدوء يلف التينة والشرفة الممتدة فوق نافذة مكتبه الشمالية..

“أسدلي ستائري يا هدى.. لا ماء في الأرض ولا سماء.. لا رجاء فلملمي بقاياي وازرعي في رحمك قلبي.. واشعلي القناديل من موسيقاك وضميني في النور العميق يا دفء الحنان ومن فوق الفوق تنزّلي مطرا وضاجعي ذكريات أحلامي وتصعّدي نماء خير وبهجة وابعثيني صلاة لا تنقضي يا إمامي ولا تبلى.. ولك المجد يا حلمي!!”..

****

اليوم الأخير:

حلّ موعد الردّ على طلب يد المرأة الثرية ولم يفِ شقيقها بما وعد به من أنه سيحمل له الرد.. لكن هذا لم يشغل باله!!

طلب من رجاء أن يلتقيا.. وألحّ في طلبه.. لكنها رفضت بإصرار!!

عاد يعرض عليها الزواج منها.. جددت رفضها!!

وفي الساعة الأخيرة من المشهد الأخير .. هاتفته الزوجة: ” أحببت الاطمئنان عليك.. دير بالك على حالك..!!”..

وفي ظلام الفناء الخارجي.. والتينة والشرفة في صمت تسبحان، قال أسيفا: “صديقة.. صديقة لا غير.. وعادت الأرض إلى ما قبل النساء.. فهل انتهت روايتي!!”..

ثم آوى إلى فراشه.. وأدى وصاياه.. فابتهج ونام…………………..!!

****

غزة – شتاء وربيع عام 2002

بريد إليكتروني

alnorani@live.com

alnoorani@hotmail.com

موقعي الإليكتروني

www.alnorani.com

https://hriah.wordpress.com/

http://rezgar.com/m.asp?i=17

مريم عارية – رواية سافرة تكشف المستور

 كتابات أدبية (1) تأليف: حسن ميّ النوراني

 

مريم عارية

رواية سافرة تكشف المستور

 

 

 

 

 

 

 

 

حسن ميّ النوراني

في أول كتابي:

“رؤية دينية للدولة الإسرائيلية”؛

قلت:

“الدولة الإسرائيلية جماع الفساد الإنساني…”

وهنا… فساد ظلوم…

وحبٌّ يُطهِّر…

أبو سامي… إنسان أفسده العدوان الصهيوني على فلسطين…

أمّا الحبّ فقد طهَّره…

الحبُّ دواء الداء

 

1

ضرب الزلزال خيال الطفلة .والمعلمة الشابة، تدلق من حافظتها الذهنية، تفسيرات الفقهاء، لأول آيات القران الكريم:”الرحمن من الرحمة، والرحمة هي الرقة، واسم الرحم مشتق من الرحمن .والرحيم :الرفيق …”

إرتجَّ عود سماح الرهيف. وفي الفزع تبددت. حملقت في الضياع. والأشباح تخنقها. غام الهواء بريح الموت. أطلقت صيحة بعثرت فضاء المدرسة. غاصت اللحوم الطرية في خشب المقاعد. هرولت المديرة. المعلمة في ذهولها ترتعد… واليد العجوز المعروقة المصنوعة من امرأة مقهورة عانس، تهوي بصفعة موتورة على الوجه الشاحب البريء… والريحانة المذعورة في ظلام العصور تذوي…

غارت سماح في غيبوبة، فاقت منها على صوت ينادي عند الظهر: “الله أكبر”. وكفها الناعم؛ حمامة نائمة في عش يدوي، له دفئ ذكورة بكر، يذرفه قلب سامي، أخيها –كما تعتقد- بالتبني… “الحمد الله أنت بخير”…قال وضمها حنانه.

يصادف اليوم عيد ميلاد سماح التاسع.

“وفي ليلة بردها عاتٍ، مثل ليلتنا هذه، أو أقسى، قبل عقد كامل من الزمان الضاري…

تحكي سماح إلى حليمة، الجالسة القرفصاء عارية قبالة مدفأة يغلي إبريق الشاي المخلوط بالنعناع فوقها…

“داهمتني رعشة لم يقاومها فراشي الثقيل. ناديت سامي. فزَّ من نومه العمّيق. توسلت إليه خلايا جسد يضطرب، كأنما هو سفينة تلهو بها، عاصفة الموت، في بحر يترامى في الهلع الإنساني الأزلي الباقي: “أرجوك،نم معي”.

تردد الفتى قليلاً. لم يفعل ذلك من قبل. ثم جرفته الشفقة التي لم يكن يضن بها، نحو سماح؛ الطفلة سوداء البشرة، اليتيمة من كل صوب. وعلى الوسادة الرخوة الحمراء، تعانق الحب المشرق من عيون ظمأى إلى عطر القلوب، مع أنفاس تنفثها رغبة لم يختبر سامي مذاقها، حتى الآن.

تجاوز الوقت منتصف الليل. سماح رخوة تتقلب في حضن السهاد. ذابت ملابس الشتاء الثقيلة بين الجسدين اللذين كانا يفترقان، في عجل، فيلتصقان بالحرارة الأولى لشهوة ذكرية، تزداد جموحاً؛ والطفلة اللدنة، في براءتها، تلف خصر سامي بذارعها، وتقبض، بفخذها، على أسفل جذعه.

وسامي، يُحكم الحصار عليها. ويكافح طوفاناً يحتاجه. ذراعاه تضغطها. تبتسم الطفلة بعيون تنشقُّ فتنغلق. يتفلَّت سامي منها، وينأى قليلا… تلتصق به أشد مما كانت تلتصق. تجذبه من ذراعه، وترتد من صحوتها الخاطفة، إلى حضن سامي، فتزرع رأسها في صدره، فتتحاذى المنطقتان الوسطيان لهما. يضغط الفتى أخته، ثم يرتخي. تستلقي على ظهرها. يحملها النوم في جوفه. يضرب الجسد الذكري مرة أخرى. تهزمه فخذان منفرجان.. لا لغرض. تتحرك يد سامي في ثياب أخته. يقذف ماءه في فرج لم يتأهل بعد، لدوره المخلوق له…

اندست الفتاتان، كل في فراشها. هنأت سماح، بنوم، لم تذقه، منذ تلك الليلة الأولى، التي افتتح بها سامي، علاقات أخته، بالتبني، الجنسية، معه، ومع أبيه أيضا.

تعيش سماح، مع حليمة، ذات البشرة الأغمق من بشرتها، في شقة تقع في الطابق العاشر من بناية تعود ملكيتها إلى أبي سامي. تنتسب حليمة، إلى قسم الدراسات النفسية، في الجامعة التي تنتسب فيها، سماح، إلى قسم الصحافة.

وفي صباح كانتا فيه، تحتسيان الشاي، في شرفة شقتهما، المطلة على بحر غزة، وشمس الضحى، تداعب النسيم البارد، دخل سامي، بعد أن رن جرس باب الشقة، قبل أن يعالج قفله، بالمفتاح، من الخارج.

يزور سامي وأبوه، سماح وحليمة، عادة، في أوقات لا تبدأ، قبل الظهر. ونادراً، ما خالفا العادة، ويحفظ كلاهما، مواعيد محاضرات الطالبتين الجامعيتين. ويرافقانهما، منفردتين، في رحلة الخروج من دوامهما الدراسي، التي كانت، في أحوال عديدة، لا تقودها، إلى شقة الفتاتين، مباشرة.

رغبت سماح، بالإقامة بعيدا عن بيت أبيها بالتبني، لتتفادى إزعاجات سامي المتواصلة لها، بطلبات لا تنتهي، يحاول بها، أن يؤكد رجولته، التي لم تكن تحظى، بما تحتاجه من احترام، يليق بشاب ثري ووسيم. ولديها، صار سامي شيئا مختلفا، عما كانت تعهده، منه، عندما كانت طفلة.

كان سامي، يقرأ في عيون زملائه في الجامعة، وأقرانه من معارفه، ما يضمرونه له من مشاعر الاحتقار والنفور. والتي كان أبوه أيضا، يعاني من مطاردتها له، والذي يدوره، كان يسقطها، على سامي، المستهتر، (في رأي أبيه)، والمبتذل، اللاهث وراء نزوات، لا يخجل، من المجاهرة بها، في حضرة والده.

واستجاب أبو سامي، لرغبة سماح، في الاستقلال بحياتها، في بيت مستقل، ليتفادى الحرج، الذي كان يحسه، عندما تقوم إحدى عشيقاته، بزيارة ليلية له، لا تخفى على سماح.

في هذا الصباح، الذي اقتحم فيه، سامي، صلاة من غير طقوس، كانت الفتاتان تؤديانها، في رحاب مطلق، يفترش زرقة البحر تحته، ويتدثر بزرقة سماء صافية، جفتها غيوم الشتاء، القاحل هذا العام، فاجأت سماح أخاها: ” أنا حامل”…

غادرت حليمة الشرفة. قال سامي :”أشتهي صديقتك هذه يا سماح”.

_”سامي، قلت لك أنا حامل”…

“هذا شأنك”، رد وهو يقول: “سأدفع لها ما تريده إذا وافقت علي قضاء ليلة حمراء معي”.

_”أنت سافل”!

صفعها. صمتت. غابت في بكاء مبحوح. وحليمة تضمها، وتمسح الدموع التي تسقي ذكريات المرارة واليتم وهوان العبيد…

حليمة تعرف أن سماح حامل؛ وأنها تستسلم لرغبات سامي، وأبيه، الجنسية بوعي ورضا، ومنذ عهد بعيد، بدأ، بعد أربع  سنوات من الليلة التي فض فيها سامي بكارتها، حينما نضجت أنوثتها، وتفاقم إحساسها، بعذاب يمزقها، ولم يرحل عنها، ولا للحظة واحدة، منذ كشف لها سامي، عن سر التضحية بأمها، بعد ولادتها مباشرة، قبل تسعة عشر عاماً من الآن. وتعتقد حليمة، أن سماح، تهرب من محنتها النفسية، بتحدي القيم، المسئولة في الحقيقة، عن مأساتها. ولم يبدر من حليمة، أية إشارة باتهامها في أخلاقها، بالنظر إليها، من زاوية إصرارها، على إغراء كل من أبيها، وأخيها بالتبني، على التمادي في علاقتهما الجنسية معها. ويزداد تقدير حليمة  لصديقتها، لحرص الأخيرة، على إخفاء علاقتها، مع سامي، وعلاقتها مع أبيها بالتبني، عن ابنه.

فسرت حليمة موقف سماح الأخير، كما دونته في دفتر تأملاتها، كالتالي: “تحدى الظلم حق إنساني مقدس. والإذلال المتعمد، جريمة لا ترتكبها امرأة طاهرة، مثل سماح”.

 

2

اعتاد أبو سامي، زيارة سماح، في أوقات غير مبكرة من الليل، بعد أن ينتهي من أعماله التجارية، التي يزاولها بأعصاب مطحونة، وبمشاعر تضطهده من داخله. وبعد أن يتناول عشاءه مع الفتاتين، يبدأ في احتساء فنجان القهوة النسكافيه، المخلوطة بالحليب، والذي كان يحب أن تصنعه حليمة، ولا يفرغ منه، قبل أن يكون قد أشعل نصف علبة سجائر، قد تكون الرابعة، أو الخامسة، مما أحرق، منذ الصباح.

وقبل أن يطفئ عقب سيجارته الأخيرة، يكون النوم قد بدأ يجره، وأصابعه تتخلل، بعطف أبوي، شعر سماح، الهائج في فوضاه، حول عيون تكافح النعاس، ذابلة وأسيانة. وفي نجوى صامتة، تُلقي الابنة رأسها القلق، على صدر أبيها، وتحضنه.

تغبط حليمة صديقتها. حليمة، ومنذ بلغت السادسة من عمرها، بدأت معاناة الحرمان، من أب سرقه الموت، في حادثة دهس، في بلد خليجي، لا زالت أسرتها تقيم فيها.

تنسلُّ حليمة، بهدوء، من حجرة سماح، التي يرقد فيها أبو سامي. تغلق الباب خلفها. تدسُّ سماح جسدها، تحت فراش يضمها مع أبيها (بالتبني؛ كما تعتقد). يتماوج الجسد الأنثوي الطويل الرهيف اللدن الملتهب، تخربش السيقان الممشوقة، صمت الليل، يتحرك الذكر النائم في رجل طفولي شبق. يجذب سماح من جذعها. يداعب ثدييها، يرضعها بجوع أزلي إلى أمومة غائبة. تضغط يداها الملساوتان، رأسَه المتلفح بالثلج فيصير الثلج قطيعا من ماعز، يتنطط من تلة إلى تلة، على صدر يعلو ويهبط، ويعلو.. هذان نهدان يعشقان رجال الدنيا، كلها، وفي آن واحد…

فجأة، تنطفئ ثورة الذكورة. ينام أبو سامي، جوار سماح. يغفو قليلا. يضطهده نومه. يجلس في الفراش مفزوعاً. يلتفت إلى سماح، الوديعة مثل حمامة تلفها سحابة الصمت، يتمدد إلى جانبها. يدس ذراعه اليسرى تحت عنقها. يجذب رأسها، يطبع قبلة حارة، على الشفتين المصنوعتين بعناية إلاهية فائقة. يستلقي على ظهره. تشرد عيونه في الفضاء المعتم. تنحدر دموعه. يستدير نحوها مرة أخرى. يجذبها إليه، يلثم حلمتها اليسرى. يتوقف. يضغط ثدييها بأصابع من نار. ترتخي يده. يزفر. يرفع رأسه. يحملق في الأنوثة المستسلمة في ليل يرقص على موسيقى يعزفها موج البحر. يغمض عينيه. يلصق وجهه بوجهها. يضمها بعنفوان. يرتخي. يتحسس الحنايا الخلفية الضامرة لسماح. يزفر. يعتليها، يعصر الجسد المضطرم تحته. يلثم فمها. يرتمي على ظهره. يحوج كما الكلاب. يلقى رأسه المشروخ على صدرها. يجرفه النوم. يُطارده شقاؤه. يفزُّ مذعوراً. يحملق في وجه سماح. يغلق عينيه. يغرز رأسه في صدرها. يفزع. يلثم حلمتها اليمنى. ينحدر إلى أسفلها. يدس أنفه في فرجها. ينهض بحركة سريعة. يحملها بين يديه. يجلس فوق أريكة، وهو يضمها، بحنان الأمهات مجتمعات. تشرد عيناه، من باب الشرفة المزجج، في ظلمة تسكنه، وتترامي في الأفق اللانهائي.

يبكيان طويلا، وسماح تحضنه بعاطفة لا تزال ظمأى، منذ لحظة حملها الأولى، في رحم أم مضت في المجهول، منذ وضعت وليدة، كبرت، وتفاقم فيها السؤال: “تُرى، من أمي، ومن أبي؟!”؛ عذاباً مريراً…

كان أبو سامي يحرص على أن لا يندفع إلى ممارسة جنسية كاملة مع سماح. هي ابنته، هذه حقيقة لا يستطيع إنكارها بينه وبين نفسه.

لم يكن يخلع ملابسه، وهو في فراش سماح. وظلت الأخيرة، مواظبة على اتخاذ إجراءات وقائية لمنع حدوث حمل، كانت احتمالاته قائمة، نتيجة علاقتها الجنسية الكاملة مع سامي.

وفي ليلة، شعرت سماح، أن قوة تفوق قوة إرادتها، حملتها في جوف ضباب، فلم تتناول القرص اليومي لمنع الحمل. وعندما جاء أبوها (بالتبني كما لا تزال تعتقد )… كانت انفعالاتها، المشوشة، والمتصارعة، قد بلغت الدرجة التي، غمرتهما معا، في أول تجربة اتصال، روحي جسدي، أسكرتهما معا، في ليلة، لم يتناولا فيها خموراً، ولكنهما، كانا قد تجردا من قيود داخلية، في طقس، فشلت سماح، في تصويره لصديقتها حليمة، بعد خروج أبي سامي من شقتهما، في ساعة، توازي طلوع الفجر.

لم يتوقف أبو سامي، عند مسألة غشاء بكارة ابنته المفضوض. ويعرف، أن ذلك، يعود، إلى ما قام به ابنه، قبل عشر سنوات. وتحت تأثيراتِ عملية، لم تحكمها إرادة واعية، لم ينتبه أبو سامي، إلى أن فرج سماح، ليس صائما.

ومنذ تلك الليلة، أيضا، بدأت الفتاتان بالنوم معا، في فراش سماح، التي كان واضحاً، أنها غدت ميداناً، يتضاجع في فضائه، عمودان من نور مبتهج، وظلمة شرسة.

وفي ذلك الليل، الذي كان يسحب ذيوله، ضمت حليمة صديقتها، التي كانت لا تزال في غيبوبة شفافة، والتي لم تكن بعد، قد أفضت، بسرها الأخير، إلى حليمة، التي لا تخفي سماح، شيئاً مما يقع لها، عنها.

استسلمت سماح، للنوم في حضن صديقتها، مثل طفلة، يكسو وجهها، هدوء، يأتي من الأزل. كانتا عاريتين تماما. وكان خيال حليمة، يرسم لوحة جلال، يعزف رقصة باليه، تؤديها جوقة ملائكية.

وبعد خمسة أشهر، وهما في الفراش معا، قالت سماح، بعذوبة خائفة: “بدأ يتحرك”. ألصقت حليمة بطنها، ببطن سماح، صاحت بفرح، يكفي العالم كله: “رباه، ما أجمله!” استلقت حليمة، برشاقة، على ظهرها جذبت سماح من ذراعها، جعلتها فوقها، وبغنج أنثوي شبق، قالت: “اضغطيني”!

تأوهت حليمة. أشرقت عيناها بنور الحب وبهجته. توردت وجنتاها. أطلقها النوم في الحرية السرمدية، التي تتأجج في أنفاس امراة حبلى، ينبض فيها جنين، مازال منفلتاً، من قيود أكذوبة الإنسان الكبرى…

وكعادتها، استيقظت حليمة، قبل صديقتها، بحوالي ساعة، قضتها في الحمام، الذي تتناول فيه أول فناجين قهوتها، مع سيجارة تشعلها من نار موقد الغاز الصغير، الذي تضع قهوتها، عليه، وهي في الحمام، أثناء قضائها لحاجتها الطبيعية، الذي تبدأه، بعد أن تنكش شعر رأسها، نصف الخشن، والمبعثر، بفوضى، يصحو بها من النوم ، فتبدو كما لو كانت إحدى نساء أفريقيا، الموغلات في القدم. يؤكد هذه الصورة، شفاه غليظة، وأنف أفطس، وجسد قصير، مائل للنحافة، باستثناء ثديين ممتلئتين، ومؤخرة، تندفع للخلف، لا تخجل من عُري، تواظب عليه حليمة، ولا تجفوه، تحت أي ظرف، داخل الشقة التي تقيم فيها مع سماح.

ولا تنسى حليمة، أن تحمل معها، إلى خلوتها  اليومية في الحمام، الذي يضم مقعد قضاء الحاجة، دفتراً تدون فيه تأملاتها، بقلم أخضر.

وفيما يخص دراستها، لا تبذل، وهي، التي تقف على أبواب التخرج من الجامعة، جهوداً توازي تفوتها في نتائج الامتحانات، التي تدخلها.

تقول: “علوم النفس لا توجد في الكتب”.

أضافت، خلال جلسة، في شرفة شقتها، مع سماح، وهى (حليمة )تحلق في السماء، من فوق كرسي طويل، يتمدد جسدها العاري عليه: “لم يصل عالم النفس الشهير، فرويد، إلى نظرياته العمّيقة، بدراسته لما في الكتب. فعل ذلك، بعلاقة مباشرة مع حقائق الحياة الإنسانية “.

3

سماح قالت: “أحببت حليمة، بكياني كله، ومنذ أول لحظة التقينا فيها. كانت روحي التي كانت قد ضاعت مني”.

حليمة تكبر سماح ببضع سنوات. وتتقدم عنها، في الدراسة الجامعية، وفي وعيها الأخلاقي، ومستواها العقلي. يغلب عليها الصمت. وتستغرقها حالة من تصوف من غير طقوس ظاهرة. تعتز بانتمائها الإفريقي،  وتحفظ عن أسلافها، أن نسبها يعود إلى جدين، من غرب وشرق أفريقيا الوسطى، وقعا ضحايا تجارة الرقيق القديمة، قبل  مئات السنين، وانتهت رحلتهما، المكرهين عليها، في بلاد الشام. تمارس حريتها بطبيعة الغريزة، المضبوطة التي لا تجمح إلى إفساد حياة الآخرين. عاشت، على خلاف سماح، عمرها في الشتات. جاءت إلى غزة قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، للالتحاق بجامعة فيها. تعاني من انغلاقية المجتمع الفلسطيني، ولكنها تتسامى…

تابعت سماح: “أقامت معي، في شقتي في الدور العاشر، من بناية أنشأها أبي (بالتبني ) في عهد السلطة الفلسطينية. لم يمر على ذلك وقت طويل. كان أبي ( بالتبني) يشعر أنني بحاجة إلى شريكة تؤنسني في وحدتي، التي عانيت من قساوتها،  الجوانية والبرانية، منذ بدأت أعي أنني عارية من أم ومن أب حقيقي. كنت أتبدد…حليمة جمعتني…”!!

ذات مساء، دخلت حليمة، وزميلة لها، متجر أبي سامي، الكائن في حي الأثرياء في مدينة غزة. التقطتا لوحين من الشيكولاتة. كانت تتحدثا بصوت مسموع، عن نية حليمة الانتقال من البيت الذي تقيم فيه، مع أسرة من أقاربها، إلى سكن مستقل…

التقط أبو سامي الخيط. بادر بتقديم قطعتين من أجود ما لديه من الشيكولاتة، إلى الفتاتين، لتستبدلا بهما، قطعتين رخيصتي الثمن، اللتين اختارتاهما. خطفت زميلة حليمة، القادمة من إحدى دول الخليج، القطعة من يد أبي سامي، وهى تصيح بفرح أنثوي: “ياي.. شكراً يا عمو، هذه هى الشيكولاتة المفضلة عندي”. ثم أخذت أيضا، القطعة الأخرى، التي اعتذرت حليمة عن قبولها.

تجمدت عينا الرجل الستيني في نظرات تقفز من شهوة تغلي. كان صدر الفتاة ثورة نهود ريانة بالأنوثة التي تتحدى الذكورة القامعة المقموعة. تنهَّد من قاع نفسه. اصطنع ابتسامة رقيقة، قال بلهجة مجروحة، والفتاة تقرض الشكولاتة ببهجة،: “صحهْ وهنا على قلبك”.

“كم تساوي هذه الشكولاته؟”. سألت زميلة حليمة، وهي تغنج بجسد لدن، محشور في قميص وبنطال أحمرين، مشدودين على تماوج شبق، يرتخي حوله، شعر حريري، يلف وجها ناصع البياض، زاده إغراء، مكياج هادئ، وشفتان مرسومتان بعناية ربانية خاصة، تنفرجان عن ابتسامة يشرق منها حب منفلت..

رد أبو سامي: “الجميلة لا تدفع نقوداً”!

حدقت حليمة في عينيه. طأطأت رأسها. لم تنبس بكلمة. سألها: “هل أنت جادة في البحث عن مكان تقيمين فيه؟”.

استعادت إنضباطها الداخلي وقالت: “أحاول ذلك منذ وقت طويل. يبدو أن هذه المسألة صعبة هنا!”. وكانت، في الواقع، تصطدم بشروط، لم تتجاوب معها، يعرضها أصحاب شقق للإيجار.

“لا نزال أسرى أفكارنا القديمة”؛ قال أبو سامي. أضاف بحزم: “تفضلي غداً، صباحاً، بزيارتي، وإنشاء الله يحصل خيراً”.

تواصل سماح: “ظلت المسافة بين أبي (بالتبني ) وحليمة، مسكونة بالصمت، رغم محاولات متعددة، منه، لإغرائها بالكلام، الذي كانت، بشكل عام، تُمسك عنه. ولكن شفتيها الأفريقتين، كانتا، بركاناً من الشهوة، يمتزج فيهما،  انفعال، شبقي للأمومة والذكورة معاً. حليمة لديَّ، بهجة حب، تعذبت طويلا بالحرمان منها، قبل أن نلتقي. وفيها أيضا، أتذكر مديرتي التي صفعتني بقسوة، في التاسعة من عمري…”.

“سألتها: حليمة؛ هل تمتلك النفوس البشرية، عاطفة نبيلة، كما تمتلك الكلاب؟”. لم تجبني، ومسحت كفها، دموعا تاهت في صحرائي الجوانية. وبعد هنيهة، شعّت فتنة ذات نكهة أفريقية، من عينها، قرأت في أساها: كانت جداتنا القديمات، يقمن، في وقت واحد، بطاعة السادة، في النهار، والانصياع لرغباتهم، في النهار وفي الليل”.

قالت حليمة باقتضاب: “كان الخيار واحداً فقط”.ثم سألت سماح: “هل تختلف الحفيدات عن جداتهن؟!”.

وثابر سامي، على محاولاته، لاقتحام عالم حليمة الخاص. سألها مرة: “لماذا تتخلفين عن حضور الدروس الجامعية؟”. كانت تصمت. وكانت سماح تنهره.

حضر سامي لزيارتهما، ذات مرة. كانت حليمة تشعل سيجارة، وتلف جسدها العاري ببشكير كبير، بعد خروجها من الحمام، الذي قضت فيه، ما لا يقل عن ساعتين.

ضجت دقات قلبه، وتجمدت عيناه، بين نهديها الممتلئتين بأنوثة تمتلك كبرياءها الفريد.  انحسر البشكير عن فخديها. اضطرب سامي. أصابه زلزال الشهوة القديم، الصاعد من عنفوان الغابة الأولى. قال بنبرة ضالة: “لماذا خرج أبوانا من الجنة؟!”.

قالت حليمة، وهي ترمي ظهرها، على السرير: “للأحفاد حق العودة!”.

توهم سامي أنه كسب الجولة، قال بنبرة رقيقة ولْهانة: “هل أنت تؤمنين بذلك، حقا؟!”.

لاذت حليمة بالصمت. وقفت. لم تأبه لسقوط البشكير عنها. استدارت بهدوء نحو النافذة المزججة للحجرة التي جمعت الفتاتين مع سامي. انطلق خيالها في الأفق الحر المترامي في سماء البحر الأبيض المتوسط…

بحلق سامي في مؤخرة حليمة المندفعة فوق فخذيها الأسودين المكتنزين بنداء الشهوة المعتقة. انتفض. راودته نفسه أن يهجم عليها، كما يفعل النمر عندما يباغت الفريسة من خلفها. التفت إلى سماح. وقف بنزق. شق الهواء بصيحة معذبة. اتجه إلى الباب الخارجي للشقة. فتحه بعصبية. التفت إلى حليمة التي كانت قد استدارت في وقفتها. توسلت عيناه الخانعتان إليها. لم تنتبه إليه. جاح مثل كلب ينهشه الظمأ. مضى يتلوى… ويتوعد…

 

4

صفع سامي باب سيارته، الفاخرة، ضغطت رجله دواسة البنزين دفعة واحدة. وبعد دقائق معدودة، صفع باب مكتبه، الخاص. أشعل سيجارة، أطفأها بين أصابعه. أشعل سيجارة أخرى. دخلت عليه هند، سكرتيرته، وَجِلة، وما كاد فنجان القهوة الذي حملته أن يستقر على المكتب أمامه، حتى انتفض سامي، انتصب. أمسك ذراع هند بوحشية ثور هائج. أدارها. حل حزامه. فك أزرار بنطاله. أذهلت المفاجأة هند. أغمضت عينيها. دفع رأسها إلى أسفل. أحنت ظهرها. تفجرت فيها شهوة مذعورة. رفع جلبابها الطويل. حسر اللباس عن مؤخرتها. جذبها. صاحت بأنين لم تخبره من قبل: “ليس هنا”.صححت وضعها. أطلقت صرخة أنثوية متمردة. استدارت نحوه. وقبل أن ترفع عينيها إليه، كان يجمع بصاقه، وفيما هي منخرطة في البكاء، قذفها باحتقار، ببصاق غطى وجهها كله.

النار بدأت تشتعل في أنوثة هند المهانة. صفعها. دفعها عنه. أغلق الباب خلفها. وارتمى على كرسيه، يحدق في صورة أمه، داخل برواز مذهب، كان يتكئ أمامه. وبكى مثل رضيع مذعور جائع.

كانت هند أنوثة مهملة. لم تستخدم، فيما مضى، مساحيق التجميل. ويحمل وجهها بقايا بثور. وجاوزت الثلاثين، وتعكس طلعتها أسى مدمر، لم تكن تتحدث عنه. وهي، في مجملها، لا تمتلك من المزايا النسائية، ما يثير رجلاً متوازناً. ولم تختبر، حتى اللحظة، أية درجة، من العلاقات المتبادلة بين الذكر والأنثى. ولم يكن الحظ يحالفها، كلما بدأت العمل، في المكاتب، التي تفضل، في العادة، فتيات يمتلكن الجاذبية، ويستجبن لنزوات المدير. وتقلبت كثيراً، بين وجوه أصحاب العمل الذين كانوا يرفضون تشغيلها رغم كفاءتها العملية وأمانتها وطاعتها والتزامها الدقيق بمتطلبات الوظيفة المهنية. وقبول سامي بعمل هند في مكتبه، يعود إلى أن صاحب القرار، بشؤون المكتب هو أبوه، الذي لا يعنيه، توفر شروط الكفاءة الأنثوية في سكرتيرة ابنه. والابن يتغاضى عن هذا الجانب، بسبب ما يتمتع به من حظوظ يكسبها من خلال علاقات عديدة، يقيمها مع نساء كثيرات، داخل المكتب، وبعلم هند، التي أثبتت، أنها تمتلك قدرة فائقة، على التكتم على أسراره. والنقطة الأخيرة، تدعم، لدى سامي، الموافقة على استمرار هند، في العمل إلى جانبه.

كانت هند تخاف من الاقتراب من الرجال. وعندما كان سامي يختلي بإحدى زائراته، في الاستراحة المرفقة بالمكتب، كانت رغبتها المكبوتة، في الذكورة، والغيرة من الأخريات، تفتكان بها، على أرض حلبة، تتمثل فيها، هند، حادثة ذبح شقيقتها الكبرى، قبل سبعة وعشرين عاما.

وفي ذعر متوحش، تمازجه بداية ولادة إرادة التحدي الأنثوي، استعادت هند، صورة ما وقع بينها وبين سامي. قالت في سريرتها، وهي تحدق في شاشة جهاز الكمبيوتر، الذي تستخدمه في عملها. “لن أكون الذبيحة الثانية في عائلتي”.

قامت. جففت دموعها، ودماءها المختلطة بماء ذكري. دخلت استراحة المكتب.

وقفت أمام مرآته. خلعت وشاح رأسها القاتم. أطلقت الحرية لشعرها الطويل الناعم، الذي تسلل في سواده، قليل من البياض. تزينت بمكياج كان سامي يحتفظ به لزائراته.

صاحت في غنج أنثوي. تأوهت. تنهدت. نادت بصوت شبق: “سامي!”. نهض. كانت غرفة المكتب التي لا زال يجلس سامي فيها، قد غدت، غيمه قاتمة، خانقة، من دخان السجائر. وقف على باب الاستراحة. هند عارية، تستلقي على بطنها. رفعت رأسها نحوه. توسلت عيناها إلى ذكورته. أرسل قذيفة من بصاقه في الهواء بينهما. أغلق باب الاستراحة بعصبية قرفان، كال أرذل الشتائم، لها وللنساء كافة. غادر مكتبه. صفع الباب الخارجي بعصبية أعنف… مضى…

شردت عيناها في الأفق. سكنتها طمأنينة لم تعرفها منذ فطامها عن الرضاعة. حملتها ملائكة النوم على أجنحة من موسيقى نورانية…

” قفي”. قال صوت وقور حنون أيقظها بلطف.

فتحت عينيها. رجل بلحية بيضاء ناعمة طويلة، يقف عاريا عند قدميها. يحملق في تفاصيل أنوثتها. مد يديه. نهضت. احتضنته بعنفوان شهوة منفلتة. ضمها بقوة الرجولة البكر. استسلمت ببهجة طفلة وجدت أمنها الدافئ. لثم فمها إلى أن ذابا معا، في صلاة لم تقرأ عنها في الكتب. استلقى الجسد المتوحد في الحرية، بجوارها. دفنت رأسها في صدره. رقصت أضلاعها على لحنه. لثمت يديه، وعانقته كما تفعل بنت فجعها موت أبيها قبل أن يسترد الحياة من جديد. دفن الأشيب رأسه في عتبة باب المجيء البكر. شفط، بمنخاره العالي، أريج الرب. ضغطت كفاه على نهديها المجدولين بالظمأ المعتّق. أطلقت أنيناً قمعته السنون. صار الأنين صراخاً زلزل الفراش. انتفضت. أفلتت من آخر قيود كانت تحوم في الغرفة. هاجت، مثل ثور في حلبة مصارعة. انقضَّت على الرجل الموغل في الزمن. ضغطت يداها، المتصلبتان على عنقه الطويل. لثمت شفتيه بوحشية الغابة. ارتخت كفّاها. دفنت رأسها في صدره. احتضنته بشوق. جذبته فوقها. نشرت فخذيها. ضغطت جذعه بساعديها. ارتخت. أغلقت عينيها. لثمت فمه. وضعته تحتها. غرست أنيابها في ذكره المرتخي. صرخ. استلقى جوارها. دفن رأسه بين ثدييها. تسللت أصابعه في طراوتها. اهتزت. صرخت. هدأت. لثم الرجل حلمتيها معاً. ضمها بقوة وحنان. تلاشى…

تأخرت هند، عن العودة إلى بيت أسرتها، في الموعد المحدد لذلك. قابلها أبوها، على أول الطريق الضيق، الممتد عشرات الأمتار، المؤدي إلى البيت، باستياء ظاهر: “لن أسمح لك، بالخروج إلى العمل، إذا فعلت ذلك مرة أخرى”. قال. كان الليل قد بدأ يلف المخيم الذي تقيم فيه أسرة هند، بالظلام الصامت. قالت، بنبرة خجولة: “اضطررت إلى ذلك، لأسباب تتعلق بـ…”. كانت تنوي أن تضيف:”العمل”، ولكنها تلعثمت، وطأطأت رأسها، واندفعت، بشيء من فقدان الوعي، في الممر المترب، الذي تتراصُّ، على حافتيه أبواب متهالكة، يتسلل من شقوقها، أضواء كسولة.

وعندما عاود أبوها التنبيه عليها، وهما في المنزل، أن تحرص على العودة قبل الغروب، ردت بنبرة واثقة: “ماذا يقلقك. أنا تجاوزت الثلاثين”. أضافت في سريرتها: “وتجاوزت حدود الخوف”.

وسألت أباها: “هل تستطيع، وأنت الحائز على مؤهل جامعي في التاريخ، أن تفسر لي، خروجنا القديم من الجنة؟”.

اعتذر إليها، بالقول: “لا ترهقي نفسك بإلقاء أسئلة فارغة من الجدوى”. أكمل في ضميره: “منذ سبعة وعشرين عاماً، فقدت رغبتي في الفهم، وفي الحياة برمتها”.

لاذت هند بصمت يزلزله الماضي، تساءلت في سريرتها: “لماذا لم أواصل تعليمي؟”.

كان الناس، أيام الانتفاضة، لا يغامرون بالسماح لبناتهم، بالخروج من البيوت.

