Category Archives: فكر النوراني قبل النورانية

يا أبت ؟! _ حسن ميّ النوراني

* ما الشر يا أبتي ؟    ** الزمان سيّال، فإذا قطعته!!         المكان مطلق، فإذا حصرته!!         أنت ما اتسعت، فإن ضيقت هلكت!!         نحن المأزق ـ يا بني ـ ونحن الفرج!! * والموت؟    ** ولوج باب في الدار!! آخر!!         وفي الكل!! يستغرق الفرد!! أكبر!!    ** وهل تكره أي بني!! رجوعك إليّ!! بعد فراق         طويل!! أليم مرير؟ * فما صراخهم!! ما العويل؟    ** جهالة الظلمة!!         وضحالة الفكرة!!  والحقيقة؟    ** أنا قبل ولادتي!! أنا قبل ولادتك!!         أنا أنت في الزمان!! وفوق الزمان!! * أبتاه!! العمر محدود؟    ** في الدنيا!! لا في الوجود!! * ما انقطاعك عني يا أبت؟    ** يا ولدي!! أنفاسك صلتي!! * أفٍّ أفٍّ!! تغدو وتروح!!؟    ** منك إليك يا فتى!! * قال المثل: الدنيا يوم لك ويوم عليك؟    ** الأمثل أن نقول: اليومان يومنا!! ما كان لي كان لأخي!! * ودَّ عصفور لو كان سجانه!!؟    ** ودَّ إنسان لو كان طليقا مغردا!! * حكمة تقول يا أبت؟    ** من فيك أنهل!! حكمتي فيك!! * ما تأويل قول شيخ قال: أنا هو؟    ** أسكرته الحرية!! فأنشد أغنيتها!!    ** الصوفية ـ يا ولدي ـ تفلت من الحد!!    ** والدين حرية الفاني بالباقي!!    ** والعدد تكرار الواحد!!    ** والفردية ـ يا بعضي وكلي ـ حال السرمدية!! * والأزلية والأبدية؟    ** أطراف الآن!! وخيال الزمان!! * قد تمددت السوأة واستدارت؟    ** فقد تطاولت الأسوار!! طمست الأبواب     والنوافذ!! ليل حالك يتمدد في العقل!!    ** لكن الشوق ينبض!! * أبي، إني أشتهي أن!!    ** يا ولدي!! قضاء شهوتك خروجك من إنِّيتك!! * والضرورة المغروزة؟    ** طلب الفناء سياج من شوك ودوس تداسه!! * عشقك بحر من غير شطآن؟    ** أحصى النسوة كلهن!! من رأتها العين ومن   سمعها السمع!! ومن أنجبتها أم!! ومن أبدعها خيالي!! وأنت ـ يا فلذة الكبد ـ ابنهن مجتمعات وفرادى!! * عفوا أبي، أود اللهو قليلا؟    ** أو كثيرا!! سليل امرأة أنت!!  * أتعيرني؟    ** خانك فهمك، المرأة مرآة يا ولدي!! المرأة فينا!! المرأة أصل وورود وثمر!! أنا وأنت عطاء امرأة أعطيناها كينونة الخلد!! * أين مأتاك؟    ** ثغر استقبلني!! وداء حط على سفوحي!! من بلد الدواء أنا يا عمادي وامتداد جهادي!!    ** تدثرت الشمس بثوب الحداد وغار القمر في ضروس الذئاب!! * فاسدا يسفك الدم جعل الله الإنسان؟    ** عقلا عبدا خلقه!! * !!!!!!    ** لا تسلبني وصفي!! لا تنزع من لحمي عظمه!! * !!!!!    ** يا ولدي يا حتفي!! الحبل مشدود واللسان معقود!! * لا يُسأل عما يفعل؟    ** يُسأل عما يفعل الذي يفعل الأبيض والأسود!! * ما السعادة؟    ** في السلام!! * والصراط؟    ** حب اللئام والكرام!! * وقانون الجماعة؟    ** العدالة!! والصناعة!! * ما الألم؟    **  ماء وصابون!! ونار الفيافي!! * ما الصداقة؟    ** بصر وسمع وشريان للمعروف والمجهول من إخوانك!! ليس هذا أخي وذاك لا!! الكل واحد والواحد أبعاض!! * وما الغدر؟    ** نكوص المنكوس!! وانتحار المختار!! * ويفترس الناس زغاريد البلابل؟ * تفيض النشوة من عينيك؟    ** طاب الثمر!! وتلك قبلة حبلى!! واثنان ينتشران في واحد!! وعقلي أهازيج النصر!! ها قد ولدت يا ولدي، ها قد أينعت !!    ** قل رب املأ قلبي فلسفة واملأ عقلي شوقا!!    ** قل رب أعوذ بك من ظلم يسكن بيتي الجواني والبراني!!    ** قل رب احفظ لي زينتي، حسن معشري!! * ليلك ويومك جدائل من صمت وموسيقى؟    ** شوق حفيف الحور العين !!    ** الله يا بني أوسع من ثقوب الزوايا!! الله يا بني أكبر من أن يحبسه مضيق أو يصد طوفانه آن!! * ما الجمال يا عبده؟    ** نبضي فيك!! وابتسامتي على محياك!!    ** وإذا استقبلت نومك، فاعف عما سلف!! لا تضاجع ضغينة، ارسم غدا لم يولد من قبل!! فإذا أشرق النهار، احمل حبك في صدرك وازرعه في كل الحقول، في المجدب منها والخصيب!! * والحرية؟    ** هذا الملتقى بعضها!! * أخ عبوس!!؟    ** وكان في رأسه غمام!! رحبا كن، مسرورا سارا تكن!! * روت الأنيسة عنك زعمك أنك طموح الوجود؟    ** أجل أجل!! سألتني يومها: وماذا تعني؟ فتلمست عقلي فافتقدته!! إذا ارتقينا السما ولجنا الحرية وأبدعنا شيئا يرفرف فوقنا!! اعذرني فاللسان بالجموح ينقطع!! * وبك شطط فتزعم أن الرقص تصوف؟    ** وإذا تمايلت العذارى قلتُ للصحاب قوموا نرتقي بهجة الأصابيح !! * من أنا؟    ** أنا خطوة إليك، وأنت صلة الصلة!! وأنا وأنت رقص الواحد!! * أوصني يا أبي؟    ** يموت اللئيم والكريم!! الكاذب بغيض ملعون، والبخل جيفة، وإذا كذب الرائد أهله فالويل الويل!!    ** وأمس هلك جاران، لقد ناما في الليلة السابقة!! كان أحدهما جائعا والآخر شبعانا!! * الناس غني وفقير؟    ** هم آكل ومأكول!! * قصورا بعضهم يسكن، والبعض بلا مأوى؟    ** بعض سارق والبعض مسروق!! * هذا السبع العجاف وذاك سبع سمان؟    ** إذا اكتنزت الثروة قلة، فالثورة حق الكثرة!! ولكل عدوان ردع!! * !! وإنك في العيون تديم النظر؟    ** كانت عيناي قد لبست عيني هندية!! رباه، أين التقينا!!؟ ومتى!!؟ * وتديمه في الكتب أيضا؟    ** عقل يسعى إلى قرار!! ولا قرار!! * هذان خصمان!! هذان هابيل وقابيل؟    ** علام، وهم واحد واحد؟ * هذان اثنان تباينا؟    ** زبد الموج يفنى على الشطآن، ويدفع البحر العميق موجا آخر!! الغور كل مدلهم!! والعقل  نور!!    ** إن العماء تحاسد الناس، والحقد غوص في الوحل!!    ** وإني أكره أن أكره!!    ** والشيطان كلُ أصم كسيح!! * شهدت عرسا في حينا؟    ** وأنا شهدته في السماوات العلى!!    ولا تغلق بابا يا ولدي!! لا تمتلكنك شهوة فتهلكك وتهلكني!! * بادرة تشق وجه الأرض!!    ** وإني بالغرام أنتشي!! * غادة تهدهد التأوهات!!    ** وبالمجد أنا أنتشي!! * يا أبت، قد شق على أمي حملي وولادتي؟    ** تلك حصتها في الشراكة أي بني!! * أمفعول؟    ** أكنت قبل؟    ** فعل فاعل!! فاعل!! * وأزواجا خلقنا؟    ** كثرة إلى واحديتها تعود!! * والله والوحي والحق والخير والجمال؟    ** آمنت!! أنا واحدي!! * ما المرأة؟    ** زرعنا وحصاد!! يرسمها شاعر!!    هي السفينة في بحر نسجته الظلمة والنور!! * والذكورة؟    ** مجداف بين الماء واليابس!! * والبنوة؟    ** شراع!! * فما البحر؟    ** لا شيء!! * ووجهة الرحلة؟    ** سر لا أطيق كشفه ولا كتمانه!! * بلايا الكون لا ترحم؟    ** السهم مستقيم ويهرق دما!! الكل أولى، الكل أولا!! * والفردية؟    ** آية الواحدية، وجسر الأبدية!! * يا أبت، ما الوحي؟ ما النار؟ ما الجنة؟    ** المطلق ينمو في كون!! تأكل النار حطبها، النار تأكل الباطل!! أما الجوهر الصافي فلا يفنى!! وفي دار السلام  نقوم كلنا بالفوز المبين!! * في بلاد بحر المال الأسود، رجل من حطام، مد يدا للرائح والغادي؟    ** وا لوعتاه!! ليس كريما من يهب مما لا يملك!! الكريم لا يملك ما يهب!! ولا كريم في الأرض ما كان واهب!! لا كريم إن عدا جائر على حق!! وحق الحق وجود مشاع!! * أأحصيت الوجود عدا؟    ** أجل، الواحد هنا!! والواحد هناك وهنا!! * أفصح يا أبت؟    ** أنا هنا!!        وهو!! هنا وهناك!!    ** والغنى ـ يا ولدي ـ شوقه وشوقي!!    ** ووراء الباب المغلق عتمة قلب يحتضر!!    ** أما البر، فهو هوى من لم تهو!! فإذا كان مال، فلينبع من نهر صدر وسيع!! * قـُطعت يد سرقت؟    ** كانت أحقر مما سلبت!! *  والحسنة مضاعفة؟    ** المحسن ـ لا مما ليس له ـ أكبر مما يعطي!!    ** وفي الأثر: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا!!    ** والمجد  يا بني، “قول الحق، ولو كان مرا”، في يوم الباطل!! * أبي، أيها الوطاء!!أنت فان وأنت البقاء!! أنت الشيء واللا شيء!! أنت السبب الفاعل وأنا العلة الغائية!! وأنا معك لا بعدك!! فهل يبسم الليث؟    ** أجل، إن مضغنا أنيابه!! في لحظة عشق ولدنا!! كان ألما وانشقاقا، وكانت حياة!! ** وكشفَ يومُ ميلادك المخبوءَ، فكان ميلادي!!    ** يا بني، من وسع الكل كله، وسع أبعاضه!! فكن سمحا!! لقد كان جدك ذوبا ثم بلورا ثم ذوبا!! فاعرج بنضرة إلى علاء، يا علي!!    ** المرضعة ـ يا بني ـ أميز من منفق، فك العقد!! عماء هو الجمود عماء!! العلاء سنابل العشق!!    ** فلا رب في السماوات والأرض غير الواحد!! ديني الواحدية!! الشر حال تتلبس اللحظة، الحب ديني والواحدي أزاهير الأرض وشموس تنير كل المدى!! الواحدية نضرة ترويها أجاعيد الوجوه المتعبة!! كل قلب موات ـ يا ولدي ـ إلا قلبا تسقيه الواحدية عذب الوصال!! فلتثكلني أمي إن صممت إذنا، أو أغمضت عينا!!    ** أحناني الدهر!! وأقامني حب سنبلة مصمصها الموت!!    ** وزرعت في بئر قلما، فتزلزل الكل وانكشف الظلام عن بدور افترشت رأسي!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فأمطرت السماء حجارة!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فتفجرت الأرض أنهارا وعسلا!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فتزينت الوحوش بأكاليل العرائس!! * بيوتكم من زجاج رائق  أيها الواحديون!! سقوفها نغم، وأرضها الياسمين!!    ** لا أبواب لها ولا نوافذ!!    ** مساكننا أغصان سامقة العمد!!    ** ومخازن الغلال في قريتنا لا ينضب لها معين!! لا يخفرها حارس، ولا تنخر!! يحملها النهر!! تورق كل إصباح!! تقطف الصبايا سنابلها!! يطحنها الغلمان!! ويعجنها ويخبزها النسوة والرجال!!    ** وحول موائدنا، يجتمع السود والبيضان!! والوحش والجان!! * غرست في جوف الليل بذرة حب؟    ** وقبل مطلع الفجر كنت أمرح في دفء رياضها!!    ** إسقوا الحب تنهلوا حبا!!    ** إسقوا الشر تأكلكم النار!! * يا ضاربا في الأرض!!    ** كل قلب يحبني هو موطني!!    ** وقلبي كل البلاد وكل السما!!    ** والكينونة صائرة إلى لطافتها!! يا غور أسراري، وإبحاري!! يا امرأة أحببتها فأطلقتني وأطلقتها!! يا صومي وصلاتي!! ———————————————————————————————————————————————–دير البلح – غزة -فلسطين