“يجب أن أستأنف دراستي، وأن أحقق حلمي القديم، بالالتحاق بالجامعة، وتعلم الفلسفة”. هكذا قررت هند. لكنها استدركت: “جامعات غزة، لا تعلم الفلسفة”. وتذكرت، أن مفكراً، قال في ندوة: “الفلسفة علم الحرية”. أضافت، وهى تواصل التحدث في سريرتها: “لم نقرر هنا، بعد، أن نبدأ الحرية”.

هند، شغوفة بدراسة الفلسفة، وتقرأ كل ما تصل يداها إليه، في هذا المجال. وأمدّها العمل، في مكتب سامي، بفرصة مناسبة، لتغذية توجهها الفلسفي… سامي، هو الآخر، كما أبوه، يهوى مطالعة كتب الفلسفة…

قامت لتنام، في فراش يضم معها، شقيقتها الصغرى، في حجرة، واطية السقف، تنهش الرطوبة جدرانها الخشنة، وتتقافز  الفئران، بين محتوياتها الرثة، التي تزاحم، إناث الأسرة، الأم، والشقيقات الأربع، اللواتي ينمن، على أرض شبه عارية، في برد الشتاء الذي لا يسمح للبؤساء، بنوم عمّيق.

في حجرة ثانية، يضاجع الذكور إحباطهم المزمن. وفي الحجرة الثالثة، يعبث وليد جديد، بأحلام الابن الأكبر وزوجته.

“ما أجملها!”؛ همست هند، في أذن شقيقتها، التي كانت تصارع سهادها. “ما هي؟” سألت الشقيقة الصغرى. “الحرية”، أجابت هند، قبل أن تطبع قبلة شهوانية على شفتي شقيقتها، المتكورة في حضن هند.

لم يدم شعور هند بجمالية الحرية، طويلا.. ودون مقدمات، سقط وجدانها إلى قاع حفرة، ظلت فيها، وإلى نهاية ليلتها، فريسة صراع يطحنها بين الرهبة والرغبة. وطاردتها أشباح، تخيفها، وتبهجها، وهي تقذفها، بأجسام لحمية صلبة، لها شكل مئذنة مسجد، كانت تخترقها، وتدميها، وكانت تقبض عليها، بكلتي يدها، وتجمعها في حجرها، وتلهو بها، ثم تقذفها في بحر الظلمات؛ ثم تتمثل لها ساطوراً يهوي على رأس أنثى، حامل؛ وتتمثل نساءً، عاريات، ينطلقن في مرح، ورجالاً يتقاتلون، وطوفاناً يهجم وينحسر عن أرض مزروعة بالورود…

وفي المساحة التي تجمع النوم والصحو معاً، التي فيها، تنفتح مناطق “الأنا والهو والأنا الأعلى” التي ميزها فرويد، تلاطمت في بيداء هند، مشاهد من صخب فوضوي، يرقص على ألحان غجرية، تهتز بها، بنايات غزة الشاهقة، في حلقة جذب صوفي، تشارك فيها، حيتان البحر، وضواري البر والغابة، ورجال تجارة وسياسة، وأطفال وصبايا، ترفرف في سمائهم، طيور تغني، تقفز بين أشجار نبتت قبل البداية الإنسانية والحيوانية أيضا… وسحاب داكن يلف المسرح المتلاطم، ومطر في لون أشعة القمر، ينهمر ويجري أودية… عرائس عاريات يتدافعن في شبق، في طرقات الرجال… النهود ثائرة، والأرداف تغنج، وغلمان يطوفون بأباريق بلِّورية… وأجيج النار يغزو بهجة الحلم…”قومي، تقدمي”؛ شق صوت الرجل ذو اللحية البيضاء، خيال هند…

انفجر، في سكون الليل الضبابي، شخير ذكرى، آت من الحجرة الشرقية في البيت الجاثم في عذاب لا زال يتفاقم، منذ عشرات السنين، بعد أن غادر والد هند، قريته في فلسطين. هبّت الشقيقتان مذعورتين. أنفكَّ التصاقهما اللحمي. وأعادتا ترتيب ملابسهما الداخلية. وطبعت هند، قبلة أم، على شفتي شقيقتها الصغرى. وعادت إلى استلقائها السابق، على ظهرها.

حملقت في السقف القرفان من تاريخه وحاضره. رأت هالة من نور، ترتدي الرجل ذا اللحية البيضاء. هبط. كشف عنها الغطاء. خلعت ملابسها. دثرها الدفء الذكري. تأوهت. همست بصوت سمعته الشقيقة الصغرى: “ما أجمل البياض”. واستسلمت إلى لذة النوم، على نغم يردده مؤذنو صلاة الفجر…

استيقظت على سؤال مقلق: “هل بدأتُ مشوار الحمل؟”.

وبينما كانت تراقب إبريق الشاي، فوق وابور الكاز الكالح، المشتعل، وبنصف انتباه، كان القلق يواصل اضطهادها:

“هل يعترف سامي بأبوته لطفلي؟ هل هو أبوه، أم أبوه هو الرجل الكبير؛ ذو اللحية البيضاء؟ الرجل الكبير!! هل هو آدميٌّ أم جنيّ؟!”.

رقصت في مخيلتها مشاهد رعب، وبهجة، رأت الرجل الكبير مرة أخرى. قالت بصوت أثار استغراب أهل البيت:”إنسان أنت أم…؟”. توقفت عن إكمال السؤال. برقت عيناها، قفزت في مخيلتها فكرة رأتها رائعة: “أنا حامل من جني!!”. صمتت في وجل. انفجرت منها قهقهة هستيرية، قطعها صوت يرتجف: “أنا…؟؟!! أنا…؟؟!!”. أصابتها نوبة بكاء عارمة. هرول أفراد أسرتها نحوها. سقطت على الأرض، أخذتها الغيبوبة… اجتاحها طوفان بحر النور. الرجل الكبير، تراه، يجدّف في بحر بعيد قريب، يدنو منها، يلامس يدها، يلثم فمها وحلمتيها دفعة واحدة. يحملها بين ذراعيه، يطير بها… تململت. ورددت وهي كما لو كانت تعاني سكرة الموت:” ذبحوه..ذبحوه..”.. تشنجت…

صرخت أمها في فزع وابتهال: “يا ساتر، يا رب، يا ساتر”. فقدت العجوز تماسكها، وقالت وهي تنتحب: “أية عين حاسدة أصابتك؟. توقعتُ أن يحدث لنا مكروه، منذ استيقظت هذا الصباح، لصلاة الفجر؛ رفَّت عيني؛ ونعقت الغربان.. لا، صاحبني القلق منذ أمس.. خمَّنت أن تأخر عودتك، تطوي شرا لنا… يا رب، لا تفضحنا…”…

قال الأب الذي يكبت انفعالاته: “اطردي شيطانك أيتها الخرفانة!”.

أشعل شقيق هند المتدين، المذياع، بحث عن إذاعة القرآن، وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ سورتي “الفلق” و”الناس”.

قال شقيق لها، تربطه بها علاقة حارة، في لهفة: “سأستدعي جارنا، لينقلها بسيارته إلى المستشفى”.

“أسرِع”، صاحت الشقيقة التي تشارك هند الفراش. أضافت: “طوال الليلة الأخيرة، كانت حرارتها مرتفعة، وكان قلبها يدق بسرعة، وكانت زفراتها حارة وتطارد بعضها، وبصوت مسموع”.

“يا شيخ بلاش هبل، شو ممكن يعملولها في المستشفى، ويا خوفي، اتروح ضحية الاهمال، زي كتير ماتو، وما حدا بيحاسب حدا”، قالت زوجة الشقيق الأكبر لهند؛ وبنبرة فيها ثقة، أضافت: “الموضوع بسيط يا ناس. راكبها جني. إنشاء الله يكون مسلم، وما يضرها كتير”.

قال الشقيق المتدين: “الجني المسلم يتقي الله”.

قالت زوجة شقيقها الأكبر: “خلي السيارة تاخذها على الشيخة فاطمة”. إيدها فيها البركة. أنا بنت خالتي؛ لَخْبَطُّوني، قصدي بنت خالة جارة ستي، حصل إلها بالزبط، زي هند. خمس دقايق بس، عند الشيخة فاطمة، رجعت البُنيّة عادية. كان راكبها جني مسلم. كان بحبها. وانتو زي إخواتي، كان ينام معها، وحبلت منه. هيك اسمعت”.

وفي غضون دقائق قليلة، كان صوت القرآن ، يوحد بيوت مخيم هند، الذي انطلق من أجهزة المذياع. وتناقلت النسوة بينهن: “هجمت الجن علينا”. قالت إحداهن بفجور:”بدنا دكوره”.

استعادت هند وعيها فجأة. قالت في سريرتها: “حسناً، أبوه جني”.

طردت ذيول الخوف. وطمأنت نفسها: ما أظنّ سامي، إلا طبلا أجوف، لا خير فيه لأمرة، ترجو منه حملا! أما العاشق الشيخ فهو روح لا يأتي منها خطر!

لامست أسفل بطنها. وتأهبت للتحدي. غادرت البيت إلى مقر عملها في مكتب سامي…

5

صنعت هند، فنجانين من القهوة، ووقفت، وهى تحملهما، على صينية، أمام سامي، الذي كان قد سبقها إلى المكتب. دفعت بطنها إلى الأمام، وقالت، بمشاعر تحدٍّ مستفزٍّ، ممكيج بمكر أنثوي راغب ومذعور معا، مشيرة بيدها الخالية، بحركة نصف دائرية: “ما هو شعور رجل، ينتظر أن يصبح أباً، للمرة الأولى، بعد تسعة أشهر؟!”.

رمقها سامي بغيظ مكتوم. اصطنع ابتسامة، ولم ينطق.

دنت منه. حاولت الجلوس على ركبتيه. دفعها بشراسة. صرخ: “أخرجي أيتها العاهرة”.

قالت بهدوء استفزازي: “بعد خروجك أمس، قضيتُ وقتاً مثيراً، مع سيد من سادة الجن الكبار. استمتعت جدا، الجن متحرورون من عُقَد ذكورنا الجنسية. هو توّد الاستمتاع مع جنيّة فاتنة؟ أستطيع أن أرتب لك ذلك، بواسطة صديقي الجني، لن يرد لي طلبا، هو مفتون بي!”.

أضافت، بغنج مفتعل: “ألا تود خوض مغامرة عاطفية من نوع مختلف، يا مديري الوسيم، وبعد أن عاشرت بنات غزة كلهن؟!”.

” ماذا تقصدين أيتها العابثة؟”. سألها بجدية حذرة. ردت وهي تقف خلفه، واضعة كفيها على كتفيه: “أؤكد لك، يا أبا ابننا القادم، أنني مستعدة لأن أفعل ما بوسعي، لدى سيدي، شيخ الجن العظيم، ليهديك إحدى أميرات بلاده. ثق بي، يا مهندس سامي. ممارسة الجنس مع الجن، تمنحك متعة، أستطيع أن أجزم، أنها أجمل مما ستمنحك الحوريات الخمس مائة، الموعود بها في الجنة. هبني قليلا من صبرك. أمس، بعد أن اخترقت خطي الأحمر، خط الذبح، ثم بصقت في وجهي. جاء سيدي الجني، فطهَّرني من قذارتك، وأطلقني في حرية كرامتي الأنثوية”!

“كُفِّي عن هذرك. هل أنت مزروعة هنا لحساب أعدائي؟!”. قال.

ردت: ” أودُّ لو أنك تتحلى بحسن النية. هدفي إسعادك. ولن تتكلف ثمناً ثقيلاً عليك. المطلوب منك، فقط، أن تضبط انفعالك، عندما أقوم بالبصق عليك. قبل أن أصفع الباب خلفي، وأغادر المكان. سيدي الجنيّ الكبير، أشترط ذلك، لتلبية رجائي إليه، بإهدائك جنية، تكرس حياتها لمنحك لذة أنثوية، لن تجدها في أية امرأة من بني الإنسان. هو الآن معنا، يحرسني من شرورك. كنا أمس، قد تداولنا أمر نزواتك، وقال إنه لن يخيب لي رجاء. تحدثت إليه، فيما أعرضه عليك، لم أستأذنك، هذا صحيح، ربما هذا مفاجئ لك، أنت لم تعتدد عليه مني. أنا الآن. منذ الأمس، لم أعد بحاجة إلى استئذان أحد. أعتقني سيد الجن، ووعدني بأنه سيحمي كرامتي وحريتي. لا تقل إنه يكذب. الجن لا يكذبون مثلنا. هل توافق؟ لا، أنا لست بحاجة لموافقتك. أنا قررت أن أطلب من مليكي الجني الآن، أن يخصص لك جنية تليق بك، أيها المستهتر البشع!”.

كظم سامي غيظا مخلوطا بالذعر، يغلي في عروقه. اصطنع الهدوء. أمسك كفييّ هند التي أرختهما فوق صدره. طبع عليهما قبلة زائفة، بعد أن جمعهما معا. وقال بتذلل طفل: “سامحيني يا هند. ما حدث أمس، كان سخيفاً. دعينا نبدأ من جديد. أعاهدك بأنني لن أعود إلى ذلك. أنا لا استغني عن سكرتيرة مثلك. ومنذ اليوم، سيتضاعف مرتبك. هكذا اتفقت مع أبي. وهو يحترم أمانتك وكفاءتك”.

ضغط كفيها وأضاف: “أمامنا عمل يحتاج إلى جهود مكثفة. يجب علينا التعاون معاً، للإعداد لاحتفال كبير، سيقام غداً.. هيا”. استدار إليها، جذب رأسها. طبع قبلة سريعة على فمها…

وفي غضون ساعات قليلة وبمساعدة سائق، يقود سيارة، من سيارات أبي سامي، وزعت هند مئتي بطاقة دعوة، على مكاتب كبار المسئولين والتجار، والشخصيات الاجتماعية البارزة.

وقبل رجوعها إلى المكتب، ذهبت إلى بيت عائلتها، لتُطَمْئِن أهلها، الذين شيعوها، عند خروجها في الصباح، بالدعوات والقلق. وزفَّت إليهم خبر مضاعفة راتبها. وقالت لأبيها، بعد أن لثمت يده: “سأضطر إلى قضاء وقت أطول في العمل. لا تقلق. امنحني رضاك”.

ردَّ أبوها، بانفعال مشوش، ومكبوت: “قلوبنا معك”.

عادت بصحبة السائق إلى المكتب، وكان سامي قد أخبرها بأنه لن يعودإليه، قبل الغروب. أغلقت الباب الخارجي بالمزلاج، من الداخل. خلعت هند، والسائق أحذيتهما. ودخلت المطبخ لإعداد فنجانين من القهوة النسكافيه. لحق السائق هند إلى المطبخ. طلب كوباً من الماء. احتك بمؤخرتها، وهي تنحني لإخراج زجاجة من رف سفلي في الثلاجة الكبيرة، التي كانت تعمل بأدنى قوتها التبريدية، والتي يحتفظ فيها سامي بقناني متعددة من المشروبات المختلفة.

استدارت هند نحو السائق. رمقته بنظرة لا مبالية. أمسك يدها التي كانت تمتد إليه بكوب الماء. سحبت يدها، وهى ترمقه بنظرة فيها تحدي الإغراء. سقط الكوب الزجاجي وتهشم. تجرأ السائق وجذبها من ذراعها. تشبثت في المكان المحشور بين فرن الغاز والثلاجة. أمسك رأسها، اغتصب منها قبلة وحشية. دفعته عنها بقوة. فك حزام بنطاله. هربت هند. انطلق وراءها، وهو يكاد يترنَّح تحت ضغط شهوة فتّاكة. تعثر في بنطاله الذي كان قد سقط إلى أسفل ساقيه. صاح وهو يهم بالوقوف: “لماذا أغلقت الباب إذن؟!”. سال دم من قدمه الذي انغرست فيه شظية زجاجية. رن جرس الهاتف. أبو سامي، على الطرف الآخر، يطلب ذهاب السائق إليه، في متجره، فوراً.

التفت السائق نحو هند، فيما كان يفتح باب الخروج، وقال بغيظ: “لن تفلتي مني، في مرة قادمة”.

شيعته هند بغضب يغلي في عينيها، وقالت، بعد أن صفع الباب وراءه، بعصبية: “ستحرقكم ناري!”. عادت إلى المطبخ، تحاشت المرور، بقدميها الحافيتين، من فوق الزجاج المهشم. أكملت صناعة القهوة. دلقت الكنكة في فنجان كبير. وقفت في شرفة المكتب المطلة على الشارع الذي يقع فيه، مبنى المجلس التشريعي، الذي تترامى، أمامه، من الناحية الشرقية، ساحة الجندي المجهول. شردت عيناها في فضاء غزة. انحدرت دموعها… وضعت فنجان القهوة، على حافة الشرفة. كان لا يزال ممتلئاً. دخلت حجرة الاستراحة. حملها النوم الرؤوم بين أجنحته…

6

في وقت مبكر، من صباح اليوم التالي، استيقظت هند، على صوت ابن شقيقها، في الخامسة من عمره: “عمتو، الزلمة عاو زك”.

نهضت ملهوفة. استبدلت جلباب الخروج، بجلباب النوم. اندفعت نحو باب بيت عائلتها الخارجي، وهي تعقد طرفي غطاء الرأس حول عنقها. أطلّ سامي بوجه مبتسم، من نافذة سيارته اليمني، قال برقة: “صباح الورد يا ورد”. أضاف: “أنا آسف لمجيئي المبكر، ولكنني اضطررت إلى ذلك. أمامنا اليوم مهمة كبيرة، يجب أن تعاونيني لكتابة الخطاب الذي سألقيه في الاحتفال. جئت لأصطحبك معي إلى المكتب، في هذا الوقت، ليكون أمامنا فرصة كافية. ورغبت أن أصطبح بوجهك الجميل، في هذا اليوم المهم بالنسبة لي، ولأبي”؟

ارتبكت هند، وهي تشعر بالخُيلاء، أمام جاراتها، اللواتي وقفن، على عتبات بيوتهن، بعيون مزمومة، يراقبن السيارة الفخمة، المحشورة في زقاق المخيم الجاثم في تأوهات نسوانه، وزفرات الحسرة. تركت هند، باب بيت عائلتها الخارجي، مشرّعاً إلى أقصى مداه. ركبت جوار سامي. وتذكرت، بعد انعطاف السيارة إلى شارع عمر المختار، أنها نسيت حقيبة يدها، وتذكرت أنها، غادرت بيتها دون إخطار أحد من أهلها.

قضت نساء مخيم هند، يومهن، وهن يتساءلن، في خبل وفي خبث: “هل تمنح الجن بركاتها، لمرأة يركبونها؟ هل وقع الشاب الغني الوسيم، في شباك فتاة مخيمهم الفقيرة، والخالية من الجمال؟ وهل.. وهل..؟”.

دخلا المكتب عجولين… جلست هند، قبالة جهاز الكمبيوتر. فتحت ملفاً جديداً في برنامجه الطباعي. وقف سامي خلفها. وضع كفيه على كتفيها وهزهما. برفق. زحفت كفاه إلى ثدييها. ضغطهما. لفتت هند رأسها نحوه. كانت عيناه شاردتان. انتبه. طبع قبلة سريعة على شفتيها. قال وهو يكتم تأففه: “أستأذنك لأصنع فنجانين من القهوة”.

قالت هند بصوت مرتفع: “ماذا تود أن تقول في خطابك؟”.

سامي: “اكتبي: بسم الله الرحمن الرحيم”.

هند: “فرغت من ذلك. ماذا بعد؟”

سامي: “أرجوك يا هند، ضعي بين الميم والنون، في كلمة الرحمن حرف ألف. أخاف أن أتلعثم أمام الحاضرين، وأن أنطقها بصورة غير سليمة”.

فرقعت حجرة مكتب هند، بقهقهات متواصلة، أفقدتها سيطرتها على حركة أفلتت من أسفلها، بصوت دفع سامي، وهولا يزال في المطبخ، إلى الانخراط في الصخب الضاحك، وضرب كف بكف، ويقول في تقطع: “يومنا ضراط.. ضراط!”.

استعاد هواء المكتب هدوءه. قالت هند: “ماذا أكتب؟ الوقت يسرقنا”.

سامي: “هل تحفظين شيئاً من القرآن الكريم؟”.

هند: “ما أحفظه لا يناسب المقام”.

سامي: “لا تُعقِّدي الأمور يا هند. لن يتوقف أحد من الحضور أمام ما سأقوله. نحن لا نفكر فيما نسمع، فضلا عن أننا لا نسمع. قلوبنا وعقولنا مغلقة. نحن لا نرى، لا نسمع، لا نبالي”.

هند: “هل أكتب: قل أعوذ برب الفلق؛ أو: قل أعوذ برب الناس..؟‍!”.

سامي: “الحفلة ليست لطرد الجني الذي يتلبسك. آسف، سامحيني. أقصد: قد يبتلينا الله بمتطفل من أصحاب العقول. البلد لم يجف منهم تماماً. مازال لدينا بلهاء كثيرون يحلمون بالتصحيح!”.

هند: “أقترح عليك أن نستعين بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية؛ فيها كثيرون، كما في كل وزاراتنا، لا يجدون ما يفعلوه!”.

سامي: “تذكرت. هاتفي إمام المسجد الذي أنشأه أبي. على الأقل نمنحه فرصة لفعل شئ ما يبدد به ضجره في هذه الساعة من النهار، التي يُطْبِق فيها الصمت على أنفاس بيوت الله”.

دخل الإمام، من باب المكتب، برجله الشِمال. استدرك الخطأ. خرج. عاد فدخل برحله اليمين. رمق هند بنظرة، قرأت فيها أغواره المتشظية. قامت لمصافحته. لم يمد نحوها يده. اعتذر إليها بأنه على وضوء. ولكن عينيه، كانت تفضحان رغبة شبقة، تستشعرها الإناث، وتسمعن فحيحها.

قال الإمام، المدعو عبد السميع: “اكتبي يا حرمة: بسم الله الرحمن الرحيم”.

هند: “فرغت من ذلك يا سيدي الشيخ”.

الإمام: “اكتبي: والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد…”.

“ماذا تشرب يا شيخ عبد السميع، شاياً أم قهوة؟”. قال سامي بصوت مرتفع، وهو يجلس في حجرة مكتبه.

“بارك الله فيك يا باش مهندس. أنا صائم”. رد عبد السميع.

سامي: “هل دخلنا شهر رمضان من جديد؟ هذا كارثة. سيفشل الحفل!”.

ووقف سامي فاغراً فاهه، يقلب نظره، ما بين هند وعبد السميع.

خفت حدة نبرة عبد السميع، وهو يسأل هند: “هل كتبت ما تلوته عليك؟”. فتح عينيه بشهوة لم يعد قادرا على مداراة احتراقه بها. حملق في سيقان هند المكشوفتين. تجمّد. قال مغمغما؛ وهو لا يزال يلتهم اللحم الإنثوي المتحدي: “استغفر الله، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.

حسرت هند ثوبها، عن مساحة من فخديها. وزعت نظرات شرسة ما بين عبد لسميع وسامي. أغلقت الكمبيوتر، دون أن تحفظ ما دونته. وانتفضت، في نزق. وبرزت في مخيلتها، صورة شقيقتها الكبرى، وهي تصرخ في فزع: “بريئة يا أبي، بريئة”.

قال عبد السميع: “أنت مستهترة، ولم يحسن أهلك تربيتك”.

ردت هند: “وأنت تحمل لحية، تصلح لتنظيف الشوارع فقط”.

غضب عبد السميع، وقال: “هذه المرأة، شؤم عليك وعلى أبيك يا سامي”. وخرج، وهو يُزبد.

تبعته هند، إلى باب المصعد، في الطابق ذاته، الكائن فيه مكتب سامي، وقالت، وهى تظهر التراجع عن قسوتها معه: “لماذا لم تفهمني؟ أرجوك، أصفح عني!”

حدّقها بعينين شهوانيتين مغيظتين. وخطر له أن يلثم فمها. وقف المصعد أمامها. دخل إليه. حاول أن يجذبها من ذراعها، قالت بغنج: “أنت صائم، وعلى وضوء أيضا!”.

7

تحولت حجرة مكتب سامي، إلى سحابة قاتمة، من دخان سجائره، التي اشتعلت بنار تضطرم داخله: “لماذا تواصل حليمة إذلالي؟!”.

رفضت حليمة، توسلات سامي الحارة، لها، لحضور الحفل الذي قرر أبوه إقامته، الذي تقول بطاقة الدعوة إليه، أن مناسبته هي حصول سامي على وظيفة رفيعة المستوى في إحدى دوائر السلطة الوطنية. “هذه إهانة مقصودة منها. وإصرار على التحدي”. قال سامي بصوت مسموع، وهند، تحمل إليه فنجان قهوة جديد.

إنتبه إليها، وهي تسعل، وتستدير، للخروج بسرعة من الحجرة الخانقة. سألها بنبرة محبَطة: “هل الخطاب جاهز؟”.

أجابت: “كلا. وعليك أن تتدارك الأمر، قبل فوات الأوان. لكن؛ قل لي، هل من المهم أن تلقي خطاباً في الحفل؟ قد يضعك ذلك في موقف حرج، هل تحدثت إلى جمهور من قبل؟ لماذا تريد أن تكشف، علناً، أن الوظيفة المسندة إليك، أكبر من إمكاناتك؟”.

أطرق سامي، وهمس بصوت لم تسمعه هند: “مغفّلة!”.

تخرّج سامي، منذ وقت قصير، من جامعة، في بلد أجنبي، حصل منها، على إجازة البكالوريوس في الهندسة المدنية. ويعتمد، في تدبير شؤونه، على ثقل أبيه، الذي يتمتع بقدرة فائقة على نسج علاقات، تصب في خدمة أهدافه.

عاد سامي يوجه الكلام إلى هند: “يجب أن يكون الخطاب جاهزاً، قبل مرور نصف ساعة من الآن”.

ردت هند وهي ترمقه باستهتار: “ليس عندي ما أستطيع فعله لك”. صمتت لحظة. تابعت بدلال: “سامي، هل تجيد الغناء والرقص؟!”.

انتفض غاضباً. قذفها بمطفأة السجائر الكبيرة المحشوة بحملها الثقيل.

ضرب سطح المكتب بقبضتيه. زفر. قذف فنجان القهوة، الممتلئ، في الهواء الداكن. تهاوى على الكرسي. أشعل سيجارة جديدة. اقتربت منه هند. حاولت تهدئته. نظر إليها، بعيون يطحنها الأسى، قال: “لماذا ترفض الزنجية القبيحة، توسلاتي إليها، لحضور حفل تتمنى، كل بنات ونساء غزة، حضوره؟”.

“هند، اصنعي لي خدمة لن أنساها لك. هاتفيها. حاولي إقناعها بالعدول عن موقفها. إذا أصرت على عدم الحضور، حاولي أن تفهمي منها سبب ذلك. أريد أن اعرف: هل تحتقرني؟!”. صمت، انكفأ على مكتبه.

“الطرف الثاني لا يرد”. قالت هند، التي تحولت إلى جهة جلوس سامي، وألقت ذراعيها، على كتفيه، بعد أن رفع ظهره، واسنده على ظهر الكرسي.

“حاولي مرة أخري”، قال.

ضغطت على زر الإعادة في جهاز الهاتف. وهمّت بالجلوس على حجره، وهي تثبِّت سماعة الهاتف بين فمها وأذنها.

دفعها للابتعاد عنه، برفق. وسأل: “هل هناك من يرد؟”.

أغلقت الهاتف، بحركة متوترة. واندفعت نحو الباب الذي يفصل بين حجرتها وحجرته في المكتب. صرخ بحنق: “اذهبي إلى الجحيم أيتها العاهرة”.

  • “أنا يا سامي؟”.

– ” نعم؛ أنت. أيتها المقرفة، ووجه الشؤم!”.

– “أنت حقير وساقط، تلهث وراء كوشَّية، وعبدة، تأنف الكلاب من النظر إليها”.

انفجرت أنوثة هند، المجروحة، في هياج، استنزل فيضان شتائم، انفلت منها؛ حقد مكبوت، ضد الذكورة، وضد المهانة الأنثوية معاً. “أنت شرموط، وكل نسائك، شرموطات، وأمك شرموطة، وأبوك شرموط”. قالت في حدِّة. وانهارت على الأرض وهي تبكى.. وتواصل: “تمارس دعارتك على عيني. وتبصق في وجهي، أيها الواطي. كلكم، أيها الرجال، صنف واطٍ، تجرون وراء نساء يحتقرنكم. أنتم حقيرون. وكل امرأة تستسلم لكم حقيرة، وتستاهل ما يلحقها من ذل، منكم. أنت عار، وابن عار أيضاً. منحتك نفسي، فعاملتني مثل قطة جرباء. أستحق ذلك، وأكبر منه أيضا. ولكنني لست سهلة. سأجعلك تندم على يوم مولدك. أيها السافل، أنظر، هنا ابنك”. وحسرت جلبابها إلى ما فوق بطنها، مع إشارة من يدها تعني أنها حامل. في قرارة نفسها، تعرف هند أنها لا تملك دليلا على حملها، لكنها تتسلح بهذه الدعوى. قد تتحق، هذا ما ترغبه!

وقفت. بصقت في اتجاهه، وقالت بقرف: “عليك وعلى العالم كله”. اندفعت نحو الباب الخارجي للمكتب. فتحته. استدارت، وقالت بصوت مُلحَّن: “سامي.. تلحس طيزي”. صفعت الباب بقوة. مسحت دموعها، واستدعت المصعد. دخلته وهي تقول بصوت مسموع: “قريباً، ستدفع أيها المغرور، التافه، ثمناً باهظاً”.

أغلق سامي باب المكتب الخارجي، من الداخل، بالمزلاج. فصل الهاتف. وأغلق جهازه الخلوي. ارتمى في فراش مكتبه، غرق في سبات أسود. صحا، بعد أن كان الحفل قد ابتدأ منذ ساعتين. وقبل أن ينهض، قال في سريرته: “ترى، هل أجدها هناك؟”.

وتذكر ما كان يردده، باختيال، أمام أقرانه: “شباب ومال وكلام معسول يساوي: متهافتات أكثر من شعر الرأس”!

8

وفي الصالة، الفخمة، الواسعة، التي أقيم فيها الحفل، كان أبو سامي يغلي: “مستهتر. مازال طفلاً. كيف أفسِّر للحاضرين غيابه؟ كيف أخرج من هذا الحرج؟”. قال، وهو يطلب من مساعديه، للمرة العشرين، تجديد محاولاتهم للاتصال بسامي، والبحث عنه، في كل مكان، من المحتمل أن يكون فيه. “غيابه يدمر خطتي”. أضاف، بغيظ مكتوم.

إقتربت منه هند، إلى أن أن كاد جسدها يلامس كرشه. وقالت بصوت هامس، فيه نعومة أنثوية، ترقص لها قلوب الرجال، والابتسامة العذبة، تضئ وجهها، الذي يختبئ تحت طبقة سميكة من الأصباغ: “الهمّ يجعلك في عيون النساء، عجوزاً ناضب الرحيق. حافظ على اتزانك. واستعد بهجتك التي تعرفها عنك نسوة غزة. المرأة لا تحب الرجل العابس. الابتسامة هي أقصر الطرق لولوج عالم حواء. هيا.. هيا، أطرد القلق. أنت نجم الحفل، وليس سامي. وثق يا عمّي، أن أحداً من الحاضرين، لا يبالي، ولا يشعر بغيابه”. نظر إلى عينيها. وجال في خاطره، شئ ما..

وبرشاقة، سحبت مقعداً، ودعت، بحنان، والد سامي، للجلوس. قال بهدوء جريح: “اسحبي مقعداً آخر، واجلسي جواري”. وكاد أن يحتضن رأسها على صدره…

 هند: “لماذا لا تشرفنا بالزيارة في مكتب سامي، إنه قريب من متجرك. وجميل لو أنك قضيت معنا، استراحة الظهيرة”. سبّلت عيونها، ثم قالت: “هل تقبل دعوتي لتناول طعام الغداء، معاً، في مكتب سامي، غداً؟ صحيح أن إمكاناتي المالية متواضعة، ولكن السعادة ستغمرني”. نظرت إليه، بتودد. وأضافت: “أرجوك، لا تحرمني من هذا الشرف!”.

“هيا، ابتهج؛ تُرى، من تلك المرأة الأربعينية، الممتلئة، القصيرة، التي لم تنفك عيناها عن متابعتك؟!”.

أبو سامي، يلوذ بالصمت! وهند، تكاد أن تلتصق به. والمرأة الأربعينية، تقوم، تتجه بخطوات وئيدة، نحوهما، وهي تغوص في ذاكرتها، إلى ما قبل عشرين عاماً، تقف أمام أبي سامي. تلامس ساقاها، ركبتيه. ينتبه إليها. يرتبك. يقف. يصافحها دون حرارة. يمتقع وجه هند. تحدّج المرأة الأربعينية بنظرة ارتياب. تتصنع الود. تقف. تُقبّلها. وتدعوها للجلوس إلى جانبها، غير الملاصق لمقعد أبي سامي.

همست المرأة الأربعينية، تخاطب هند: “منذ متى تزوجتما؟”.

راوغت هند في كلامها. سألت المرأة الأربعينية: “هل تعتقدين أن زواج المرأة، خير لها من العنوسة؟!”.

تنهدت المرأة الأربعينية. قالت: “ليس كل عنوسة!”. أخرجت بطاقة، تحمل إسمها، وعنوانها، ورقم الهاتف. وأضافت إليها، رقماً آخر، وهى تحاول إخفاء ذلك عن هند. قامت. ودست البطاقة في جيب معطف أبي سامي. قالت: “أشكرك، على أنك كنت دائماً مصدرا لكل…”، توقفت. أومأت إليه برأسها. تجاهلت وجود هند. وغادرت صالة الحفل.

شب حريق في رأس هند. كتمت غيظها. قالت في سريرتها: “قريباً، أيها العرص الكبير، سيجيء لك، ولابنك، دمار يسحقكما”.

ضجّ هواء الصالة، بعبق البهجة. الأطفال يرقصون على ألحان أغنية للحب. والطرب يعبث بالصبايا. يقهقهن، تتقدم بعضهن، بثياب مشدودة على صدور شقت نصف الطريق إلى النضوج الأنثوي، يتخايلن في مشيتهن، فيما هنّ ذوات قدود لدنة، لا يخفى من تفاصيلهن خافية. يلتففن في شبه دائرة، حول أبي سامي، السارح النظرات: “عمّو، بِنْحب نِرْؤُس معاك”، قالت إحداهن بدلال، وهي تمسك يده وتشدّه بِرقّة.. قبل أن تندفع زميلاتها، فيدفعنه، إلى الحلبة التي كانت تموج بالحضور النشوان..

حاول أبو سامي التفلت من أيادي الصبايا الضاحكات. استنجدت عيناه، بهند.. لكنها قالت: “لا تجرح خاطر البنات. شاركهن فرحتهن. هذا ليس عيباً”. ونزعت عنها غطاء الرأس، الذي كان شيئاً ناشزاً في معرض تصفيف الشعر، النسائي، اللواتي رسمت الحاضرات صورته، وطوقت به، ردفي أبي سامي، وصاحت، بانطلاق مبتهج، ومعها البنات، في الصالة، كلهن: ” سأْفه يا شباب”.

في برهة قصيرة، أدرك أبو سامي، أن الرقص وسيلة روحية ناجعة، لتبديد حالة سوداوية، كانت تنهشه. ولكنه اكتشف، فيما بعد، أنه بحاجة إلى تجربة أعمق..

تراخى حماس هند، وتوقفت عن التصفيق، فيما كانت تقول في سريرتها: “غداً موعدنا، وسأجعل أنفك، وأنف ابنك، النتنين، تحت حذائي”.