 

صفرية الوجود حسن ميّ النوراني دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الروحي

يعتقد التصور الإدراكي أن الوجود يتغير باستمرار، وأن المسمى، أي مسمى، يبقى هو ذاته في زمان ممتد. ومنذ يلد أحدنا، يحمل إسما يظل طوال حياته إشارة إلى مجموعة من الأحداث التي نعتقد أنها تتمحور على أصل واحد لا يتباين، ونعتقد أن المسمى، بالتصور الإدراكي، يقطع رحلته فيما نسميه “زمانا يتكون من ماض وحاضر ومستقبل”. تصورنا للأشياء، بالعقل الإدراكي، يرتبط بما نعتقد أنه الحادثة الأولى من سلسلة حوادث تُكوِّن فردا مستقلا عن الغير. لأن الحادثة، أية حادثة، منفلتة بطبيعتها، فقد اخترع العقل حيلة للإبقاء عليها، فأحلَّها فيما سماه حافظة الماضي. وربط الصورة المنطبعة في ذهنة للحادثة، مع مقولة الماضي. ثم اخترع مقولة الحاضر، ليميز بين انطباع جديد وانطباع قديم بالعالم المباين له. ربط الإنسان علاقته مع الوجود بما سماه الزمان، وعندما أيقن أن الماضي، والحاضر، متفلت ولا يُقبض عليه، اخترع مقولة زمانية جديدة، سماها المستقبل؛ والمستقبل غير متفلت، لأنه غير موجود. لكن الإنسان الذي يتوهم أن الوجود متفلت منه، ولأن حقيقة الوجود أنه لا يصير عدما، فقد اضطر العقل، بين حدَّيِّ الحقيقة والتوهم، إلى اختراع مقولة المستقبل، لإقناع الإنسان لنفسه بأن ثمة إمكانات بقاء أخرى له قائمة، غير تلك التي أفلتت منه والتي سماها الماضي والحاضر. في عقيدتي: الزمان المنقسم إلى ماض وحاضر ومستقبل وهم لا حقيقة له. الإدراك الانفصالي للمسميات، الذي يشكل مفهومنا عن الموت، وتجربتنا المريرة معه، (باعتباره أحد صور الإدراك الانفصالي)، جعل المقولة الانفصالية مفهوما أساسيا في فهمنا للوجود. وربْط الوجود المتحرك بمقولات الزمان الثلاثية، كرَّس لدينا فكرنا الانفصالي، بقدر ما كان الفكر الانفصالي دافعا لاختراع مقولات الماضي والحاضر والمستقبل. فلو قلنا إن الوجود لا يتكون من مسميات (فاطمة، حجر، زهرة، بحر، سماء..)، ولكن هذه المسميات إشارات عقل إدراكي لنسق كلي (في حقيقته هو متفلت من ذاته كل ومض [الومض غير ممتد، والومض ليس زمانا، هو فعل]) مكوناته الأساسية وحدات وجودية بسيطة لا تقبل القسمة، ومن ثم لا يجوز وجودها في حال انفصالي، لو قلنا ذلك، فسيكون هذا القول نفيا لمقولة الزمان المنقسم المرتبطة مع مقولاتنا الانفصالية. ثم إذا صار إيماننا بالوجود منبنيا على عقيدة “تفتح الوجود ذاته على ذاته”؛ وإذا تحررنا من عقيدة “الموت فناء، وانفصال مطلق عن الوجود”؛ وإذا تحررنا من عقيدة “الفناء التي بُني عليها عقيدة الخلق من العدم”؛ فلن يكون من الشاق على التفكير الإنساني قبول فكرة جديدة تلغي المفهوم الزماني المدرَك بتصور غير دقيق. كل حادثة هي كينونة واحدة لا يمكن فصل أي جزء منها، إنها بسيطة غير مركبة، ولا يمكن أن تكون مركبة؛ لأن الحادثة فعل فاعل واحد بسيط غير مركب هو الذي يجوز تصور أنه أصل (هويّة) الوجود، وبالتالي أصل (هويّة) كل الحادثات الوجودية. وما كان واحدا لا يخلق إلا واحدا مثله. الواحدية طبيعة الخالق المستغرقة لوجوده، ولو كان الخالق مركبا لكان الوجود الأصلي  متعددا، ولن يكون كله منتميا للوجود، فانتماء كل ما هو وجود للوجود يقضي على احتمال صحة أية فرضية بأن الوجود متعدد.. في الوجود، لا محل لغير الوجود. . لا محل للقول إن الوجود (بطبيعته الوجودية الواحدية) يقبل التعدد. وفعْل الخلْق، أو فعْل الفاعلية الواحدية، يتم في ومْض [هو الفعل ذاته وهو ليس زمنا متعددا]. ليس الومْض شيئا آخر غير فعل الحدوث؛ ليس في الوجود زمان، في الوجود فعل. وإذا كان ليس في الوجود زمان، فما نتوهمه بأن الأشياء ذات وجوهر (أصل)، هو محل لأعراض تحل فيه في زمان متعدد لا يستند إلى حقيقة الوجود الخالي من الزمان. تصورنا لزمان متعدد مسئول عن وهمنا بأن الوجود متعدد. واعتقادنا الواهم بأن للحادثة، كل حادثة، جوهر ثابت وأعراض متغيرة، هو المسئول عن مفهومنا الخاطىء الذي نخلط به بين مفهوم التعددية الوجودية ومفهوم تكثرّ الوجود. الأخير حق، لا بمعنى أن الوجود متعدد. ولكن لأن الوجود الواحد، وجود فاعل فاعلية مستمرة، وفاعليته من طبيعته الواحدية، وفاعليته الواحدية لا تفعل غير أفعال (حادثات) كل منها متقوم بالطبيعية الواحدية. الكثر دليل على استمرارية الفاعلية الواحدية، التي لا تني عن تحقيق ذاتها، في ذاتها، لا في غير، لعدم وجود الغير. والفاعلية لا تفسير لها، لأن كل تفسير تحليل، والتحليل رد المركب إلى مكوناته، والقول بكائن مركب يقتضي القول بأزمان سابقة عليه كانت إطارا للتركيب، أو شرطا له؛ فلو كانت الفاعلية المطلقة (الأصل المطلق) مركبة، فإنه يلزم عن ذلك أنها مسبوقة بتعدد وجودي، أو وجودي وغير وجودي، الأخير غير جائز لأن الوجود كله وجودي، والأول لا يصح اعتباره تعددا لأنه كله ذو طبيعة وجودية واحدة، بالارتقاء إلى مقولة الوجود مطلقة التجريد، وبالتعمق في الوقت نفسه، إلى مقولة الوجود مطلقة التجسيد. الفاعلية، لواحديتها، تنتج موضوعها منها؛ ولاستمراريتها، فهي تنتج في كل لحظة موضوعا جديدا؛ ولظهورها، فإن كل موضوع جديد يلد مباينا للموضوع القديم، مباينة نسقية.. لكن، لا التجدد، ولا المباينة ينفيان جوهرية الفاعلية التي تفعلهما. وجوهر الفاعلية هو أنها فاعلية واحدية: فاعلية واحد يفعل واحدا. القول، الذي نقوله، إن الفعل (الفرد، الكينونة) واحد، يساوى قولنا: الحادثة (الفعل:الفرد، الكيونة) لا تعيش أزمانا تتكون من ماض وحاضر ومستقبل. نفينا تعددية الأزمان، لأن مقولة الزمان المتعدد بين ماض وحاضر ومستقبل، وهم صدر من التفرقة الموهومة بين جوهر وعرض [أساسه تربيتنا الانفصالية]، وما ترتب عليها من التوهم بأن الجوهر ثابت، والأعراض تتغير، وتغيرها هو الزمان، أو يحدث ـ تغيرها ـ في الزمان، المتعدد. نفي الزمانية الثلاثية يختصر المسافة الزمانية بين الفاعل (الخالق) والفعل (الخلق) إلى مقدار يساوي صفرا. بين الفاعل وفعله (الخالق وخلقه) لا فاصلة (:كن يكون) . قد يؤدي نفي الفاصلة الوجودية بين الفاعل والفعل إلى الاعتقاد بأزلية الفعل (الخلق، الحادثة). لو كانت الحادثات أزلية، فستكون كذلك يما تمنحه لها طبيعة أزلية للفاعل. الفاعل يمنح طبيعته للفعل. لكن الحادثات، كل حادثة بذاتها، محدودة الوجود، بقياسها بوجودها المباين لوجودات حادثات أخرى. ليس هناك فعل أزلي، فالفاعل ليس أزليا: العقل يعي الفاعل بفعله. مقولة الأزلية أنتجها الوهم الذي قال يالزمان المستقل المتعدد، الذي نتج من وهم تصور أن الوجود، مدركا في الموجودات، يتكون من جواهر وأعراض متغيرة بذاتها. وُسحب هذا التصور على مجمل الوجود، ولما لوحظ التغير، توهم العقل أن الوجود المدرَك في الموجودات كلها، عرض لجوهر ثابت لا يتغير، ومفارق للتغير، كصفة أساسية أولى للموجودات (الزمانية)، فهو ثابت، وهو غير زماني (أي: أزلي). الفاعل المطلق سرمدي، وليس أزليا. السرمدي هو المتصل الذي لم يبدأ من بداية، ولا ينتهي إلى نهاية . السرمدية مقولة تملأ الوجود كله؛ والفاعل يملأ الوجود كله :يملأ ذاته). وأفعال الفاعل ليست وجودا زائدا عليه. الفعل يوجد بالفاعل. والفاعل فاعل بفعليته. نظريتنا لن تتفق مع مفهوم يعتقد أن قدرة الفاعل (المطلقة) [مطلقية الفاعلية في عقيدتي: حريته واستمرارية تفلته من نهايات الفاعلية: من الصيروة إلى الفناء؛ حريتة الفاعلة يمفهونا طبيعة من طبيعة استغراق الوجود لذاته: عدم العدم]، تخلق الخلق من عدم. ولنقبل مفهوم الخلق من عدم، فلن نقبله إلا بالعقل؛ لن نقبله بالسماع إذا لم يُجِز العقل صحة ما يسمعه. العقل ينطلق من الخبرة؛ وخبرتنا ـ حتى الآن ـ لا تقبل فكرة خروج الوجود من عدم: كل وجود يأتي من وجود. وتصور خلق من عدم، نشأ من معرفة “سماعية”؛ العقلية تسلم بمحدودية العقل، ولا تزعم أنه أحاط بالمعرفة كلها.  ولكنها تعتقد أن المعرفة الممكنة للإنسان، ليست شيئا آخر غير ما يمكن أن يستوعبه العقل الذي ينبني بتجارب تشكل خبرته، وأساسه المعرفي لقبول تصديق، أو ترجيح، ما لم يدخل دائرته المعرفية. ما نسمعه لا بد أن نتعقله، إننا نسمع كثيرا، ولو كانت المسموعات كلها صادقة، لكان للعقائد كلها أساس زائف، هو تضاداتها. ما يميز العقائد، بين صادقة وغير، هو العقل المؤسس بالخبرة بالعالم الواقعي، بالحقيقة المحاط بها. لن تصح مقولة الخلق من عدم، إلا إذا كان العدم وجودا، وبذلك ستكون المقولة: الخلق فعل من وجود. وأصحاب نظرية: الخلق من عدم، لن يتفقوا معنا على اعتبار العدم وجودا. ليست الخبرة العقلية هي وحدها التي تنقض مفهوم: الخلق من عدم؛ الدين الإسلامي، الذي يتوهم أصحاب نظرية “الخلق من عدم” أنه يسند دعواهم، لا يقبل دعواهم. الخلق في القرآن الكريم، لا يحدث من عدم: “أم خُلقوا من غير شيء؟” وأيات كثيرة تقرر أن الخلق الحادث يكون من خلق، أي من وجود لا من عدم. ويتوهم مفهوم الخلق من عدم أنه يستند إلى مفهوم قرآني يصف الخالق بـ”القدرة على خلق كل شيء”. والمقولة المُستند إليها صحيحة، لا بمفهوم أصحاب نظرية الخلق من عدم؛ صحيحة بمفهوم القرآن الواضح القاطع: الله قادر على كل شيء، والعدم ليس شيئا؛ كل شيء وجود كائن؛ القدرة الإلهية قدرة على ما هو موجود، القدرة الإلهية قدرة على الشيء (:الوجود)؛ الشيء ليس عدما؛ القدرة لا تجوز على عدم. كل شيء من (و بـ) قدرة الله، وقدرة الله ليست عدما؛ قدرة الله وجود. فالشيء، كل شيء (كل وجود) هو من قدرة الله التي هي وجود. هكذا المفهوم الديني السليم هو ذاته ما يستوعبه العقل  بخبرتة (:الوجود ـ الحادث ـ ليس من عدم(. الوجود الحادث من الوجود (القديم بلغة الذين يقسمون الوجود إلى قديم [الله] وحادث [الخلق (أو المخلوقات في مصطلحهم)فيقررون ثنائيته] المطلق، طبيعة الحادث هي هي طبيعة المطلق (الكلي) ولا يصح تصور أن الوجود المطلق عدم. الآية التي تقرر قول إن الله على كل شيء قدير، لا تقرر أن قدرته مطلقة بمفهوم المطلقية اللامرتبطة بالشيئية [المشيئة الإلهية القرآنية مرتبطة بالشيئية أيضا] الذي يحاول اتجاه فكري أن يدافع به عن إمكانية الخلق من عدم خلافا لما يعتقده العقل العلمي. مطلقية الله المفهومة من قدرته على خلق كل شيء مرتبطة بكل شيء، أي: بالشيء لا بالعدم. القرآن يقرر وحدة الخالق (الفاعل) والخلق (الفعل) الوجودية: وحدة القدرة (الفاعلية) والشيء (الفعلية) [المرتبطان بالمشيئة الإلهية (الشيئية)]؛ فالقدرة (الفاعلية المطلقة) والشيء (فعل الفاعلية المطلقة) متوحدان وجوديا. وما كان واحدا، فهو غير منفصل بعضه عن بعض بفواصل زمانية. الوجود هو فاعل وأفعاله (خالق وخلقه)، وهما ليسا اثنين برؤية وجودية مطلقة (متحررة من نهايات الفاعلية: الفعلية المنغلقة). هما واحد وجوديا؛ هما واحد لوحدة الصفة (الوجود الواحدي الفاعل) الأعمق لكل منهما، أو لهما معا. لا مكان للزمانية في معتقد لا يقول بفاصل وجودي بين الفاعل وفعله. ولا نقول العالم قديم، كما لا نقول إنه غير قديم. مثل هذا القول ناتج عن الإقرار بوجود زمان، القديم وغير القديم مفاهيم زمانية، غير صحيحة، في نظريتنا. الاحتكام إلى العقل التجريبي يثير مشكلة التعامل التجريبي مع الزمان المتعدد باعتباره واقعا. ويثير مشكلة التعددية الوجودية باعتباها واقعا أيضا. ويثير مشكلة صدور الكثرة عن واحد. تُجابه نظرية “الوجود فاعل بأفعال لا انفصال بينها وبينه، لعدم صحة مفهوم الزمانية”؛ بما يتعاطاه التجريب من وجود موجودات متغايرة تغايرا حقيقيا. ولا شك أن العقل التجريبي