اندمج أبو سامي بالرقص. كان يهرب من ذاته. استغرق في حركات عنيفة، لم تكن تنسجم مع ألحان الأغنية التي تصدح في فضاء الصالة. ودار حول نفسه، حتى فقد توازنه. سقط. حاول القيام. خانته قواه. صمت كل شئ. تقدمت هند نحوه. ساعدته على الوقوف. وضعت ذراعه حول كتفها. أخذته نحو ركن منزو في الصالة. جلست إلى جواره، على أريكة مزدوجة. ألقى برأسه إلى الوراء. أغمض غينيه. تدحرجت دموعه بين ثنايا وجهه المقبوض. ألقى رأسه على صدرها. رفعه. برقّة، أحاط كتفيها بذراعيه. توسل إليها: “امنحيني قبلة”. تصنّعت الحياء: “الصبر جميل”، قالت. “رافقيني إلى البيت”، قال. “الصبر جميل”، قالت مرة أخرى، وهي تحاول الإفلات من قبضة ذراعيه، التي كانت قد اشتدت حولها.

إنفضّ الحفل. وغادر الحاضرون، دون أن يعبأ أحد، بأبي سامي، الذي أخذ يحدِّج ، في ظهورهم، وهو لا يزال في ركنه المنزوي، الذي ظل فيه، ما يزيد عن ساعة، قبل أن يتجه إلى شقة سماح.

حضر سامي، فيما كان الحاضرون يغادرون القاعة. لم يبال به أحد.

طلبت هند، من سامي، أن يحملها، بسيارته، إلى منزل عائلتها، بعد أن قالت له، بعتاب، إنه استفزها، وفقدت سيطرتها، مما اضطرها، إلى ما صدر عنها، بحقه، في النهار الأخير. حدّقت في عينيه، وهمست بتودد يفوح منه نفاقها: “لا تجرح كرامتي مرة اخرى”. ولكن، ظلت عيناه، متحجرتين، في رأس مشروخ بين الغيظ والقنوط. وفي السيارة، وضعت كفها اليسرى، على فخذه الأيمن. ثم مالت نحوه. حضنت كفه اليمنى بين راحتيها. رفعتها. طبعت قبلة سريعة زائفة على ظهرها. وضعتها على بطنها السفلي. ضغطتها برقة. جذب سامي يده بحدة. وصلا بيت عائلتها. العتمة عباءة ثقيلة ترتدي مخيمها؛ همست، بنعومة وبتلذذ وتدلل وتذلل تجيده الإناث:”سامي، أنا طوع بنانك. إفعل بي ما شئت. سأقضي ما بقى من هذه الليلة، بالابتهال إلى الله، أن يمنحك السعادة. تصبح على خير”.

كانت هند، قد تحدثت إلى جسد ميت الروح، أصم، وأخرس.

غابت السيارة في أزقّة المخيم الضيقة، المظلمة. تسمرت على عتبة منزل أهلها. تساءلت: “ترى، هل ناموا؛ أم، هم يتصنّعون النوم، هروبا من مواجهة هند الجديدة؟!”.

9

اتجه سامي إلى مكتبه, كانت سماح تنتظره فيه. حمل معه مقداراً كبيراً من الخمور، والسجائر. خلع ملابسه واستلقى إلى جوار سماح، التي كانت تجلس القرفصاء، وهي عارية، على الفراش، الذي شعر سامي، أنه أرجوحة عادت به، إلى هيولي الوجود الأولى.

هواء الحجرة دافئ مخمور، تتلوى فيه أعمدة الدخان. استلقى سامي على ظهره. عيناه غائمتان. قلبه ينتحب. يدلق بين الحين والحين، جرعة خمر في جوف يحترق.

تحملق سماح في اللاشئ. وتلوذ بالصمت. وسامي يهذي، بنبرات تعلو وتهبط.. “تحتقرني! أستحق ذلك. الرجل الذي يلهث وراء مؤخرة قبيحة يستحق الاحتقار. لكن، لماذا تصر على إذلالي وامتهان رجولتي؟ فسِّري لي يا سماح، لماذا تجلس أمامي عارية، تتحدى ذكورتي، وترفض محاولاتي للاقتراب منها؟ العبدة! التي لا تزال ترضخ لأخلاق العبيد! هذا فظيع! تجمعنا شقتك معاً، أنا وهي، منفردين، ولكنها تتجاهل وجودي. هذا انتقام العبيد من السادة. تذبحني. شاب غني، مثلي، ووسيم، وذو مركز اجتماعي، ويحب الحياة، وتطارده اجمل البنات والنساء، لم يذق طعم الهزيمة، لا يكبو لنزواته فرس؛ تطرحه حليمة على قفاه! أنت أختي، سماح، هل يرضيك أن تواصل ازدراءها لي؟! هل أنا أجْرب، وهي وحدها التي تعاف اقترابي منها؟! أريحيني، أتوسل إليك؛ هل ترتبط مع رجال آخرين بعلاقات عاطفية، تُشبع رغباتها؟! هل تحب رجلاً ما، وهى مخلصة له وحده؟ هل هي بلهاء، هل الحب له معنى إذا لم يعلمنا أن نحب بقلب يسع الجميع؟! هل تكرهني حليمة، هل تتقزز من رائحتي، أم من لوني؟ هل تتقزز السوداوات من البيض؟! هل تشك في قدراتي الجنسية؟! هل تحدثتما معاً عن فحولتي؟! لماذا يا سماح، تتهاوى البنات والنساء تحت أقدامي؛ وحليمة، وحدها، تحرقني بنار اشتهائي لها؟! رباه، لماذا اشتهيها؟! هل أنا ضحية العداوة القديمة بين سود أفريقيا، والمستعمرين البيض؟ هل هي تخوض حرباً ضدي، نيابة عن تاريخ العبودية القديم، والمتصل؟! هل تخوض حربها ضدي، نيابة عن المرأة المقهورة؟! هل يحق للمقهور أن يقهر غيره؟! هل تنتقم مني، نيابة عن بؤساء الأرض؟! ماذا أنا؟! ضال بائس، يبحث عن أمنه، على صدر امرأة، وبين فخذيها!! حليمة، أيتها المجرمة، لا تحاولي أن تمنحي نفسك قيمة، في وجودٍ لا قيمة له. أيتها التافهة، جعلتِ من سامي، المتهتك، المستهتر، فليسوفاً. هل أنا ماجن؟! ماذا يكون الفيلسوف إذن؟! العالم ضحل، وغابة، وأنت أيتها العاهرة القبيحة، وحش يفترس الضالين مثلي! ما أغباني! ماذا تختلف هذه الكتلة من الشحم واللحم، عن غيرها؟! هل يفرز فرجها عطراً؟! فروج النساء كلها تفرز روائحها الكريهة. أف. كل النساء كريهات. فروجهن مقززة. وشريرات. ما أغبى أولئك الذين يعتقدون أن العالم سيكون اجمل لو حكمته النساء! العالم قبيح، من أوله إلى آخره. والنساء أقبح ما فيه. لماذا تركتني أمي؟ هل يحق لها أن تفعل ذلك، لأن أبي رجل يسعى وراء إشباع شهواته؟! هل أبي مخطئ؟! كلا، هذا العالم غابة. والنساء فيها تريد أن تمتلك رقاب الرجال، وتصادر حريّاتهم! قاسيات القلوب. هل الحب هو أن نصادر حرية من نحب؟! الحب شهوة، أنا أشتهيك أيتها العاهرة؟ كلا، لستِ عاهرة! العاهرات هنّ أشرف أهل الأرض! ليتك كنت عاهرة، سيكون قلبك مملوءا بالرحمة! العاهرة وردة الله في مز بلته. حليمة من مز بلته! حليمة شوكة في حلقي. القميئة تتحداني! كيف أقهرها؟! إنها تدفعني إلى الهاوية! يملؤني إحباط غليظ ومعتم. العالم أسود. أنا ابن رجل لا يوليه الناس احترامهم. يستقبله كثيرون بابتسامات زائفة، لكنهم يلعنونه، بعد أن يقضوا حاجاتهم منه، أعيش أنا وهو في عالم يمجّنا. هل تمجّني حليمة بسبب أبي؟! سماح، هل تحتقر حليمة أبى؟ هل تعرف أن أبي، تحوّل إلى قواد وعمّيل للاحتلال الإسرائيلي، بعد أن كان يعمل ماسح أحذية في مستهل حياته؟! لو حدث ذلك، فستقع كارثة. حليمة تمتلك من الجرأة، ما يكفي لفضح تاريخ الإنسانية بكامله! الفتاة التي تقابل الرجال، وتجلس إلى جوارهم، وهى عارية، ومتمنّعة عليهم، بطهارة قديسات، تستطيع أن تمزق وجه الكذب الذي يرتديه التاريخ كله، والذي يرتديه أبي. ستدفعنا حليمة، إلى عراء يكشف حقيقتنا. هل تحدثتْ معك حول ذلك؟! هذا يصيبك بطعنة في القلب أنت أيضاً يا سماح…”..

صمت سامي. انقلب على جنبه. سماح تستلقي على بطنها. وجه سامي نحو الحائط. يحملق في المدفأة الكهربائية الضخمة، التي تعزل الحجرة عن البرد القارس في الشتاء المقحل. يتحدث سامي في سريرته:

“أنا شتاء قاحل أيضاً. تُرى، هل تعرف حليمة أن سماح أختي من أبي، وأن أبي ذبح أمها، بتواطؤ مع الخادمة، التي قبلت أن تجهض حملها، من أبي مقابل مقدار كبير من المال… أمّ سماح رفضت أن تخون الله. الذبح للشرفاء. ما أغباها! الخادمة،  تنافس الآن أبي في السوق. كيف علمت بأمر الحفلة؟! أنا نسيت أن أدعوها! إني اشتهيها! لكن، هل تطفئ أربعينية، ممتلئة، نار جهنم السوداء التي توقدها حليمة في أحشائي؟! هل تطرد امرأة خانت أمومتها، جنوني الذي يتحداني للإبحار في نكهة أفريقية تشتعل ببراءة الأنوثة؟!”.

بقرف، قذف سامي منفضة السجائر المثقلة بحملها، إلى ما فوق طاقتها. سعل. دلق جرعة صغيرة من الخمر في حلقه. انقلب نحو سماح، قال بهمس مجروح: “هل ترغبين في العودة إلى شقتك؟ الساعة الآن الثالثة صباحاً”.

قال، بعد وجوم، بينما سماح لا تزال تستلقي على بطنها: “ولكني أخاف أن تتركيني!”.

انقلبت سماح، دفن سامي رأسه في صدرها. تمتم: “لماذا تركتني أمي فريسة الضياع؟!”.

رفع رأسه وصوته معاً، قال: “الرجل يبحث عن أمه، في كل النساء”. أضاف في سريرته: “حتى في أخته!”.

“سماح، دعيني أغرق في ماء شهوتي. هلمي نسقي حياة تنمو في أحشائك”. أضاف بقنوط: “أمّا في صدري المتعفن، فإن الحياة تذوي”.

“سماح، هل لا يزال إيمانك بالله راسخاً؟!”، سأل كما لو كان غريقاً. تابع: “لماذا نحمل أوزار شهوة أبينا آدم وأمنا حواء؟ أخبريني، هل تزوج النبي من امرأة زنجية؟! هل قرأت في الصحف عن نبي جديد يدعو الناس إلى الدفاع عن حقهم في البهجة؟! مجنون!! قالت صديقات لي، زعمن أنهن إلتقين به، إنه مجنون، ولكنه يزعم أنه أمتلك جوهرة الحكمة. نحن أمة تؤمن بالموت، لا بالحب والحرية. قولي لي: هل تعلمتِ في الجامعة، أن الجنون شرط ضروري لكل نبي؟! لماذا لا تجيبيني؟! هل تملّكتك روح حليمة، هل غدوتِ تحتقرينني مثلها؟! دعيني أفرغ سمومي في بئرك. لماذا لا تزالين تلوذين بالصمت، منذ كنت في الحفلة، رغم أنك ثرثارة ورعناء؟! هل ألجمك غياب حليمة؟! من أين جاءنا هذا البلاء المسمّى حليمة؟! أبي هو المسئول. ما أغباه! هل نال منها شئ؟! هل تحتقره أيضاً كما تحتقرني؟!. أتوسل إليك، هل تعرفين لماذا تحتقرني؟! أصارحك، وأنا أستطيع الآن أن امتلك القدرة على المصارحة، الناس وهم عراة، أقرب للصدق، الرجل وهو في محراب مرأة، يجب أن يكون قديساً؛ أنا وأبي جديرون باحتقار حليمة لنا. سماح؛ سماح يبدو أنني غدوت نبياً، إذا كان النبي هو المجنون، فأنا أستطيع الآن أن أعلن أنني نبي. حليمة جعلت مني نبياً يطرح عنه أكاذيبه، وأكاذيب أبيه. هل قرأتِ أن الله أرسل نبية زنجية؟! دعيني أضاجعك! لماذا تهربين من تلبية طلبي في هذه اللحظة التي فيها تطحن المنون كل شيء؟! أنا أعوم على ظهر موج، يتقاذفني رعب قاهر. خذي بيدي، امنحيني نفسك في هذا الليل الموحش. هل أصبحت مثيراً لاشمئزازك؟!  لا تخافي مني. لماذا تنكمشين على نفسك؟! أنا لا أهذر. أنا نبي سكران. وهذا وجهك هالة من نور. جلدك أسود، لكن قلبك أبيض. هل قرأتِ قصيدة يتغني بها مجنون بقلب أنثوي أفريقي أبيض؟! هل قرأت الكتاب الليبي الأخضر؟! زعيم الجماهيرية العظمى يتنبأ فيه، بأن المستقبل لأفريقيا؟! قيل عنه إنه مجنون. يجب أن يكون كذلك! الحالم مجنون. سأبقى أحلم بها. أرجوك، قولي لها إنني لست بشعاً إلى درجة ميئوس منها. تحت وقاحتي، لا يزال نهر الفطرة الجميل البريء يتدفق! أليس كذلك أيها الجنين المتوّج ملكاً في أحشائك يا هذا الجسد العاري، الناضج بالشهوة، في هذا الليل العقيم، أيها الجسد الملاصق لي، البعيد عني، كما حليمة؟!! أيها المجدول من شوق الإنسان القديم المتجدد، حليمة جعلتني حكيماً يطرح أسئلة كبرى. أشكرها، والمجد لها نجمة عتمتنا السحيقة. سماح؛ هل من يطرح الأسئلة الكبرى، يكون فارغاً؟! هل أمسكتُ بالحقيقة؟ هل ثمّة حقيقة؟ هل حدثتك حليمة عن وجود حقيقة في بلاد أجدادها؟!”.

هوى في غفوة قلقة. فاق بعد ساعة. أشعل سيجارة. شفط نفساً عمّيقاً. جلس قريباً من سماح، التي كانت تركت مكانها في الفراش، وتربعت قبالة المدفأة. دنا منها أكثر. رمى ذراعه على كتفها. قال بهمس، وعيناه تحدقان إلى الأسفل: “طافت بي رؤى المنام، بين صحارى أفريقيا، وغاباتها”. كانت عينا سماح، شاردتين مع ذبابتين تتسافدان. تساءلت في سريرتها: “هل هذا هو موسم تكاثر الذباب؟”. تابعت: “هل للذباب مواسم للحب؟!”. صمتت. شق طنين الذبابتين هدوء الليل العمّيق. تمتم سامي: “هباء تنفثه طاحونة الكذب الكبرى”. أضاءت ذاكرة سماح، مقولة يرددها أستاذ لها:” بهجة الحب إرادة لا تقهرها القيود المرسومة أو المفروضة”.

أطفأ سامي سيجارته. تمدد في الفراش. دفن رأسه تحت الوسادة. تنهد بوجع. قال: “ما أتفهنا!”. جلس. خاطب سماح: “أنا أهْوَن من ذبابة”. تنهدت سماح. قالت بحسرة أنثوية مطعونة: “كلنا!”. اندسّا تحت الغطاء. وجدّفا، كل في بحر نومه.

10

تكوّم أبو سامي، على أريكة، منزوية، في الصالة التي شهدت إقامة الحفل. كان وحيداً. يحملق في الهواء. سحبته إغفاءة، أعلن عنها، شخير مكبوت وخشن دفع مساعدا له كان يجلس بعيداً عنه، إلى أن يخفّ إليه، ويقترح عليه الخروج، إلى مكان يرغب بالذهاب إليه.

دق أبو سامي جرس باب شقة سماح وهو نصف متهالك تحت هموم قفزت، مثل بركان، في صدره، أفقدته تماسكه المعهود.

تلكأت حليمة قبل أن تفتح الباب. وكانت منهمكة في مذاكرة دروسها. “من تُراه يكون الذي جاء إلينا في هذه الساعة المتأخرة من ليل غزة الشتوي الذي يطوي الناس هنا، مبكراً؟!”. تساءلت. وفي العادة، لا يأتي زائر في مثل هذا الوقت، إلى شقة سماح، غير سامي وأبيه. وكلاهما؛ خاصة في مثل هذا الوقت، يدخلان دون حاجة إلى دق جرس الباب.فهما يحتفظان بمفاتيح خاصة بهما، باعتبارهما “أصحاب بيت”.

تحت إلحاح رنين الجرس المتواصل، قامت حليمة لفتح الباب، الذي كان أبو سامي يتكئ عليه برأسه، وإحدى يديه. دخل يترنح، كان لا يزال مخمورا. كانت حليمة، مثل عادتها، عارية، ومضرجة بإغراء أفريقي لا يقوى على مقاومته رجل في الأرض.

رمى أبو سامي شيخوخته المتداعية على كتف حليمة، المكتنز بأنوثة بضّة لها رائحة عشب بري، معجون بنكهة مرأة، تغلى في كيان، تتصارع في حلبته، رغبة شبقة، وإرادة زهد، صوفيتان، في هدوء، يتراقص على موسيقى أمواج، تنتحر، على شاطئ بحر عزة، الجاثم في ظلام يغتاله احتلال عنصري حجري، وجهل وطني حجري مثله، قريباً من المبنى الذي يملكه أبو سامي، الذي تقيم فيه حليمة مع سماح.

ساعدت حليمة، أبا سامي، حتى بلغا الأريكة الكبيرة، التي تحتل الصدارة في صالة الشقة الواسعة، والسابحة في حرارة تشعها مدافئ كهربائية، أسقطت من حساباتها، التفكير في الفواتير الثقيلة التي يجب تسديدها، لسلطة الطاقة.

حاولت حليمة، التخلص من ذراع أبي سامي، التي شددت حصارها حول عنقها، الناهض من جذوره، الضاربة في نهدين، ممتلئين، كأنهما، مؤهلان لإرواء عطش أهالي المعمورة مجتمعين. لفت ذراع أبو سامي الأخرى، فخذي حليمة وجذبها بعنفوان شاب يحترق باشتهاء امرأة يعذِّبه إغراؤها له، وتمنُّعها عليه. دفن وجهه في طراوة ثنيات زاوية بطنها مع فخذين مضمومين، تنفلت منهما ، رائحة رحم أم، يهب الحياة لقانط، يخال انه على أعتاب قبره.

قال بصوت مخنوق: “أرجوك، خذيني إلى  الفراش”. ورفع نحوها عينين فيهما توسلات طفل فقد أهله في لجة تترامى إلى بدايات الخليقة.

جذبها إلى جوراه، فوق فراش سماح. قال بتضرع ذبيح: “ارحميني!”. ردت بحنان تدفق من عينيها: “أنا ابنتك!”. تحدّرت دموعهما معاً، استأذنته لإعداد فنجانين من قهوة النسكافيه، الممزوجة بالحليب، التي يحب أن يشربها، خاصة، من يدها. جذب رأسها برقة. طبع قبلة شفافة على جبهتها. ردّت عليها بقبلتين شغوفتين، على خديه.

 وهي تتجه نحو المطبخ، تعلقت عينا أبي سامي برجرجة ردفيها، المندفعين خلفها، مثل قبة مشقوقة، تعلن تمردها على تاريخ يقمع حرية الإنسان. جمعت شهوة أبي سامي، بقاياها، ومن جديد، فار دمه، وحدثته نفسه أن يلحق بها، وان يباغتها بهجوم من الخلف. لكنه تردد، لظنه أنه لم يكن مع حليمة وحدهما. كان يعتقد أن سماح موجودة في الشقة. ويكره أن يكشف أمام سماح، ضعفه نحو النساء. هو رجل شرقي، تطحنه الرغبة في المرأة، وتطحنه في الوقت ذاته، رغبته في بقاء صورته، كرجل محترم اجتماعياً، خاصة في نظر ذويه، ومنهم سماح، التي لا يستطيع، بينه وبين نفسه، أن يتجاهل أنها ابنته من صلبه. وهو، أيضاً، لا يريد أن يجرح مشاعر سماح الأنثوية، بخيانتها مع صديقتها. “لكن حليمة مرأة مختلفة”، قال لنفسه التي تتحرق باشتهائها.

عادت حليمة بالقهوة، ونهداها يتنافسان في صب البنزين على نار أبي سامي التي تفاقمت، في اللحظة التي دنت فيها حليمة منه، فمدّ نحوها يديه، وضغط برقة على نهديها، ثم ضغطهما بعنف، بعد لحظات من الشرود، أيقظ في ذاكرته، حادث طلاق أمه، الذي عرف أنه تم وعمره عام واحد، والذي نجم عنه، قهره على فطام قسري عن صدرها. أرخى قبضته الثقيلة على نهدي حليمة، التي كانت تحدق إليه، بعيون أمومة مبتهجة، وقال بنبرة معجونة من حزن قديم: “نزعني أبي عن صدر أمي، الذي كنت أرضعه، وأنا بين الصحو والنوم. كان في نوبة من غضب شرس، ولسبب تافه، نشبت نار حقد جاهل، ألقى أبي في أتونها، يمين الطلاق على أمي”.

 وقف أبو سامي، وحضن حليمة بأبوّة، وألقى رأسه على كتفها، وهمس: “تراجع أبي فيما بعد وأصلح علاقته مع أمي، لكن ذلك لم يدمل جرحي النازف، ولم يخلصّني من تلك التجربة القاسية، التي استفحلت، من بدايتها، عندما رماني أبي، في لحظة انتزع الشيطان فيها، الرحمة من قلبه، في قاع حجرة بائسة، وباردة، زلزلها بكائي المفجوع، والمتواصل”.

نهضت من ذاكرة حليمة، على التو، نظرية نفسية، تتحدث عن أن تجربة الفطام، القسرية، والتي يتم فيها، تنفير الطفل من ثديي أمه، وحليبها، مسئولة عن مشاكل نفسية، يعاني منها الكبار، ويقعون ضحايا لها، مثلما يقعون ضحايا تجربة انفصال الطفل عن أمه عند ولادته، التي تنعكس عليه، في مظاهر تتمركز في شعور فقدان الأمن، الذي كان يعيشه في الرحم، أو على صدر الأمومة. ومن مطالعاتها، تعرف أن المعالجين النفسيين الروحيين، يبحثون عن جذور مشكلات المرضى النفسانيين، في مرحلة حملهم، وفي كيفية العلاقة بين الأم، وبين ذاتها، أو بينها وبين البيئة الاجتماعية أو الطبيعة، من حولها. قال لها أحدهم: “إن لحظة جماع الرجل مع المرأة، والتي ينتج عنها حمل، هي لحظة حاسمة بالنسبة للشخص الذي يبدأ في التكون منها. وتُلوّن، المشاعر التي تكتنف، المشاركين في علاقة جنسية، مستقبل وليدهما، بصورة مماثلة، لما عايشاه، من أحاسيس، في لحظة تكوينه الأولى، التي تبدأ، مع لحظة الذروة”. أضاف: “الذروة التي تتم في وقت واحد، لدى الشريكين، اللذين يصلان إليها، وهما في حالة البهجة؛ تؤسس لبناء إنسان، منسجم، مع ذاته، ومع عالمه الخارجي، ومبتهج، خاصة إذا تم دعم ذلك، بتفادي تعريض الرضيع لتجربة الفطام القسري، أو التنفيري”.

كانت حليمة تتذكر ذلك، فيما كان أبو سامي، يتذكر انه وافق بسرعة، وبحماس، على إقامة حليمة مع سماح، لوقوعه الفجائي، في دائرة جاذبية صدر حليمة، له، التي تمازجت فيها، شهوته إلى الأم، وشهوته إلى المرأة الشريكة الجنسية. ويجول الآن في خاطره تساؤل: “هل تنفصل المرأة الأم، عن المرأة شريكة المضاجعة، أو عن المرأة الإبنة أو الأخت، لدى الرجل؟!”.

كاد أن يُلقي تساؤله على حليمة، التي لا تزال واقفة، وديعة، بين ذراعيه الملتفتين، بحنان، حول جذعها. قال لنفسه: “تؤهلها دراستها الجامعية للإجابة عن ذلك. وهي تمتلك أيضاً، إطّلاعاً كافياً، على النظريات المتعلقة بالجوانب العمّيقة في الإنسان، ثم، وهذا هو الأهم، فإنها تمتلك قوة فائقة، على التحرر من القيود الاجتماعية التي تصادر حرية الروح الثقافية والسلوكية”. ولكن، خانته الشجاعة الخجولة، ووأد تساؤله في رأسه.

جلسا في الفراش، يحتسيان القهوة، في صمت تعبث به، خواطر متناقضة، تتصارع في رأس أبي سامي…”تبدو شفتاك، كقطعتين من شيكولاتة أنتجها مصنع رباني”؛ قال بعد تردد. ثم حضن كفها براحتيه، وسرحت عوالجه، بغير هدى. وبحركة لا توجهها الإرادة، إنحنى، ولثم ظهر كفها، بشفتين مرتجفتين، وظل يلثمها. كان في غيبوبة شفافة، حملته فوق أرجوحة زمان مضطرب…

“لماذا لم تعد سماح معك يا عمّي؟”. قطعت حليمة صمت الليل، بهذا السؤال البريء، والذي أطلق في صدره، عاطفته  من عقالها. تساءل، في سريرته، على عجل: “لماذا انفجر شجنه الكظيم، بنبرات صوت أمومي، حنون، يسأله، عن بنت ضائعة في غياهب جريمة اقترفها”… جذبها من ذراعيها، بغلظة، قذف رأسه فوق ثديها، لثمة بأسنانه. صاحت بألم. تخلصت منه بمشقة. غادرت الحجرة. دفن رأسه في الوسادة…  وأجهش ببكاء مكتوم، ثم نهض، أشعل سيجارة، وجلس القرفصاء، وألقى رأسه على ركبتيه،   بعد أن أطفأ سيجارته التي لم يكن قد بدأ يدخنها. وطارده سؤال: “لماذا غاب جميع المدعوين الكبار عن الحفل؟!” وتوزعته الظنون: “ضاعت مني فرصة ثمينة. كان يمكنني أن أحقق ضربة عمري. فسدت الخطة؛ هل يعود ذلك إلى مؤامرة ضدي؟ من تُرى يقف وراءها؟ أعدائي كثيرون. والسوق غابة ذئاب. وأنا متورط بعلاقات مشبوهة. هل كان الحفل معركة تسوية حسابات؟ هل وقع خطأ فني، حال دون حضور المدعوِّين الحقيقيين؟ لم تقع عيناي على أحد من المدعوين الذين أعددت كشوفا بأسمائهم بنفسي. أنا أعرف أنه لا أحد، من معارفي، ولا من أقاربي، ولا من المشتغلين بالتجارة، وتكديس الثروات، يحتفظ بمشاعر ودٍّ واحترام نحوي. أنا موضوع بين أقواس من الشك. والحاسدون لي كثيرون. والجميع يتساءلون عن سبب غناي المفاجئ؛ يقولون: هل كنت عمّيلاً للاحتلال؟ أم، هل عثرت على كنز؟ أم أن الحظ حالفني وطلعت لي ليلة قدر… أم أنني أتاجر بالمحرمات والسموم القاتلة؟ أعرف أن العيون تراقبني وأنا أدخل المستوطنات… العيون كثيرة، ولا أستطيع أن أفلت من تقاريرهم التي يكتبونها عني، والتي تقف وراء أزمة الحبر والورق في العالم.. أنا ذكي، هذا ما يشهد به الناس لي، لكن؛ ماذا يجدي الذكاء لرجل مفضوح العورة مثلي؟! صحيح، أنا لست فريد عصري في الفضيحة، لكن، لن يتردد المتورطون في خيانة شرفهم، من إسقاط دونيتهم الأخلاقية، على الحلقة الأضعف من بينهم. هل أنا ضعيف حقاً؟! ربما! لا أحد ممن أطمئن إليهم يحتل مركزاً مرموقاً! هل هناك من أطمئن إليه؟ كلا، ولا حتى نفسي. أجل، رجل يحيا وفي قلبه تتزاحم وتتصارع ضلالاته وأكاذيبه وخداعه وفساده وتاريخه البغيض، لا يطمئن لأحد، ولا حتى إلى نفسه… حاولتُ ترويج كذبة حصول ابني سامي على وظيفة رفيعة في دوائر السلطة، لكن كذبتي تبخرت، نعم، حبل الكذب قصير؛ لا، حبله واهن! ولكنه سلعتنا الرائجة! ولطالما لجأت إليه، لكن، لماذا خذلني خبثي، هذه المرة؟!”.

يرمي أبو سامي إلى “تبييض سمعته”، على طريقة ما يفعله الذين يجمعون أموالاً طائلة، من المتاجرة بمواد غير مشروعة، أو بأساليب محرّمة، عندما، يضعون، ما حازوه من مال، في حسابات مصرفية، يفتحونها، لدى مصارف، تتساهل معهم. يقول لنفسه: “شعبنا متساهل، ونحن الآن في مرحلة يختلط فيها الحابل بالنابل. وكل وشطارته!!”.

وهو يسعى إلى الحصول على “براءة رسمية”. ويعتقد، أن إشاعة خبر ملفّق، عن تعيين ابنه، في وظيفة رفيعة، لدى السلطة الوطنية، سيكون بمثابة “براءة”، وشهادة بالثقة فيه، هو، شخصياً. وحضور مدعويين رسميين كبار، في الحفل الذي أقامه، لهذا الغرض، ولغيره، سيمنحه “المباركة”، وسيدعم موقفه، وسيغسل وساخته، الظاهرة، أمام الناس جميعاً…”لكن الشيطان يتفرغ لمطاردتي وحدي هذه الليلة”، قال بصوت مسموع، وهو يتجه إلى خزانة الخمور في حجرة سماح…

دلق كأساً في جوفه، ونادى بصوت محبط: “لا تتركيني فريسة بين أنياب خيبتي يا حليمة؛ أينك؟!”.

لم تجبه. كانت غارقة في ذاتها السحيقة: “لماذا غادر جدي الأكبر بلاده القديمة، في أفريقيا، قبل مئات السنين؟! هل فعل ذلك مكرهاً؟!. لماذا انقطعنا من جذورنا؟! لماذا  لاتزال تطاردنا، نحن سود البشرة، عيون، تقول لنا: ستبقون عبيداً؟!”.

وفي ذاكرتها المثقلة بالأسى، قفزت صورة الشاب، الذي ارتبطت معه، بقصة حب، من النوع الجدير بتسجيله في تاريخ الفخار الإنساني؛ كانا قد اتفقا على أن يتوجاه بإجراء رسمي، على يد مأذون. ولكن عاصفة هوجاء دمرت أحلامها النورانية: “لن تتزوج عبدة”، قال أهل حبيبها، لابنهم، مسلوب الإرادة…

ارتفع صوت أبو سامي: “ليلي موحش يا حليمة، هل نضب ما لدى الإنسانية من شفقة؟! أتوسل إليك، لا تتركيني وحدي!!”

يعبث الخمر في قنوطه. انفلت منه صوت أجش، يردد كلمات أغنية غرامية خلعت رداء الحياء.

والخمر، والعذابات التي تشرخه، ووجدانه المضطهد، وخبرة عمر شقية، وقلق من مجهول كأنه غول يكاد يداهمه في ليل بهيم يطبق عليه وحيدا، والإحباط، وليل شتوي دافئ، يتراقص فيه شيطان، بين عيني أبي سامي، وقوام امرأة شهية، كان عارياً إلى جواره، مكتنز بالشبق، وصمت يضرم أنفاسه المرتبكة، التي تضاجع نكهة أنثى، لم يمتلكها من قبل؛ كل ذلك، هزم الرجل، الذي رحل السواد من شعر رأسه، منذ دهر… قال بغيظ، وبصوت مسموع: “إنني أعلن أنني استسلمت لضعفي!”.

بخفّة، أغلقت حليمة باب حجرتها، عليها، من الداخل، وقبل أن يقف أمامه، أبو سامي، الذي انفجرت ثورته، وهو يعالج اليد الخارجية لباب حجرتها، ويطرقه بعصبية، ويصيح مثل طفل، نهض من نومه مفزوعاً، حين اكتشف، أن أهله، جميعهم، نسوا إنقاذه، من حريق شب في البيت، وبدأ يلتهم فراشه: “افتحي! ارحمي شيباً تكالبت الوحوش على بقاياه!”. ردت بصوت يرتجف: “لا أستطيع.. دعني وشأني، أنا عذراء، ونذرت أن أصوم عن الرجال حتى الموت!”.

تفاقم هياجه. تراجع خطوات إلى الوراء، وشنّ بظهره، غارة عنيفة على الباب، الذي انهزم أمام هيجان ثور بشري، تمركز العالم لديه، بين نهدي حليمة، وفرجها. لم يملك أبو سامي، المخمور، توازنه، سقط على ظهره، اغتنمت حليمة الموقف، فرّت من الحجرة، إلى حجرة سماح؛ وقبل أن تُحكم إغلاق الباب من الداخل، بالمزلاج، ومع ارتباكها المرتعب، تمكن أبو سامي، من الوصول إليها، والقبض عليها، ودفعها نحو السرير؛ وبعد أن أطبق جسده على جسدها، وفيما كان يحاول التخلص من بنطاله ولباسه الداخلي، استجمعت حليمة قوتها، وأفلتت منه، وفرت، إلى الشرفة، التي فتحتها، وأغلقت بابها المزجج، بسرعة لا تخضع لمقاييس الزمن المتداولة. هبّ خلفها، وفي هياج أعمى، اصطدم بزجاج الباب، فتهشم، وسقط أبو سامي، على بركة دم، تدفق من جبهته، ويديه…

ضمّدت حليمة، على الفور جراحة. وحضن صدرُها رأسه. غفا. ظلت تراقب دقات قلبه.. وشقّت ضجة مؤذني صلاة الفجر سماء غزة المتدثر ببردها الأزلي!!

ودسّت حلمة ثديها بين شفتيه الهرمتين الجافتين، مثل أمٍّ ترضع طفلاً، فقد الشهية للحياة، فتمنحه حياتها..

وكان وجه أبي سامي، لوحة عليلة، ملبّدة بغيوم ثقيلة بعضها فوق بعض، ترسم تجاعيد بؤس يحكي مأساة قديمة متواصلة…

11

حكى، وهو يهذي، في حضن حليمة، عن طفولة فقدت الأمّ، وعن أب كان يفر من سيف الإحباط، المسلط على قلبه، فيقضي نهاراته، يرعى الماشية، منصرفاً عن العناية بأسرة، وقعت ضحية زوجة ثانية، لم تنجب، فصبّت العذاب على أبناء زوجها، صباً.. كان الأب يهرب من البيت، ليستمتع بصحبة كلبة. كانت الكلبة صديقة الأب الذي يواسيه، في حياته التي اعتزل فيها الناس؛ “تطهرا من وساختهم، وزهداً في دار فانية”، كما كان يقول. ولكن عزلته، لم تكن تمنعه من المشاركة في الجهاد ضد عصابات اليهود، قبل هجرة عام 1948. يقول مجايلوه: “كان ذا شكيمة، وكان مخلصاً”.