يصدر عن هذه المغايرة، والاحتكام إليه يشكك في صحة المفهوم الوجودي الواحدي، ويشكك في مقولاته الناجمة عنه. العقل التجريبي لا يستغرق العقلية، ولكته يؤسس لها؛ لكن أفق العقلية أكبر من فعل التجريب. إن الرياضيات علم غير تجريبي، والمنطق كذلك، والنظريات العلمية جميعها نظريات غير تجريبية؛ لكن البداية لكل هذه العلوم بدايات تجريبية. العلوم تنمو في أفق العالم القابل للتجريب. النظرية العلمية (القانون) ليس تجريبيا، ولكنه لا يتنافي مع الواقع التجريبي (بحقيقته). التجريب الحاصل لا يستغرق الواقع (بحقيقته، بكليته العميقة الواسعة). العقل (العلمي) أعمق (أوسع) من التجريب الحاصل ويخلق تجريبيته الخاصة غير الحاصلة في الواقع (غير العقلي العلمي). العقل العلمي يبدع مفاهيمه التي لا تختلف مع تجريب من مستوى أعمق مما هو معطى للعيان، أو مما هو معطى مباشر. والعقل العلمي لا ينفي مقررات المعطيات المباشرة في مستواها، ولكنه لا يلتزم بالتوقف عند مستواها المدرَك لكل مدرِك. ومع ذلك كله، يبقى العقل تجريبيا، لأنه يبدأ من التجريب، ويتأكد به. التجريب الإدراكي المباشر يسَلِّم بتعددية الزمان، وبتعددية الوجود، ولا يستوعب مقولة الواحدية الوجودية. التجريب العلمي لا يتوقف عند حد المدرَك المباشر. إنه يذهب إلى العمق، ينطلق في الوساعة، ويتفحص المفاهيم المباشرة العامية، ليعطيها دقة. التجريب العلمي يضع فرضية أوسع (أعمق) من معطيات التجريب الإدراكي المباشر، ويبحت عن أدلة صحة فرضيته بعقل علمي أكبر من التجريبي الإدراكي. الفرضيات العقلية العلمية تأتي بالتجريد العقلي لمعارف إدراكية. تجريد المدركات الوجودية إلى أقصى التجريد، ينتهي إلى صفة الوجود التي هي ، قال القدماء، أعم الصفات. تتوحد المدركات الوجودية، فردا فردا، في وجوديتها. أعم الصفات هو الصفة “الجوهرية” [بلغتي: هي الصفة الأعمق (الأوسع)]. الموجودات المدرَك تعدديتها حادثات، أي أفعال؛ وخبرتنا التجريبية تمنحنا تصور أن الفعل إنما هو فعل فاعل. العقل لا يجد إشكالا في التسليم بالفاعل، وتاريخ العقل الإنساني، المؤله، وغير المؤله، أقر بالفاعل [هو الله عند فريق، والطبيعة (المادة بما فيها الروح الإنسانية) عند فريق آخر]. الشرعية التاريخية غير كافية عقليا، ولكنها، هنا، موثوق بصحتها: فالأفعال غير منفصلة، لا يوجد فعل واحد منفصل عن الوجود الآخر بالنسبة له. الحادثات مرتبطة معا، وكل حادثة نسق يوحد عوامل وجودية (حادثات على صورة ما) في نسق هو حادثة واحدة. توحد العوامل في نسق واحد (حادثة واحدة) اضطراري لطبيعة ذاتية تعبر عن ذاتها بتحقيق ذاتها، تكشف عن طبيعتها (:الفعل يكشف عن الفاعلية التي تخلقه). القابلية للاتصال، لدى مفردات الوجود كلها مع آخرين، قابلية أصلية، نابعة من طبيعة الوجود، إنها تكشف عن طبيعة الوجود الاتصالية. الاتصالية الوجودية لا تسمح أن يكون فعل (فرد، حادثة) ما مستقل بذاته استقلالا نهائيا. الاتصالية تكشف حقيقة أن في بطن كل فعل فعلية أكبر منه: هذه الفعلية الأكبر هي التي نسميها الفاعلية، ونجسدها بفاعل (خالق) يفعل (يخلق) أفعالا (خلقا، أفرادا، حادثات). قررنا هذا المفهوم ابتداء من المعرفة الإدراكية التي نفذنا منها إلى ما هو أكبر (أعمق، أوسع) منها. ولارتباط مفهوم تعددية الزمان، بتعددية الحادثات، فإن مفهوم الاتصال الوجودي يسع مفهوم الزمان، فيقرر اتصاليته. إنا لا نكتفي بتقرير الاتصالية الزمانية، فلا أحد ينكرها؛ الزمان، بالمفهوم الشائع: الماضي والحاضر والمستقبل، متصل بمعرفة إدراكية؛ نظريتنا تلغي مفهوم الزمان تماما. نحن ندرك الوجود إدراكا معرفيا مباشرا في لحظة اتُفِق على تسميتها بالحاضر. هكذا يعتقد المفهوم المعرفي الرائج. الحاضر لا وجود حقيقي له، هو تصور لحد مفترض يقع بين الماضي والمستقبل، وفي اللحظة المتخيلة لوقوعه يتلاشى، فهو بلا امتداد؛ هو دخول المستقبل في الماضي؛ إذا سلمنا بأن هناك ماضيا ومستقبلا. والواقع (الحقيقي لدينا) أنه لا وجود للمستقبل ولا للماضي، لا وجود لهما بذاتيهما؛ الوجود بذاتية وجود كوني، وجود واقعي (بريء من الوهم)، قائم فيما اصطلح على تسميته بالحاضر، والحاضر، إذا سلمنا بمفهوم حقيقة الزمان، هو الشرط الزمني لوجود كون ما بذاتيته. وشرط الوجود الكوني المادي يجب، أيضا، ليكون فاعلا على الحقيقة أن يكون ماديا، أي ليس مجرد تصور عقلي (موهوم) مجرد عن المادية. الحاضر ليس إلا حدا تصوريا ليس ماديا بين مفهومي الماضي والمستقبل، إذا سلمنا بالزمان وتعدديته الثلاثية. ولكن، أين الماضي، ليس كائنا، ولا يمكن الإشارة إليه بذاته، طواه الحاضر، المفهوم غير المادي، غير الكائن بذاتية؛ أين المستقبل؟ ليس كائنا، هو تصور مستبطن في حاضر ليس ماديا، المستقبل لا يمكن الإشارة إليه ككون مادي؛ هو لم يأت بعد، وما لم يأت بعد ليس وجودا كونيا بذاته. الزمان في المفهوم الذي يعتقد حقيقة وجوده، لا كيانية ذاتية له: ليس له وجود حقيقي خارج فاعلية الوهم. وتكوين تصور عقلي عن العالم، لا يحتاج إلى مقولة الزمان. كان الزمان دائما مفهوما يتطلبه تصور عن انفصالية الفاعلية بين حادثة وأخرى. كان المعتقد أن صيرورة الفاعلية من الأب والأم إلى الإبن تحتاج إلى زمن، حيث المسبِب لحادثة جديدة يسبق زمانيا هذه الحادثة (وفقا لـ:يوجد السبب أولا ثم يوجد المسبَب عنه). يرجع هذا المفهوم إلى مفهوم غير دقيق عن السببية. السببية فاعلية لا تنفصل فيها الأسباب عن نتائجها؛ النتيجة هي عين السببية: السببية نسق جديد يتكون من عوامل، مجرد ترابطها في النسق الجديد، يلد، فورا، بدون فاصل زمني، المسبَب الذي هو النسق الجديد. عندما تتحول الفاعلية الخالقة من الأبوين إلى الإبن، فإن الإبن هو العاملين الأبويين في ومض (بلا امتداد) دخول العاملين معا في نسق جديد نسميه الإبن [هو الومض ذاته الذي تكوَّن في ظرفه؛ هو الظرف وعوامله (ما يملأه)]. يجب التدقيق في مسميات الأب والأم والإبن ونحن نتحدث عن فاعلية السببية. الأب ليس هو الذي يبقى قائما بهذا الدور بالمعنى الاجتماعي، ولا الأم كذلك، ولا الإبن هو الذي يبقى لسنوات طويلة يقول عن نفسه أنا فلان ابن فلان وفلانة. العوامل السببية (عامل الأبوة وعامل الأمومة) التي أنتجت (ضمن عوامل أخرى) حدثا جديدا نسميه الجنين، هما كينونتان كانتا قائمتين بذاتيهما، في لحظة (بلا امتداد: محض) دخولهما معا في ترابط أعطى على الفور، دون تراخ، أو انفصال، بلا زمان، كينونة جديدة، هي النسق الذي خلقه التقاء الأبوة والأمومة، مع وجود روابط مواتية، ليخلق هذا الالتقاء، فورا، من غير تراخ، بلا حاجة لزمان، بلا انفصال، الإبن الجديد، أبن تلك اللحظة (الومض، واومض هو) الذي ليس هو (بقول دقيق) الإنسان الذي سيستمر لسنوات طويلة يحمل الإسم نفسه. هذا الإبن الجديد (بمسماه الاجتماعي) سلسلة طويلة من الحادثات ابتدأت بحادثة التقاء أبويه المؤسسة لحادثات طويلة نجمعها معا، بحكم عادة عقلية لا تدقق، تحت مسمى واحد، لسنوات طويلة. (بمفهوم واحدي، لم يبدأ الابن بحادثة أولى، ما نسميه حادثة أولى هي حادثة مفتوحة على حادثات سبقتها). فاعلية الخلق، الفاعلية الوجودية، لا تخلق (لا تفعل) حادثات ممتدة. خلق الفاعلية هو خلق لحادثة بلا امتداد، حادثة لا تنقسم. الفاعلية ذات طبيعة واحدية، والانقسام مفهوم مناقض للواحدية. لو كانت فاعلية الخلق منقسمة لتوجب أن تكون الفاعلية منقسمة. ولكن الفاعلية غير منقسمة، فهي هوية وجود هو واحد، لا ينقسم؛ هي معنى الوجود: قولنا “وجود”، يطابق بالتمام قولنا “فاعلية”، الفاعلية هي الوجود ذاته. الوجود لا ينقسم لامتناع الزيادة أو النقصان فيه. لو قبل الزيادة أو النقصان، فلن يكون مالئا لذاته، وسيجوز تصور فراغ (عدم) وجودي لتحل فيه الزيادة أو النقصان. ولا وجود للعدم بالمعنى التام للعدمية التي هي ليست وجودا بأي حال من أحوال الوجود. العدمية مقولة يصح الإشارة بها إلى عدمية كيان وجودي فردي بذاته، وبتجاوز: نقول تم إعدام فلان، والتدقيق في هذه الإشارة لا يسمح بأن نتحدث عن سلب وجودي تام لفلان إلا باعتباره كيانا قائما بذاتية منعزلة، [ولا ذاتية منعزلة؛ فالذاتية (الفردية) ذاتية وجودية واحدية منفتحة على ذاتها المطلقة بالفاعلية الوجودية المطلقة الواحدية]؛ لكنه لم يتم “مطلقا” إخراج فلان “المعدوم” من الوجود الكلي المطلق [لا وجود حقيقي لما نشير إليه بقولنا: فلان]؛ الإعدام هنا ليس إلا صيرورة الفاعلية الوجودية، والصيرورة لا تحدث نقصا في الوجود الكلي، إنها تحدث تجددا نسقيا وجوديا. فاعلية الخلق هي إستحداث نسقيات وجودية، لا استحداث لإضافات وجودية كمية. إنني لا أستطيع، بتجريبية المعطيات المباشرة، نفي أن استحداثي أضاف رقما جديدا لعدد أفراد أسرتي؛ مع ذلك، يجب أن أتحلى بالدقة في تعاملي مع المسألة: الرقم الجديد الذي أضيف لأسرتي، أضيف إليها من داخلها، فلا يصح أن يقال إن عدد أسرتي أصبح: عدد أفراد أسرتي (قبل استحداثي) + 1؛ الدقة تستوجب القول أن زيادة أفراد أسرتي زيادة من داخلها لا من خارجها. استحداثات الفاعلية الوجودية (الممتلئة بذاتها) هي كذلك، زيادة من داخلها، زيادة لا كمية، بمعنى أن الوجود لا يصبح مع كل استحداث هو: الوجود قبل أي أستحداث + 1. الوجود مقولة ممتلئة منذ أوله الذي لا أول له، وسيظل ممتلئا إلى آخره الذي لا آخر له. الوجود لا يقبل أية زيادة عليه. الوجود “صفر” لا يزيد ولا ينقص. واستحداثات الوجود “أصفار” لا تزيده كما لا ينقصه غيابها في داخل الوجود. نظرية “الصفرية” ليست نظرية عدمية. إنها توصيف لما هو واقع (وقوعا عقليا علميا تجريديا)، وما هو واقع (وقوعا عقليا علميا تجريديا) وجود كامل المعنى. كل منا “صفر”، وكل منا نسق للفاعلية الخالقة الحرة. هذه الفاعلية الخالقة الحرة هي هوية وجودنا الفردي الواحد الخالق الحر. الفاعلية الوجودية المطلقة محيطة بالفاعلية الفردية من ظهرها ومن باطنها. الأولى تتحقق بالثانية. العلاقة بين الفاعلية المطلقة (بتحققاتها) والفرد (الفعل، بفاعليته)، علاقة تواصل، لا علاقة انفصالية. والنظرية الواحدية تعمق الاتصال بين الخالق والخلق (الله والإنسان)، بمفهوم يفتح الفاعلية (الإلهية الخالقة)، عبر تحققها في الفرد، على الفاعلية (الإلهية) الأكبر من تحققها في فرد. بهذا الانفتاح تكون العلاقة بين الخالق (الله) والإنسان، أشد غورا، أشد حميمية؛ وتنفتح أمام الإنسانية، الفاعلة (بفاعلية الخالق) آفاق الوجود المطلق الحر. النظرية الواحدية تأسيس عقلي لمشروع نهضوي إنساني يبدعه الإنسان الذي صار الفاعل المطلق (الله) هو عقله (سمعه وبصره)،  ولسانه ويده ورجله [يقوله حديث نبوي]؛ الإنسان الذي  الفاعل الخالق (الله) أقرب إليه من حبل الوريد [يقوله القرآن الكريم]؛ المؤمن بـالفاعل المطلق (الله) “المؤمن”؛ وهي الصفة التي تصف الخالق (الله) والخلق (الإنسان) في القرآن. وفي اللغة، هي من “أمنه”: ومدلولها اللغوي: الاطمئنان والثقة في.. والركون إلى..؛ وهي ضد الخوف والخيانة. مدلولها اتصالي وضد الإنفصالية: فالاطمئنان والثقة في الآخر والركون إلية علاقات انفتاح بين الفرد والآخر، وهي ضد علاقات النفور ـ الانفصال ـ التي تنتج من الخوف والخيانة. القرآن وصف الله والإنسان بصفة “المؤمن ” ليقرر العلاقة الاتصالية الانفتاحية بينهما، التي توكد عليها عبادة الصلاة؛ العبادة التي فرضها الله على المسلم في ذروة فعل اتصالي بين الله والنبي محمد عليه الصلاة والسلام (:لاحظ مدلولات الصلاة والسلام الاتصالية الانفتاحية الواحدية).

صنعاء 3/6/1995م

شريعة الحب الدكتور حسن ميّ النوراني *مؤسس جماعة حق البهجة   (ح ب) ******************************************************************************** “الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون” هذا شعار الدعوة الواحدية (النورانية) في رؤيتنا. والواحدية (النورانية) لدينا هي دعوة العقل المنفتح بالحب. والعقل الذي لا يلتحم بالواقع، ترف زائد عن حاجة مرحلة تشهد تحولات جذرية على مستويات حياتنا الجمعية الراهنة والمقبلة، وعلى مفاهيمنا التراثية التي لا تنفك عن ممارسة تأثيراتها على الحاضر. العقل هو الوعي الشخصي بالعالم. وفي خطوة تالية، هو تصور فردي مقترح للعالم. يبدأ تكوين العقل من التحامه المباشر، عن طريق القوى الإدراكية، بالعالم الواقع فينا وحولنا. ويستمر تكوين العقل بوحدة معطيات الواقع المدركة مع أداة التعقل ينتج تصور مقترح للعالم الذي يقع الفرد داخله. إن العقل الملتحم مع الواقع لا يقع في فرد هو خارج العالم. العقل الذي يوجد داخلي هو جزء من العالم الذي يقع خارجي. وتصوري للعالم ينقل العالم إلى داخلي. الفرد يتعامل مع العالم الذي يعرفه، الذي يعاني تجربة التوحد معه. العقل لا يستطيع أن يتعامل مع عالم غير واقعي، حتى ولا في الحالات التي لا يمكن العثور فيها على المعادل الموضوعي للصورة التي يتخيلها العقل. إن قصة عروس البحر، مثلاً، لا يمكن أن نعثر على معادلها الموضوعي ككائن يتحرك خارجياً وله وجوده الكامل. المعادل الموضوعي لهذه القصة موجود في قوة التخيل المحددة مادياً بدماغنا. أما في العالم الخارجي، فإنها موجودة في الأحداث التي رسمتها والتي صدرت من آخرين قاموا بإدخالها في عقولنا. باستنتاجات محددة… 1-التعامل مع العالم الخارجي هو تعامل عقلي بكل مستويات العقل. 2-تعقل العالم لا يتم إلا بي، بحضوري فيه، أي بحضوري في الواقع، كما هو الواقع. 3-تعقل العالم، أو الحضور فيه، هو أداء وجودي واحدي. 4-الواحدية العقلية التي نحاول الاقتراب منها هنا، هى واحدية الفرد مع العالم بأداة العقل، وهى تفاعل الفرد مع وقائع العالم بأداة العالم 5-إن التحام الفرد بالواقع، التحاماً عقلياً واحدياً، هو الأساس النظري لإلتحام الفرد، بكل قواه الوجودية، مع العالم بكل حقائقه الواقعية. وذلك، لأن منطق العقل الواحدي، لا يقبل قسمة الوجود الفردي إلى عقل وإلى ممارسة حركية(ما يسمى بالمادية مقابل الروحية) لأن العقل في تكوينه العضوي وفي تكوينه التصوري لم يكن، ولن يكون، منفصلاً عما يعرف بالعالم المادي الذي يعتقد كثيرون منا أنه يقف مستقلاً إزاء العقل. 6-هذه الرؤية التي توحد العقلي بـ”الواقعي” أو الفردي بالعالم كما هو واقع، تنتقد رؤية أخرى لا تسلم بهذا التوحد وتنتقد ما ينبني على الرؤية غير الواحدية التي تسمح بتكوين عقائد ثنائية أو أكثر. 7-العقل كما نتصوره، هو أداة التعاطي مع العالم. وكل ما لا يستوعبه العقل، لا نملك أن نتحدث عن وجوده، وبالتالي،لا يجب أن ننشغل به. أو يجب أن لا نسمح له بأن يعيق انشغالنا بالحياة كما هي ثابتة لدينا. 8-العقل هو الأرض المشتركة التي يجب أن نتحاور على قاعدتها لنحل مشاكلنا الجمعية والفردية. وأنا أميل إلى أن العقل بصورته الواحدية(النورانية: نورانية الحرية) هو القاعدة الأنسب لحل مشاكلنا الفردية والجمعية. 9-إن مشاكلنا، على المستوى الفردي، والمستوى الجمعي، هي نتائج، أو وقائع، مصاحبة لحالة انشطار يصيب بناء الفرد وبناء الجماعة، لدينا.  إن من يتردد عن الإعلان عن موقف يعتقد أنه ألحق، خوفاً أو نفاقاً، هو، في الواقع، يصور مشكلة الانشطار تصويراً دقيقاً. إنه انشطار الذات بين الأداء؛ بين الداخل بالنسبة للشخص، وبين الخارجي؛ بين الفردي وبين الجمعي؛ بين الحق والباطل. ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة، يصور أيضاً مشكلة الإنشطار تصويراً دقيقاً. الحقيقة الكاملة لا توجد في فرد. الحقيقة الكاملة توجد في كل مفردات الوجود. وأنا عندما أعيش  بعقيدة أنني أمتلك الحقيقة الكاملة، فإن هذا حكم أصدره على الآخرين بأنهم غير موجودين، والحقيقة غير ذلك. العقل الذي لا يتكون إلا بالعلاقة مع الآخرين، أناساً، أو أية كائنات حية أو غير حية، هذا العقل يقدم دليلاً منافياً لحكمي على الآخرين بعدم الوجود. وعندما أعيش في العالم بعقيدة أنني أنا الموجود الحقيقي فيه، فإن أول خروج من إطار عقيدتي إلى إطار العالم الحي المتحرك الصاخب بحقائقه، سيشكل لي صدمة، سيسبب لي صدعاً، سيجعل مني أشلاءا. إعتقادي أنني أملك الحقيقة وحدي هو سجن لي وحدي لكن العالم سيمضي.. يتركني ويمضي.. الحقيقة موجودة داخلي وخارجي. والحقيقة تنمو؛ إنها تنمو بعلاقة حميمة داخلي وخارجي. إن الحياة تنمو مع نمو الحقيقة، أو، تنمو بها. إن نمو الحياة هو نمو الحقيقة. هذا النمو للحياة، للحقيقة، لا يكون، كما أتصور، إلا على قاعدة رؤية واحدية (نورانية) تمنحني سلاحاً نظرياً لمعالجة مشكلة الإنشطار التي هي، لديّ، أهم وأبرز مشكلات واقعنا العربي، على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجمعي. أشد مستوياتنا تخلفاً تستخدم أرقى مبتكرات العقل البشري: تستخدم الكمبيوتر، لكن بعقلية تنتجها قيم حضارية جرى تشكيلها في الماضي، وفي مناخ حضاري مباين للمناخ الحضاري الذي ابتكر وسائل التمدن المعاصر. إن الآلة لا تنفصل عن القيم السلوكية لشخص يستعملها. إذا كان الكمبيوتر يصلح لحل مشاكلنا المادية بكفاءة عالية، فإن تمثل الفرد لقيم سلوكية ما زالت دون مستوى القيم التي يتطلبها مستوى المدينة التي أبدعت الكمبيوتر، هذا التمثل، سيعطي نموذجاً إنسانياً مقسوماً على ذاته بين الحاضر، وبين الماضي، الحاضر الذي تهيمن عليه قيم أخرى أنتجتها ثقافة أخرى، والماضي الذي لا يزال محكوماً بقيم تراث تكون بعوامل زمانية ومكانية مختلفة. لكل ثقافة، أو حضارة، معاييرها السلوكية الحاكمة. من معاييرنا التحكمية معيار القبيلة الذي ما زال ينحاز للقريب لمجرد علاقة القرابة. وليس شرطاً أن تكون  القرابة عصبية. فقد تل القرابة الظرفية العابرة محل القرابة العصبية. هذه القرابة تتدخل لعرقلة توجه صحيح في التعامل مع مسالة تتعلق بمصلحة الجماعة، فتسند مثلاً، وظيفة إدارة مؤسسة كمبيوتر إلى شخص تنحصر أهليته في أنه “قريب”. هذا القريب، عليه أن يرد “جميل” أقربائه. تعيين هذا القريب، وتفضيله لأقربائه في إطار وظيفته، يحدث تعميقاً لمفهوم القبلية المبنى على القرابة العصبية، أو الظرفية، أو المصلحية، وهو مفهوم قديم سابق تطورياً على مفهوم الأمة، أو الدولة التي يستوي فيها المواطنون جميعاً في الحقوق والواجبات. عودتنا إلى مفهوم القبيلة يشطر الفرد الحاضر بين حاضره المتمثل في الدولة ككيان جمعي، والقبيلة ككيان تراثي نشأ في ظرف، أو ظروف مغايرة لتلك التي انتجت الكمبيوتر. الظروف التي انتجت الكمبيوتر، انتجته في معيّة زمانية مع تنامي قيم سلوكية حضارية تصاحب، مصاحبة عضوية، مصاحبة واحدية، عمليات التنامي التقني في اتجاه انتاج الكميوتر. نحن منقسمون بين تراثنا وبين الحاضر. ولدينا، في بعض البلاد، تشريعات تمنع استخدام أطباق استقبال البث التلفزيوني التي تسمح للمشاهد أن يتابع برامج تلفزيونات أخرى غير تلفزيون بلاده. ومع وجود هذه التشريعات، فإن انتشار اطباق استقبال البث التلفزيوني الخارجي في هذه الدولة (القبلية) أكبر من انتشارها في الدول التي تنتجها. وأستطيع أن أخمن، أن الذي أصدر هذا التشريع، “يتمتع” بجهاز استقبال عالي الكفاءة. واستطيع أن أخمن أيضاً، أنه يحارب على جبهته الداخلية، في دائرته العائلية، ليمنع بناته من متابعة عروض تتنافى مع القيم الحضارية العربية التراثية. والصراع ليس بين أب وبناته، إنه مشتعل بينه وبين نفسه إنه منشق على ذاته، بعضه محكوم بالتراث، وبعضه منساق للتمتع بالمنتجات التقنية المعاصرة. صوت فيه يصرخ بعنف يقول هذا “عيب”؛ ولديه رغبة ملحة لأن يقتنص لحظة متعة غير بريئة بمفاهيم تترك له مجالاً للتوبة، واداء الحج الذي سيمحو كل الخطايا. الانشطار أصبح ظاهرة واضحة منذ الاتصال المبكر بين العالم العربي والعالم الغربي في إطار حركة الاستعمار التي كشفت عن انحباس الذات العربية الجمعية في تاريخها المنتمي للماضي، وانحباسها دون حقائق العالم التي تنامت في أوروبا. وقد تطلع العرب، ومنذ قرنين لإنجاز مشروع نهوضي قومي. ولم يتم ذلك حتى الآن. وما زلنا نبحث عن مشروع نحقق به نهوضنا المدني. أثبتت معركتنا مع الاستعمار الغربي أن أسلحتنا لم تعد صالحة إنها صدئة. لقد أصاب الصدأ عقولنا، أصاب إرادتنا. أن الصدأ علامة رحلة في اتجاه الموت. والموت هو انفكاك الارتباط على المستوى الخارجي، أي بين الكائن وبين عالمه؛ وعلى المستوى الشخصي، فينفك الجسد بعضه عن بعض. الموت هو جمود الكائن عن ممارسة فاعليته وصيرورته موضوعاً مفعولاً به. حضارياً، نحن نعيش في حالة المفعولية. المنهج النهضوي هو المنهج القادر على أن ينقلنا من حالة الفاعلية. الفاعلية نشاط كائن حي مقدام. الحياة نسق من عوامل كثيرة، لكنه نسق