وبوجع مفزوع، قال أبو سامي: “في فوضى الرعب، ضللت عن أسرتي، خلال هجرتها، عام 1948، طلبا للنجاة، من موت كان يترصدنا”. كانت عيناه، الذابلتان، في لحظة سرقها من غفوته، تتوسلان إلى حليمة، التي دافعت نعاسها، حرصاً على أن تواصل مراقبتها له، وهو، تحت غلاله شاحبة، مضطرب القلب، تمزق الحسرةُ صدرَه، يتنهد حينا، وتخنقه الحشرجاتأحيانا.

في غزة، جابه الطفل المنسلخ عن أهله، بؤساً، مهيناً، ومتشرداً. عاش بلا مأوى. وكان ينافس المطرودين من وطنهم، بمذلة الضائع، على روث بهائم، كان الجائعون يبحثون فيه، عن  شئ، نجا، من طاحونة الحيوانات، مما تأكله من شعير، كان قليل من مواطني قطاع غزة، غير المهاجرين، يملك ترف القدرة على تقديمه لمواشيهم…

قال بسعادة طفل تهدهده أمه: “كانت بهجتي، تتدفق، كما هذا الحب الذي تمنحيه الآن لي، يا حليمة، كلما حالفني الحظ، بالعثور على قليل من شعير الروث!!”.

تحسس ضمادة رأسه بأنامله. جلس قبالة حليمة، مسح جدول الدموع التي تذرفها.

أشرق وجهها بنورانية ملائكية. غامت عيناه بحزنه السحيق: “اغفري لي. أنا ضحية قسوة الضياع الذي تضطهدني وحوشه! أثق انك تمتلكين قلباً مجبولاً من الحب الرباني الذي لا ينضب له معين!”.

ابتسمت عيناها، وشفتاها. وأطرق، وتابع، بحسرة خجولة: “ذات صباح، كانت أنياب الجوع تمضغني. وكنت أقعي، مثل كلب أجرب، بجانب حائط، كان ينذرني أنه لن يمهلني طويلاً، قبل أن يجثم على عظامي المرتعشة. وفجأة، حطت، امرأة عجوز، من إحدى قرى غزة، حملها الثقيل من الجميز، عن رأسها، التي كانت تتجه إلى بيعه، على دور، يسمح ترف أهلها، بدفع ملاليم قليلة، في كميات وافرة منه. توارت المرأة خلف الحائط المتداعي بين شقوقه، ولم تكن قد انتبهت إلى وجودي. تلصصت عليها، ببراءة طفل، لم يكن لديه ما يفعله، غير منازلة تعاسته الرابضة في جوفه الخائر، وفي ذكريات الأهل المقطوع عنهم. جلست تقضي حاجتها، ودون تحفظ. تمرد صخب الجوع في أحشائي، حركني، قصدت سلة الجميز الضخمة، وقفت في حضرتها المهيبة، مثل عابد  وجل. تناولت بعضاً من ثمارها، لاكته أسنان فتية، وضمير مشوش. هل كنت حينئذ، أرتكب جريمتي الأولى؟! برزت في مخيلتي المضطربة، صورة شيخ الكتاتيب، وهو يعلمنا، أن الله، جل جلاله، أمر بقطع يد السارق! هل كنت سارقاً؟! لا أذكر أنه تحدث عن موقف الخليفة عمر من السارقين في عام المجاعة، الذي رفض أن يقطع أياديهم. فزعت، هل يقطعون يدي؟! لا أزال جائعاً؛ هل أواصل أكلي من جميز امرأة عجوز، قد يكون بؤسها، أعتى من بؤسي؟! كانت يدي ترتعش، وهى معلقة بين صدري وبين سلة الجميز. داهمني صوت المرأة، وهي تشتمني من بعيد: “يا أبن الكلب، والله لأذبحك!”. دفعني الرعب منها، ومن درس شيخ الكتاتيب القديم، إلى الاصطدام بالسلة، وأنا أطلق لجسدي الواهن، حريته التي خلقه الله منها… تلقفتني شجرة قريبة من مسرح الحدث، لا أدري ما اسمها، كثيفة الأغصان، شاهقة الهامة، لفني حبها..

كانت السلة ذات الفوهة الواسعة، والقاع الضيق، المخنوقة بفقر العجوز، قد مالت وكما لو كانت تفعل ذلك بتواطؤ مع بؤسي؛ ساح حملها على تراب، نهض هو الآخر، فخالط كل ثمرة، من ثمار عجوز، أخالها ماتت بالسكتة، وهي تتقهقر، من غزة، بخيبتها؛ ولا أزال حتى اللحظة، لا أفهم؛ ما الذي دفع المرأة، إلى أن تعجن حملها، بالتراب، وهي تدوسه بأقدام زلزلتها عصبية بركان، كان ينتظر الانفجار، منذ بدء الخليقة؛ أو: منذ صار الظلام سيد الموقف في الحياة الإنسانية؛ لماذا فعلت ذلك، وكان في مقدورها أن تنقذ من جميزها، شيئا، يقلل من خسارتها الفادحة؟!”.

نظر إلى حليمة، قال بنفس مضرجة بالأسى البعيد: “دموعك أغلى من أن تذرفيها حزناً على رجل مثلي!”.

وانتحب بصمت، فيما كان يتذكر تلك اللحظة، من ليل بهيم، عندما اكتشف أنه يتبع قافلة تتجه، من قريته، وسط فلسطين، إلى الجنوب، لم تكن أسرته بينها.

“هل يعني ضياع طفل، بداية مشروع خيانة؟!”. سأل بصوت خفيض، وهو يطأطأ رأسه.

حظي برعاية القافلة، إلى أن وصلت غزة. “الضياع في دمي؛ هل ورثته يا حليمة؟!”. استدرك:” أبي لم يكن كذلك. هل يضلّ مجاهد؟!”. اغرورقت عيناه بالدموع:” هاجرت أسرتي إلى سوريا. مات والداي ولا أدري شيئاً عن مصير شقيقاتي وأشقائي. لماذا خلق الله اليهود؟!”.

وعاد يتساءل: “لماذا لم يحضر مدعوون كبار إلى الحفل، لماذا لم تحضري أنت أيضا أيتها الفتاة النبيلة؟!”. حدّقت فيه، فقال بنبرة فيها اعتذار: “كان حضورك سيشرفني. لكن، الحمد لله، أنك لم تفعلي ذلك؛ أنت أطهر من أن تشاركي في مثل هذا الحفل”. أطرق، وتابع بمرارة: “وأبي أطهر من أن يكون أبا لضالٍّ فاسق مثلي!”.

“لماذا لم أحاول زيارة أهلي، والالتقاء بهم، طوال السنوات الماضية، منذ صار في مقدوري، أن أتحرك إلى أي مكان في العالم الأجنبي، بفضل ما أملكه من ثروة؟!”. قال، يخاطب حليمة، ويضغط على بطنه الممغوص بحدّة. “هل تستطعين أن تفسري لي، كيف هزمتِ شيطاني يا حليمة؟”؛ أضاف فجأة. وتابع في سريرته: “هل رفضتني لتقدمي في السن؟! كلا؛ نصف شابات غزة، يراودنني عن أنفسهن!  أنا أملك المال، وأملك معه الاستهتار به؛ أملك إغراء كثيرات؛ لماذا لم أستطع إغراء حليمة، التي تقيم مجاناً، في شقتي هذه، والتي أزوِّدها، مع سماح، باحتياجاتها كلها، تقريباً، دون مقابل مادي؟!”. قال لها باحترام يقدمه عابد يتضرع لإله يعبده: “أنت امرأة مقدسة! لماذا لم يخلق الله النساء كلهن مثلك، بجلد أسود وقلب من نور؟!”.

خَلَد إلى الصمت برهة عمّيقة، ثم قال، محدِّثا نفسه: “كنت أرمي إلى تبييض سمعتي بإقامة الحفل، فخاب قصدي. لن أبالي؛ هذه حليمة، منحتني براءة روحية”. رفع صوته: “هل بياض القلوب مُعْدٍ، وسريع الإنتشار؟!”.

إحتضنها بعنفوان عاشق، ضغط رأسها فوق صدره: “يا أمي التي ضاعت مني؛ هل تتزوجينني؟!”.

“أيتها الروح الخالدة، لماذا تلوذين بالصمت.. مثل بدر في صفاء الروح أشرق؛ بدِّدي ظلام نفسي؟!”.

رفع عيناه إلى سقف الحجرة. خفض رأسه. راوده ملاكه على أن يلثم فمها. قمع رغبته؛ قال بعمق: “أنت أشرف النساء، والرجال أيضاً! أجل، المرأة التي انتصرت على حقارتي، هي نداء الله في أرضه!”. لثم يدها؛ انبلج في محيّاها نور الله، كما الأم يرضعها وليدها، ويداعب خيالها، مستقبل تحلم له به. رقص قلبها بهجة؛ قالت بأنوثة دافئة، ريّانة: “الرجل، على صدر المرأة، طفل يستعيد أماً خذلته!”.

صمتت، وتحدثت إلى نفسها: “أودّ أن أجعل صدري ملاذ رجال المعمورة كلهم! لماذا ترتكب النساء جرائم قبيحة، ضد أبنائهن، الرجال، الكبار والصغار؟!”. يزخر قلبها، هذي اللحظة، بحب يسع الغادي والرائح. قالت بروحانية عالية: “بهجة الحب هي الله بيننا وفوقنا”. ومالت إلى أذن طفلها الشيخ، وهمست: “فرج المرأة حوض للأوساخ!”.

 لثم ثديها بجوع مجنون، قال بشجاعة: “سماح ابنتي على الحقيقة لا بالتبني”. خفض صوته، وغمغم: “هل الجنين الذي ينمو في أحشائها، هو ابني أيضاً؟!”

وجه حديثه إلى حليمة: “تمنحني سماح متعة جنسية، مخلوطة بمشاعر لا أعرفها، مع كل من أضاجع من النساء. لديّ رغبة في الوقوف على أسباب ذلك. هل صادفت في دراستك تفسيراً لهذه الحالة؟ تجاربي الجنسية مع سماح عمّيقة، هل يعود ذلك، إلى أن الابنة العشيقة، تتغلغل في كيان الرجل إلى مستويات لا تصلها العلاقات الجنسية بينه وبين عامة النساء؟! أنا أعي، أنني انتهك، مع سماح، المحرمات؛ ولكني في هذه اللحظة، التي أراني حراً من أكاذيبنا، أعترف، ودون إحساس بالذنب، أنني أشعر، عند ممارستي الجنسية مع ابنتي، بزهو وانتصار عظيم؛ كأنني فاتح من مستوى النبي أو الاسكندر المقدوني؛ لا، أنا أكبر منهم، هذا شعوري الذي يخالجني كلما مارست العلاقة الجنسية مع سماح!”.

ملأت الشمس الهادئة، أفق السماء، وقلب أبي سامي معاً. أضاءته بهجة ذابت فيها، سوداوات تراكمت في نفسه. وحملته راحة بكر، إلى نوم حريري، لم ينعم بمثله، منذ كان جنيناً في رحم أمه..

طبعت حليمة، بشغف أموميّ، قبلة على شفتيه. غامت عيناها، وهي تسترجع ذكريات نشوتها، في حضن أب خطفه موت مستهتر، في حادثة دهس، تعرض لها، في إحدى الدول العربية الخليجية، التي كان يعمل بها. ثم انتشى خيالها، بصورة حبيبها عادل؛ ولكنها عادت إلى انقباض، مر على عجل، وهى تستعيد وقوفه، جوار عروسه، يوم زفافه، الذي شاهدته، فيه للمرة الأخيرة. كانت عروس عادل، الذي عارض أهله زواجه من حليمة، صديقة لها.

استعدت للخروج إلى جامعتها. اشتعلت نفسها بالشوق إلى أمها، التي تقيم في الدولة التي قضى أبوها نحبه فيها. هاتفتها. “أود أن أطوي المسافة بيننا، في رمشة عين، وأن أدفن رأسي فوق صدرك يا أمي”؛ قالت حليمة، بنبرة يمتزج فيها الحزن مع الفرح، بينما كانت عيناها شاردتين فوق البحر المترامي أمام نافذتها…

جلست على حافة كرسي مكتب مذاكرتها. دونت: “كانت ليلتي الأخيرة، خضراء”. أغلقت دفتر خواطرها. عادت ففتحته برشاقة، كتبت: “فروج النساء الطاهرات، مزروعة في صدورهن”. وبعد لحظة تأمل، أضافت: “قلوبنا حرية نبدأ منها، ولا تنتهي بنا”.

تسللت بهدوء إلى حجرة سماح، التي كان الرجل يرقد فيها. انحنت لتلثم يد أبي سامي. ابتسم برقة. وقال بحنان أبوي ناعس: “محفظة نقودي في المعطف، خذي منها ما شئت”. وعاد إلى نومه.

دخلت مكتبة الجامعة . طلبت من المشرف عليها أن يساعدها في الوصول إلى كتاب يحمل عنوان: “الحب حريتنا الخضراء”؛ الذي قرأت عنه، في إحدى الصحف، عند صدوره، قبل وقت ليس قصيراً.

اعتذر المشرف، وهو يبتسم لها؛ قال بخجل: “هل نسيت أين نحن؟! ثمّ… هذا اليوم، غير مخصص للطالبات، وغير مسموح لهنّ بدخول المكتبة!”. قالت بصمت: “هذا يوم ذكريّ؛ كلا، كل أيامنا ذكرية!”. تابع المشرف: “الحرية الخضراء، تمارسها المواشي في صحارينا القاحلة، فقط!”.

12

نهضت هند، من فراشها، في وقت مبكر من صباح اليوم التالي لليلة الحفل، بعد سهاد طويل، ومضجر، حرمها النوم.

“اليوم موعدنا، يا سامي، ويا أباه.”؛ قالت بدون صوت، وهي ترتب سراويلها، بعد فروغها من قضاء حاجتها. رشقت وجهها بالماء البارد، على عجل. دخلت في جلبابها الأسود الفضفاض. غطّت رأسها بمنديل أبيض. أعدّت قهوة الصباح لأبيها. لثمت يده، وهي نصف شاردة.

أخذت نساء المخيم مواقعها، يسندن ظهورهن إلى جدران منازلهن، في عادة تبدأ من ساعة اليوم الأولى، مع إشراقة الشمس، وذهاب التلاميذ إلى مدارسهم. وبعدما يكون الرجال، قطعوا الرحلة اليومية، التي يعبرون فيها الحدود الفاصلة بين قطاع غزة، وأراضي فلسطين المحتلة عام 1948… رحلة العمل، رحلة الذلّ والهوان…

وهذا الصباح، كان لدى النسوة، مادة كلامية، مثيرة، ومقلقة: “في الهزيع الأخير من الليلة الماضية، طاردت حارة هند، شاباً تجرأ وقفز من فوق سور، طوله ضامر، يفصل بيته، عن بيت جار له، يخرج قبل الفجر، للعمل في المناطق التي تقوم فيها دولة إسرائيل. قال الشاب لمحقق الشرطة: “أسمع كل ليلة، غنج المرأة جارتي، وأنا عازب، لم أستطع المقاومة إلى الأبد، وليس زوجها وحده هو الرجل!”.

نساء المخيم، كل من مكانها، شكَّلن هيئة محكمة مفتوحة؛ قالت بعضهن: “معذور”؛ وقالت أخريات: “البنات مثل شعر الرأس، لماذا لا يتزوج؟!”.

قال الشاب للمحقق: “أنا ممنوع من العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948؛ ولا واسطة لي، تساعدني للعمل في السلطة”.

لفت نظر هند، خلال سهادها، الليلة الماضية، أن مؤذن المسجد القريب لبيتها، لم يرفع آذان الفجر. كان يطارد الشاب العاطل، الذي أعماه غنج جارته، لزوجها، عن مراعاة حق الجيرة: “هذه تقاليد تلاشت”؛ قال الشاب، للضابط المحقق، الذي صفعه، وشتمه أيضاً: “أنت وقح!”.

لم يفاجئ هند وجود سامي وسماح، النائمين، عند دخولها، إلى استراحة، المكتب الذي تعمل فيه. كانا، لا يزالان عاريين. سامي نائم على ظهره، وسماح على بطنها. قالت هند، في سريرتها، بخبث: “أفطر بسامي، وأتغدَّى بأبيه!”. أضافت، وهي تطرح عنها، غطاء الرأس: “أحتاج إلى وجبة ثالثة!”. تذكرت إمام مسجد أبي سامي؛ سرح خيالها، في مغامرة، مع الرجل الملتحي، الذي أثار شهيتها، بحضوره المختلف، في الحفل، فرمقته بنظرة حولاء، فالتقط الشيخ الستيني، الرسالة بكفاءة. تساءلت هند: “كيف أَجرّه من ذيله؛ هذا الكلب المسعور؟!”. وللتو، التفتت نحو السرير الذي يرقد عليه سامي مع سماح، وقالت، كما لو كانت أنثى أسد، تتربص بالفريسة: “ها أنت قد وقعت في المصيدة أيها القحب. أبوك قحب أيضاً. أنتما تتقاسمان التهام وليمة من فتاتين سوداويتين؛ أنا اللعنة التي صبها الله فوق رأسيكما الشريرين!”.

واستهواها، أن تعرف، لماذا يرغب الرجال في النساء السوداوات؟ قالت في سريرتها: “حتى أبي، الزاهد في الأنوثة، لا يتردد عن إبداء إعجابه بمرأة سوداء، تقيم في حارتنا! ربّاه؛ لماذا لا تأتي هذه المرأة لزيارتنا، إلا عندما تخرج أمي من البيت؟! هل يمارس أبي أيضاً، نفاق الذكورة؟! وهل يعود عشق الرجال البيض البشرة، للنساء السود، إلى ما يربض في أعماق رجالنا، من شعور بالعبودية، يجمعهم، دون وعي، مع النساء السود، اللواتي يعود وجودهن هنا، إلى مرحلة تاريخية، كان فيها السود ضحايا تجارة الرقيق… رجال عبيد، مع نساء عبيد، هكذا تصبح المسألة واضحة… الرجال يسقطون عبوديتهم على نساء كان أسلافهن، إلى وقت قريب، عبيداً!!”.

خلعت حذاءها، وصفعت به باب الحجرة بعصبية. استدارت نحو السرير، وقالت بثقة محارب يعتقد أن النصر معقود له، لا محالة: “أيها الوغد الراقد في خمورك وفي شهواتك السوداء؛ سأجفف هذا الصباح خصيتك، لكي لا تفكر، بعد ذلك،  في امرأة أخرى!”.

تململت سماح لدى شعورها بوجود شخص ثالث في الحجرة. رفعت رأسها المثقل بالنعاس، تصادمت عيناها، مع عيني هند. ابتسمتا معاً، سماح ببراءة؛ وهند، بحقد أنشب أنيابه في صدرها.

نهضت سماح على عجل، وفي وقت قصير، تهيأت للخروج: “يومك سعيد يا هند”؛ قالت ومضت، بعد عناق أنثوي فاتر.

حملقت هند، بشهوة، وبرغبة الانتقام، في قضيب سامي، الذي كان منتصباً، تحت ضغط السوائل، التي تكتظ بها مثانته، مثل صاروخ، يتأهب للانطلاق. راودت هند، فكرة شيطانية: “أرغب في قطعه! ترى، ماذا يساوي، لو فقد قضيبه؟! هل يزيد الرجل عن المرأة، بشيء أكبر من قضيبه؟! هل الرجل يزيد عن المرأة فعلاً؟! أكذوبة سأبددها الآن!”.

خلعت ملابسها. تمددت جوار سامي الذي يغط في نوم كثيف. داعبته بقبلة خفيفة على فمه الفاغر. لم يحس بها، قالت بنعومة مصطنعة: “ما طعم الرز بالحليب الذي تأكله مع الملائكة؟! هل هو ألذ مما تصنعه نساء المخيم لأطفالها؟! تُرى، هل للملائكة أطفال تتبارى في لحس قاع طناجر الرز بالحليب كما يفعل أطفال مخيمنا البائسين؟!”.

لفّت كفها قضيبه، الذي لا زال منتصباً، وهمست: “أفهم الآن، لماذا تحملق نساؤنا في مئذنة المسجد؛ معذورات! الكحول، وغذاء ملكات النحل، والدجاج المشوي، والكافيار، أشياء يسمع عنها رجالهن، ولم يعرفوا مذاقاتها؟! ما أسعدني! هاأنذا، مع رجل من صنف ذكري له قضيب نافر!”. يطوف النعاس برأسها: “لديَّ متسع لذلك، في برودة حجرتي. هذا الوقت للبهجة مع شاب وسيم!”؛ قالت، تخاطب نفسها. أضافت، بصوت ذي نغم ذكريّ: “كلا، اليوم يوم الملحمة!!”.

تتكئ بساعدها على صدره؛ يتململ؛ تهمس بغنج: “ما لدى الملائكة من حليب نفد؛ لن يكون لديها منه اكثر مما لدى هيئات المساعدات الدولية التي تمدنا به… الذي يشتريه أبوك، بثمن بخس ويبيعه، بأضعاف ما يشتريه.. ما رأيك، هل أعدّ لك طبقاً من الرز والحليب، باستخدام حليبك الطازج؟! والرز؟! أتصل بأبيك ليرسل لي شوالا منه؛ أو: أحلبك، من الآن، وحتى يأتي أبوك، عند الظهر، ويُحضر الرز معه؟ ها..ها..ها..؛ هل تسمح لي أن أبدأ؟! كلا؛ لست بحاجة إلى طلب الإذن منك. أنا تحررت من حاجتي إلى الاستئذان من رجل، لأداء عمل ما، منذ أن فضضتَ بكارتي، بوحشية مستهتر ومتعجرف. حتى أبي، لم أعد أستأذنه، عند خروجي من البيت… رباه؛ اغفر لي، نسيت أن أترك لأبي نقوداً ليقضي بها حاجة البيت لهذا اليوم! أنت المسئول عن ذلك، أيها الوغد الراقد في حضن امرأة تجتاحها رغبة شرسة، لذبحك”. تمددت فوقه. تململ قليلاً؛ قال وعيناه مغمضتان: “صباح الخير يا سماح”.

طبعت على عجل، قبلة خفيفة على شفتيه. ضغطت صدرها على صدره. دست ذكره بين فخذيها. أحاطت ذراعاه خصرها، قال بنبرة نعسانة: “أشعر أن بطنك قد ألقت حملها. هل ولدت قبل الأوان؟!”.

“لا يزال الجنين في أيامه الأولى. لا خوف عليه”؛ قالت هند في سريرتها. همست: “جنين؟! هل يغرس هذا المستهتر الشرِّير زرعا مثمرا؟! هل أبقت عربدته النسائية المتواصلة، شيئا من ماء الخصب لديه؟!”. تنهدّت، قالت في سريرتها: “النساء في مثل عمري، ولَدْن دزينة من البنات والبنين”. ضغطت بطنها فوق بطنه. مازال يغمض عينيه. قال باستسلام: “افعلي ما شئت”، وعاد يجدّف في نومه…

راودت هند الرغبة في لثم فمه. دنت منه. تراجعت وهى تقول بتأفف: ” نتن!”. لثمت عنقه، غرست أنيابها فيه. صرخ: “آخ”؛ لم يفتح عينيه، دفع رأسها عنه، بإحدى يديه، وبالأخرى، جذب وسادة، دفن رأسه تحتها. غرست أنيابها في صدره بشراسة. أطلق صيحة تَوَجّع مكتومة من تحت الوسادة. قال بنزق نائم مغيظ: “ماذا دهاك يا سماح، لم اعهد ذلك منك، من قبل؟!”. انفجر شيطان الغيرة فيها، غرست أنيابها بقسوة أشدّ شراسة في بطنه. وبحركة سريعة، دسّت قضيبه في فرجها؛ فكتم صيحة انطلقت منه. كانت بركاناً يقذف حممه، أحاطت عنقه بكفيها، فيما كان هو يضغط الوسادة فوق وجهه. ضغطت على عنقه؛ راودتها الرغبة في خنقه. أرخت كفيها. واصلت معركتها في المنطقة الوسطى. سال ماء غزير منها. دفع يده بكسل إلى ثدييها، قال بضجر: “إنهما أصغر مما كانا قبل!”. قالت في سريرتها، بحنق:”لا تزال تواصل إهانتي أيها الوغد!”. عادت إلى عنفها. قبضت كفُّها قضيبَه بقسوة، أخذت تعلو وتهبط، بحركات مجنونة؛ فلتت من وعيها. أخذ يئن، قال: “لم تكن عانتك خشنة وقصيرة؛ ذبحتيني، ارحميني برب السماء!”. ونهض دفعة واحدة: “أيتها العاهرة”؛ قال باشمئزاز، أضاف: “قحبة وتستطيعين أن تفتكي بمائة رجل في الفراش”. صفعها. هجمت على خصيته، صرخت: “لن تفلت مني أيها الحقير، يا سليل الدعارة”. غرزت أنيابها في قضيبه. صاح بألم. ضغطت كفاه على عنقها. ضغطت كفاها على خصيته. علا صياحه. قال بتوسل:”أنا تحت أمرك!”. “استلق على ظهرك”؛ قالت بحدة آمرة. دلكت قضيبه الذي كان قد ارتخى بقسوة، وعندما استعاد نصف انتصابه، جلست فوقه، ودسته في فرجها، وهي تقبض عليه بعصبية. كان يتلوى من الوجع، ومن الإحساس بمهانة رجل تغتصبه امرأة. نفدت قدرته على الاحتمال. استجمع بقايا ذكورته؛ صفعها بقسوة، دفعها عنه، جلس، لم يترك الفراش. دارت رأسه، هوى مستلقيا من جديد. سامي مهدود الحيل؛ قامت، جلست فوق رأسه، وضعت مؤخرتها فوق أنفه، ثمّ هوت بوجهها فوق قضيبه، وأخذت تمصّه بشبق وحشي ومنتقم. أطلق صيحة استغاثة، وبنبرة محبطة، قال: “رحماك يا حليمة!”. استشاط غضبها. غرزت أنيابها في قضيبه، التفتت إليه بازدراء، وقالت بغيظ حقود: “العبدة القبيحة، قضت ليلة حمراء في حضن أبيك الكلب مثلك”. جذبها من شعرها، وصرخ: “حليمة أطهر منك أيتها الزانية، وابنة الزانية”. ردت: “أنت معتوه. كنت معهما، ولم يخجلا أن يتضاجعا أمامي، طوال الليل!”. قال: “خسئت؛ ما أكذبك!”. أضاف في سريرته: “إذا كانت حليمة ترفضني، فهل تقبل مضاجعة رجل أكبر من أبيها؛ ترى، هل تحبه؟!”. حاول النهوض مرة أخرى. حضنته بذراعين قويين؛ ألقته على ظهره: “لن أدعك تفلت مني، قبل أن ترد لي اعتباري، أو أقتلك من خصيتيك”، قالت بهياج امرأة مذبوحة الكرامة. توسّل إليها أن ترحمه: “ليس بمقدوري أن أفعل شئ، أعدك، أن أمنحك ما تريدين، في وقت لاحق!”. قبضت كفاها، بتصلب ، على قضيبه المرتخي، ضغطت عليه بقسوة، وجذبته، وهى تصيح: “سأقطعه!”. استجمع احتياطي قواه، التي تدّخره قوة الحياة في حساباتنا لديها، فتمنحنا إياه حينما يداهمنا الخطر الشديد؛ دفعها، سقطت عن السرير، نهض بسرعة البرق. لكنه فشل في الإفلات من قبضة كفيها على أسفل ساقه. إرادة الانتقام لدي هند، أسرع من حركة هروب سامي من الحجرة. هوى. سقط فوق المدفأة التي كانت لا تزال مشتعلة. صاح بذعر. أنكمشت من الذعر. انفجرت في نوبة من البكاء والضحك، في حالة من الهستيريا.. وعندما استعادت سيطرتها على نفسها، وكان سامي قد فرّ من المكتب، قالت بصوت منهوك: “ما أجملك يا بهجة الانتقام!” تابعت بنبرة استهزاء: “الغبي؛ نبي الزمن القاحل، يزعم أن للبهجة مصدر واحد، هو الحب! خزعبلات؛ ولو أن الله يهديه، فسيكون أحد أتباعي.. هه،هه.. سأصلي له، عسى ربّتي أن تفتح باب التوبة له، وتقبله في حياضها”. وفيما كانت تدافع هجمة نوم تشتهيه، تذكرت أنها قرأت عن نبي جديد، يتحدث عن العلاقة الجنسية بين الرجل المرأة، حديثة عن التصوف. وقبل أن تهوي إلى قاع النوم، قالت: “إذن، أنا من أتباعك أيها المجدّف في بحر ظلامنا!”.

13

بعد ساعتين من نوم حريري، ظلت محرومة منه، منذ جرى ذبح شقيقتها، قامت هند، بتثاقل؛ لكن، بنفس تخففت من عبء كان يضطهدها ويرهقها. قضت وقتاً ممتعاً، وطويلاً، في بانيو الحمام، بعد أن ملأته بماء دافئ. ثم ارتدت ملابسها كاملة. تزينت بوقار لم يخلُ من إثارة هادئة. كانت تستعد لمجيء أبي سامي، الذي قالت عنه في سريرتها: “إنه دسم، وصيده سهل!”.

يعيش أبو سامي بلا زوجة، منذ انفصل عن أم سامي، بعدما اكتشفت علاقاته مع كل من أم سماح، والخادمة التي كانت تعمل في بيتهما. الأخيرة هي الأربعينية الممتلئة، التي حضرت الحفل، والتي شعرت هند، تجاها، بنفور، من النوع الذي ينشأ بين نساء، يخضن حرباً، للفوز برجل يتنافسن عليه.

منذ لحظة دخول المرأة الأربعينية، الصالة التي أقيم فيها الاحتفال، وهند، تحاول مداراة غيظ، استبدّ بها، تجاه هذه المرأة، التي شغلت بال هند، بقلق، والتي كانت موضع شك، لها، تفاقم لديها، إلى درجة دفعتها لسؤال أبي سامي، عن مغزى نظرات، كانت -الأربعينية الممتلئة والمتبرجة- ترسلها نحوه، بعيون، فيها شبق قديم. وعندما أعرض أبو سامي، عن تلبية رغبة هند، التي أعربت عنها، برعونة، كانت تحاول، أن تلفها بتصنّع عدم المبالاة؛ قالت هند، في سريرتها: “ماذا سيكون غرضها غير الإيقاع به، فريسة في بيت الزوجية؟! فماذا تريد امرأة من رجل في مثل سنه، وله مثل ثروته؟!”. وبإصرار، أضافت: “لن يكون لامرأة سواي! يجب أن أتزوج منه، ليصبح الانتقام من سامي، في مقدوري.. سأجعل من ذاك المستهتر أمثولة يتّعظ بها كل الرجال… تفضّ بكارتي مثل متوحش، وتبصق في وجهي؛ سأذيقك المر أنت وأبيك معاً، أيها الزنديقان اللذان يلوك الناس سيرتكم، بقرف. ولكنني لن أكون مبتذلة، مع أبي سامي، عندما يأتي اليوم. سأجعله يقع في إغرائي، كفتاة محافظة. المستهترون لا يُقدمون على الزواج من نساء مستهترات مثلهم. الرجل العربي، يمنح نفسه الحق في أن يمارس دعارته، مع نساء الأرض كلهن، ولكنه يبحث عن المرأة، التي لم يشمّها أحد! أوغاد، كل الرجال أوغاد! ومغفلون أيضاً! يعيشون على الوهم، وعلى النفاق؛ إنهم واهنون؛ ولن يصمد أقواهم، أمام امرأة. هذا الصباح، مرّغت أنف سامي في وحل كبريائه الزائف! هذا اليوم، سأسحب أباه، من أنفه، ورائي! ومثلما أطلقت ريحي الكريه في وجه ابنه، سأجعل هذا الريح، هواءهما وشرابهما وخبزهما! ستركع أيها العجوز تحت أقدامي؛ ويا ويلك يا سامي، من زوجة أبيك، ستجعل من إذلالك المتواصل، رسالة مقدسة لها! سأستولي على ثروة أبيك كلها، سأطردك من عالمه؛ يليق بك أن تحيا مشرّداً، وأن تعود إلى النقطة التي بدأ أبوك منها، يا سليل الضياع! أبوك، سيدفع كل ما يملك، لإمرأة تملك لساناً رطباً، وقلباً مخادعاً في صدر امرأة تُتقن تمثيل الأدوار! الله أعطى الرجال قساوة النفس، وأعطى المرأة طراوة الصدر. أبو سامي يحتاج إلى طراوة الصدر؛ أما أنت أيها الحقير، فإنك تحتاج كراهيتي، ونار انتقامي”.

تُضمر هند المفجوعة بذبح شقيقتها البريئة، تحدياً عميقا للذكورة. تساءلت في خاطرها: “لماذا يزغرد قلب أبي عندما يتحدث الناس معه، عن غرامياتهم، وعن صولات أبنائه مع الفتيات؟!”.

وتنهض في ذاكرتها المغدورة، الصورة التي لم تفارقها: “أبوها، وأبناؤه، يذبحون شقيقتها”.”لم تكن تُخفي سراً عني!”. تذبحها ذكرى الواقعة، كلما خطرت ببالها، كما لو أنها تقع الآن: “شقيقتي ضحية ثرثرة غير مسئولة، لاكتها ألسنة نساء المخيم!”.

تتذكر هند، بفجيعة، أن شقيقتها المذبوحة، تحدثت معها، عن إعجاب بريئ، بشاب، كانت تسمع عنه، من كلام أشقائها فيما بينهم؛ لكنها لم تكن قد رأته مطلقاً؛ “ألسنة الحارة المتعفنة، نسجت، من خيالها المريض، ومن شهوتها المكبوتة المظلمة، قصة علاقة بين شاب آخر، وبين شقيقتي. لم يكن هذا الآخر، موضوع اهتمام لأية واحدة منا نحن الشقيقات… لكن القصة المزعومة، انتشرت، مثل النار في الهشيم، بعد شجار بين أمي وإحدى قريباتها، لسبب تافه، كانت نتيجته، جريمة بشعة، ارتكبها أبي، بجهل وعنجهية، وذكورة عمّياء ومستبدة”؛ قالت هند في سريرتها أيضاً: “أبي ذبحنا جميعاً، نحن أفراد عائلته. وذبح نفسه. دمه ينزف كل يوم. يمضي نهاره وهو ذاهل عما حوله. منكمش في ذاته، يتحدث باقتضاب، وجفّت شهوة الحياة في عروقه”.

 يعتزل أبوها الناس. يأوي إلى فراشه بعد أداء صلاة العشاء، مباشرة، ويقضي ليله متقلباً، في نار حطبها من شعوره بجرح عمّيق، يتغذى باستمرار، من غمز، يطعن كرامته، ومن حزن أب، يختلط فيه ندم مقموع، مع قلق لا يبرحه.

لملمت هند نفسها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في حجرة استراحة المكتب، وحدقت في صورتها الشاحبة، قالت بنبرة واهنة، ولكنها واثقة: “سأنتقم من الذكور؛ سأذلّك يا سامي، ولن يفلت مني أبوك. وسيكون لفضيلة الإمام نصيبه؛ سأنتقم لروحك الطاهرة، أيتها الذبيحة، يا ضحية تاريخنا الأسود المقرف النكد!”.

توجّه أبو سامي من شقة سماح، إلى مكتب ابنه، مباشرة، فلم يمرّ بمتجره. جلس على الأريكة الكبيرة، في حجرة مكتب سامي، بعد أن استقبلته هند، بحفاوة، وبابتسامة فرشت محيّاها، تقلصت على عجل، لتطوف سحابة قلق، في عينيها، وهى تنظر بثبات، لضيفها، الذي بدا شاحباً، ومهموماً… قالت بنبرة أم ودودة: “سأعد لك كوباً من عصير البرتقال الطازج حالاً”. هرولت إلى المطبخ، ومنه، ارتفع صوتها، بحنان أنثوي: “هل تفضل الليمونادة؟ لدينا أيضاً حليب ونسكافيه، مشروبك المفضل يا عمّي!”. رد بوهن مبتهج: “لم أشرب قهوة الصباح بعد!”.

صنعت فنجانين من القهوة، وقالت وهي تجلس على الطرف الآخر من الأريكة، التي انزاح أبو  سامي، إلى طرفها، ليترك مسافة بينهما: “يبدو عليك الإرهاق؛ لم أعهد هذا منك، عساك بخير!”. وأطبقت جفونها، على لحن تنهيدة رقيقة، مغرية بدعوة شفافة، لدى أسيان، بعوالج تبحث عن صدر طري يرقد عليه رأس، أشقاه الدهر طويلاً… تنهد أبو سامي، قبل أن يرتشف قهوته؛ وفي وقت واحد، انفلتت دموع عيونهما قبل أن تبادر هند، إلى استعادة وجه مبتسم، وقور، ودود؛ قالت، بخبث أنثوي ناعم: “حدِّثني عن ليلتك الأخيرة؛ أطردْ همومك، ابتهج، أنت سيد من سادات البهجة، لك قلب شاب تحت هذا التاج الأبيض، الذي يزين رأسك. أحب أن أطمئن. هل قضيت ليلة دافئة؟ هل منحتك حليمة عاطفة حارة؟!”.

افتعلت ابتسامة عريضة، أظهرت أسنانا مصفوفة بأناقة، على فكين، يدفعان شفتيها، إلى الإعلان المتواصل، عن تأهبهما، للاشتباك، بشبق، مع شفاه ذكرية، جوعي للهيب أنثوي خالد.. وكتمت غيظها، بمهارة محارب، يصمم على تحقيق النصر، في معركة، قررت هند أن تخوضها، بدهاء امرأة، طحنها القهر، والحرمان من الأمن؛ قالت بإلحاح طفولي: “ها… أمتعتك؟!”.

أجاب بوقار: “أشعر أنني ولدت من جديد!”.

قالت بمرح مخادع: “سامحني، ولا تعتبر أنني أتطفل عليك، لكن إخلاصي لك يجعلني أهتم بالرجل الذي منحني فرصة للعمل، وللحياة الكريمة التي تحرص عليها فتاة محافظة مثلي. سيبقى جميلك فوق رأسي؟ وأنا أفتخر بك، فأنت رجل، من قليلين، يمتلكون قلوباً ناصعة. واعترف أن من حقك أن تبتهج. أنت رجل، أنت سيد الرجال. ولماذا خلق الله المرأة؟! صحيح، أنا لا أستطيع أن امنح رجلاً، ما يشتهيه من المرأة، إذا لم تربطني به علاقة شرعية. ولكن رجلاً نبيلاً وكريماً، مثلك، سيجد كثيرات يتمنين تلبية إشارة من خنصر يده اليسرى. تحدّثْ معي بصراحة، اعتبرني صديقتك الصغيرة، أو ابنتك التي يسعدها أن تشاركك سعادتك؛ هذا إذا سمحت لي أن أنال هذا الشرف. وأنا واثقة أن شهامتك، لن تحرمني منه!”.

تخلّص أبو سامي من إرهاق جواني كان يكبل نفسه. ابتسم، وحدق في عيني هند، اللتين تعكرتا بسحابة رقيقة، من حزن، مالبثت أن بددت، فيما هي تدنو من أبي سامي، قليلاً… واصلت:”البهجة حق لك، لقد أتعبتك الأيام طويلاً؛ ماذا تعني الحياة، إذا خلت من البهجة. الناس هنا، يعيشون من أجل الموت. الله خلقنا لنبتهج، الله لم يخلقنا للتعاسة، الله لم يخلقنا لنبقى طوال الحياة، رهائن لموت يداهمنا من كل صوب، الحياة حق لنا، البهجة حق لنا… أنا لا أتفلسف. هذه حكمة نتعلمها من الأطفال، هذا درس البراءة البكر، تفكيرنا المتخلف هو الذي يحرمنا من ممارسة حقنا المطلق في البهجة، ولكن…”. راودتها نفسها أن تلمس يده… كبتت ما فيها. خفضت رأسها، وقالت بنبرة تعكس حرصها عليه: “ولكن، حاذر يا عمّي، أن تجعل منك طيبتُك ضحية لنساء رديئات الصنعة، يفتعلن الاحترام لك، والحب تجاهك، فيما هن يخطِّطن لاستغلالك أو الإيقاع بك. هذا زمن يجب أن نبقى فيه منتبهين لما يدور حولنا. الطيبون أمثالك، أهداف لسهام تطلقها نحوك، قلوب مريضة، يطمعون في مالك الذي جمعته بشق الأنفس. أنت لم تصل إلى وضعك الممتاز إلا بعد أن بذلت جهوداً عظيمة، أفنيت فيها عمرك. استمع إلى نصيحة ابنتك المحبة لك، بدون أغراض، لا تستسلم لإغراءات النساء المتهافتات حولك، أعرف أنك أسد؛ البهجة مع امرأة حق لك، ولكن، تدبّر أمرك جيداً، النساء ناقصات عقل ودين؛ والمرأة العربية تتحيّن الفرص للانتقام من الرجال. والنبي صلى الله عليه وسلم، قال: “المرأة تغلب الكريم ويغلبها اللئيم”، أنت كريم، حاذر أن تُسلم شراع قلبك لامرأة خبيثة. أرجو أن لا تسىء فهمي؛ حليمة مثل حيّة التبن. أنا أفهم النساء من النظرة الأولى، وإحساسي لا يخدعني؛ حليمة تخطط لاستغلال طيبتك. استمتعْ بها، لكن، لا تترك لنفسك أن تنقاد خلفها لأبعد من متعة عابرة. إنها عبدة؛ ولا تستطيع أن تتحرر من أخلاق العبيد. سيد مثلك، يحتاج إلى حرة! أعذرني؛ أنا لا أدسّ أنفي في شئونك الخاصة، هذا ليس من حقي. لكني أشعر أن وفائي لك، يلزمني بتحذيرك من عواقب بذل كرمك لامرأة لا تستحقه. النساء لا تزال تعاني من عقدة الدونية، التي هي وراء سخافاتهن، ووراء حقدهن على السادة مثلك. لماذا لا ترحمك هذه العبدة الحقيرة؟ هل نظرْت إلى وجهك في المرآة؟! هل تستحق منك امرأة لا تثير شهوة رجل، أن ترهقك، الليلَ كله؟ أعرف أن نارها لا تشبع، وأن أرْيَحيَّتك تدفعك إلى احترام إنسانيتها، لكن عليها أن تقدر نبلك، وأن لا تفلت لنفسها حبل نزواتها. إنني أفهمها، تريد أن توقع بك في حفرة إغرائها. سوداء! لديها طاقة جهنمية، وتعرف ولعك بالنساء. تخطط، لأن تمتص شبابك بمفردها، تحيطك بسياجها، هكذا تفعل النساء مع رجل يقع في شباك صيدهن. لا أريد إثارة شجونك، أعرف أنك انفصلت عن زوجتك لأنها أنانية، أرادت سجنك في قفصها المنتن الضيق. هل يمكن سجن رجل أسد مثلك؟! لو كنت زوجي، لظللت مخلصة لك، ولو ضاجعت نساء الأرض كلهن. أنت رجل، الحرية حق لك يا “سي السيد”. يجب أن تتعامل الزوجات بهذا المنطق، وأن يعترفن بحقّ سادتنا الرجال بالحرية المطلقة، بما فيها الحرية الجنسية؛ استغفر الله من كل الشياطين، نحن مسلمون! هل تتزوج المرأة أكثر من رجل في وقت واحد؟! معاذ الله! هل ما يحلّ بنا من سخط الله علينا، جاء من شئ قليل؟! للرجل أن يتزوج من نساء كثيرات، هذا حق فرضه الله له. والرجل لا يشينه أن تكون له عشيقات. العرف الاجتماعي يقبل ذلك. بعض الفقهاء الكبار، جعلوا العرف أحد مصادر التشريع الديني. هذا يؤذي الزوجة، لكن عليها أن تصبر، هل تهدم بيتها وتشرد أبناءها بسبب علاقة بين زوجها وامرأة أخرى. مفكر، نصح بأن يمارس الرجال علاقات جنسية خارج إطار الزوجية، هذا نافع للزوج وللزوجة، يدفع الملل الذي يقتل الروح بينهما. هل هذا ارتكاب لفعل الزنا؟ كلا، الدين واسع ورحيم بنا. الزنا هو الفعل الذي يعاقبنا الشرع عليه إذا ثبت بأربعة شهود صادقين؛ هذا شرط لن يتوفر، هل يوجد في الدنيا أربعة شهود عدول لا يُعرف الكذب عن أي واحد منهم؟! والله لا يوجد بيننا نصف واحد لا يكذب! نحن أمة مجبولة من طينة الكذب! سامحني يا عمّي، أنا استرسلت في الكلام دون قصد، النبي تزوج ثلاث عشرة زوجة، عدا الإماء… محمد وحده من امتنا، من أول بدايتها وحتى نهايتها… هو الرجل الرجل، صلى الله عليه وسلم؛ هل يُعقل أن الزناة، سيتركون أربعة رجال لمشاهدتهم وإثبات الإيلاج بالمعاينة؟! ستقول لي: يثبت الزنا بالاعتراف! هأهأ.. هل مازال بيننا أحد يمتلك ضميراً حياً ليعترف؟ ثم.. النبي قال: إذا ابتليتم فاستتروا! ستقول لي: والخوف من الحمل لامرأة غير متزوجة أو لامرأة زوجها غائب؟! حسناً، لدينا جيش من الأطباء يطحنهم الضجر في عياداتهم، فاغري الأفواه، سيهبُّون لنجدة الحامل إذا طلبت إجهاضها، ولفتاة تخشى انكشاف فض بكارتها ليلة عرسها؛ الحمد لله لا يزال لدينا شهامة إذا كان هناك قبض مال!!”.

احتسى أبو سامي القهوة ببطء شديد. وظل يقبض على الفنجان، ويحملق في رسوماته، بعد أن دلق بقاياه في الطبق الصغير الذي أمسكه بيده الأخرى. كان يمنح نصف سمعه لحديث هند. وانفلت نصف وعيه الآخر، شارداً بين التداخلات الفوضوية، في صفحته الجوانية، التي كان يحاول قراءتها، في الفنجان، فتبدو له الصور مشوشة، ومروّعة، تتناثر في انحناءاتها، أشواك وورود…”هذه حليمة”، قال له خاطره وهو يركز عينه في بقعة من القهوة الملتصقة على الفنجان من داخله.. “هل توافق على الزواج مني؟!”.

لاحظت هند شروده الأسيان. قالت بشعور معجون من حنان أنثويٍّ فطريّ: “أنت بحاجة إلى الأنتعاش، ما رأيك في حمام دافئ يا عمّي؟ سيكون ذلك مفيداً جداً لك. وسيعطيك فرصة لنيل الراحة النفسية، وتستطيع أن تركن بعده للنوم. خلال ذلك، سأكون قد طلبت لك طعام الغداء من المطعم الذي تعوّدت أن تأكل فيه. ماذا تشتهي؟ أم تترك الخيار لي؟ جرِّبني!”.

نظر إليها بامتنان، وبامتثال طفل، همّ بالنهوض. وفجأة، دهم إمام مسجده عليهما؛ قال بتلهف: “عساك بخير يا عمّي! راودني قلق شديد عليك لعدم حضورك إلى المتجر هذا اليوم!”. أكمل عبد السميع، وهو يرمق هند، بنظرة مختلسة، وخاطفة: “خمّنت أنك هنا، جئت للاطمئنان عليك، أنت تعرف أنني احمل لك، وداً عمّيقاً!”؛

عاد عبد السميع، للنظر إلى هند، بعينين شهوانيتين فاجرتين، تفضحان رسالة اِلتياع، كما تفضحان دافعه الحقيقي وراء هذه الزيارة. قال بلحن مفخّم: “كيف حالك يا بنية؟!”. رقّق لحن نبرته وأضاف: “هل سامحتني على ما بدر مني من عصبية تجاهك في زيارتي الأخيرة؟! أعدك أنني لن أفعل ذلك مرة أخرى! سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، أوصانا خيراً بالقوارير!”.

وفيما كان أبو سامي، يتجه صوب الحمام، كانت عينا هند، تصفع قلب الشيخ بلهب إغراء أنثوي تأجّج، وهي تدير إليه ظهرها، وتنحني، لتندفع مؤخرتها، فتكاد يداه تنفلت من وقار كاذب مهزوز، لتقبض عليها، قبل أن تفرّ، وهى تحمل صينية القهوة إلى المطبخ، برشاقة، معجونة بالحذر الأنثوي، القابع في قاع النساء التاريخي..

غاب أبو سامي وراء باب الحمّام. وقبل أن يندفع عبد السميع، نحو المطبخ، قررت هند في خاطرها تعديل خطتها: “إذلال سامي بعد الزواج من أبيه، وإذلال أبي سامي،  بالشيخ!”. وابتسمت، ابتهاجا بهذا التعديل، واتسعت ابتسامتها، والشيخ يصيح: “كوباً من الماء، ليرحمنا الله يا آنسة!”. وقبل أن تملأ كوباً بالماء، وهي لا تزال في المطبخ، كان عبد السميع، يقف قبالتها.. مدّ يداه فأمسك يدها، الممتدة إليه بالماء. قالت برقّة: “حضورك بركة يا مولانا!”. دفع رأسه نحوها، ووضع كوب الماء، على سطح الثلاجة، وحاول لثم فمها، فلفّت عنقها، وهي تهمس: “هل أنت مجنون؟ أنا لستُ منهن!”. أضافت بعيون تحدّق فيه، وترميه بغنج: “الصبر نصف الإيمان يا شيخي!”. وداعبت أناملها لحيته، وهي تقول: “مثيرة!”. تنهّدا معاً.. وانطلق عبد السميع، فغادر المكتب، وهو مشوّش ويحترق، ويحدث نفسه: “امرأة تجيد اللعب! ما أشهى امتلاكها!”.

يعرف الناس عن عبد السميع، انه كان أشهر سارق للحُصر من مساجد غزة، قبل أن تُفرش أرضيتها بالسجاد. وكان عبد السميع، المدفوع بفقره، يُسوّغ عمله، بترديد القول الشائع: “ما يحل للبيت، يحرم على المسجد!”. وذات مرة، سأل إمام مسجد: “هل باب الاجتهاد مفتوح أم مغلق؟!”. أجاب الإمام: “الإسلام دين لكل الأزمان، ولذا، فإن باب الاجتهاد مفتوح”؛ فقال عبد السميع، بثقة فقيه، وهو لم يزل في أول شبابه: “تذكر يا سيدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في حديثه الشريف: الماء والعشب والكلأ، مشاع بين الناس؛ وأنا، عبد السميع، الفقير لله، أجتهد، وأضيف: وحصير المساجد أيضاً!”. وأضاف، بالثقة ذاتها: “ألا تذكر يا مولانا الشيخ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يفرش مسجده بشيء، وأنه، صلوات الله وسلامه عليه، قال: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار! إذن قل لي، من أولى بحصير المساجد، أطفال المسلمين الفقراء، أم نار جهنم التي هي دار المقام للأغنياء؟”.

يروي معارف عبد السميع عنه، أنه انتقل من سرقة حصير المساجد، الذي كان يوزعه على بيوت الفقراء في مخيمات اللاجئين، مجاناً، أو بشيء من الخبز، إلى سرقة الكتب الدينية، من مصاحف القرآن وغيرها، التي تحتويها مكتبات المساجد المتواضعة. وكان يفلسف ذلك بقوله: “المصلّون في المساجد، لا حاجة بهم إلى هذه الكتب، فإنهم بلغوا مستويات الإيمان التي تضمن لهم الفوز برضا الله وجنّته! ولكن الكتب، مطلوبة لأولئك الذين لا زالوا دون بلوغ درجة الإيمان العالية، التي تدفع المسلم إلى أن يترك متاع الدنيا، ويؤدي الصلوات جماعة في المساجد!”. وكان عبد السميع، يوزع الكتب التي يسرقها، مجاناً أيضاً، أو يبيعها إلى تاجر كتب، بثمن بخس، بعد أن يتلقى وعداً منه، مشفوعاً بأغلظ الأيمان، أن يبيعها (التاجر) بثمن منخفض، ليمنح الفقراء، فرصة القراءة، المحرومين منها، لارتفاع أثمان الكتب، إلى مستوى لا يطيقه شعب قطاع غزة الذي تحيا أغلبيته تحت خط الفقر…

يتساءل عارفو عبد السميع: “هل أقلعَ عن فِسقه، بعد أن منحه أبو سامي وظيفة الإشراف على المسجد الذي بناه، الذي يصلى فيه عبد السميع، إماماً، لنفر قليل جداً من روّاده؟!”. لا زال الغمز دائراً حوله، ولا زال يعتقد أنه “مصلح الزمان”؛ وعندما عيّرته زوجته، بقلة عدد المصلين وراءه، رد باعتزاز: “هذه شهادة لي! فإن كرام القوم قلة تتبع أكرمهم!”.

سارعت هند، بالتوجه نحو باب الحمام، الذي خرج منه أبو سامي، يحمل ملابسه التي جاء بها، ويرتدي جلابية كان يحتفظ بها سامي لاستخدامها أوقات الراحة في المكتب. قالت وهي تهوي على ظهر كف يده اليمني، لتقبيلها، وبأدب، ينمّ عنه، انخفاض عينيها، قالت: “استحماماً بهيجاً لك، يا عمّي”. حاول أبو سامي نزع يده من يدها، وهو يقول بنشوة: “البهجة لنا معاً!”. احمرّت وجنتاها، ورفعت كفّه إلى جبهتها، وقالت: “بعد قليل، يكون الغداء جاهزاً”.

تمدد أبو سامي على السرير. واسترجع ما دار في خَلَده، وهو في الرغوة الدافئة، التي استمتع بها، في بانيو الحمام: “الدنيا امرأة مطيعة، ومخلصة!”. وصمت خاطره، لحظات، اجتاح خياله فيها، تاريخٌ مرتبك من علاقاته بالنساء، فبرزت، بقوة، في نفسه، حليمة في  ليلته الأخيرة؛ فأغمض عينيه، وحمله النعاس، فاستغرق في نوم قصير، لكنه عميق ووصله بالمرحلة الجنينية؛ استغرقه بهدوء، إلى أن استيقظ، وصوت هند الناعم، يداعب سمعه، وأناملها، تتسلل بين أنامله، تدعوه إلى تناول الغداء…

دفعت نصف صدر دجاجة في فمه، وهي تقول بأمومة زوجة: “أنت تهمل صحتك، اسمح لي، منذ اليوم، أن أرعاك كما تفعل ابنةٌ لأب خدعته النساء، وانفضضن من حوله!”. قال في خاطره: “هذا ما أحتاجه!”؛ وتساءل عما لو كان في مقدوره، أن يعترف لسماح، بأنها ابنته فعلاً، وأنه يرغب في استردادها، كإبنة، لتشغل في نفسه الفراغ والضياع الناجمين عن فقدانه لامرأة، تنقذ حياته من خراب يدمِّرها!

وفيما كاد يحسم أمره، ويتخذ قراراً بالزواج من هند، كانت الأخيرة، تبالغ في إظهار عنايتها به، بينما هي تحاول إخفاء قلق جواني ينهشها، يعود إلى ذعرها من احتمال حدوث حمل، إثر وقوع الاتصال الجنسي بينها وبين سامي. افتضاح الحمل، إذا وقع، سَيُرديها في حفرة سبقتها شقيقتها الذبيحة إلى مثلها. قالت في نفسها، وهي في زلزلة تقذف الحمم في قلبها: “سأكون الذبيحة الثانية بين شقيقاتي!”. وراودتها نفسها، وهي تزدرد الطعام، بمرارة، أن تلجأ إلى طبيب للكشف عليها؛ ولكنها جفلت من هذه الفكرة، التي قد تعجِّل قتلها؛ فهي لا تثق بأن الطبيب الذي ستلجأ إليه، سيحفظ سرّها، وعلي عادة الناس في غزة، فقد يثرثر بقصتها، بين زملائه، وقد يضخم الحقيقة، فقد يقول إنها حامل بتوأمين، حتى وإن لم تكن حاملاً على الإطلاق؛ وبسرعة الضوء، ستصبح فضيحتها، خبراً يحتل الصدارة، في النشرات التي تذيعها محطات البثّ البشرية في مخيمها ، التي تعمل وفقاً لنظام الإنترنت، الذي يقدم لمستخدميه خدمات إخبارية، مجانية، لا تلتزم بمواعيد محددة؛ قالت في نفسها مستهزئة، متألمة: “نحن الأمة التي سبقت اختراعات الغرب التكنولوجية المتقدمة بقرون عديدة!”. أفلتت منها ابتسامة، ورفعت رأسها الذي كان مطرقاً، وقالت وهي تقهقه بوقار: “قرأت في صحيفة اليوم أن انتخابات ستجري غداً في بلد عربي شقيق. عمّي.. هل سمعت النكتة التي تقول أن مواطناً أمريكياً، كان يفاخر بالتقدم التكنولوجي الذي أحرزته بلاده، والذي يسمح لها، بتحديد نتائج انتخابات الرئيس فيها، بعد ساعتين من إغلاق صناديق إدلاء المواطنين بأصواتهم؛ فرد عليه مواطن عربي، كان يستمع إليه، بقوله: نحن في البلاد العربية، سبقناكم بمراحل: نتائج انتخابات الرئيس عندنا، معلومة لنا، قبل إجرائها!”.

ضحكا معاً. ولكن القلق استفحل بها: “إذا غابت الدورة الشهرية، فإن أمري سيفتضح؛ أمي، بتعليمات صارمة من أبي تراقب بناتها للتأكد من أن سلوكهن يلتزم بمعايير المجتمع وأعرافه ومعتقداته، وأنا منذ خرجت للعمل، أصبحتُ محلّ ريبة تطاردني؛ ألاحظ ذلك في العيون الذكورية من حولي! رباه، ماذا أفعل؟! لابد من زوج، وفي وقت قصير! أما قضية غشاء البكارة المفضوض، فيمكنني معالجتها؛ ليلة الدخلة، أستطيع إحداث جرح بإظفري، في جدار المهبل، ليسيل دمي، باعتباره دم البكارة؛ ومن السهل أن افتعل تألّمي من عملية الفضّ، وأن أضمّ فخذَيَّ، ليظهر فرجي، وكأنه ضيِّق ولم يدخله قضيب رجل من قبل! مشكلتي هي الحمل! هل سأتفادى ذلك، لو اصطنعت أنني مركوبة، وأن جني يعشقني ويضاجعني، وأنني حملت منه؟! صحيح، إن جهلنا نعمة، لكن أبي لا يؤمن بذلك، ولن يكون أمامي فسحة من الوقت، بين افتضاح أمري، وإعلان شيخ أنني وقعت ضحية لتلبس جنيّ لجسدي، وأنني حامل من الجنيّ الذي يعشقني. وما يدريني أن يقودني حظي العاثر إلى شيخ يُضمر العداء للمرأة، فيضحِّي بي، ويرفض الاعتراف بأنني ممسوسة بالجن؟!”.

وقفتْ، خلف أبي سامي، الذي كان يغسل يديه، تحمل منشفة يجفف بها يديه. تناولها منها، بمشاعر اختلطت فيها ذكرياته المرّة مع زوجته السابقة، مع أحلامه المنيرة، وهو يتخيل هند، زوجة جديدة، لها مواصفات يبحث عنها. قال بحياء شاب تزايدت نبضات قلبه: “لم اكن أحيا قبل هذا اليوم!”؟

ردت: “أرجو أن لا تكون هذه مجاملة يقتضيها الموقف!”.

انفتح قلبه لها، وسقط في هواها، فجأة. وقال في نفسه، وهو يراقب رشاقة حركتها، وهي تحمل الفاكهة إليه: “الحياة من غير دفء نسائي، قاحلة إلا من الضياع والعذاب!”.

أسند رأسه على وسادتين أعدتهما له هند، وهو يتمدد على السرير، وقالت بحنان: “لابد أنك بحاجة إلى النوم. سأتركك، بعد أن تتناول هذه التفاحة. يقول المختصون أن تناول تفاحة في اليوم، يغني الإنسان عن زياراته للطبيب. يهمني أن تحافظ على سلامة صحتك يا…”.

تمنى، في هذه اللحظة، أن تقول له: “يا زوجي”. أغمض عينيه، وقرر الارتباط بها، وهو يبدأ في قضم التفاحة المقشرة، قبل أن يستسلم للنوم. ألقت غطاء زاهي الألوان عليه، وقالت بعذوبة: “نوماً بهيجاً لك”؛ وغادرت الاستراحة وأغلقت بابها بهدوء.

اغتال كابوسٌ هناءَ أبي سامي الذي نثرته، في ثنايا نفسه، نكهة الأنوثة المحبة، التي فاحت من طبخة هند. رأى شبحاً مبهماً، يطارده بفأس، وهو يلهث، فاراً منه، يكاد يختنق… نهض مفزوعا من فراشه، خلع الجلابية وارتدي ملابسه وخرج إلى حجرة مكتب سامي. تنحنح، لإشعار هند بوجوده. كانت تستلقي على الأريكة الكبيرة، تعبث بها الهواجس، وتنزف الدموع من عينيها.. هبّت واقفة، وقالت وهي تجاهد غمّها المرسوم بين حاجبيها: “حالاً، سأعد لك القهوة”.

وقبل أن تغادر المكتب، وقفت أمامه، خافضة رأسها، وقالت بأدب: “هل تمنحني يا عمّي شرف القيام  بتهيئة مناخ مناسب لراحتك في البيت، خلال وجودك خارجه”. أضافت بخجل: “أنا لا أشكك في سمو أخلاقك، وإني واثقة أنك تتعامل معي مثل ابنتك، ولكنك تعرف أن الناس تُضمر السوء، ويهمني أن تظل سمعتك، وسمعتي بعدها، نقية كبياض قلبك الطاهر، وأن تبقى سيداً للرجال كما كنت دائماً!”.

أومأ برأسه، وقال ببهجة قلب طفوليّ أستعاد حضن أمّه، بعد أن ضلّ عنها منذ عهود: “هل تمنحيني أنت شرف زيارة أهلك هذا المساء؟”.

ردّت والحياء يصبغ وجنتيها بحمرته: “مجيئك إلى بيتك الصغير فخر لي، ولأسرتي”.

وانطلقت وقلبها يشتعل ببهجة لم تخبرها من قبل. ناداها بصوت يتألق بالنشوة؛ استدارت، فتقدم نحوها، فاشتبكت عيونهما ورقصت روحهما على لحن الأنشودة الربانية الخالدة… كم لبثا وهما يغرِّدان بصمت؟ لا يدريان!

همست بشفتين خالهما أبو سامي قرنفلتين تنثران جمالاً نورانياً معطراً ببهجة الحب: “أمرك يا..”.

دسّ في حقيبتها اليدوية رزمة من الأوراق المالية من فئة المائة شاقل إسرائيلي، وقاوم محاولتها لإعادتها إليه، فانهالت على يده تقبِّلها، وهرولت خارجة صوب السوق؛ فاشترت فستاناً سماوياً، أنيقاً وقورا، وشبشباً أحمر، وطقمين للقهوة التركية والقهوة النسكافيه، وثالث للمشروبات الباردة، ومعالق وشُوَك وصواني وأطباق، وفاكهة وحلوى، وقهوة بأنواعها، وحليبا، وتسالي، ومنفضة سجائر، وأشياء أخرى من لوازم الضيافة، وتذكّرت، قبل ركوب سيارة الأجرة التي ستنقلها إلى مخيمها، أنها نسيت شراء ورود، وفازة لها؛ فشقّت شوارع غزة، تبحث عن ورود، تليق بفرحتها، ولم تأبه بما سيكلفها ذلك من مال. تريد باقة كبيرة، محمولة في سلة بلون الذهب، من أزهار جميلة، فوّاحة العطر، لتحضن رائحتها الزكية، مخيمها بكامله… قالت لنفسها: “هذا يوم انتصاري الأكبر!”. وتذكرت شقيقتها المذبوحة؛ وظلّت صورتها، تصرخ في وجدانها، حتى وصلت بيتها. حضنت أمها، بكت على صدرها، زفّت هند لأمها، خبر عزم أبي سامي، على خطبتها. بكت هند وأمها، بكاء اختلطت فيه فرحتيهما، بحزن عمّيق، وذبح لا يغادر ماء ولا هواء عائلة هند كلها. “سيأتي هذا المساء، ليطلب يدي من أبي”؛ فالت هند وهي تمسح دموع أمها.

14

بعد مغادرة هند للمكتب، انكفأ أبو سامي، على صمت انطفأت فيه بهجته. ماضيه ذكريات سوداء تنهش حاضره… غاب في الشرود. صرخت جوّاه طفلة سوداء تستغيث. استعاد وعيه المشوش. سأل نفسه: “هل قراري بالزواج من هند يعود إلى ما بذلته لي من عناية واحترام ينتشي به الرجل العربي ، كما لو كانت زوجتي المتفانية في خدمتي، وأُمي الرؤوم أيضا؟! هل قراري صائب، أم هو قرار عجول، لن يصمد أمام الحقائق، التي يخفيها الرجال والنساء، بعضهم عن بعض؛ ولكنها لا تخجل في نهاية المطاف، من الخروج من الحصار المؤقت المفروض عليها؟!”.

” الخروج من الحصار؟!”؛ هذا ما يبحث عنه أبو سامي: “هل يحررني الزواج من هند، من كوابيس حياتي التي تضطهدني؟ أم سيكون هذا الزواج كابوساً جديداً، في حياتي أنا المنفلت الضائع؟ المرأة سجن يخنقنا؛ وحياتنا نصفان: نصف أول نقضيه، ونحن نسعى إلى الوقوع في شرك المعتقل الزواجي، ونصف آخر يقتلنا، ونحن نجاهد للتحرر منه! وأنا المحاصر في كل السجون، أبحث عن حريتي في سجن امرأة فلسطينية، ضيّق وعقيم؟! هل أواصل المشوار مع هند، أم أخذل بهجتها، مثلما يفعل كثيرون هنا؟ّ!،

هند، أيضا، تخشى الخذلان. سألتها إحدى شقيقاتها: “هل تعتقدين أن جادّ يا هند؟”. أجابت هند وهي بين النشوة والشرود: “أظنّه كذلك. قرأت صدقه في عينيه!”. الشقيقة في شكّ من الأمر: “كثيرا ما نقرأ ما نرى، بأوهامنا!”. انتقلت عدوى الشكّ إلى هند. قالت في سريرتها: “العادة هنا، أن ننسى وعودنا، في اللحظةذاتها، التي ننتهي من النطق بها”.

قام أبو سامي إلى المطبخ. صنع فنجانا من القهوة. شرد في ضياعه، إلى مدى موغل في إحباطه، فاق منه، على صوت عنيف، أطلقته ريح تشقّها طائرة حربية اسرائيلية، تنفّذ غارة، اغتالت صبْية كانوا يلهون. فارت القهوة وفارت نار سيئاته. طفحت القهوة فأطفأت نار الموقد؛ فقال لنفسه: “هل تطفئ هند، ناري؟! أَمْ تشحن بطارية ضياعي، فتتأجج النار التي لا تزال تحرقني منذ أوائل عمري؟! شتتني الأيام، فهل تلمّ هند أشلائي؟! أم تُبعثر رمادي بين جحور امرأة تخنق حرية الذكورة؟! أنا بحاجة إلى امرأة تحبني مثل أمي، حملت عبء وجودي، أسلمني حُبها لفضاء الحرية!”. ارتشف قهوته المرّة، واصل حديثه مع نفسه: “الزوجة امرأة تُحبّك طالما أنت عجينة تعبث حريتها بها. الحبّ حرية، ولكنه في عقول نسائنا، شهوة تملّك قاتل. شعار النساء عندنا: أنتَ لي، أو: الموت لك! هل يختار العاقل موتَه؟! أأختار موتي؟! أأنا حيّ؟ هل يملك الحياة رجل يفقد الروح؟! أنا بلا روح! هل تمنحني هند الحبّ فتنفخ الروح في جسدي الخائر؟! رحماك ربي؛ اهدني!!”.

هاتف أبو سامي، استشاريا نفسيا. عرض ما يجول في نفسه، ثم سأل: “اصدقني النُصح!”. “أخرج من قمقم ظلامتك”؛ قال المستشار.

-“سيدي الدكتور، هل تعني أن قراري بالزواج من هند صائب؟!”.

-“من حقك، ومن واجبك، أن تفكر مليّاً، وبهدوء، قبل أن تتخذ أي قرار، خاصة إذا كان بأهمية هذا القرار المتعلق بالزواج. ولكن، عندما تحدد موقفك، لا تتردد لحظة في التنفيذ؛ هكذا تخرج من أزمتك، لا يستطيع أحد، أن يخرج منها بالنيابة عنك. أنا أستطيع أن أساعدك في الوصول إلى قرار، لكنني، لن أتّخذ قرارا بشأنك. اتخاذ القرار، وتنفيذه، شأنك أنت”.

-“أشعر بالتردد. وهذا  يصيبني بالشلل. أنا تاجر؛ جبان في اتخاذ القرارات الهامة، وتنقسم ذاتي بين خانتيّ الربح والخسارة. ارجوك، ساعدني!”.

-“القرار مغامرة، وكل قرار ينطوي على احتمالات الربح والخسارة؛ هناك خيار واحد فقط، أكبر من أن يندرج في خانة الخسارة: الحبّ النوراني. هل عرفته؟ قد يكون ما مرّ بك، قد حجب عنك هذه النعمة الكبرى. أنت بحاجة شديدة وعاجلة للتحرر من ماضيك. الماضي يسجنك في ظلاماتك. هذا داؤك. الحبّ دواؤك!”.

“الحبّ!!”. صمت أبو سامي. وقفز في الهواء، ثمّ دار حول نفسه، كما لو كان في حالة تشبه انجذاب المتصوفين، رددّ ما قالَته رابعة العدوية، وما غنّته المطربة أم كلثوم: “أحبّكَ حبّين، حبّ الهوى وحبّا لأنكَ أهل لذاكا”.

قال الدكتور: “الحبّ يحرّرنا ويطهّرنا”. صاح أبو سامي بعفويةطفولية:”أحبّكِ ياهند!”. قال الدكتور: “أهنِّؤك! أنت الآن في درب الخلاص”. تابع: الحبّ يمنحنا الحرية، وحرية الحبّ هي المُخلِّص. ها أنت تمحو خطاياك كلها”. يعرف الدكتور تاريخ أبي سامي بتفاصيله.  أضاف: ” المحبّون هم الأحرار، والأحرار هم الأخيار يا صديقي! ها أنتَ ولجت المطْهر. ها أنتَ بدأتَ معراجَك نحو عرش. يا محمود سامي، بدأتَ تطَهرك، فانطلق، ربّة بهجة الحبّ تحفظك وترعاك والنّور  يشعّ منك وفيك وحولك!”.