واحد. حياة الكائن الحي هي فاعليته ككائن واحد، وهي فاعليته ككائن متوحد، أيضا، مع عالمه، على المستويين القومي والإنساني. كلما اشتدت فاعلية الإنسان، كلما تقدمنا نحو واحدية أكبر وأعمق. الإنسان الغربي، اعني المتقدم تقنياً، يمارس فاعليته بشدة اكبر، وجوده يتوسع أكبر واعمق، وإشارتنا إلى العالم ذي القطب الواحد، هو دليل على أن شدة الفاعلية تساوي تقدم العالم نحو الواحدية. الولايات المتحدة الأمريكية هي الشد فاعلية الآن، وهي التي تفرض، أو تسعى لأن تفرض على العالم نظاماً واحدياً، لكنه واحدي على طريقتها. الفاعلية هي شرط إنجاز النهضة. النهضة فعل قيام مقدام. ورياح الفاعلية لا تنتقل من حضارة إلى اخرى إلا وفق شروط معينة، أهم هذه الشروط أن تكون طبيعة الفاعلية طبيعة سلامية، أن تكون مؤسسة على قيم الحب والعدل والسلام. القيم التي صاحبت تنامي الفاعلية التي تهب رياحها من الغرب، قيم لم تؤسس على الحب والعدل والسلام. لقد كانت أداتها روح تنافس بصورة تسمح بتضخيم الأنوات الإنسانية الفردية والجمعية. هذه طبيعة لها نتجت عن جذور حضارية فردية، جذورنا الحضارية التي أعطت المدينة الراهنة المسطرة. علاقتنا بالحضارة الراهنة علامة نفور على مستوى الأعماق، ولكنها علاقة اندهاش، أو انفعال، على مستوى السطح. المنتج الحضاري الغربي يتحدى أعماقنا، هو إنتاج حركة الفاعلية العقلية. نحن الآن نعيش دائرة المفعولية للفاعلية التي تهب رياحها من الغرب، وللفاعلية التي تمتد من تراثنا.  فاعليتان تبث الآن بنا. الفاعليتان، بالطريقة التي نتعامل بهما تشطراننا. المشطور مفعول، المفعول لا ينجز مشروعاً نهضوياً. الواحد، المتوحد، المتصالح مع ذاته، مع زمانه، المتصالح المتوحد هو القادر على أن يفعل. لقد ورثنا مفاهيم تعرقل التطلع إلى إنجاز مشروع نهضوي. ورثنا مفهوم المخلوقية {=المفعولية}،وهو مفهوم ينتج من قراءة دقيقة لكتاب تأسيس الوجود الحضاري العربي، الذي هو أهم مكونات التراث العربي. القراءة الدقيقة له تقول إن الإنسان فاعل. الإنسان في مفهوم القرآن الكريم عابد، والإسلام رفض رفضاً حاسماً الاقتراب من فكرة الإنسان المعبود {أي المفعول}. والقرآن الكريم لم يتحدث عن إنسان مخلوق، أي إنسان مفعول، تحدث عن خلق، أي، تحدث عن فعل لفاعل. وفعل الفاعل مشحون بفاعلية خالقيته. والخالق واحد، وفعله مشحون بواحديته. الواحدية {النورانية: نورانية الحرية الواحدية} التي نؤمن بها، لها جذورها العميقة، والمتميزة عن الواحدية التي تحملها لنا الرياح القادمة من الغرب. وفيا تبقى، فإن حديثي سيكون عن الواحدية (النورانية) التي ترس معالم مشروع نهضوي، فاعل، أساسه الحب… فالحب شريعة الواحدية {النورانية =الحرية النورانية}. وكلما تجددت مصافحة الأرض للشمس، فإن الحب، واثقاً صريحاً، يعلن إني أنا القانون، أنا الأساس، أنا أزاهيركم وماؤكم وخبزكم وصلواتكم.. انا فاعل الأم، فاعل بناتها وأبنائها… أنا خالق الهزة أنا الهزات أنا سعيكم في النهار والليل أنا أحلامكم في الصحو والنوم… قال: الشيخ الصوفي الواحدي الكبير ابن عربي في “ترجمان الأشواق” “أدين بدين الحب أنيّ توجهت ركائبه “فالحب ديني وإيماني” الحب يبدع  عالماً واحدياً (حراً نورانياً). لولا الحب ما كان اجتماع. وكل اجتماع هو تحقيق لمبدأ الواحدية. الحب يبدع عالم السلام. ولا يقوم اجتماع إلا في رحاب السلام، والسلام لا ينمو في كنف العدوان.. لنصنع السلام. لنصنعه بالحب.. إن من لا يحب لا يصنع السلام. السلام هو القيمة الجماعية الأعلى. إن الله حب وسلام والجنة داء الحب والسلام ودين الله دين الحب والسلام. الحب يجعل الكثيرين كياناً واحداً (نورانياً)… وفي حرية مداها السماوات والأرض، والأزل والأبد.. ساح أريج الكينونة، فارتشفته أم وأب، وأبدع الخالق خلقاً غضاً طرياً… بالحرية (النورانية) يجئ… بالحب يجئ… أم وأب وشمس وماء وهواء.. في مكان في زمان.. في ثوب عرس نسجت أياد كثيرة خيوط حريره.. على ترانيم الأحلام، وفي ضحى الشوق وفي هدأة الليالي ومع ابتسامات القمر… تتوحد العوامل الكثيرة القديمة فيلد واحداً لا ينقسم.. يتفتح الوجود عن سمر وعن سنابل.. عن قصيدة شعر كلماتها كثيرة، صورها كثيرة… قصيدة بديعة، رقصة طروب… فيها تهتز اعضاء كثيرة هزا، جميلاً، تبعث جماليتها، من سكونها فيلتقي الجمال بالجمال… بالحب والحرية (النورانية) يلتقي الجمال بالجمال، ليبدع واحداً، ليبدع خلقاً واحداً يجدد فاعلية الفاعل المطلق، ليتأكد من جديد، أن الصفة التي تصف الخالق، هي صفة الفاعل. إن صفة الفاعل تأتي من واقعات أفعاله. إن لم يفعل أحدنا أفعالاً، هل يوصف بأنه فاعل؟! الفاعل هو من يفعل  الخالق الواحد. الخالق الواحد يفعل كثيراً، يفعل خلقاً كثيراً. كان يفعل، وهو يفعل، وسيفعل، سوف يواصل الفعل، لن يتوقف، لم يتوقف. لو أن الفاعل الأكبر يتوقف عن الفعل، لأمكن تصوره محدوداً. الفاعل الأكبر يملأ مقولة الوجود ملئ كاملاً. الوجود فاعل، الفاعل الأكبر هو الوجود المطلق الذي لا يسمح لغير ما هو وجود أن يوجد. لا شئ في الوجود غير موجود وصفة الوجود لا تنفك عنه هي صفة الفاعلية. الفاعلية هي الحرية. الفاعلية تخلق وجودنا. الفاعلية تخلقنا بالحرية. نحن إبداع الحرية. ومن يجور على حرية الإنسان، يعتدي على وجوده، يعتدي على حقه الأصيل في الوجود الأصيل. الوجود الأصيل وجود واحد. الكون نور، يقول العلم: المادة ضوء. ويقول القرآن الكريم: الله نور السموات والأرض ولأن الوجود الأصيل وجود واحد فاعل فعلاً متواصلاً، فلا بد أن يحقق ذاته تحقيقاً متواصلاً. إنه يحقق ذاته، من ذاته، وذاته واحدية، وهو يحقق ذاته في كل واحد. كل فرد منا واحد، خلقه الواحد. العوامل الكثيرة التي تشترك في خلق ولادة جديدة، تفقد كثرتها في اللحظة التي تلتقي فيها معاً، وفي كيان واحد لا ينقسم. الولادة الجديدة هي ولادة واحد لا تنقسم كينونته. والوجود كله واحد. صفة الوجود توحد كل الكائنات، عند المستوى الأعمق الوسع لها، الوجود صفة لا تغيب عن أية حالة من حالات الكائنات. تتعدد صفات كائنات ولكنها كله توصف بأنها وجود. الواحدية نظرية ينحاز بها العقل إلى الاعتقاد بأن الوجود واحد، وأن الكثرة التي نعانيها في حياتنا هي كثرة الوجود الواحد. والنظرية الواحدية (النورانية) التي أحمل أمانة التبشير بها، تؤمن بعقيدة تقرر أن الواحدية (النورانية) ليست واحدية الوجود المطلق فحسب، ولكنها واحدية الوجود المتعين أيضاً. أعني، أن كل إنسان هو وجود واحدي، يحقق فكرة واحدية الوجود المطلق الذي يتصوره العقل. النظرية الواحدية (النورانية _نظريتي) ترسم صورة واحدة (موحدة) لما هو عقلي ولما هو واقعي. العقل والواقع مرتبطان بعلاقات تنموية واحدية. الروحي والمادي في الإنسان كيان واحد. الواحدية (النورانية) تحلم بعالم الحب والسلام، عالم ينطلق من أساس الحب، عالم يفترش الحب، وينطلق في آفاق السلام. ولأن الواحدية نظرية يتوحد فيها الواقع والحلم، فإنها تحمل راية الدعوة إلى عالم يقوم بالعدل. لا تترك نارك تحرق زرعي وأرضي ثم تطلب مني أن أعطيك سلاماً… إني لا أعطيك السلام إلا إذا افترشنا الحب معاً. إذا احببتني، قسمت الرغيف بيني وبينك…إذا ناهضنا العدوانية، زرعنا الحب، وصنعنا سموات السلام… أنا وأنت نزرع الحب في الأرض أنا وأنت نحصد ونخبز رغيفاً وأرغفة كثيرة… معاً نأكل… معاً نغني ونصلي. لكننا لن نبقى معاً إذا امتدت شهوتك لتسلبني حريتي الجميلة (النورانية). الحرية ليست عدوناً. الحرية هي أن أمتلئ بالسلام وأن تمتلئ أنت بالسلام. سلامي وسلامك واحد. من حبي لك،  ومن حبك لي يجئ السلام. بالحب ينفتح عالمي على عالمك الحب يوحد عالمي وعالمك. الحب يخلق عالماً واحدياً(نورانياً) عالماً منطلقاً في أفق السلام البهيج. الحب صلاة جامعة. هو اشتعال الوجود بنور الوجود. بالحب، صعد النبي العربي بوجوده الإنساني لينفتح على الوجود الرباني. من قدسنا صعد النبي إلى ربه من قدسنا انفتح الضيق على الواسع المطلق. بالحرية (النورانية) حرية الحب انفتحت الأرض على السموات. ومن قدسنا كانت دعوة السلام قد فاضت وروت الأرض… عيسى المسيح منا، دعوة عيسى للسلام دعوتنا. كانت دعوة عيسى بالحب. كانت دعوة تناهض جمود العقل وجمود الوجدان. دعوة التوحيد التي نقول إنها دعوة إبراهيم، ودعوة موسى، ودعوة الأنبياء كلهم هي دعوة بزغت من روابي عروبتنا. دين التوحيد كله ولد في تاريخنا وفي جغرافية عروبتنا. تراثنا الأصيل العميق تراث واحدي (نوراني). تراث الانفتاح دعوة السلام دعوة أعماقنا. ومن أعماقنا كانت دعوة “الله حب”. لكن سلام الله وحبه عدل نافذ. ليس العدل أن تسلبني حريتي. العدل في الترجمة هو الحرية (النورانية). إذا أنت قهرتني، فإنك تسلب مني حقي في الحرية، حقي في الوجود الجميل.  