يشترك أبو سامي، مع عائلة هند، في الانتماء إلى قرية واحدة في فلسطين.

وحين انتهى حديثه الهاتفي، مع مستشاره النفسي الروحي، ارتسمت في ذاكرته، بجلاء وحيوية، مأساة ضياعه، في رحلة هجرته إلى غزة، عندما انفصل، في كثافة الظلام والهلع، ونيران الحرب، عن أمه وأبيه. وفي رحلة هروبه وضياعه، ظلّ يحظى برعاية أهل قريته، الهاربين من الموت أيضا، إلى أن وصل غزة،. لكنه فقد الرعاية والحبّ والحنان والاحترام، من ناس سلبتهم ضغوط التعاسة، مشاعر اتتعاطف، بعد أن نضبت موارد الحياة الأساسية، واشتدت الضائقة على المهجَّرين رُغما عنهم.

محمود سامي، مزروع في المأساة، عانى قساوتها، وأدمى شوكُها حَلقه، كما هو حال أبناء قريته، وحال شعبه كلِّه. قال له أبو هند: “نحن ضحايا أبشع جريمة في التاريخ الإنساني. أبو هند، معلِّم تاريخ.

كان أبو سامي يعرف أن عائلة هند، من قريته. ويخمّن، أن هند سليلة أصول، كانت من بين من منحوه الرعاية، بعدما فقد أهله، خلال رحلة الضياع الهارب من الموت.

“لعلّ هذا، يفسر اندفاعك العجول، نحو الزواج من هند”؛ قال مستشاره النفسي.  أضاف: “رغبتك يا أبا سامي بمصاهرة عائلة هند، تكشف حاجتك الملّحة، لاستعادة أحضان ضمّتك، في شدّة هلعك من فقدان الأهل وتهديد الموت. أنت تندفع، من لاوعيك نحو استعادة امتلاكك إلى ما فقدته من رعاية وحب وحنان واحترام”.

يحثّ أبا سامي، شعور بالحاجة إلى استعادة اندماجه في حالة، انخلع منها، عندما سلك طريق الأشرار. تكبر في نفسه، الرغبة الجامحة، للتصالح مع مجتمعه.

فسَق أبو سامي عن معايير الجماعة التي منحته رعايتها في ذروة أزمة نفسية. لم يتجه فسقه، اتجاها إصلاحياً، كما يفعل فاسق روحي. وانحرف، عن خط الشرف الوطني. وتعاون مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. ووقف وراء نجاح جهاز أمن للعدو، في إلقاء القبض على أعضاء شبكة مقاومة وطنية هامة. وهو لا يزال، حتى هذه اللحظة، يدير عمليات ترويج سلع تموينية إسرائيلية، في سوق غزة، غير صالحة للاستخدام البشري، وذلك بالتعاون مع مستوطنات اليهود التي لا تزال مقامة في قطاع غزة (وفي الضفة الغربية)، رغم قيام السلطة الوطنية فيهما. قال له مستشاره الروحي، الذي هاتفه أبو سامي، قبل توجهه إلى خطبة هند مباشرة: “تعاونك مع الأعداء، المسئولين عن ارتكاب جريمة خروجك من قريتك، وضياعك عن أهلك، وأنت طفل، مما أفقدك حقك الأساسي في الأمن، والحرية، والبهجة، وهي مسائل فطرية، حفرت في أعماق نفسك، وفي غياب رعاية روحية؛ أخاديد مظلمة، وفّرت بيئة لافتراس الشيطان لك، والذي تهاجمك كوابيسه، في صحوك ونومك”, ردّ طارق أبواب التوبة: “نعم، أنياب كوابيسي تنهش قلبي!”.

حكى أبو سامي، لدى زيارة قام بها لعيادة مستشاره النفسي الروحي: “اقتحم ابني، ذات مساء، خلوتي، التي آوي إليها، في مزرعة، اشتريتها، من مال جائني من سبل غير مشروعة، منها ما تقاضيته، مقابل تعاوني مع أجهزة الأمن الإسرائيلي، لتنفيذ عملية للقبض على مجاهدين، نفّذوا عملية عسكرية جريئة وناجحة، ضد اسرائيليين، في موقع قريب من قريتي التي هاجرت منها عام 1948. كنت شارداً بين أنياب رعب يفترسني. وكانت نفسي مشدودة إلى النجوم المتلألئة، في سماء ربيعية صافية. أفزع الرعبُ المحفور في وجهي، ابني سامي. خالني في خطر لا منجاة منه. صرخ في هلع: أبي، ما بك! انتفضتُ في ذعر مجنون. انقضضت على ابني؛ تفلَّت مني، نزفت من عينيّ، ومن قلبي معاً، دموعاً حارقة، حملتني إلى بطن إغماءة، صحوت منها، على صوت مؤذن صلاة الفجر، الذي تسلل إلى عزلتي، من مسجد، أظن أنه مسجد مخيم، شبيه بالمخيم الذي تقيم عائلة هند فيه!”.

“استنهضتكَ الروح فلا تخذلها، أيها الصالح في قلبك!”. قال المعالج، وهو يضغط بحنو على كف أبي سامي، وبحبٍّ مبتهج يسري من يده، ويضئ في عينيه…

15

تعاني عائلة هند، من ضراوة الفقر، منذ أن دفعت ثمناً باهظاً، لإيمان الأب، بما كان يلقنه لتلاميذه، من أن اليهود، الذين احتلوا فلسطين، هم أفْجر وأجهل وأظلم وأضّ وأفسد مجرمي التاريخ الإنساني كله.

ولم تحظ عائلة هند، بحياة باذخة، طوال عمرها، مثل تلك التي يحياها أبو سامي، منذ حدوث الانقلاب الفجائي له، بعد أن ترك مهنة مسح الأحذية التي كان يعتاش منها. ولم يسعف المرتب، الذي كان يتقاضاه، أبو هند، على توفير الرفاهية لأسرة يكتظ بها هواء بيتها الضيق. ولكن مرتب العائل كان كافياً لتوفير معاش الأسرة، المحاذي لخط الفقر، وفقاً لمستوى الدخل العام المنخفض في قطاع غزة، البائس.

تآمرت السلطات الإسرائيلية المحتلة في قطاع غزة، على مدرس التاريخ، في مدرسة لوكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين. لم تواجهه باتهام مباشر، مسبب بما يدافع عنه من معتقدات وطنية، بوسيلة التعبير عن الرأي، الذي تضمن التشريعات العالمية، حق الناس في اللجوء إليها. فالإسرائيليون، كان أبو هند، يقول لتلامذته: “يزعمون أنهم واحة الديمقراطية في غابة الدكتاتورية العربية، ولكنهم في الواقع، أعداء شرسون لحرية الإنسان!”. قال أيضاً: “الديمقراطية عقيدة سياسية ترتكز إلى الأخلاق المؤمنة، بحق الإنسان، كل إنسان، في الكرامة والأمن والبهجة. والإسرائيليون، يعتدون على هذه الأخلاق منذ حرب الإبادة الجماعية، التي مارسوها ضد مواطني فلسطين، التي أرغمت الأهالي الشرعيين، للأرض الفلسطينية (التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني، حتى قيام دولة إسرائيل) على الفرار من ديارهم، والعيش في ظروف لاإنسانية. ستبقى إسرائيل وصمة عار في جبين تاريخ الأخلاق الإنسانية، تمارس هجمتها ضد الحقوق الفطرية للإنسان: حق الحرية والأمن والكرامة والحب والبهجة في وطنه التاريخي المستقل من أي احتلال أجنبي مغتصب لأية ذرة من ترابه”.

أبو هند، ردد الفقرة الأخيرة بثقة أغاظت الحاضرين، بما فيهم محامي الدفاع الإسرائيلي عنه، في محاكمته التي عقدها الاحتلال له، بعد القبض عليه بتهمة حيازة مواد ناسفة في بيته؛ كان عملاء للاحتلال، قد أسقطوها، في الظلام الدامس، من فوق الجدار المنخفض للبيت، قبل أن يداهمه المحتلون، ويقتادوا أبا هند، الذي كان يصرخ في وجوههم، وهم يكبلون يديه: “هذه مكيدة حقيرة، مثل حقارتكم، أيها الأنجاس!”.

انزنقت سيارة أبي سامي، في الشارع الذي إنزنقت فيه قبل سنوات، سيارة المحتلين الإسرائيليين، التي حملت أبا هند، إلى معتقل قضى فيه فترة طويلة، والذي خرج منه، أشد صلابة، في موقفه، تجاه إسرائيل؛ الذي يصفه، بأنه موقف أخلاقي، والذي يدعمه، برأي شيخ المؤرخين، وفيلسوفهم، أرنولد توينبي، البريطاني، صاحب الكتاب الشهير: “دراسة في التاريخ”، والذي يذهب توينبي فيه، إلى أن دولة إسرائيل، ظاهرة مضادة لمنطق التاريخ، وان مصيرها إلى الزوال. ويؤمن أبو هند، أيضاً، بتفسير فلسفي، يقول إن إسرائيل، تجسيد لعقيدة الغيتو، التي هيمنت على الوجدان التاريخي لليهود، والتي تعكس إنغلاقاً نفسياً، يترجموه، بعداء مضمر للإنسانية، يمارسوه بالفعل، ضد شعب فلسطين الأعزل. ولازال أبو هند، يعلن إيمانه بمعتقداته؛ ويقول: إن إبرام اتفاقيات فلسطينية إسرائيلية للتمهيد لإحلال سلام، على قاعدة الاعتراف بحق إسرائيل الشرعي في الوجود، والأمن، لا تلزمه بالتراجع عما يرى أنه موقف عقلاني إنساني منفتح، يرفض الاعتراف بشرعية عدوان على حق التاريخ في التقدم الأخلاقي، والتحرر من فكر منغلق وأسود ورجعي، مثل الفكر الذي تبنته الحركة الصهيونية، ولا تزال تتبناه، في الجوهر، دولة إسرائيل.

لم يسمح ضيق شارع بيت عائلة هند، لأبي سامي، أن يفتح باب سيارته للنزول منها. ولتفادي ذلك، أوقف السيارة، بحيث يوازي بابها، الأمامي، الأيسر، باب بيت عائلة هند، المفتوح، لاستخدام فضاء الحوش الداخلي للبيت، مجالاً لحركة باب السيارة، التي أثار مجيئها، دهشة أهالي حارة هند، خاصة النسوة، اللواتي تهامسن، من فوق الأسوار المشتركة لبيوتهن، يتساءلن، عن معنى حضور رجل، إلى بيت أبي هند بهذه السيارة التي تشي بثرائه، والذي هبط، بحياء، يحمل باقة ورد، كبيرة،وعدداً من أكياس، وصناديق، وددن لو يعرفن ما بها.

قال أبو سامي، وهو يصافح والد هند: “لماذا شارعكم ضيق لهذا الحد؟!”. رد أبو هند، وهو يرحب بضيفه: “الواقع أن سيارتك لم تصنع لدخول مثل شارعنا الذي يعد واسعاً بالقياس إلى شوارع أخرى كثيرة في المخيم، ضيقة إلى درجة لا تسمع بعبور إثنين، يسيران جنباً إلى جنب، فيها. الحمد لله، نحن محظوظون. أهلاً وسهلاً. تفضل، أنت في بيتك، وبين أهلك!!”.

مجاملاً ضيفه، وهو يدعوه للجلوس، اعتذر أبو هند، عن تواضع بيته، وتواضع أثاثه. وقال بافتخار جاهد أن لا يظهر في نبرة صوته: “أنا أحد أهالي هذه الحارة التي لا تزال تحتفظ بالطابع القديم للمخيمات. صحيح، إن كثيرين من سكانها، يستطيعون هدم بيوتهم القديمة. وبناء أخرى، بالحديد المسلح،خاصة أولئك الذي يعملون في المناطق المحتلة عام 1948، أو في المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1967، ولكنهم، لسبب ما، لم يتخلوا عن بيوتهم التعيسة؛ قد يكون ذلك، من باب الوفاء للمرارة، وقد يكون من باب الوفاء للأمل، الذي راودنا بالرجوع إلى الديار التي هاجرنا منها عام 1948”.

واصل والد هند، حديثه، وأبو سامي يصغي له بشرود: “أما أنا، فإن وضعي المالي لا يسمح لي، بالتفكير في الخروج مما أنا فيه. إسرائيل لن تمنحني إذنا للعمل في المناطق التي احتلتها عام 1948، ولن تمنح أحداً من أبنائي أيضاً، هذا إذا قررت، أن أتراجع عن موقفي الذي يرفض مبدأ العمل بهذا التصريح. كيف أعمل على تقوية اقتصاد عدوي أو أشارك في بناء مستوطناته؟! كيف أعمل مثل عبد، لدى محتل لأرضي. ولن أضع نفسي في موقف مهين، ويومياً، وأنا اعبر من معبر بيت حانون (إيريز)، أو، من بوابات المستوطنات. الجوع كافر!؛ أوافق؛ ولكن خيانة المبدأ، كفر أشد. الحمد لله، الله ساترها معنا، والذي يرضى بالقليل، يبارك له الله فيه!”.

كانت كلمات والد هند، خنجراً يذبح شرايين ضيفه، جملة واحدة. “مصاهرتي له تطهرني. إنه رجل شريف. ما يقوله قاس، لكن الله جعل عذابه قاسياً ليطهر التائبين في الدنيا، وجعله أقسى في الآخرة، ليطهر المسلمين الذين يموتون وهم على فسقهم. الحمد لله، الذي منحنني فرصة للتوبة على يدي والد هند”؛ قال أبو سامي في داخله.

أطرق الرجلان، في لحظة مشتركة. تجدد في نفس والد هند، شقاؤها. الذي لم يبرحها، منذ ذبح ابنته الكبرى. ولدى أبي سامي، فإن هذا العمل، يضيف إلى رصيد الاحترام، الذي خطيت به عائلة المذبوحة، مقداراً كبيراً، يفي، بالحاجة النفسية، التي يؤرق فقدانها، مشاعره:”الزواج من فتاة، هو زواج من رصيد عائلتها”؛ قال في خاطره؛ وأضاف: “سيخفف هذا عني عذاب الضمير الذي لازمني منذ ذبح والدة سماح؛ فالشرفاء مثل والد هند، يذبحون النساء أيضاً، على خلفية شرف العائلة”. وابتسم، لكنه تنهد واغمض عينيه، وهو يستعيد صورة والدة سماح، في ليلة اجتماعه بها للمرة الأولى:

“استسلمت لنزوتي دون مقاومة. منحتني إحساساً برجولة كانت تخذلني وأنا أختبئ من مطاردة ملثمين لي، كانوا يلاحقونني للثأر مني عن سلوك مشبوه لي.. اقتحمت سياج مزرعة نائية، كانت عائلة أم سماح تقيم فيها. كان البرد قاسيا والليل مهجورا من الطمأنينة، في زريبة مواش لا تغلفها الأكاذيب، التي لا يرتكب إثم الإصرار عليها، من الأحياء أحد غير نبي البشر. كانت الزريبة تعج بنكهة الطبيعة الجنسية، التي تخلص الحيوانات لبراءتها. اقتربت أم سماح، مني، ارتعدتُ من الهلع، وهي تلمس ظهري من خلفي. استدرت إليها بعد الاطمئنان إلى رقة صوتها، ودفئه. ارتميت عليها بدافع لم أتبينه، شممت رائحة أيقظت في ضياعي فجر طفولتي. حضنتها بعنف رجل يتشبث بالحياة، في لحظات خال أنها الأخيرة من عمره المهدر. سقطت على الأرض، وانتثر الطعام الذي كانت تحمله لي، في شقوق الظلام الدامس، الذي لم أتبين منه غير أسنانها البيضاء. وقعت على فمها مثل صاعقة. كان جسدها طرياً ومشتعلا، وكان لهاثها تحت قبضة شفتيّ الحديدية، ناراً زادت حريقي، الذي هدأ، بعد دفق خالط الدم النازف من بكارتها.. بكت بصوت كانت تخنقه، واستلقيت أنا على ظهري، تشملني بهجة ربانية لم أذق طعمها، لا من قبل ولا من بعد!”.

وفي  الطريق من عيادة الدكتور الروحي إلى بيت عائلة هند، استفحل لدى أبي سامي، الشعور بعذاب الضمير، وساءل نفسه: “هل تنقذني هند من شقائي المزمن؟ هل تنقذني من اضطهاد الشياطين لي؟ هل ترأف بي، وتعفو عني أنا القاتل، وهل تعفو عن أبيها؟ هل يسع صدرها جرائمي كلها؟ فإذا كان ما مضى مني، شيئاً يمكن نسيانه، فكيف تنسى لي، جريمة تحمل اسم سماح، لا زالت دماؤها تغلى على سكين تذبحني وتذبح معي ابنتي التي لا أجرؤ على الاعتراف لها بذلك؟! هل أستطيع أن أواجه سماح، باعترافي بحقيقة علاقتي بها، وبحقيقة مؤامرتي على أمها، التي شاركتني فيها خادمتي، التي أجهضت، بدورها، حملاً من علاقتها معي؟! هل أستطيع أن أواجه هند بحقيقة سماح، التي يفضحها بطنها، وأن أقول، إن والد جنينها هو أنا؟ هل تحررني مصاهرة والد هند، الشريف بفقره، وبمعتقداته، وبسلوكه، من العار الذي يلفني ويحشوني؟! هل تكفي مياه المعمورة كلها لتنظيفي من دمي النجس؟! هل كنت سأتطهر، لو أن أطفال الانتفاضة رجموني، بكل حجارة فلسطين؟! هل يطهرني حبك يا هند، يا وطني المفقود؟!”.

وقف، يواجه البحر المضطرم، ومضى يحدث نفسه: “ما أوقحني! أحمل خطايا أهل الأرض على كاهلي، واذهب لأمد يد قاتل غادر نجس، لتصافح رجلاً طاهراً وصادقاً، واطلب مصاهرته! أنا أستحق أن أُلقي بنفسي في بطون حيتانك يا بحر غزة، لعل رحمة الله الواسعة، تنقي روحي من دمي النتن، المتخثر في قلبي الفاسد؟! ألا تخجل أيها المنافق الكاذب الخائن المارق، الملعون على كل لسان، أن تطرق أبواب الشرفاء وأن تدخل بيوتهم الكريمة؟! أأعود؟! أريد أن أتطهر! والد هند كريم لن يغلق في وجهي طريق الله، الكريم الأعظم، الذي لا يرد تائباً، وقف ببابه! اغفر لي، يا رب! أريد أن أبدأ من جديد، لا تخذلني، يا ذا الرحمة الواسعة!! وانقذني من رداءة سمعتي التي تجعل حياتي علقماً؛ فهل يا هند، أنت خلاصي؟!”.

الترحاب العفوي، الذي حظي به أبو سامي، في منزل عائلة هند، أطلق لديه، مشاعر متحررة، مبتهجة، أضاءت داخله،وتساءل بتفاؤل: “هل وجدت أهلاً؟!”.

جلس دون تحفظ، على الفراش المتواضع، المطروح بنظام مريح، فوق حصيرة، تشي بأنها تعود إلى سنوات قديمة، وأسند ظهره، إلى الحائط الذي يبكي بصمت، من رطوبة برد تنهش مساحات كبيرة منه. صافح أشقاء هند، الذين جاءوا للترحيب به، بحماس شباب، والذين أصروا على أن لا يقوم لهم، لمصافحتهم. رددوا كلمات احترام وود.

بحلق، في لحظة شرود طارئة، في سقف ينذر، بأن الضجر استفحل به، وأنه على وشك الانتحار؛ فارتد إلى شروخه، وغاص في ذكرى قديمة، انتشلته هند منها، وهي تلقي التحية، وتحمل، بحياء، صينية القهوة.  اتجهت نحوه. حدق كل منهما إلى عيني الآخر، والأب والأشقاء، خافضي الرؤوس، صامتين. قالت بما يشبه الهمس: “أهلا بك”، وخرجت مسرعة، بوجه طافت به حمرة الخجل.

وبدافع الرغبة، الكامن، في الاعتذار عن سوء أحوال عائلته المعيشية، قال أبو هند، إن المحنة التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين، لا تزال تضطهد إنسانيتهم، وحقوقهم  في الحياة الكريمة. أضاف بحدة: “مجرمون، ولن يفلتوا من عقاب التاريخ الصارم!”.

قال شقيق هند، الملتحي، وبنبرة حاسمة: “ستنتهي دولة إسرائيل بعد 25عاماً. هذا حكم الله، جل جلاله. هكذا قال زعيم حركة  المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ المجاهد احمد ياسين”.

شارك في الحديث شقيق ثان لهند: “رئيس حزب الله اللبناني الشيخ حن نصر الله، فال نهاية إسرائيل ستكون بعد عشر سنوات”.

اندفع شقيق ثالث، فقال: “لماذا نتفاوض معهم للتوصل إلى حل سلمي إذن؟!”.

انكمش أبو سامي، والعيون تتجه نحوه. هز رأسه، وبحلق في الباب الذي يكشف، من جهته الأخرى، عن فضاء شبه معتم، يرقد في قاعه، أثاث متقادم.

“ستزول إسرائيل لأنها لا تستند إلى الحقائق التاريخية؛ عالم أثار من علمائها دحض ادعاءات اليهود بأن فلسطين كانت وطنهم القديم. وقال لا صحة للأخبار التوراتية عن قيادة النبي موسى للإسرائيليين القدماء في رحلة الهروب من فرعون مصر، والتوجه إلى فلسطين، الوطن الموعود لهم، من الله، كما يزعمون. والتوراة تشهد بأنهم غزاة. فلسطين كانت مأهولة بقبائل عربية. وداوود وسليمان، كما قال عالم الآثار الإسرائيلي، أقاما مملكتين هزيلتين، وفي مساحة صغيرة جداً، من فلسطين، ولوقت قصير!!”، قال أستاذ التاريخ، والد هند.

أضاف شقيقها المتدين: “فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنها. والوعد الإلهي لسيدنا إبراهيم، بأن تكون فلسطين لأبنائه، انتقل إلى المسلمين.لم. يعد شعب إسرائيل هو شعب الله المختار، نحن المسلمين خير أمة أخرجت للناس. والله يورث الأرض للصالحين، وليس للفسقة قاتلي الأنبياء!”.

اخترقت السهام قلب أبي سامي، وخطر له أن يستأذن بالانصراف، لولا أن صوتاً أنثوياً متهدجاً، لكنه حنون، انطلق: “أهلا وسهلاً بريحة البلاد، والجيران القدماء”؛ رد ببهجة من استأنف الحياة الآمنة: “أهلاً بك يا ستي الحاجة”، ونهض بخفة، ليصافح والدة هند، ويضغط على يدها، ويدعوها للجلوس بنيه وبين زوجها. وفي سريرته، قال: “الرجال يذبحون النساء، لكنهن، دائماً، تنقذنهم في الأوقات الحرجة!”.

راودت الرغبة والد هند، لاستئناف الحديث في موضوع شرعية إسرائيل، وكان يعتزم القول أن إسرائيل فرضت وجودها بالقوة الهمجية، التي انتزعت من العرب اعترافاً بها، ولكنه اعتراف لن يصمد في المستقبل. وعندما نطق أبو هند، بالحروف الأولى، مما كان ينوي التحدث به، ارتفع آذان العشاء، فأسدل الستار على أفق الجلسة، ولاذ الجميع بالصمت، الذي يقطعه، ترديد الآذان، من خلف صوت الميكرفون، الذي شق، أمام أبي سامي، درباً صاعدا لله، لمناجاته، والتوبة إليه…

لدى انتهاء الآذان، توجه الشاب الملتحي إلى أبي سامي بالسؤال: “هل نذهب للصلاة في المسجد، إنه ليس بعيداً؟!”.

تدخل الأب بسرعة: “صلوا هنا!”. والتفت نحو أبي سامي: ” تفضل للتوضؤ!”. رد الأخير: “لست بحاجة، إذا كانت الحاجة أم هند، قد قررت أن تشرفني بأن تكون حماتي؟!”. قالت والدة هند التي كانت تهم بالقيام، بعفوية: “ربما لعبنا معاً في طفولتنا، في قريتنا التي هاجرنا منها عام 1948؛ أنت هنا في بيت أهلك!”.

أقيم للصلاة. دفع أشقاء هند أبا سامي ليئمهم. جاهد للإفلات من إصرارهم، فإن حصيلته من القرآن، لا تؤهله للإمامة في صلاة يجب أن يقرأ القرآن فيها جهراً. ومع ندرة ما يحفظ من آيات، فإنه لا يحسن قراءة القرآن على حسب ما تقتضيه قواعد التجويد. والأهم من ذلك، لديه، هو أنه لم يأت إلى هذا البيت لإمامة أهله؛ “جئت إلى هنا للتطهر”؛ قال لنفسه، وهو يقاوم محاولات الشباب لتقديمه عليهم؛فجدد الاعتذار وهو يتلعثم في كلام يحاول أن يجمعه في رد حاسم، ليفلت من إصرارهم على أن يقوم بإمامتهم؛ فأنقذ صوت هند، قادماً من الحجرة البعيدة في البيت، موقفه، وهي تقول: “لا يؤم الرجل في بيته”.

وعندما أخذ أشقاء هند، وأبو سامي، مواقعهم للصلاة، اتجه والد هند، إلى نساء بيته، فوبخهن على أنهن استعجلن تقديم القهوة. وأمر. بإعداد العشاء.

لا يميل أبو هند، إلى التقيد بالتقاليد المرعية لدى الفلسطينيين، في مناسبات الخطبة، ولا إلى غير ذلك من تقاليد كثيرة، يقول عنها إنها تكبل حرية الروح، وتنتمي إلى تاريخ تجاوزه التقدم الإنساني. ولم يتفق مع زوجته التي انتقدت مجيء أبو سامي لخطبة ابنتها، دون أن يوفد قبل ذلك، بعثة نسائية للتمهيد للخطبة، كما جرت العادة؛ ورد عليها بحزم، أن موافقة هند، هي المطلوبة أولاً وأخيراً، وخاطب زوجته: “أفيقي أيتها الجاهلة، نحن في عصر الإنترنت!”.

فغرت فمها، وانضمت إلى الفرقة العاملة في المطبخ، لإعداد العشاء، فيما نزيف الذكريات الأليمة المتجدد، يصرخ في أعماقها المحروقة، ويتساءل: “لماذا ذبحت كبرى بناتي إذن؟!”.

جلس أبو سامي وقد ثنى ركبتيه، وسط حلقة، صنعها مع مضيفيه الذكور، حول مائدة العشاء، المفرودة أمامهم، وانهمك، منطلقاً على سجيته، يلتهم طعاماً، كان يشتهيه منذ دهور: سفرة من مقالي البطاطس والباذنجان والبيض والطماطم والفلفل؛ وطبق فول مهروس بالفلفل الحار والثوم اللاذع، يغمره زيت الزيتون المعتم قليلاً؛ وسلاطة غزية من البصل المدقوق مع قليل من الطماطم وكثير من الفلفل الحار الأخضر، إلى جانب طبق من الفلفل الحار الأحمر المخروط، والفلفل المكبوس، والفلفل الأخضر الحارق، والفلفل الأخضر البارد، ورؤوس البصل المدقوقة بقبضات الرجال، والليمون المغمور بالفلفل الأحمر المخروط، وزيتون مكبوس صغير الحب، ومخللات الخيار والباذنجان؛ والخبز البيتي الذي لا يزال يحتفظ بسخونة صنعه..

“قيمتك أكبر من ذلك!”؛ قال أبو هند، بود…”قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدان مغلولتان في النار: يد تأكل باحتشام، ويد تأكل باغتنام”، قال الشاب الملتحي، وهو يحرض أبا سامي على أن يأكل دون أدنى حرج…

“هذه ثاني مائدة تنزل من السماء، بعد تلك التي أنزلها الله على تلامذة عيسى المسيح!”؛ قال أبو سامي في داخله؛ وأضاف وهو يحشو فمه باللقم الكبيرة: “ينقصها وجود هند، مسيحي ومخلِّصي، إلى جواري،!”. رفع صوته، في رسالة موجهه إلى نساء البيت، القابعات في تاريخ الحريم: “كنت قد نسيت أن الطعام المصنوع بالأيادي الماهرة، مصدر رئيسي للبهجة”. استدرك: “الحق أن النفوس الطيبة، تصنع طعاماً طيباً.. إلأَكِل نَفَس!”.

ردّت أم هند، وهي تقترب منهم، وتمسح بقايا دموع: “صحة وعافية.. ومطرح ما يسري يمري!”.

انفرجت أجواء بيت عائلة هند، بعد غيمة كدر صيفية، نجمت عن اعتراض شقيقين لهند، أحدهما المتدين، على سماح الأب لجميع نساء بيته، بالانضمام إلى المجلس الذي يشارك فيه أبو سامي، بعد انتهاء العشاء، وخلال شرب الشاي مع تناول الجاتوه، للإفصاح عن الموافقة على خطبة أبي سامي لهند، وليكون ذلك، بمثابة احتفال عائلي بهذه المناسبة…

انتثرت في نواحي بيت عائلة هند، بهجة، من عيون وجلبة الأطفال والنساء، ظلت مفقودة منذ سنوات طويلة، ولم تأت، ولا مع زواج شقيق هند الأكبر، الذي تم، في عهد الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان الزواج فيها، خلواً من طقوس البهجة، في ظروف أمنية، حرمت الناس من الأمن، وجعلت هدف الزواج، هو حماية البنات، من أخطار قد يتعرضن لها، من عمليات اغتصاب.

وكانت عائلة هند، عندما تزوج ابنها الأكبر، لا تزال في حموة حادثة ذبح هند ابنتها البكر، وكان رب العائلة، في دياجير ظلام سجن إسرائيلي… كانت العائلة، مغلولة في الأصفاد!

انتزع أبو سامي فكره، من وجدانه المنتشي، وقال يخاطب أبا هند، الذي كان يحاول السيطرة على ضجة أحفاده، بتودد، وهم يتناوشون مع والديهم، ومعاً، في معركة فرح طفولي بريء، لا يقيم وزناً لتقاليد الكبار ومظاهر التأدب الاجتماعي: “أرجو منك أن تساعدني لتنفيذ برنامج لتقديم مساعداتي إلى مائة أسرة، من سكان هذا المخيم”.

حافظ أبو هند، على ثبات معالم وجهه؛ وواصل أبو سامي الحديث: “أقترح عليك، يا عمّي، فتح دكان بقالة، تشغل فيه وقتك، أتعهد لك، بتزويدك، بما يحتاجه من المواد. ألا يوجد مكان، قريب من هنا، يصلح لذلك؟!”. بادرت والدة هند بالإجابة: “هناك مخزن فارغ في البيت المجاور لنا، متواضع، يصلح لذلك، وأعتقد أن إيجاره لن يكون مرتفعاً!”. قالت شقيقة هند الصغرى، بفرح بريء: “ستكون فرصة جيدة لخروجك من الضيق الذي يلازمك طوال اليوم يا أبي”. نقل أبو هند، عيونه بين الفراغات الضيقة، بين الحضور، ثم أسبلها، وتنهد، ولم ينبس ببنت شفه… قال أحد أبنائه: “سأتحدث صباح غدِ، مع صاحب المخزن، في شأن استئجارنا له”. علقت زوجة الابن الأكبر: “سيوافق، فهو بحاجة إلى تأجيره، وعلى الأقل، سيتخلص من احتلال الفئران الضخمة له، التي تتخذ منه قاعدة لهجومها على بيته، وعلى بيوت الحارة!”؛ واصلت وهي تنقل عينيها من حماها إلى عريس هند: “يأتي الخير مع أهله يا عمّي أبا سامي!”.

وبملامح جادة، مشوبة برغبة من إنهاء الجلسة، سأل أبو هند، صهره: “متى تنوي حمل عروسك إلى بيتها؟!”

تلون وجه هند باحمرار الخجل، غادرت المكان، أجاب أبو سامي: “ما بعد عشرة أيام، إلى أسبوعين”. زغردت والدة هند. نادى أبو هند، العروس، طبع قبلتين على وجنتيها، زغردت زوجة شقيق هند، بارك الرجال والنساء للعروسين. نهض أبو سامي، قال ببهجة قلقة: “مبروك لك يا هند، وأنت منذ الغد، في إجازة مفتوحة من العمل، وبمرتب مضاعف!”. ودس في يدها رزمة من المال، قبلتها وهي خافضة الرأس، وانهالت على يده تلثمها، وهو يشرع في الانصراف…

استعاد الطريق الضيق المخنوق بسيارة العريس حريته. وقال أبو سامي، بصوت مسموع، يزاحم لحناً غنائياً شبابياً، يصدح، من مسجل سيارته، التي شقت عتمة المخيم بأضوائها الفاجرة: “الحياة مرأة”؛ أضاف ببهجة وقورة: “صدق نزار قباني، في قوله: ما الدنيا يا ولدي غير امرأة يهواها القلب!”.

استباحت تكشيره، يهابها أهل بيته، ثنايا الشيخوخة الضارية، في وجه والد هند. ولكن المرأة، المعمدة منذ هنيهات، عروساً أولى، بين بناته، المذبوحة أكبرهن، قالت بثقة مؤدبة: “ماذا يستنفزك يا أبي، في فكرة فتح دكان بقالة، أفهم مشاعرك، أتعاطف معك، ولا أريد أن أقوم بدور واعظة، فأنت أدرى مني، بأن العمل، أي عمل، هو وصفة روحية ناجعة للتخلص من هموم، ترهق أنفسنا!”. رد أبوها، بلسان يمضغه الألم: “لن أشتغل بمال يعرف الجميع أنه جاء بطرق غير شريفة!.. ثم، ثم أنا رجل لا يحالفه الحظ في الأعمال التجارية؛ هل نسيتم الخسارة الفادحة التي حاقت بالمشروع الذي بلع المكافأة التي تقاضيتها من وكالة الغوث الدولية، لدى إنهاء خدمتي في مدارسها؟! أنا رجل مهنته الكلام والأحلام، ولا يفلح مثلي في سوق الذئاب والغش. يا هند، يا عروس التاجر الكبير، الرواية الصحيحة لحديث النبي الذي يقول: من غشنا ليس منا؛ هي، في هذا الزمان، وربما في كل الأزمان العربية: من لم يغشنا، فليس منا!”. قالت هند:” أستاذ تاريخ مثلك يا أبي، لا ينبغي له أن يقع صريع تشاؤم متفاقم في نفسه؛ وأنت الذي كنت علمتني أن طريق مسدودة، لا تمثل كل طرق الله، وأن أياً من جاريات الزمن، ليست النهاية التي قرر الله عندها، إغلاق ملفات خلقه!”. قال أحد الأبناء: “أنت لست مسئولاً عن مصادر تمويل المشروع المقترح، طالما أنه سيبقى حق لدافعه، يعود إليه متى شاء، وطالما أن فائدتك من استثمار المال، ستأتي من مجهودك الذي تبذله!”. رد أبوه: “رائحة الجيفة تؤذي من يقترب منها!”.

استفزت الجملة الخيرة هند، قالت بغضب مكتوم: “إنه صهرك. وأنا أعمل لديه بأجر، أنفقه في حاجيات بيتنا!”. رد أبوها، بمشاعر جريحة: “أنت تتقاضين أجراً عن عمل تؤديه، لكنه يريد أن يتصدق علينا، بمواد نبيعها، دون أن ندفع ثمناً في شرائها! ارحميني يا هند!!”.

استسلم بيت عائلة هند، لهجوع ليلي، تضطرب أحشاؤه، بعدما سرق من الزمن، سويعات بهجة طواها النكد المقيم فيه… وقلبت هند صفحة الكتاب، إلى الوراء، فبرزت أمامها، من جديد، صورة شقيقة ذبيحة، ودماء بكارة أهرقها العبث الذكوري، فصرخ الحقد في شرايينها، يعلن أنه ماض في خطة الانتقام…

16

ودّت هند، لو أن خطيبها، لم يطلب منها، التوقف عن العمل، في مكتب ابنه. فهي لا ترحب، ببداية علاقة زواج، تكبت حريتها، التي تمارسها، بصورة ما، كما شأن بنات غزة، بالهروب من جحيم المعتقلات البيتية للنساء. ولا تميل، لأن تسمح لزوجها، بإسقاط عبودية الذكورة العربية التاريخية، المستفحلة في ذواتهم، على العلاقة ما بينها وبينه. هي لن تعطيه حق ممارسة ديكتاتوريتة، وفرض واجب الطاعة عليها… في المقابل، لا تريد هند، أن تخسر الرصيد الذي كسبته، لدى أبي سامي، بما أظهرت له، من قابلية عملية، وكلامية، أنها تحترم تراثه الاجتماعي الذكري، الذي يرفع الرجل، إلى مقام الرب للأسرة، أو إلى مقام إلاه ذكر، له، على النساء، حق الولاء، وعلى حساب كرامتهن وحريتهن… قالت في نفسها: “الصبر نصف الإيمان”، وتذكرت المثل الشعبي: “بوس الكلب من تمه، لحَد ما تاخُد حاجتك مُّنه”؛ أضافت بتأفف: “وما هو إلا كلب، أبو كلب!”.

كذلك، تعي هند، أن التوقف عن العمل في مكتب سامي، سيحميها من أخطار قد تهدد مشروع زواجها، قد تنجم عن احتكاك محتمل، مع سامي. فقد تغيظه، فيرد على ذلك، بكشف أسرار علاقتهما معاً، لأبيه، فتفشل خطتها، وينقلب عليها تدبيرها، بما قد يعرضها، لملاقاة مصير شقيقتها الكبرى، إذا انتشر خبر ما وقع لها، ومنها، في مكتب عملها.

وتتفادى، بتوقفها عن العمل، احتمال تعرضها لخطر، يأتي من عبد السميع، إذا ما أفلت من ضوابط، تلجم، رغبة شبقة، مجنونة، تغلى في صدره، نحوها. وتخشى، من نفسها، أن تفقد قدرتها على كبح جماح إرادة الانتقام لديها في لحظة مغرية، فيفسد ما تخطط له، وما أنجزته حتى الآن…

أمرت انفعالها بالهدوء. وسمعتها شقيقتها التي تشاركها الفراش، وهي تقول: “تحتاج المرأة إلى الدهاء، والحكمة، والمثابرة، والصبر، وإظهار الضعف، إذا أرادت أن تنتصر في معركتها القديمة، مع الذكورة الحمقاء، المتسلطة، الهمجية!”.

سحبت نفساً عمّيقاً، وحضنت شقيقتها، ونامتا…

وفي صباح اليوم التالي، أضاف مأذون مخيم هند رقماً جديداً، في مسلسل التاريخ المتمادي في الغيّ، كما قال والد العروس، في سريرته، وذراعاه تمتدان، ليحضنا ابنته الأولى، التي نجحت في توريط رجل، في شراك الزواج، الذي يعتقد (أبوها) أنه “خطيئة الإنسان القديمة، وحماقة تتوارثها الأجيال، ندفع حريته ثمناً للإصرار على استمرار ارتكابه لها”….

أقبل أبو سامي على عروسه لتهنئتها، وهي تتحدث إلى نفسها، وعيونها تحملق في المأذون: “ها قد أصبحت مملوكي يا خبيث الرائحة!”. قال: “مبروك لنا”؛ لثمت يده ورفعتها إلى جبهتها. والتفتت إلى أبيها، وتوقد شرر معجون بالفرح، في قلبها، قبل أن تنحني على يده، وتلثمها مرات عدة!.

تجاذبت أبا سامي، البهجة والعذابات. فها قد وجد أهلاً؛ ولكن.. ولكن زواجا، لم تلعلع فيه، زغاريد الأم، هو فرحة يتيمة، ناقصة. وتقافزت الصور في مخيلته: صورة سماح، المحرومة من أبوة معلنة في النور؛ المحرومة من حضن دافئ، تحتاجه كل الأنفس، وهو المحروم من بنوتها: “لماذا لا أملك الشجاعة فأعلن أبوتي لها؟ ستكون، على الأقل، بعض أهل لرجل مقطوع من شجرة! سامي؟! لا خير فيه، البنات أقرب إلى قلب رجل إنحدر إلى نهايته!”. لملم أحزانه، واقترب من عروسه، وهمس في أذنها: “سنقضي شهر العسل، في رحلة إلى الخارج!”.

كان ذهنه، يتجه إلى سوريا، لعله يلتقي فيها بذويه، الذين فارقهم في عام 1948. وأخذ يلوم نفسه: “لماذا لم أحاول السفر إليهم قبل ذلك؟!”. لم يملك الشجاعة الكافية لمواجهتهم. وعندما راودته، ذات مرة، فكرة استصدار تصاريح لهم، لزيارته، في غزة، صدمته المعارضة الإسرائيلية، لمنح المواطنين الفلسطينيين المقيمين في سوريا، تصاريح بدخول مناطق السلطة الوطنية في قطاع غزة والضفة الغربية. وكان يثق، أن عمالته للاحتلال الإسرائيلي، لن تشفع له، ولن تجديه، إذا أقدم على طلب تصريح يسمح لأهله بزيارته. لقد تراجع، عن هذه الفكرة، في حينها، لسبب أعمق؛ إنه لم يكن يملك الجرأة، ليواجه ذاته العمّيقة، الممتدة في تاريخ أسرته المشرف!

اصطحب أبو سامي عروسه وأباها، إلى بيته، بعد أن اقترح أن تقوم هند بالإشراف على التغييرات، التي ترغب، في إدخالها، على البيت، الذي ستقيم فيه مع زوجها.

أذهلتها فخامة بيتها المرتقب، عندما دلفت إليه. قارنت بصمت، بينه وبين بيت عائلتها، قالت لنفسها: “أخيرا، سأرحل من قبر فوق الأرض!”.

يعيش أبو سامي، في فيلا واسعة، وأنيقة، تقوم وسط حديقة من أشجار الفواكه والزينة، ومؤثثة بفرش ملوكي. أبت هند أن تدخل البيت، قبل أبيها، وزوجها، رغم إصرارهما، مرددين، في وقت واحد: “النساء أولاً”. وبعد خطوة واحدة، من عتبة باب الفلاّ، المطل على الممر، الذي يشق أرضية مزروعة بالإنجيل الريَّان، والمحفوف، بأشجار زينة قصيرة، التفت أبو سامي إلى عروسه، وقال، بعينين مبتهجتين: “ظل هذا البيت معتماً حتى هذه اللحظة؛ ولكنه سيستنير، بوجودك، وإلى الأبد، إنشاء الله!”. قال أبوها مباركاً: “الحب نور يهزم شياطيننا، سأصلي لكما، لتنعما بالبهجة الخالدة!”.

بعد طواف سريع بأرجاء البيت، وبحماس شبابي، انحاز أبو سامي إلى جانب هند، التي رأت أنه يجب قلب كيان البيت، بكل تفاصيله؛ وهو مالم يستحسنه أبوها، الذي قال إنه (البيت) لا يحتاج إلى أية تعديلات أو إضافات. قال أبو سامي: “أريد تجديد حياتي بالكامل. وفي غضون أيام قليلة، سيتم تغيير الأثاث كله، ولون الجدران، والستائر، والتحف والسجاد، والنجف، وأدوات المطبخ.. وكل شئ؛ وغلى ذوق سيدة ما تبقى من عمري، وما مضى، عروستنا الجميلة!”.

وبقلبين يرقصان، تشابكت كفّا العروسين، وانطلقا في رحلة حول الفلاّ، في الحديقة الواسعة، التي يحتل ركنها الشمالي الغربي، المسجد الواقع تحت مسئولية الشيخ عبد السميع، الذي يقيم، هو، وأسرته، في حجرة ملحقة به.

اختلى أبو هند، بنفسه، في حجرة المكتب بالفلاّ؛ فهجمت عليه سياط تأنيب الضمير، تلسعه من كل نحو، لمصاهرته رجلاً لا يليق به أن يربط مستقبل ابنته به. حاول أن يقنع نفسه بصواب موقفه الذي كاد يكون حيادياً، إزاء الرغبة التي تملكت هند، للزواج من أبي سامي، والتي دعمها بدور الأب الاجتماعي فقط، الذي يؤمن، بأنه، لا ينبغي أن يتعدى حدود التغطية الرسمية لما يقرره الأبناء؛ وهو، في قرارة ذاته، يتعذب بشراسة، كلما تذكر، جريمته التي ارتكبها ضد كبرى بناته: “وهل تمر لحظة بي أنسى فيها ما فعلت؟! هل هو شئ يمكن نسيانه؟! جريمة لا تغتفر! لماذا إذن أقف أمام رغبة هند؟ إذا كنت قد ذبحت شقيقتها الكبرى، مرة واحدة، فهل أذبح هند، ألف مرة؟! النساء للرجال، كما الرجال للنساء، هذا حق طبيعي؛ وللمرأة أن تختار رجلها، هذا حق طبيعي اجتماعي! الاعتداء على هذا الحق جريمة، من نوع جريمة الذبح التي ارتكبتها بجهالتي وبحقدي وبانصياعي لتاريخ ذكري دموي يدافع بوحشية الغاب عن ضلالات فكر ووجدان سقيم: الله خلق الرجال للنساء! هل يؤلمني أن الرجل الذي اختارته ابنتي له ماض نجس؟! لماذا خلق الله الماء والصابون؟! الحب يطهرنا من نجاستنا! والروح التي في كل واحد منا طاهرة. الحب يستنهض الروح! وأبو سامي ليس النجاسة الوحيدة في صفحة العالم العربي! وهو ضحية! هل أخنقه أنا أيضاً، إذا طرق باب بيتي ليفلت من تاريخ يضطهده، أو من قدر مشؤوم، حاق به منذ ضل عن أهله؟! استجار بي، فهل أحرمه الماء؛ فهل إن جاء ملهوف وعطشان، إلى ماء من مائي، أصدّه وادفعه إلى هلاكه؟! ذَبحتُ مرة، فلن أذبح بعدها، ولا خنزيرا!! ولن أقتل حيًّا ولا نسمة حياة!!”.

لم يقف أحد، من عائلة هند، ضد زواجها من أبي سامي، والسبب، أن ذلك، يفتح طريق، ظلت مغلقة، أمام شقيقاتها، وأمامها، تحت حصار اجتماعي، ضربه الناس، حول العائلة، التي شاع زوراً، أن ابنتها الكبرى، تورطت في علاقة مع شاب، أثمرت حملاً؛ فاضطرت العائلة، إلى غسل عارها، بذبح هذه الابنة، البريئة، في حقيقة الأمر. لم يأت رجل، ليطلب الزواج من بنات أبي هند، الذي دفع ثمناً باهظاً للحفاظ على شرفه الوطني. وبنات، تقدم بهن العمر، واستفحل في نفوسهن، إحساس بالقهر، والظلم الاجتماعي؛ قد يفلتن من استبداد الذعر بهن، وينطلقن، متحديات لكل شئ. كان أبو هند، يحسب لهذا الأمر ألف حساب، خاصة فيما يتعلق بهند، الجريئة، الطموحة، المتهورة أيضاً؛ “أنها تقضي ساعات طويلة خارج الرقابة العائلية المباشرة، بحجة العمل؛ هذا يقلقني!”؛ قال أبوها، ذات مرة، يخاطب أمها، التي لم تكن أقل منه قلقاً!

عاود الكدر مشاغباته، في صدر أبي هند، وهو يهمُّ بالجلوس، في الصالون الكبير، جوار صهره، الذي دخل الفلاّ، بعد رحلته القصيرة، مع عروسه؛ تنهد أبو هند، وألقى بجسده، المنهوك بحسرة قديمة، وقال في داخله: “لست وحدي الذي يقدم التنازلات الصعبة في هذه الأيام!!”.

تسمَّرت عينا هند، في حدقات خالتها تتأهب لقذفها بحمم تنطلق من صورة لسامي، معلّقة على الجدار، في الصالون الكبير للفلا. كظمت غيظا دفاعيا، وتساءلت: “ما السبيل إلى طرده من هذا البيت، ومن حياة أبيه كلها؟!”. وتمثلت صورة الواقعة الأخيرة بينهما، ولامت نفسها: “لماذا لم أفلت بولي في منخاريه أو أتبرّز في فمه، وأنا أضغط وجهه بمؤخرتي؟!”. فلت منها، قولها بصوت مكبوت، لكنه مسموع: “النذل، ابن النذل!!”. تلفت الرجلان إليها، تستفسر ملامح وجهيهما عما ندّ عنها.. “آه؟!.. هل قلت شيئا؟!”؛ قالت ببلاهة متقنة، وقفزت من اللحظة، برشاقة وسرعة..

دلفت إلى حجرة النوم؛ فتحت نافذتها الواسعة، ابتسمت وهي تكتشف أن نافذة الحجرة، تقع، على اتجاه يعاكس اتجاه القبلة، ما يعني، أن اتجاه الصلاة في مسجد عبد السميع، يمرّ من نافذة حجرة نومها، قبل أن يواصل امتداده نحو الكعبة. “بعد قليل، ستكون صلاتك إلى فرجي يا عبد السميع”؛ قالت، وحمدت الله: “أنت أهل للثناء كله، يا من ترعى خطاي، يا نصير المرأة، ونصير كل مقهور في أرضك وليلك!”. وعندما أغلقت النافذة، واستدارت، توقفت تصغي لشيطانها: “إذا أدرت لك ظهري يا مولاي الشيخ، فستمر، في طريقك إلى الكعبة، من مؤخرتي! هذا يليق بك، وبالمنافقين خلفك، المذعنين، مثل خراف عمّياء، لا يضئ الإيمان قلوبهم! ماذا؟ هأهأ، ستدخلون الجنة بصلواتكم الجوفاء! أقسم بالله العظيم، أنكم لن تشمّوا ريحها! ستدخلون النار، انتقاماً من الله منكم على الخطيئة التي تقترفونها، بإهدار الماء في وضوئكم، الذي لا يغسل شيئاً من أوساخ قلوبكم! زوجي المغفل، صلى الليلة الماضية؛ هل يعتقد أن الله تاجر مثله، يقايض الجنة، وحورياتها، بالسقوط وتمريغ الأنوف النتنة في تراب غزة القرفان من أحيائه وأمواته معاً؟!”.

صدمتها صورة كاملة لزوجها، معلقة على جدار حجرة النوم. بصقت عليها، وقالت بتأفف: “عجوز منفِّر! تقيم مسجداً لعل الله يغفر لك؟! أيها المنافق، الضال، صبراً قليلاً، سأدِسُّ مئذنته في مؤخرتك أيها العفن!”.

وقبل أن يغادروا الفلاّ، اتفق الثلاثة، على الالتقاء، فيها، مرة أخرى، فور الانتهاء من تجديدها، الذي قال أبو سامي، أنه سيكلف عبد السميع، بالقيام بمسئولية الإشراف على تنفيذه؛ بتوجيهات العروس، في بحر ثلاثة أيام. وسيجمع اللقاء المنتظر، نزولاً، عند رغبة مشتركة، اتفق عليها العروسان، أفراد عائلة هند، وسامي، وحليمة، وسماح، لتناول عشاء احتفالي بمناسبة عقد قران هند، على أبي سامي.

في الطريق من باب الفلاّ، إلى السيارة، نظر أبو سامي إلى هند، وقال بحب يتناثر من عينيه، وفمه: “أمتلك من البهجة، ما يكفي لإنقاذ تعساء الأرض أجمعين، من قيود الظلام! هل تشاطريني ذلك؟!”. ابتسمت، واحمرت وجنتاها، ونكّست رأسها، بعد أن حركّت شفتيها بقبلة سريعة، قذفتها إليه، من خلف أبيها، الذي كان يسبقهما بخطوات قليلة.

فتح أبو سامي لعروسه، باب السيارة الخلفي الأيمن، بعد أن كان أبو هند، قد أخذ مكانه، على المقعد الأمامي، من جهة اليمين. دفعت العروس وجهها، بخفة، نحو وجه خطيبها، فاستقبله، بطبع قبلة سريعة على شفتيها، أحست بعذوبتها، واعتراها حياء بريء؛ ونهضت، فجأة، في عقلها، إرادة دراسة الفلسفة، التي اشتهتها طويلاً. وتساءلت، والسيارة قد بدأت الحركة: “ما هذا الشيء الجديد الذي تختلج به نفسي؟!”. شردت  أفكارها في كل اتجاه: “رباه، هل يسع قلب واحد، نار الحقد ونار الحب، في لحظة واحدة؟!”. وتذكرت، مقولة لحكيم: “صنع الله الحقد والحب، من مادة واحدة، ولهدف واحد: الحرية.. أجل، الحرية، فالحرية مادة الله وطبيعته، ونوره وبهجته!” أغمضت عينيها، ذرفت دموعا غزيرة: ورددت بصمت وبِنفْس حسيرة: “يرحم الله شقيقتي الكبرى؛ يرحم الله أبي، يرحم الله أبا سامي؛ يرحمني!!”، وأجهشت بالبكاء.  وللتو، انتقلت عدوى البكاء، إلى الجالسين في مقاعد السيارة الأمامية…

17

ابتهج عبد السميع، بالمهمة التي كلفه أبو سامي، بها، والتي سينفذ خلالها، رغبات هند، المتعلقة بتجديد البيت الذي ستقيم فيه، مع زوجها. وأَسرّ إمام المسجد في نفسه: “سأكون زوجها الثاني!”.

ينظر عبد السميع، للمهمة التي سيتفرغ لأدائها، تحت إشراف هند، بأنها ستمنحه فرصة التخلص، المؤقت، من المواظبة على عمله، إماماً للمسجد، الذي لا يهواه، ولا يجيده، ولا يمتلك من المؤهلات المطلوبة له، سوى اللحية الكثة، والطاعة الأمينة، لأبي سامي، الذي يستعين به، لتأدية الخدمات الخاصة، ومنها، ممارساته الجنسية.

وسيستبدل، في الأيام التي سيقوم خلالها، بأداء مهمته الجديدة، صحبة هند، المنتشية بروح انتصار أنثوي، بقرف زوجة، يرى أنها، وبجدارة، سيدة المقرفات، ليس في قطاع غزة فقط، ولكن، في الأرض كلها.

أبو سامي، لم يجد في نفسه، ولا في أوقات جدب من النساء، كان يصيبه، أية رغبة، في إقامة علاقة جنسية، مع زوجة مخدومه. كان يجفو فظاظتها، وشراسة عينيها، وقذارتها.

وكانت، بدورها، تشكو من زوجها لأبي سامي: “يضاجعني كما لو كنت حمارة. يدفع قضيبه في فرجي دون مقدمات، ويخرجه بعد أن يكون قد بصق، في وجه كرامتي الأنثوية، مرتين: من تحت، ومن فوق! لم أذق، منذ تزوجته، لذة الجماع. أشتهيها بحرقة!”.

كان أبو سامي يرثي لحالة الهوان التي تنحر أنوثة زوجة عبد السميع، لكنه لم يملك أريحية تكفي لدفعه، لإطفاء نارها. كان يقول لها: “لو كانت روحي التي في ذكورتي أطهر، مما هي عليه، لمنحتك ما تستحقه أنثى، من حق ومن كرامة!”.

وما كان لينحاز إلى جانبها، في معاركها مع زوجها. كان لعبد السميع، حظوة كبيرة، لدى سيده، الذي هو بحاجة إلى”بئر أسرار”، كانه عبدُ السميع .

التحق عبد السميع، بالعمل مع أبي سامي، بمهنة شيال، في متجر لأبي سامي، بعد أن أقلع عن مزاولة مهنة سرقة كتب المساجد، التي أصابته بإحباط، لفشله في إقناع الناس، بأنه كان يؤدي، من خلالها، رسالة روحية؛ “لكن هذا الوطن، مقبرة للمخلصين، كلا! إنه عطن”؛ قال، وأضاف، وهو يوضح لأبي سامي، الأسباب التي تدفعه للبحث عن فرصة عمل، مهما كانت، توفر له، شيئاً مما يملأ أفواه أطفاله التي لا تعرف الشبع، ولا السكوت: “زوجتي مثل الأرانب، وليتها كانت جميلة مثلهن. والمساجد، اتخذت احتياطات للمحافظة على ما لديها من كتب قليلة؛ لماذا أسقط راوي الحديث النبوي، الكتب، من الأثر الشريف الذي حدد المشاعات بين الناس؟ هل توافق يا عمّي أن يضاف إليها أيضاً: والنساء؟!”. قهقها معاً، وردَّ أبو سامي: “وجد كلانا، رفيقاً كان يبحث عنه!”.

وبعد أن أثبت عبد السميع، أنه محل ثقة، اشترى أبو سامي له، عربة يجرها بغل. وانتشى عبد السميع ببغله، مثلما تنتشي أنثى، بمضاجعة معشوقها. وتماهى ببغله، وكان يردد في نفسه : “أخيرا، وجدت صديقي وأخي!”. ولم يكن يحنق، عندما يشتمه سائقو السيارات، وهو، يعيق حركتها، بقولهم: “بغل يقود بغلاً!”. وكان الوحيد، بين أصحاب البغال، في غزة، الذي لا يحمل سوطاً ليجلد به بغله. وشوهد كثيراً، وهو، يساعد البغل، على جرّ أحمال العربة، في الطرقات الصاعدة، أو الهابطة، وكان يقول، بصوت مجلجل: “لا صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة، ولا دين، لمن لا يرحم إخوانه الدواب!”. وعندما اعترض عليه، معلم للدين، بقوله: “المؤمنون هم الأخوة!”، ردَّ عبد السميع: “هل لديك دليل على أن الحيوانات كافرة؟!”. وقال في مرة أخرى، في نقاش مع مثقف، كان ينقل له أثاثه: “لم يرسل الله للدواب أنبياء لعدم حاجتها إليهم!”. أجاب المثقف: “بل لأنها ليست مكلفة!”؛ فردَّ عبد السميع: “كلا! بل، لأنها ليست ناقصة، ولا جاهلة، ولا حاقدة، ولا مغرورة، ولا متسلطة، لأنها مخلصة لحرية البراءة البكر يا أستاذ!!”.

توطّدت علاقة أبي سامي، مع عبد السميع، منذ انتقل الأول، للعيش، في فلَّته، التي تقع، بعيداً عن زحمة المساكن في غزة. كان يحتاج إلى أنيس، مؤتمن، على شؤونه النسائية. وأنشأ المسجد، على مقربة من الفلاّ، لدوافع مختلفة، منها، ضمان بقاء عبد السميع، قريباً منه؛ الذي كانت من مهماته، توفير مناخ نفسي يحتاج إليه، أبو سامي، يعود، إلى ما يختلج في نفسه، من أحاسيس بالدونية، تفضحها عيون الناس، وهى تتفحصه.

كان عبد السميع، قوَّاداً، لحساب وليّ نعمته. وكانت ممارسات أبي سامي الجنسية، محكومة بأغلال تنشب في داخله، فتمنعه من منح لذة المضاجعة لنساء نزواته، اللواتي كنّ يعاملنه بمنطق تجاري، الذي كان يلعب، دوره المثبط لأبي سامي في ممارساته معهن. كان يقول لعبد السميع: “أنا أحتقر المرأة التي تبيع فرجها بالمال”. وكان عبد السميع يشاركه الرأي: “الممارسة الجنسية صلاة روحية، لا صفقة تجارية!”.

لكن النساء، اللواتي كنّ يتاجرن بفروجهن، في سوق أبي سامي، ينقلبن، إلى إنسانيتهن، وصدورهن تتّقد بالنار المقدسة، تحت لحية عبد السميع الكثة. كان عبد السميع فحلاً، وكان صبوراً مع طالبات اللذة، الحرة من نكد الزوجات، والبعيدة عن الضجر، من جسد تجفوه الروح، هو جسد امرأته، كما وصفه. وكانت النسوة، اللواتي يحظين، بانطلاقة روحية، بعد أن يفرغن من اللقاءات العقيمة مع أبي سامي، يندمجن، مع عبد السميع، في طقوس ماجنة، تمتد من بداية الإنسان المتوحشة، إلى انجذاب المتصوفة.

وكانت تعتري عبد السميع، حالات من الشعور بالذنب، بسبب ممارساته الجنسية، خارج النطاق المحصور بالزواج، وعن دور القوَّاد، الذي يلعبه لصالح أبي سامي. ولكنه كان يفلت من مشاعر الذنب، بقوله إن حب النساء غريزة، وإن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال إن الله حبب إليه النساء والطيب. ووقف ذات مرة، وكان يرتدي جبّة الشيوخ وطربوشهم المعمّم، أمام نفر، من زملائه القدامى من أصحاب العربات، والشيالين، فقال وهو يدفع صدره، ويرفع عقيرته: “هل تعرفون لماذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحلق الشارب وإعفاء اللحية؟! كان صلوات الله وسلامه عليه، يحرص على توفير مناخ للنساء، لِينضحْن باللذة الكبرى مع الرجال! هل من زوجاتكم، من تمنحكم اللذة؟! أما أنا فلا!”.

سيُغْلِق زواج أبي سامي، الباب، الذي كانت تأتي منه النساء إلى عبد السميع. الذي كان يمارس نشاطه الجنسي، في الفلاّ، بعد مغادرة صاحبها لها، بعد أن يقرف من النساء، اللواتي جئن لقضاء أوقات معه. يخفف من هذه الخسارة، قناعته، بأن هند، ستكون حقله المفتوح، الذي لا يستطيع أبو سامي، أن يحرثه. إن شبق امرأة ثلاثينية، نار لا تطفئها بقايا ذكورة، تنذر، بنضوب قريب، كما يعتقد. ويدعم اطمئنانه إلى ذلك، أن هند، ألقت شباكها في طريقه؛ وهو صيد، لا يقاوم امرأة.

خلال تجديد بيت الزوجية، الذي ستقيم فيه هند، تجاهل عبد السميع، رغبات العروسين. وفعل ماتهواه نفسه هو. كان يتذرّع بأسباب مختلفة، للدفاع عن مخالفته لرغبتهما؛ وكان يتصرف، بوعي، وبدون وعي، وكأنه يعدّ عشّ زواج له. ورتّب حجرة النوم، المخصصة للعروس، في نظام، يضع ذيل السرير، في مواجه النافذة، التي تفتح، باستقامة، على محراب المسجد. قال في نفسه: “لِيراها خيالي، وأنا أؤم المغفلين ورائي، وهي مستلقية على ظهرها، فاتحة فخذيها، فيكون قيامي، وسجودي، بينهما!”.

وهو على يقين، أن هند، ستتشبث به، بعد أول مغامرة له معها: “كل من جربتني مَرّة، لا تقدر على الاستغناء عني. فأنا الوحيد بين رجال العرب، الذي يتجرد من أنانيته، مع التجرد من ثيابه، في حضرة امرأة… أنا وحدي الذي يأخذ من المرأة، أقلّ مما يعطيها!”.

ويدبر أبو سامي، أمراً: إنه يخشى من عبد السميع على هند؛ لذا، أضمر قراراً سينفذه قبل دخوله بعروسه: سينقل المسئولية عن المسجد، إلى وزارة الأوقاف. وسيمنح عبد السميع، مبلغاً من المال، ليشتغل به، بعيداً عنه. وسيوفر له بيتاً، بعيدا عن البيت الذي ستقيم فيه هند، بعد الزواج.

18

  اندفعت نساء حارة هند، لحظة وصولها إلى بيت أبيها، في المخيم، عائدة مع عريسها، بعد إتمام عقد القران بينهما. وبحب عفوي أقْبلْن يعانقنها، مهنئات، ومبتهلات إلى الله، أن يبارك لها. ولكن هند، دون تخطيط، أحجمت عن مصافحة، وعناق امرأة كانت تحمل طفلها، الذي كان يضحك ببراءة، رسمت، في عيني أمه، بهجة، دفعتها، بإخلاص، للإقبال على هند، التي ردت، بجمود، كان يحترق، بنار غيرة، اشتعلت فجأة، بصورة رجل، حلمت هند به، منقذاً لها.. وزوجاً!!

جلال زوج المرأة، أمّ الطفل ذي الصفحة البيضاء، المشرقة ببراءة الحرية الأصلية، هو، شقيق الفتاة، التي انتهكت قانون الجور، الذي فرض على هند وشقيقاتها، حصاره المظلم، منذ اغتيال شيطان الجهل المنافق، صبية طاهرة، ذبحتها أقاويل غير مسئولة!

كان جلال، يحثّ شقيقته صباح، على مداومة زيارة بيت أبي هند، والجلوس، مطولاً، مع بناته، اللواتي، كانت فتيات المخيم، ونسوانه، يتحاشينهن، تفادياً لما قد يجره ذلك عليهن من عقوبة الأهل القاسية.

ارتبط جلال مع والد هند، بصداقة نشأت، منذ اجتمعا في المعتقل الإسرائيلي. وظل جلال، يعرف فضل أبي هند، ويحفظ له التقدير الذي يستحقه مواطن شريف، كما كان يقول، وهو ينتقد المواقف السلبية التي يقفها الناس من أبي هند وأهله.

وتصدّى جلال، للإشاعة التي لوّثت الفضاء الأبيض، لحياة أسرة هند. كان جلال حكيماً ونقياً. وكان أهل المخيم يأخذون عليه أنه لا يرتاد مساجدهم. لكن أحداً منهم، لم يذكر عنه عيباً يشين أخلاقه. وكان يقول لخلصائه: “أنا دائم الصلاة في مسجد يحمله رأسي”. كان نورانياً ومبتهجاً بالحب. وكان يقول لصباح في أوقات سمر كان يضمهما كما لو كانا عشيقين: “الحب يطهرنا من الصغائر والكبائر معاً.. الحب يحررنا من أن نرى قبائح الصور”.

عشقت روحُ هند، صورةَ جلال. ونقلت إليه، بواسطة صباح، رغبتها في الإنضمام إلى جماعة شرع جلال في تأسيسها، تهدف لتجسيد حيّ، لشعار ترفعه: “وطن الحب وطن أجمل!”.

قالت صباح لهند: “الحب يجب أن ينتصر، إنه كرامتنا، كذا يؤمن جلال، وأنا أيضاً. إنه نبي هذا الزمن. وهو يدعو إلى أن نقتسم، بالعدل، رغيفاً روينا زرعه، معاً، بالدم والألم!”.

يتبنى جلال، فلسفة تجاه إسرائيل، يصفها فيها، بأنها صنيعة الحقد الإنساني: “مشروع حقد، يهزمه مشروع الحب. نحن لا نملك قوة عسكرية لندحر وجود إسرائيل. ولكننا نملك مادة الروح. فلسطين وطن الروح. الروح هي الحب وهي الحرية والعدل والكرامة، هي بهجة الحب. إسرائيل عدوان شرس ضد الروح. الروح من أمْر الله. الروح لا تنهزم. الروح حق، إسرائيل باطل. والحق؛ وعندما يصير الإيمان به إرادة ناهضة، فاعلة بإخلاص، يُزهق الباطل!”.

تزوجت صباح، ولم تعد قادرة على زيارة هند وشقيقاتها. وتزوج جلال، وظلت هند، تحلم به: “لماذا فعلت ذلك؟”؛ قالت في سريرتها، بعد أن هدأت الجلبة التي استقبلتها لدى عودتها مع عريسها، بعد عقد قرانهما. نكست رأسها، وهي تجلس بين أبيها وأبي سامي؛ راودها سؤال: “هل تخليت عن إيماني بجلال الذي كان يقول إن الحب أكبر من رغبة التملك؟!”.

شرد ذهن هند في الماضي.. “جلال، كان الماء الذي يروي عطشي. لم نكن نلتقي. ولكن روحي كانت رهينة في فضاء الجمال الذي كان يخلقه بدعوته. الحرية! هذا ماء الحياة؛ الحرية مادة الله؛ كذا نقلت صباح عنه.  ونحن مادة الحرية. هل تحيا الحرية في ظلام الأغلال؟ ماذا يريد مني أبو سامي؟! هل يستطيع أن يؤمن بدعوة جلال؟! هل يعيدني إلى إيماني القديم بالحب الذي تعلمته من جلال؟!. لماذا أترك الحقد يخرب صورة جلال المطبوعة في أعماق نفسي؟!”.

نفضتها كهرباء ذاتية. أطلقت صيحة مذبوحة. وقفت فجأة. فزع أبوها وعريسها وقالا معاً، بلهفة: “عساك بخير!”. جلست، لم تنبس بكلمة، ظلّا يراقبانها؛ عاودت الشرود، استباحها العذاب، قالت في سريرتها: “هل يجمع قلب امرأة، في يوم عرسها، جنة الحب، ونار الحقد، معاً؟! لماذا تنغص أيها الشيطان يوماً تنتظره كل فتاة؟! رباه؛ هل غدوت مخبولة؟! هأنذا أضيع من جديد؛ أينك يا روح جلال، شيطان الحقد يهجم على ذكراك! كلا! يجب أن أنتقم! ما الحب؟! أكذوبة نُزَوِّق بها قبحنا! جلال وسامي أكاذيب، ذات ألوان مختلفة! أما الحقيقة، فهي أن شقيقتي الكبرى ما تزال مذبوحة، وأنني بعد أيام قلائل، سأزفّ إلى رجل ليذبحني أيضاً… ونظرياتك يا جلال أوهام تحملها العواصف، قبل أن تدهمنا! وتعال يا حبي الخائب، وفسر لي، استقبال نساء حارتنا لعروس الثريّ أبي سامي: هل يحْملن مشاعر صادقة نحوي، أم يفرشن الطريق للحصول على مساعدات زوجي التي وعد بها أهالي المخيم؟! جلال، أيها الأبله! وأنت لا تزال تنام على حصيرة، تؤمن أننا نملك قوة نهزم بها الطاغوت… امْضِ في غيِّك أيها الرجل الذي يفتقد الحيلة! خذلتَ حبي! أنا أيضاً سأخذل دعوتك؛ تعال وانظر إلى البيت الذي سأقيم فيه. بيتي جنّة وأهمّ من ذلك، إنه قبلة المسجد الذي يؤم فيه عبد السميع نفراً من المعاقين أمثالك! ربّاه؛ دُوارٌ يلقيني في بطن الحوت الهائج فوق موج يناطح صخور البحر العنيدة… رحماك!”.

قضت هند، بعد مغادرة عريسها لبيت أبيها، بقية النهار، في حالة من اللاتحدد. وعندما بدأت غلالة الظلام الليلي، ترتدي الأفق، الشتوي، البارد، نخزها مغص. كان يؤرقها الخوف من أن لا يأتيها، كعادته، كل شهر. ابتسمت بوجه ذابل، وتمتمت: “لا زال الله يحبني!”. وشملتها بهجة ناعمة، وهي تستسلم لنوم مبكر، نهضت منه، على قهقهة، لعلع بها أبو سامي، وهو يدهم حجرتها، برشاقة طفل لا تكدر المنعصات لحظته!