وجودي لا يكون جميلاً إلا بوجودك أنت. ووجودي لا يكون إلا بوجودك الحر (النوراني) أنت. إذا أنا سلبت حقك في الوجود الحر فإنني أكون قد جرت على الحقيقة. إن الحقيقة هي حرية الوجود. والذين يجورون على الحقيقة، تمضغهم الحقيقة وتواصل حريتها، تواصل انفتاحها. الحرية فعل الانفتاح. حريتي (النورانية) هى الإنفتاح عليك؛ الانفتاح بك عليك. لن أمارس الحرية ما لم تكن أنت وجوداً، وأن تمارس الحرية (النورانية). إذا أنت لا تمارس الحرية (النورانية) فأنت مغلق، سيكون قلبك مغلقاً في وجهي. حريتي (النورانية) انطلاق في حريتك، لا جور عليها. حريتك شرط لحريتي. حريتي (النورانية) هي انفتاحي. الانفتاح لا يتم في العدم، الانفتاح هو انفتاح كائن على كائن. فعل ولادتنا هو فعل انفتاح. باب الوجود الذي نبدأ منه رحلة الكون هو باب الانفتاح.. بالحب ينفتح الشيء على الشيء… بالحب ينطلق شئ من الشهوة ليلتقي بالشهوة الخالقة.. بالحب، بالحرية، يلتقي اثنان في واحد. تأتي أهمية النظريات العقلية من قدرتها على معالجة المشكلات القائمة. وإن نظرية تفجر من ذاتنا العميقة طاقة الحياة الفاعلة الكريمة، وتعطينا ضماداً للجراح، وتوحدنا (بنورانية) معاً، مع ذواتنا، مع تاريخنا، مع عالمنا، مع مستقبلنا… هذه النظرية، نحسب أنها هي النظرية الصلح لبناء مشروعنا النهضوي المأمول.                                     ******************* الحب أساس لبناء جماعية إنسانية تتجه بثبات نحو السلام المطلوب لاستمرار البناء الجماعي الإنساني الفردي. والحب ينمو نحو السلام بالعدل. الحب قانون الوجود الطبيعي، وتحويله لقانون للوجود الإنساني الاجتماعي هو ربط للإنسان وللطبيعة في إطار وجودي واحد، إطار عقلي يكشف لنا من جديد عن واحدية الوجود التي نتصورها بالعقل. الحياة الاجتماعية لن تقوم إلا بقانون الحب، كما الوجود الطبيعي والحيوي {النباتي والحيواني} يقوم، كأنسان بقانون الحب. بقانون الحب نحل مشكلة الجار بالجار، الشعب بالسلطة، الأمة بالأمة، الحاضر بالماضي والمستقبل. بقانون الحب نبدع السلام… السلام الذي يعطي كلاً حقه الوجودي التام.. كما الأرض والشمس والأقمار… قانون الحب هو القانون الأكبر… إنه خالق الإنسان الوجودية. قانون الحب لا يلغي كثرة الأفراد… الحب علاقة بين الأفراد، وبدون الفردية لن يكون حب، لن يكون هناك إمكان لتصور وجود واحد مطلق {يخلق باستمرار}حر. إن ريحاً تصعد من تحتنا،إن ريحاً تزحف من بعيد، ومن قريب، “تتكالب عليكم الأمم، كما الأكلة على قصعتها”… التحدي هو تحدٍ لنسقنا الجمعي الذي يرجع إلى أصل واحدية الخالق، وواحدية الأمة، وواحدية الدنيا والآخرة. فإذا لم يثبت نسقنا في مواجهة العواطف، فإننا سنتفكك مزيداً من التفكك، ستنثرنا الريح الآتية من كل صوب، ستنثرنا في كل صوب…. الحب وحده، الحب المقنن، الحب الفاعل، الحب الذي يتبلور في مشروع حضاري مقدام، هو الذي يستطيع أن يواجه حرب التفكيك التي هي أخطر الحروب. بالحب الجماعي نواجه حرب تفكيك الفرد وتفكيك الأمة وتفكيك الزمان وتفكيك الواقع والحلم، تفكيك وحدتهما. الواحدية (النورانية) كما نتبناها، نظرية حياة، نظرية اجتماع بمنهج واحدي (نوراني). العقلي لا بد أن يتوحد مع السلوكي. والعقلي الذي يفتقر إلى اهلية التوحد مع السلوكي هو عقلي منحبس في ذاته، حقيقة لا تتجاوز دائرة انحباسه، والواحدية (النورانية) التي تعتقد أن الانفتاح مقولة أساسية من مقولاتها، تعتقد بقوة أن العقل لا يكون مطلوباً إلا بقدر انفتاحه على السلوكيات، او بقدر ما يملك من أهلية لإبداع سلوكيات تحققه. المشروع الواحدي (النوراني) في كلمة واحدة هو إبداع حياة المحبين. وشعار الواحديين (النورانيين) هو ” الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون”. الرؤية الواحدي توحدنا بالعالم، برباط من الحقيقة، مع الحقيقة، العالم هو الحقيقة، وحقيقته الكبرى هي أنه فاعل فاعلية مستمرة، فاعلية ينفتح بها على ذاته كل لحظة، ليجدد ذاته كل لحظة. والارتباط بهذه الحقيقة هو تجدد بها وتجدد معها، ومشاركة فيها، مشاركة المحب لا المدبر، المقبل لا الكاره، المنبط لا المنقبض. الرؤية الواحدية (النورانية) دعوة إلى الإقبال على الحياة ببهجة. والسلام الذي تتطلع إليه الواحدية (النورانية) هو سلام بهيج، سلام نابض بالحب العميق للحياة، سلام القلب المتدفق، القلب المبدع للأزاهير، سلام العقل القلبي الذي يوحد فرداً حياً نابضاً بالحب، مع الإنسانية ومع الكون كله، في واحدية (نورانية) تتجلى بها واحدية (نورانية) الله السلام. الواحدية (النورانية) دعوة للسلام والبهجة… ليس واحداً (نورانياً) من لا يدعو للسلام ببهجة… “أيها الواحديون (النورانيون) _ يقول المبدأ الأربعون من مبادئ الواحدية (النورانية) _ رضاً رضا، وازخروا بالشوق واستنبتوه… قولوا سلاماً رددوه وامضوا… إمضوا قدماً… إصنعوا سلاماً وغنوا له… أيها الأمجاد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية (النورانية)… أيها الروح التي لا يستذلها الملك إلا وميضاً…” والأقمار… فليشرق  الحب والبناء والعدل والسلام والحرية (النورانية) والجمال… وسلاماً أيتها الصاحبات أيها الصحاب… سلاماً، سلاماً لكم… سلاماً منكم لكم… سؤال…. هل تعتقد أن الواحدية، كخط عالمي واضح، تؤدي إلى وحدة العواطف على اختلاف أمكنتها؟ هل نستطيع النفاذ من هذا الموقف، بعد الالتحاء إلى الأحدية، ومفهومها الديني الواسع، في التوحيد؟ صديقي العزيز الأستاذ قاسم طشطوش المحترم…. التفكير المشترك بين من يسأل، ومن يجتهد لتقديم إجابة، هو أحد صور توحد العواطف. والواحدية (النورانية) لدينا، هي دعوة للتفكير المشترك نحن نقرر الأحكام تقريراً نهائياً، لدينا وجهات نظرنا، لكننا لا نزعم أنها أفكار قطعية. نحن دعاة إلى التفتح الذي هو تجليات لقانون الحب الذي نتبنى الدعوة إلى إشعاته وعلى أوسع نطاق ممكن. الحب هو العاطفة الكبرى، وهو وحده القادر على أن يوحد كثيرين، في اماكن متباعدة زمتقاربة. ووحدة الحب لا تلغي أياً منأطرافها، الحب لا يواصل فاعليته إلا بوجود الأطراف، بوجود الكثرة، بالخروج من الذاتي، بالالتقاء معاً أنا وأنت، الحب علاقة بيني وبينك، الحب ليس علاقتي بنفسي، ليس تضخماً للأنا، هو نمو الأنا فيما بعد حدودها، ليست فاعلية الحب جوراً على الآخر، هي انفتاح على الآخر، بالاخر، هي علاقة نموي ونموك معاً. إن سؤالك يحمل تقريراً بأن في العالم الإنساني تنافر في العواطف، إنني أوافق على ذلك، لو أن عالمنا الإنساني برئ من تنافر العواطف، لما كان هناك حاجة إلى دعوتنا الواحدية (النورانية)، لو كان الناس جميعاً على قلب رجل واحد (امرأة واحدة)، فما الحاجة الإنسانية لنا نحن الذين نرفع شعار “الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون”؟! نظرياً، لو التزم الناس بقانون الحب، عن إيمان به، فإن الطريق إلى وحدة العواطف مفتوحة. ولكن حلمنا بأن يسود الحب والعدل والسلام أرجاء الإنسانية، لا يمنعنا من رؤية الواقع بالحلم، ستواصل دعوتها للتحرك الإنساني في اتجاه حلمها. لكنها لا تعد بأن هذا الحلم سيتحقق بالكامل. إن كل الأديان، وكل الدعوات الإصلاحية  لم تفعل ذلك. الداء الإنساني الوجودي ينزع إلى الخير، ونزوعه إلى الخير مناهضة للنزوع إلى الشر. الشرور واقعة، ولكن لا ينبغي أن نستسلم لها. إننا نتطلع إلى كسب مساحة اكبر للحب. واعتقد أنك تستطيع مشاركتنا هذا الحلم.. سؤالك يشي بأن لديك الرغبة في ذلك. وكثيرون جداً هم الذين يشاركونا هذا الحلم ودعوتنا دعوة لوحدة الحالمين بالحب… بعلم الحب… إن الإرادة هي التي تصنع الحب والسلام. وتفعيل الحب بالإرادة المحبة هو وسيلتنا للاقتراب من تحقيق حلمنا في خلق نسق عالمي واحد يرتكز إلى مفهومنا الوجودي الواحدي (النوراني). تمتلك دعوتنا أسباباً لا باس بها تضمن صلاحيتها وقدرتها على تجديد عاطفة الحب، وهي أم العواطف الإنسانية، على تجديدها في زمن انحسرت فيه، وبصورة مقلقة، هذه العاطفة الأم.. نحن ندعو للحب في زمن يستدعي الحب، ونحن ندعو للحب الذي يخلق السلام البهيج. إن السلام المؤسس على الحب هو سلام بهيج، سلام ذو خدود متوردة، متوهجة بالعاطفة الجياشة. هذا السلام البهيج هو الذي يضمن لكل منا أن يمارس حياته بحرية جمالية… دعوتنا لعاطفة الحب مؤسسة على مفهوم عقلي، إنها إنتاج عقل محب. عقل يسبر أغوار العلاقات الإنسانية ليكشف عن أصالة واحديتها(النورانية) الوجودية. وهي دعوة بالعقل لبناء نسق هو _الحب _العدل. إن مشكلة الإنسان في كل الأزمان، المشكلة التي تفاقمت في أيامنا، وستتفاقم، هي مشكلة اعتداء بعض على بعض. العدوانية هي المشكلة. الحب يواجه العدوانية، يواجهها بالعدل. أعتقد أنك تعي، وبصورة عميقة، أننا نعيش في عالم إنساني في بعيد عن العدل. وبمقدار بعد الإنسانية عن العدل، نحتاج إلى رؤية توظف جميع أدوات الفاعلية الإنسانية المقدامة لمواجهة الظلم… أدوات دعوتنا هي العقل، وأم العواطف، عاطفة الحب، والحلم بالسلام البهيج، وقبل ذلك، ومعه، وبعده، الإرادة التي تنقل الإنسان من دائرة المفعولية إلى دائرة الفاعلية… بهذا الانتقال نتحرر من أنواتنا الضيقة… لنغدو رسلا يحملون دعوة حب للناس جميعاً… رسلا يبشرون بدين الحرية (النورانية) والسلام والجمال وإرادة الحياة والعدل والحب… وسلاماً لك أيها الصاحب… سلاماً لك.. وسلاما منك لك…

(*) محاضرة ألقيت في ملتقى إربد الثقافي، في مدينة اربد، بالأردن. (**) رسالة وجهها لي مستمع لمحاضرتي بعد الفراغ منها.

فلسطين – غزة – دير البلح alnoorani@hotmail.com

 

تسألينني ما العدل ما الحرية؟!

الدكتور حسن ميّ النوراني ********************************************* ألست التي دفقها الأحمر كان فجري؟! ألست التي شوقها الأبيض كان جداولي؟! ثم أنت التي كان من تحتنا بحرها مجاديف بحري؟! ما العدل؟ حرثٌ.. وما الحرية؟ حرثنا معا.. أنت التي الأريجَ زرعتني… العدل أن يروي الأريجُ الظمأ… الحب رواء الظمأى… هذي الحرية، نماء هي.. براءة الحب نحن فلا تفقئي العين التي يهديها الحب وتهديه… ألست ينبوعين للعشق أنت؟ أنت الحرية هي.. والعدل يا ابنة أمي.. من ينابيعكِ، ينطلقْ، في المجد.. خلودنا… الحرية أن تنشق أبواب المأتى، ومخازن الروح.. عن خلودك، وخلودي… العدل يا ابنة أمي فرَج وبحر ماء وعذابك العذب ووثبة الروح… وكانت عيونُ جمارِنا نورَنا… والحرية جدائلنا هي.. يا ابنة أمي لا تجعلي كنـزك من ذهب ونقدٍ، ثم تجعلي عنه زكاة وتخايلا.. كنوزنا كرامنا، وزكاتنا نماء الحب بيني وبينك.. الكريم الذي يعطي ذهبَ الروح هو كنـزنا… الذي تشرق الأقمار من حناياه هو الكريم… الذي يسقينا ماء الروح من ينابيع الروح، كريمنا هو.. إذا أطلقنا أشرعة الروح في بحور الروح أبدعتنا الحرية بهجة من ضفائر الأقلام والألحان والصلوات.. تسألينني ما العدل يا ابنة أمي، أصغي إليّ.. رَوَتني ينابيعك، فهذي ينابيع روحي فليطأ ثراها الهائم والجاثم والظامئ والثريا والحجر والشجر… تسألينني ما الحرية؟ فإذا جدلنا أغاريد الصبايا وزغاريد جوقة ربانية تعزف أنشودة المأتى في أطياف الورود صارت نفوسنا أريج النور… إصغي إليّ يا ابنة أمي… إذا أنقلعنا من أكاذيبنا، في طراوة البراءة البكر تغدو أشرعة المجد صهوات جياد من رطيبات القلوب.. بهجة الروح هما العدل والحرية… جمر النار في الحرية العدل نوراً يغدو… نوراً ينمو.. ما العدل ما الحرية؟ أأنت تسألين..؟! أنت التي القبةَ، قبة الحب، كنت.. وأنا كنت الذي تحت القبة.. والحبَ ثم أنا مئذنة غدوت ثم الحب يزرع في حبنا مئذنة… تم القبة العتيقةُ قبةً أخرى تغدو…؟! هذا العدل هو وهذي الحرية … النار التي أشعلتها الأرض والسماء نور يشعلنا… نور نشعله أرضا وسما.. وأنت وأنا الأرض والسماء والمحراث والحرث… ما العدل؟ حرث معاً نحرث!! ما الحرية؟ بالبهجة.. للبهجة… معا نحرث!! وخبزنا لنا.. نحن الذين حصدنا الرياحين معا الخبز لنا والرياحين.. هذا العدل هو وهذي الحرية هي… يا ابن أمي اصغِ إليّ.. أنت تأسر مالي ومالك، في خزائن ظلمات تأسره… لماذا أنت تشعل ناراً تلظي تأكلك وتأكلني؟! إن أنت سلبتني الحرية مارد السعير ينفجر ليس في الأرض قديسون كثيرون إن أنت أغلقت خزائن الظلامات على الماء والخبز والعطر وأبواب المأتي وزكاتنا، قاموا فمضوا.. لماذا توقد نار الفتنة في جهالاتك وجهالاتي؟! اصغِ إليّ.. النور عدلٌ.. النور حرية… اصغِ إليّ… الجمر في قبضتك، نار عذاب… لكن الشموس والأقمار والأزهار وفراشات العسل… عارية تأتي… أنا وهي وأنت من المأتى أبكاراً أتينا… هي وأنا وأنت عرايا الحرية نحن… أألله من حريتي يبدعني.. أألله في الحرية يبدعنا وجهالات البغضاء تجور وتقتل؟! يا ابنة أمي يا ابنة أمي أنا النور الذي هو الله أنا ما قلى أنا النور في النار نور وفي الضيا نور أنا هو… أنا العدل يا ابنة أمي فلا تهني.. أنا الحرية يا ابنة أمي أنتُنَّ كرامة الضيا ما الحرية؟ صلاة الزوايا ما العدل؟ صلاة النار في نور الضيا ما العدل الحرية؟ معزوفة البهجة البكر ونزرع الحقل ونصلي.. صلاةَ الحب الجامعة نصلي.. وأتي الهدى.. من باب مأتانا يشرق الهدى ما العدل ما الحرية؟ نبي أشعل المزامير.. شق ملاك الرحمن صدره، فاشتعل القمر.. وها إلهي… أسامره يسامرني، تسألينني ما الحرية ما العدل؟ رَبُّ عذوبة الوصل هو، ولؤلؤ عين العشق… بهجة قيثارتي والثرى والمطر ودثار ليلنا وعيون أحلام تتلألأ وسلام وجمال وحكمة.. هذا العدل يا ابنة أمي هو، هذي الحرية هي…