لملمتْ هند فوضى الصحو الفجائي، بشيء من الارتباك، المخلوط بالتوجع المكتوم، الذي فضحته معالم وجهها، من المغص الذي تفاقم، والذي ارتابت في شأنه: هل هو المغص الذي يرافق الدورة الشهرية؟! أم هو احتجاج ما، على شئ ما؟!

19

أنارت البهجة، شيخوخةَ أبي سامي، التي تقهقرت من معالم وجهه المحفور بالأخاديد، وهو يمازح حماته، التي كان يجلس بينها وبين عروسه، حول مائدة الإفطار المفروشة على الأرض، في بيت والد هند، فيما كان إبريق الشاي ينفث بخاره، من فوق نار الحطب، المتقدة في كانون يقاوم برودة صباح طقس شتوي، لا تصدّها منازل المخيم الهزيلة…

مال أبو سامي نحو عروسه، وأسرّ في أذنها: “الحياة امرأة تمنحنا البهجة!”. أجابت، بوجنتين متوردتين: “خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها زوجها أبهجته؛ وإذا غاب عنها…”؛ توقفت، من غير سبب محدد، قبل أن تستكمل الحديث النبوي: “حفظته في عرضه وماله”. والذي استبدلت فيه، بوعي، كلمة” أبهجته” بكلمة”أسرّته”، وبوعي أيضا، تعمّدت أن تسقِط منه: “وإذا أمرها أطاعته”!

كانت نفس هند، وهي تجلس إلى جوار عريسها، تضْطرم بصراع خيالات جلال وسامي وعبد السميع، وشقيقتها المذبوحة. وفي جلبة أطفال يتصايحون، في بيت أبيها، وفي البيوت الملاصقة له، التي تفصلها حيطان وهمية، تشي بما يجري خلفها، من تأوهات وزفرات، ومناوشات من كل صنف، في هدأة الليل، ثورة الشبق، ونزاع الحرمان… اجتاح الرعب مركب هند، الهارب في لجة بحرها من وحوش الماء واليابسة، تتقاذف الدم الحار، وتدفن الأحياء في التراب، تذبح البراءة وتغتال حرية الجمال… شردت في غياهب الجحيم، وقفت لقمة في بلعومها، وأخرى في يد قطعت نصف المسافة إلى فمها؛ أخفضت رأسها، وانفجرت دموعها: “الحقد يقتل صاحبه، فأي شيطان يتلبّسني؟!”، قالت في خاطرها المشروخ… انتفضت وقامت، وكفّت أيادي الجميع عن الطعام! وغام وجه أبو سامي، وهو يراقب عروسه، بحزن يتصل بتاريخه الأسيان. وطلب إلى إحدى شقيقات هند، أن تجهز له الأرجيلة، التي لا يزال أبوها يحتفظ بها، ذكرى من أبيه، الذي نقلها معه، من بين أشياء قليلة، عند الهجرة من قريته في فلسطين عام 1948.

انكمش أبو سامي في زاوية المجلس، وسرح الخيال به، على نغم الكركرة، إلى أيام طفولته الأولى، في القرية التي ولد فيها. جاء هذا الصباح، لزيارة عروسه، بغير سيارته. تمنى لو أتى على ظهر حمار، ليسترجع ذكرى القرية التي كان المحظوظ فيها، هو القادر على امتلاك حمار، ينقله إلى حيث شاء. وراودته الرغبة الموجعة، أن يقضي سحابة يومه، جالساً القرفصاء، بين عجائز المخيم، المزروعات في طرقاته البائسة، لعله يستنشق العبق القديم، من نسوة، كان منهن، من لاعبته في طفولته، أو فيهن، من لا تزال تروي الحكايا عن المراتع البعيدة!

رأى نفسه، وهو يدفن طفولتَه المذعورة، من أخبار المذابح، التي ارتكبتها عصابات اليهود المسلحة، في حضن أمّه، للمرة الأخيرة، قبل أن يبدأ رحلة الهجرة والضياع… شرد في صحارى عمره، إلى أن انتبه إلى هند، وهي تجلس قبالته، خجولة، خافضة العينين: “هل تكوني أمي؟!”؛ سألها بلوعة ضياعه. امتقع وجهها بالألوان كلها، أسرّت في نفسها: “أنا أحقر مما تراني!”. ضغط على كفها براحتيه؛ تمتمت بحياء: “أرجو أن تساعدني على ذلك!”. أشرقت البهجة في عينيه. دعاها إلى رحلة حرّة. أجابت بنبرة مذنب يطلب الصفح: “هبني دقائق قليلة لإعداد نفسي!”.

تجولّا في أنحاء المخيم. كانا صامتين. بلغا نهايته المفتوحة على فضاء رملي أصفر ناعم. أمسك أبو سامي يد عروسه، وانطلقا يجريان كما لو كانا هاربين من مطاردين يطلبون رأسيهما. وقفا على ربوة رملية، يترامى، بعيداً عنها، لون أخضر، يقابل زرقة بحرية. رمى راحتيه على كتفيها. نظر إليها، بعينين شائختين، لكنهما مبتهجتان. استنشق نفساً عميقاً. قال بنبرة حكيم عاشق: “حريتنا هي امرأة نحبها! وأعترِف الآن، أنني لم أملك حريتي طوال عمري، إلا بحبك! أجل؛ أنت أول امرأة، بعد أمّي، أحبها!”.

راودها الشيطان أن تقول: “أنت كاذب، وساقط؛ ومن يحب لا يكذب ولا يخون!”. أخفضت عينيها، واستسلمت له وهو يجذبها من كفّيها، لتجلس، بعد أن سبقها بالجلوس، في ضحى مشمس، رقيق النسمات، يلفّه صمت يعزف موسيقى حب كوني رائق، ترقص الروح على ألحانها، رقصةَ جمال حريتها، وبراءتها البكر.. تابع: “أعرف أن أخطائي، هوَّة سحيقة تحيط بي من كل صوب، وأن قلبك الطاهر، لن يجتازها، نحوي، في وقت قصير. ولكن؛ من يحب، يصبر على المرارة. نفورك الداخلي مني مرير لي، ولكني أحبك! أجل؛ أحبك! الله لم يصنعني من مادة الشاطين. والحب إيمان! هل تذكرين متى أسلم عمر بن الخطاب؟! حدث ذلك، وهو في طريقه ليقتل النبي! اغفري لي! الحب، كالإيمان، يَجُبُّ ما قبله. الحب طهارة تستحيي براءة طفولتنا المبكرة. بي ظمأ محموم إلى صدر امرأة، أدفن فيه شيبي، فأنزرع فيه طفلاً صافياً،  من جديد! اسألي أباك يا هند، أنا ابن عائلة، يشهد لها الناس بالطهارة! اسألي أباك، الرجل الطاهر مثل أبي: لماذا وافق على زواجي منك، وأنا الملعون بالألسنة والعيون! سيقول لك: لأن أبي كان طاهراً؛ ولأنني أستطيع أن أعود طاهراً كما بدأت! دعيني أفتح كتابي بين يديك، واحكمي مثلما يفعل القاضي النزيه. وأعاهدك، بحب مخلص، إذا حكمت ضدي، وإذا ظللت تعتقدين أنني لست ضحية عدوان واجهته، منذ طفولتي، وأنني لن أعود طاهراً كما أول نشأتي، أعاهدك، برجولة نهضت في دمي، بحبي لك، أن احترم استخدامك لحقك في طلب الطلاق، الذي أضفته، سراً بيني وبين المأذون، وبشروطه المنصوص عليها في عقد القران، والتي لا تعرفيها أيضاً، ولا يعرفها أبوك، والتي تنازلت، وفقاً لها، ولصالحك، عن ملكية البيت الذي ستقيمين فيه، والمزرعة الملحقة به، ابتداء من اللحظة التي يقع فيها، انفصال بيننا، بإرادتي، أو بإرادتك، أو بإرادة الله…”.

كتمت هند، عاصفة اجتاحتها، مما كشف عنه أبو سامي. ونازعتها الرغبة أن تصرخ في وجهه: “كفى! أنا لست أطهر منك، وفي صدري من الحقد، ما يحرق الأرض بمائها”. تماسكت للحظات، ثم انفجرت تبكي، وألقت رأسها على صدره الذي انتفض فزعاً وشوقاً… وحنان أب لابنةٍ زوجه… وفيما كانت إشراقة جوّانية تزحف خلف تراجع نوبة الانفعال التطهّري، قالت هند، بنبرة ودودة، وهي تضغط راحة أبي سامي بقوة، بين كفيها: “أنا سعيدة بهذا اليوم الذي سأقرأ فيه كتابَ زوجي!”.

قال وهو يلفّ ذراعه حول كتفها، ويلمس وجهها بوجهه: “أعتذر إليك. أنا أجور على حق عروس، في الابتهاج بالخطبة. أرجو أن أختتم بذلك كتاب خطايا عمري!”. ردّت وشفتاها تكادان تلامس شفتيه: “لا تحرمني من بهجة أمّ باعترافات طفلها بشقاوته العبثية!”.

طأطأ رأسه، وذاب في صمت الرمال التي خالها، تصيخ السمع له أيضاً، وهو يقول: “ما هي جريمة طفل، هرب أهله من موت كان يحدق بهم، وبه، وضلّ عنهم؛ فتلقّفه الضياعُ والعراء والجوع والرعب والليل الضاري والهوان…؟!”.

طبعت قبلة على خده، وهي ترفع هامتها، وتحثه لينهض… تشابكت أياديهما، وقد خلعا أحذيتهما، وطوّحت بالخمار عن رأسها، وعقدته حول المنطقة السفلى من جذعها؛ ومضيا يمشيان بين الكثبان…

– “لا أزال أشعر بالقبلة الأخيرة التي طبعتها أمّي على خدي، وهي تحاول تهدئة روعي الذي اجتاحني، مع دفق الانفجارات، قريباً من بيتنا، التي كانت تمزق الليل والأمن، في حرب عام 1948!”.

رغبت هند، في تحويل اتجاه الحديث، بينها وبين عريسها مع الحفاظ على مواصلة الحديث عن نفسه، لتبديد أسى لاحظته في وجهه.. فقالت: “لقد حالفك الحظ، فاستكملت دراستك الجامعية؟!”.

– “كلا؛ ولكنني تعهّدت نفسي بتعليمها وبتثقيفها، وأنا شغوف بدراسة الحكمة، ومن كل منابعها! إنني أعشق الفلسفة؛ هل توافقينني لو أني اقترحت عليك، مواصلة تعليمك، بدراسة الفلسفة؟ إني أرجو أن تحققي لي رغبة لم يكن بمقدوري أن أحققها لنفسي!”.

قهقهت بفرح: “هذه غواية تجمعنا؛ ولكن جامعات غزة لا تترك لمنتسبيها فرصة للضلال في نور العقل؟!”.

لاذ بالصمت، وارتسمت ملامح ضِيق في عينيه، فتألمت هند لظنها أنه ترجم محاولتها الكلام بينهما، إلى وجهه أخرى، غير التي أرادها، بأنه عمل، قصدت منه إنهاء الحديث في موضوع لا يلقى استحسانها… ابتسمت وهي تداعب أنامله بشفتيها، وقالت: “دعنا نواصل قراءة كتابك.. تحبُّ الزوجات المهووسات بهوى الفلسفة، أن يبدأن حياتهن، بدراسة تجارب أزواجهن…”.

قال: “بينما كان أقراني، ينتظمون في صفوف دراستهم الأولية، كنت أنا، أطوف على الأبواب، أقرعها بوجل، وبتردد، فأسأل أهلها، عن شيء أدفعه إلى جوفي المحروم من خيرات الله؛ وأعرض عليهم استعدادي لتقديم ما أستطيعه من خدماتي التي يحتاجها المترفون أو الكسالى أو العجزة… كنت أنقل القمامة من البيوت التي يستهلك أهلها، نصيبهم، ونصيب الفقراء البائسين مثلي، وكنت أحمل السلال فارغة ومثقلة، عن المتسوقين من أماكن بعيدة. وكنت أحظى بالقليل من المال أو القليل مما يزيح جوعا يرزح فوق كاهل طفل عار من أهله؛ ولكني كنت أتلقّى الكثير الكثير، من السباب ومن الركل ومن البصاق أيضاً.. فأحمل ما جمعت، في قرارتي، واستسلم للنوم، بين قاربين مهملين، كنت أخالهما أمّي وأبي، كانا راسيين على بعد من شاطئ غزة، كاف لحمايتي من النوم في مرعى الموج.. واستمر شأني على ذلك، حتى عثرتُ على محفظة كان بها من المال، ما يكفي لشراء صندوق لمسح الأحذية، ودون الكرسي الذي يجلس الماسح عليه؛ فتحولت إلى مهنتي الجديدة، التي كان زبائنها، يرون أنني أحقر من الوسخ الذي أزيله عن أحذيتهم؛ وكثيراً، ما كان وجهي هدفاً لأحذية يصوبها إليه الغاضبون مما يعتبروه، أداءً لا يستحق من الثمن، غير قذفي بالحذاء، وبالسباب، والبصاق!! كنت أحمل نفسي على الصبر على الذُل؛ ولكن رغبتي في الانتقام كانت تتفاقم، وفي غفلة من وعيي… وذات مرة، وبعد أن فرغتُ من تنظيف وتلميع حذاء زبون، دسّ الرجل يده في جيب معطفه الداخلي، فلم يجد محفظة نقوده، أو هكذا ادّعى؛ فانقضّت، فجأة، وبوحشية، يداه، تعصران عنقي الهزيل، المزروع فوقه وجه بدأ خط الشوارب يرتسم فيه، وصرخ بفجور، يتهمني بأنني سرقته، بخفة يد. وجرّني إلى مركز الشرطة، الذي كان رجاله كراماً معي، في الصفع والركل واللعن والبصاق… أمضيت أسبوعاً في الحجز، انتظارا من الشرطة أن يسأل أهلي عني، ويستلمونني؛ ولكني انتهيت إلى الإفراج عني، بعد أن تأكد قائد المركز أنني غريب، منقطع عن أي قريب… كنت قد بلغت سنّ الحلم قبل فترة وجيزة، من حجزي في مركز الشرطة، وفيه، دفعتني رغبة الانتقام، لأتخيل أنّي ألوط بكل رجال المركز. وفي مرحاضها العفن، قذفت أول ماء الذكورة… وبعد خروجي، بات ضرورياً لمواصلة مهنتي، أن أترك المنطقة التي انطبع في ظنّ أهلها، وروّادها، أنني أملك خفّة يد تسرق الكحل من العين، خاصة وأن الرجل الذي اتهمني بسرقته، هو من الأعيان التي تحظى باحترام الناس له، وبتصديق ما يقوله…. وأخذتْ حرارة المراهقة ترتفع في دمي؛ ولكن، خذلني ضعف فتى لا قبيلة له، تدافع عنه، ولا قانون ينصفه، ولا أخلاق ترعى ضياعه. قمعت رغبة حادة في الانتقام، ونقلت نشاطي إلى منطقة أخرى، وكنت قد فقدت قدرة الصبر على جلوس القرفصاء، الممل والمضني، انتظر مقدم الزبائن؛ فعدت أطوف بالبيوت، أبحث عن لقمتي المغموسة بهوان الضياع، كما كنت أفعل من قبل؛ لكني أحمل هذه المرة، على ظهر مقوس، بعظام ناتئة، صندوق مسح الأحذية… كانت أصوات الأنوثة، التي تصدر من خلف الأبواب التي أطرقها، لعرض خدماتي على بيوتها، تلهب نفسي الملتاعة بين طفولة فقدت أمها، وكل ذويها، وبين فتوة تصرخ ببكارة الشهوة تحت بساطير جيش سلطان القمع الجائر… وعندما كانت النسوة، يشقُقن أبواب بيوتهن، بحذر، وبقدْر يسمح فقط، بمرور الأحذية من أياديهن الناعمة المزيّنة بالحنّاء، إلى يدي المعروقة، المحروقة باشتهاء لمْسِ جلد أنثوي؛ كنت أهوي في جحيمي، وفي ذكريات هواني وضياعي المبكر…”.

توقف عن السير والكلام معاً. وجفّ ريقه، وشردت عيناه، وتمنّى لو يفتح كثيب الرمل الذي ينتصبان فوقه، بطنَه، فيبلعهما، لتضمهما الأبدية معاً… تأملت هند معالم وجهه، فخال لها أنه امتقع بلون الموت. قال بنبرة تئنّ بوجع نفسي قديم: “أشعر أن النهاية تدنو. وأودّ لو أنّي أذوي في بحرك؛ فأغدو من الخالدين!”.

جلست، وجذبته من يده، فأقعدته في حجرها. تمنّى لو يرضع ثديها، أو يلثم فمها: “ما الفرق بين الأم والزوجة؟” سألها، وشعاع طفولي يقفز من عينيه. ابتسمت له، وهي تحيط عنقه بكفيها، برفق، فقال بعينين شردتا من جديد: “ظللت أكبت غيظي، وامنع كبريائي الجريح، من التمرد على هواني إلى أن شتمني رجل بما مس شرف أمي. فأضمرت أن انتقم منه، وأن أدوس شرفه العائلي. اقتحمت بيته، بعد أن ترصّدت خروجَه إلى عمله؛ فعندما شقّت زوجتُه الشابة، باب بيتها، لتقذف أحذيتها وأحذيته في وجهي، كالعادة، اندفعت وأنا ملتهب بحقد الانتقام، والرغبة المتفجرة، في جسدها البض الذي ينثر شبقه في الريح، والذي طالما أشقاني في الخيال. كانت ترتدي قميص نوم أحمر قصير، يشفّ عن قطعتين سوداويتن، ضيقتين، مشدودتين، فوق صدر عليه قبّتين، وبين فخذين تتلاطم الأنوثة الناضجة الصارخة على أمواجهما… بدت كما لو أنها كانت تنتظر اقتحامي عليها البيت الذي لم يكن يشاركها فيه، بعد خروج زوجها، غير قطة تضج بالتقافز والمواء… هربتْ نحو حجرة النوم المكسوة بستائر في لون السماء الصافية، والمؤثثة بفراش، لو كان لي، ما أضعت ليلي في النوم، ولكن، بالابتهاج بالنظر إليه… أنشبتُ أصابعي الخشبية في ثدييها؛ لم أكن أعرف كيف يفعل الرجل بالمرأة وهي تحته. ولكني بللت ثيابي بماء اندفق مني، وانا أعض عنقها بشراسة جمل، استنفد طاقة الصبر على الهوان! لم تقاومني؛ وعندما هممتُ بالنهوض جذبتني بعنفوان، وألقتني تحتها، ولثمتني من فمي بقسوة استنفرتْ ذكورةّ معذبة، فقلبتها تحتي، فاسترخت، وبكت، دون صوت.. قذفتُ مرة أخرى ثمّ وقفْت. تركتني أمضي دون أن تنبس ببنت شفة… وعندما عدت إليها في اليوم التالي، أدركت أنها تخون زوجها بإرادة تقاوم إحباطَها، وتقاوم فجورَ الذكورة. استمرت علاقتنا، بعد أن اكتسبتُ خبرة الجماع؛ ولكنني ظللت هدفاً للإهانة التي لم تكفّ عن توجيهها لي، كلما أفرغتُ فيها، حمولَة الشهوة وحمولَة الانتقام… ثم صارت هذه المرأة، بعد سنوات، هي الدرب المظلم الذي سلكتُه نحو خيانة الوطن، والعبث بكل قيم الحياة الجميلة! لم أكن راضياً عمّا أفعل، ولكنني عميت، ولم يضئ أحد بصيرتي، وحاصرني الناس في ظلامي، فهل يحررني حبك يا أماه من شياطيني؟ هل تغفري لي؟!”.

ضمّت رأسَه إلى صدرها، وضغطته وهو يحاول التملص من قبضتها، وقد راودته الرغبة في أن يقلبها، في الفضاء المفتوح على كل اتجاه.. وفي اللحظة التي كاد فيها أن يأسر شفتيها، دفعته عنها بدلال أنثوي، ونهضت برشاقة، وانطلقت تجري، وهو خلفها، إلى أن وقعت على وجهها، فأدارها على ظهرها، وتمدد فوقها، ولثم فمها بشهوة معتّقة، فاستسلمت له، ومادت الأرض بهما، فتسللت يده، بين وسطيها، فقالت من تحت أسرها الفميِّ: “الإشارة حمراء”.

20

في بيت سماح، كانت حليمة تجاهد لتهدئة ثورة نحيب، انفجرت في هدأة الليل، في الفراش الذي كان يضمّها وصديقتها، سماح؛ التي كان الظلام ينشقّ لها، وهي تستلقي على ظهرها، وتحملق في فزع، تذرف دموعاً تنهمر من أول عمرها، ملتهبة بالذكريات البشعة… قالت بكلمات منزوعة من دفق الأحزان: “هل يعي الطفل ما يجرى حوله، وهو لم يزل في ساعاته الأولى بعد ولادته؟!”.

أجابت حليمة، وهي تضغط رأس صديقتها، على صدرها: “أعتقد ذلك! بل، يبدأ الانطباع بما يجري حوله، خاصة مما يعنيه، منذ أول تكوينه الجنيني، حيث يبدأ بالانفتاح المنفعل منذ لحظة الجماع بين أبويه، التي تؤسس كيانه! لكن، ماذا تقصدين بسؤالك؟!”.

– “يطاردني في خيالي، شبحٌ فرغ من ذبح امرأة سوداء، في ليل دامس، لم يزل رحمُها، ينزف دم الولادة… كابوس يخنقني، الوليدة تصرخ والأم، من الهلع؛ زلزال يضرب الكون ويصدعه… حليمة! يد تقطر بالدم تمتد بساطور نحو عنقي، ويد تضغط كفها القاسية على فمي وانفي معاً!! هل تسمعينني؟! أنقذيني! قدمان ثقيلتان تضغطان بطني! الجنين يستغيث! هل تسمعي صراخه: لا تذبحوها! لا تذبحوها! حليمة!! سقف الحجرة يهوي فوقي! العمارة تميد بي، تسقط في البحر… حيتان وقروش تعصر عظامي! حليمة! أقامت قيامة الله؟! رحماك ربي! جنود الغضب يدفعون الرجال إلى جهنم… نساء تُولْوِل.. نساء تزغرد… انطفأ العالم في رأسي! هل ما زلتِ معي أيتها السوداء مثلي؟! لا تخذليني!”. ثم نامت، بعد صمت لفّها، وهي تلتصق بحليمة، وتئنّ بالأسى وترتعد!

قبل ذلك كان سامي، يزور منزل السوداوتين، أول هذه الليلة. قضى وقتاً مع سماح في الفراش. ثم دعا حليمة، من وراء الباب المغلق للانضمام إليهما. كان يستلقي على ظهره، عارياً.. دخلت حليمة، عارية كعادتها، جذبها من يدها، تمدّدت إلى جواره. نهضتْ سماح، ارتدت ملابسها، وتكوّمت على كرسي يحتل زاوية في حجرتها… وراحت تبكي بصمت…

قال سامي بنزق: “طلبتُ من سماح أن تتخلص من جنينها، رفضت! الفضيحة تزحف نحونا! ماذا أفعل؟! هل ألقي بنفسي من الشرفة إلى البحر، لتبتلعني وحوشه؟! هل أقتل سماح، فأضيف إلى جرائم هذا العالم البشع، جريمة أخرى؟! أنا مستهتر، هذا صحيح، لكنني لا أطيق قتل حشرة! ولكنها الفضيحة! إنها كارثة: ماذا سأكون له؟ أبوه، أم خاله؟!”.

زاغتْ عينا سماح، في فراغ مشوّش. اجتاحها المشهد المفزِع، الذي داهم طفولتها، وهي في التاسعة، في يوم عيد ميلادها، يوم صفعتها مديرة المدرسة، بقسوة امرأة عقيم: “ساطور يقطر الدم منه، في يد متوحشة، وامرأة مذبوحة، تضم بذراعين متصلبتين، على صدرها أسود الجلد، أبيض القلب، طفلة لها، جاءت من لدن الله، على التو!”.

رمى سامي ساعده على بطن حليمة، استدارت نحوه. قال بشبق: “تذبحني الرغبة فيك!”.

– “لن تنالني!”.

  • “تواصلين التحدي إذن أيتها الزنجية القميئة؟!”.

نهضت حليمة. تناولت بحركة هادئة، كتاباً من فوق الرفّ في حجرة سماح. فتحت صفحته الأولى. قرأت بنبرة واثقة عمّيقة: “الصحافة هي المهنة المناط بها، أن تفتح كتاب حياتنا الاجتماعية على ضياء الشمس المشرقة، الدافئة…!”.

ومن خلف الزجاج المطلّ على أفق البحر المترامي، سرحتْ في الماضي البعيد: “منذ ثلاثين جيلاً، أو أكثر، غادر جدي الأكبر، بلاده في أواسط أفريقيا، التي لا يزال أهله الأصليون فيها، يعيشون عراة، من الثياب، ومن الكذب، ومن عذاب الشهوة أيضاً! فما الذي قادك يا جدي إلى هنا؟! اشترى الأثرياء حريتك؛ ثم ارتديتَ ضلالَهم ونفاقَهم؛ غفر الله لك! لكنّنا، نحن أبناءك وأحفادك، نحفظ عنك، درسَ الحكمة الأفريقية: تلد الحقيقة عارية، فيلقفها الجهل، وتذبحها وحوش الغاب الإنسانية!”.

 أطلق سامي زفرة مغيظة، وريحاً خبيثاً، ومضى…

حضنت حليمةُ سماح، الليل كله، إلى أن بزغت الشمس من جديد. نهضتا؛ ونهضت، في الوقت ذاته، نسوة مخيم هند، اللواتي تدافَعْن في الطرقات الضيقة، ليتزاحمن، حول سيارة شحن كبيرة، تحمل أكياس الدقيق والأرز والسكر، وغير ذلك، من المواد التموينية، تربض قبالة مئذنة مسجد المخيم، التي لا تنفكّ تبتهل لله وتنتحب… في الزحام، سقطت عجوز تحت أقدام نسوة طرايا، يعْصُرن بينهن الشيخَ عبد السميع، المشرف على توزيع مساعدات أبي سامي في مخيم هند…

وفي بيت عائلة هند، اتفق أبوها، مع أبي سامي، على تنفيذ الاقتراح المتعلق بفتح دكان بقالة، يعمل فيه أبو هند، ويزوّده أبو سامي بما يحتاجه من المواد، على شرط تقاسم الأرباح، بين الجهد المبذول في العمل ورأس المال..

لم يمكث أبو سامي طويلاً، في بيت صهره. وبعد مغادرته، وصل عبد السميع، الذي كان قد فرغ من توزيع المساعدات على نساء المخيم.

أعدّت له هند، إفطاراً سريعاً، تناوله بشهية. وعندما سألته: “هل كنت عادلاً؟!”؛ رمقها بعيون تستعر، وقال في سريرته: “متى أحظى بعدل الله، فأحرث أرضك، وأسقي بئرك؟!”.

وقال وهو يهم بالخروج: “إذا اتصل بك عمّي أبو سامي، على هاتفك المحمول، فأخبريه أنني مضطر لأداء زيارة لقريب لي مريض، مما يجعلني أتخلف عن الذهاب إليه، في الموعد الذي ضربه لي صباح اليوم”.

وكان عبد السميع، قد منح، ثلاثاً من نسوة المخيم، اختارتهن حاسّته الخاصة وخبرته مع المرأة، كميات مضاعفة من مساعدات أبي سامي. واتفق مع كل منهن، وعلى انفراد، بمتابعة حالاتهن، ميدانياً…

وهند، منذ نهوضها، هذا الصباح، ترتدي ثوبها السماوي، وتتوشّح بمنديل أسود، ويعتريها انقباض قلِق… جلستْ تنتظر رجوع عريسها، وفيما أطفال بيت أبيها، يعبثون بالكسل، الذي يلفّ ضحى المخيم، كان سؤالٌ يراودها، وعينها ترفّ بإلحاح: “تُرى، ماذا يخبئ القدر لي؟!”.

وأبو سامي، من متجره، طلب من المحاسب المسئول عن تنظيم سجلاته المالية، أن يحدّد له بدّقة، المستحقَّ عليه (على أبو سامي) من الضرائب والديون…وهاتف محاميَه، وطلب منه، إعداد عقدِ بيع العمارة التي تقيم فيها سماح، لصالحها… وهاتف وزارةَ الأوقاف والشؤون الإسلامية، وطلب منها، إيفاد مندوب عنها، لاستلام المسجد المقام على الأرض المجاورة للبيت الذي ستقيم هند فيه، معه… وعاد يهاتف محاميَه، ليطلب منه، تحرير عقود بالتنازل، عن أراض يمتلكها، لصالح مؤسسات متعددة، شرط أن تنتفع بها، انتفاعاً مشتركاً؛ وحرّر صكّاً مالياً بقيمة كبيرة، لحساب مشروع مشترك، تعود أرباحه، للمستفيدين من هذه المؤسسات، ويكفي، الصكّ كذلك، لإقامة مجمع، على الأرض نفسها، يشمل مباني مدرسة ومستشفى ونادي ترفيه، ومجمع صناعات يدوية، ومركزاً لرعاية المسنين، والمعْوزين والمعاقين… ومعهداً لتعليم الفنون، ومنها، كما طلب بالتحديد، فنّ الرقص، الذي وصفه لمحاميه، بأنه فنّ صوفي… واعتذر، في محادثات هاتفية أخرى، عن تراجعه عن تنفيذ اتفاقات تجارية كان عقدها… وحرّر صكوكاً مالية متعددة، بمبالغ محددة، باستثناء صكّ مفتوح، حرّره لصالح حليمة.

منذ هذا الصباح، كان أبو سامي ينعم بسكينة الروح… وفي المسجد القريب، من بيت عائلة هند، أدّى صلاة الظهر، برفقة والد هند، وتجولّا معاً، بعد الصلاة، في طرقات المخيم… ولم يكفّ أبو سامي، عن إلقاء تحية السلام، على كل من مرّ به، كبيراً أو صغيراً، أنثى أو ذكَرا.. وكان داخله، يلقي التحيات على الدواب أيضاً… وحافظ، طول جولته، على ابتسامة تشرقُ من حنايا وجهه…

ولَجا معاً، باب بيتَ عائلة هند. نهضت العروس تستقبلهما… انحنيا معاً، يلثمان ظهرَي كفيها… انحسر الانقباض من عينيها، استضاءتا بنور البهجة…حضنها الرجلان في وقت واحد، وبكيا من غير صوت.. عاودها الانقباض، ورفّت عينُها.. شقّ صراخُ طفلة رضيعة صفحة الوجوم التي ارتدتها بيوت المخيم من حولهم!!

انطلقا، أبو سامي وعروسه، بالسيارة، في رحلة تخلّلا فيها تفاصيل قطاع غزة… وتركا، للغة العيون أن تصل بينهما… شردا طويلاً في الأفق المترامي فوق هدير يقذفه المجهول… ترجَّلا، تسلّلا من سياج يحمي بستان برتقال من ماشية الرعاة.. وفي البحر الأخضر الذي يضاجع موسيقى كونية، منظومةً في ثمار ناضجة متلهفة، تميد على صدر هند، ذوّبتْهما قبلة نهلت من ماء الخلود، وحملتهما على أجنحة من نور، لا يراها الرائي… ذكورة وأنوثة، في أريج السرمدية، تستعيد، في حرية الطبيعة وحدتها القديمة.. “ربّاه؛ ما أجملَ ما أبدعْت!”؛ قالا معاً، بالقلوب وبالعيون… انطلقا، إلى الحدّ المسوّر بالأسلاك المكهربة، التي تُسيِّج إسرائيل بها، قطاع غزة.. صرخ أبو سامي بفزع طفل ضلّ عن أهله، في ليل وحْشي قارس: “مجرمون!”.. شردا في الأفق الممتد أمامهما، المترامي وراء الحصار.. استدارا؛ فتلاقت عيونهم: أبو سامي يذرف الدموع… وهند، تبتسم بحب أمّ لطفل عاد إليها بعد ضياع…

واصلا رحلتهما بالسيارة… تسمرّا قبالة مستوطنة إسرائيلية في وسط قطاع غزة؛ الدم يغلى في عروق أبي سامي… اقترب جندي إسرائيلي منهما… صاحا معاً: ” مجرمون!”.

ومع حلول أول الليل، أنهيا رحلتهما، بزيارة لمنزل سماح، التي كانت، ومنذ الصباح، ترتدي ثوباً أبيض، يحشر، بينه، وبين قامتها النحيفة، الطويلة، جنينها، الذي لم يعد يخجل من الإعلان عن وجوده… الذي صدم أبا سامي، كما لو كان صخرة بحجم جبَل، هوَتْ فجأة على رأسه، فأودت به، إلى قاع الموت..

وفي خيال يتمزق بكل عذابات عمره، قفزت صورة سماح، وهي تحته، ذات ليلة، قبل حوالي خمسة أشهر، عندما ضاجعها، وللمرة الأولى، مضاجعة كاملة، على غير ما كان يجري بينهما، من قبل.. كانت العذابات تذبحه حينئذ، كما تفعل به الآن، عذابات تشرخ قلبَ الأب وقلبَ الابنة، بساطور دموِيٍّ واحد… في تلك الليلة ضمّته بعنف حتى كادت تطحن جسدَه الذي كان منهوكاً تحت تأثير خمور احتساها بشراهة، اعتاد الإسراف في تعاطيها، لعلّه يهرب بها من سواد تاريخه…

انهار أبو سامي… ألقت سماح جسدَها المنتفض بزلزال، فوق أبيها.. “اغْفري لي يا ابنتي!”؛ قال بعينين تتوسلانها…

صمت الكون… شقَّه نزْعٌ عميق واهٍ أخير: “سماح.. سماح.. أنا أبوك!!”.

قالت حليمة، والنحيب يأتي من صخب الموج المتلاطم وهو يضاجع شاطئ غزة: “مثواك الجنة!”.

روت حليمة، بعد الانتهاء من مراسم جنازة إبي سامي، أنّ المُتوَفي، كتب في وصيّة تركها لدى هند، أنْ لا يُكفّن جسده، بعد وفاته، وأنْ لا يوضع جثمانه في قبر تحت الأرض، ولا فوقها.. وطلب أنْ يرفع جسده، فوق صرح زجاجيٍّ عال، مفتوحا على الأفق المطلق، كان أمر ببنائه، على أعلى كثيب في قطاع غزة، لا يفصله عن البحر فاصل؛ وطلب أنْ يُبقى عليه عاريا، ممدّدا على ظهره، لا مسند تحت رأسه، وأنْ يُباعَد بين ساقيه، وأنْ تُنشر ساعداه، إلى أقصى مدى..

قالت حليمة: ” كان أبو سامي، قد حفظ عني، إنّ الموت، مثل الحبّ، طُهْرٌ وحريّة”.

أضافت: “لكنّ وصيّة أبي سامي، ظلّت، منذ استلمتها هند، في صندوق مغلق. وحين تذكّرَتها هند، قامت تفتحها، لكنّ الريح العاتي، وقدْ هبّ حولها فجأة، حملها إلى بعيد بعيد، ثمّ بددّها!”…

قالت مريم: “أمّا أنا، فقد أطعمتُ النارَ كلّ ثيابي، وانطلقتُ في أفق النُّور المفتوح، عارية، حرّة، محبّة، مبتهجة، ما بقيتُ حيّة!

غزة في: 29/4/2000

 

حسن ميّ النوراني

فلسطين – غزة

هاتف: 9412414 59 00972

بريد إلكتروني:

alnoorani@hotmail.com

hasanalnourani@gmail.com

hasanalnorani@outlook.com