*****************************************************

غزة بيت لاهيا 20/11/1996

مجد الحب مجدنا الله فائق يتفوق بتواصل ونحن نمتلئ بالله، بقدر تفوقنا، وتواصلنا يكون الواحد إلهياً كلما كان قادراً على التفوق على آخر اللحظات… كلما كان على الإفلات قادراً … والإلهية لا تنفك عنا ولا ننفك عنها وثمة تمايز بين إلهية لا تتفوق على اللحظة الأخيرة.. وإلهية تتقدم في الفوق.. تقدما أخلاقيا.. الإلهية في إنسانيتها إلهية أخلاقية.. كذا يجب.. هي اجتماع متحرك الإنسان في الاجتماع يحيا، بالاجتماع يحيا الاجتماع نسيج يخلقه الإنسان الأخلاق نسيج الاجتماع الأخلاق تفوّق الاجتماع حياة تتمدد مني إليك الإلهية تملؤك وتملؤني كلما كنت فائقاً أكبر… كنت إلهياً أكبر الإلهية التي تملؤني تتوتر توتر الإلهية وثبة روح جديدة… ثورة نبوة… وثبة الروح وثبة بطل الروح في وثبتها حرية البطولة الروح في وثبتها انفتاح الحب الحب ارتباطنا العميق المضيء بعالمنا البطولة حب.. الحب حرية البطولة – التفوق – انفصال هو حرية، واتصال هو حرية الحرية مطلب الإرادة الإلهية في إنسانيتها هي حرية الإرادة… هي حرية الاجتماع المنفصل عن إلهية الطبيعة، المتصل بها حرية الاجتماع هي ارتباط الإنسان بالعالم، بالله مطلقاً هي عبادتنا هي الصلاة الفائقة… التي بها تكون الفائقة والفائق هي أم كل دين، كذا يجب هي فاعلية كل دين، كذا يجب هي الدين فوق كل ظرف هي الحب… لا العدوان حرية الحب هي النورانية… والحقيقة الحب يذهب بالظلمة فيشرق النور أنا أومن بك أيتها الحرية النور نورانيتي إلهيتي نورانيتي… أنت مجدي أنت في الأرض مجد أنت مجدنا… نحن بنات الأم الواحدة وأبناءها نورانيتي حريتي حرية بنات أمي وأبنائها نورانيتي حرية تستضي بها كل حرية حريتي نور لا نارا شهوة التملك نار شهوة التملك فساد الإنسان وظلاماته حرية النوراني براءة الأجنة في أمهاتها حرية الحب حرية النوراني طهارتنا من كل رجس شهوة التملك هي الرجس كله إني اشتهي الله فائقاً… اشتهي الله الذي لا تغتاله الضوراي ولا تقهره جهالات العتمة إني أحب الله الضياء… ضياء داخلي وخارجي وضياء الله هو النوراني وبي – أنا النوراني- يستوي الله على العرش وينمو الحب على عرشنا يستوي وينمو ويزهر الله – بي أنا النوراني – يوحي ويجاهر.. أنا الواحد وأنا النورانية واحد وبالنورانية العالم بالحب واحد النورانية حرية كل واحد النورانية واحدية مجدنا… مجد الحب مجدنا بركان الروح الإلهية نورانيتي… بركان البهجة هي بركان الطهارة المشاع وأنا النوراني لا أقهر… إن الله إلهي لا يُقهر أنا الديمومة الأجمل أنا الذي بالموت يحيا… إني فيك، بك، أي بنيتي ..أي بني… أي أخيّة، أي أخيّ.. أنا أحيا وأنت أيها الظلام أنت نور وأنت التحدي الظلامية ساحة النضال النوراني أنا النوراني واحديّ… ليس العالم نوراً وظلاماً.. إن كل شئ نور الحرية نور في حرية الظلامية نور يتاهب للحرية الحرية نوراني واسع الظلامية ضائقتنا وعتباتنا أنا النوراني كلمة تضئ قصيدة وتستضئ بها… أنا نور في جماعة هي نوري أنا النوراني معناي فاعليتي.. فاعليتي انفتاح قلبي وعقلي أنا الصانع في الصانعين وبالإيمان نفلت من كثافة الظلمات العبودية انغلاق العبث وإذا صرت إلاهيا تدفقت الحقيقة في أوصالي واستخرجتُ هوية انتمائي الأكبر إني أنا النوراني لذاتي أنتمي إن المجد ذاتي وأنتـُنّ وأنتم هوية مجدي وأنا النوراني عدلٌ “نبي” العدل أنا إلى قوم استخفهم الظلم فأذلهم “نبي” الزمان الذي تأكل فيه الغابةُ الناسَ والأوطانَ أنا إليّ إليّ هاتن .. هاتوا.. لنبني للنور وطنا إليّ إليّ.. لنبي للسلام مجدا.. مجداً لنا.. هنا.. لنا بني الإنسان وعندما رشقتني سواعد الظلامات بحجارتها، أفقـْتُ على عشق كبير، وأضأت السبيل، فاستنار المجد إن الشقاء جهالة فإذا امتلكنا إرادة وبصيرة، تتنزل الحرية نورا إن الله النور يخلق نورا وأبي وأمي في النور اجتمعا… بالنور اجتمعا جمعني النور وأنا اجمعه وذهب الظلام بددا وحينُ ولادتنا، حينُ ولادة الحرية من جديد وكل ولادة جديدة سعادة جديدة ولادة الحرية بهجة النماء الخلق جمال.. الحرية جمال الحرية التجدد… وهذي الحقيقة.. وحرية النوراني جمال يتجدد ويا قوم.. الفضاء مشاع الحب مشاع الخبز والماء مشاع وأنا لكم مشاع أنا الفائق بعدلي فيكم وبعشقي أنا حريتكم أنا حق الحق أنا مجدكم .. كرامتكم، عزتكم.. أنا.. فلا يغويكم الوهم ولا الماضي شمس اليوم بكر وإن فضضتم بكارة الزوايا المظلمة تبدعون النور من جديد… بعلم وعزم أطلقوا أشرعة مجدنا.. حريتنا النورانية حرية الأزهار المتفتحة.. هي العراء في الضياء والسلام طمأنينتنا الكبرى… هو نورانيتنا الأكبر                          غزة بيت لاهيا 15/12/1996

 

فاعلية المسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

فاعلية المسلم

 

 

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

إن جناح الهلاك لا يطوي رجالا يجاهرون بالحق..

فهم أكبر من أن يفنوا..

هم الماجدون!

 

تحفيز

 

هذه الرسالة تحفيز للفكر العربي المعاصر، على مواجهة واقع المفعولية الذي ترضخ له الأمة؛ منتج التاريخ الطويل، والراهن المرير، معا:

 فبدأت بمقدمة تشير إلى “المفعولية”، نقيض الفاعلية العقلية التي دعت إليها؛

 وبنت وجهة نظرها على قاعدة “واحدية الوجود”؛

 وتكلمت عن “منهاجية التفكير العربي” الإنفعالي؛

 ووصفت “إيمان الأوائل” بأنه كان انفعاليا، ولم تهدف إلى تجريح أسلافنا العظام؛

 وفي فصل “الواسعية إعجاز القرآن” نقدت المفاهيم الشائعة عن الإعجاز القرآني؛

 ثم قالت في “تقويم الفكر” أن القرآن مرقاة الواسعيتين الفعلية والعقلية؛

 وفي تناولها لقضية “الحدوث”، رفضت القول بأن الوجود المدرك بدأ من عدم؛

 وفي “العابد فاعل” قررت أن المسلم فاعل بعبادته التي يحقق بها واسعيته؛

 

أرادت هذه الرسالة، أن تقول بوضوح وجلاء، أن التزامنا بقضية حرية التفكير، هو شرط نهوضنا الحضاري الذي نتطلع إليه؛ والفكر الذي يفتقر للشجاعة، لا يبدع رؤية طليعية مقدامة.

 

شوال ـ مارس / 1414هــ ـ 1994م

 

 

      مقدمة : المفعولية

هزيمة المسلم في الجبهة الفلسطينية، آية سقوط حضاري تأدت إليه الأمة المفعول بها وفيها، صورته المجملة غياب فيما وراء دائرة الفعل، وجمود على هامش الوجود، محكوم بسلطان التقليد للآباء، في زمان مغاير للزمان القديم؛ زمان اقتحمته دعوة العقل، فتهاوت أمام معاوله المنتشية بنصر باهر، حصون تاريخية، كانت فاعلة فيما انقضى؛ ولكنها اليوم، وبمنهاجية تكيفها مع الواقع، معوقات لحركة مواجه التحدي.

إن ذيلية الأمة، والشروخ الغائرة في بنيتها المادية، وترديها الخلقي، وتخلفها التقني، وهزيمتها المنتشرة في ثناياها الجوانية، وانفصاميتها الحضارية الحادة، وتيبس رؤيتها، وظواهر أخرى، هي أعراض مفعوليتها المتناقضة مع الفاعلية المقدامة.

وعندما يهجم الطوفان، فإن الإنغلاق على الذات، واستدبار الحقائق، وتفادي المواجهة، موت، أو يشبه الموت.

وعندما يحدق بالأمة خطر قاتل، فإن حاجتها إلى فضيلة الصدق، وإلى بطل جسور، تعادل حاجتها إلى التشبث بالحياة.

ولكن الطائفة المناط بها حراسة وجود الأمة، تخلفت عن إنجاز مهمتها؛ لأسباب يعود بعضها إلى انتماء غير واع للتراث؛ ويعود بعضها الآخر، إلى خور أخلاقي أصاب أولئك الذين توهموا ان النفاق والكذب منجاة من عذاب الله، وسنن كونه.

وإن هذا لبلاء عظيم!

المفعولية مشكلة المسلمين في العصر الراهن!

وللمفعولية جذورها التاريخية، وما لم يكشف عن هذه الجذور؛ فلن يعرف الداء، ولا الدواء‍!

إن الأزمات التي تستفحل أخطارها إلى الدرجة التي بلغتها أزمة الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، تتطلب ما هو أكبر وأجدى من حركة حانية تلمس برفق عرق الحياة النازف!

فليست مشكلة المسلمين الراهنة من تلك المشكلات التي يكفي لعلاجها التوقف عند مستواها الظاهر، لأن ظاهرها مستوى ولد من آخر له جذور ضاربة في تراث ما قبل الإسلام.

فهم المسلمين للدين، هو أصل مشكلة المفعولية المسئولة عن أزمة الأمة الحضارية في العصر الراهن.

وهو فهم تلقاه اللاحقون عن السابقين، تحت نير سلطة فكرية، دعمتها سلطة السياسة القديمة، فاصبح كل نظر حر خروجا على الدين وعلى الجماعة؛ بينما هو في الحقيقة خروج على أوهام المتدينين، والمصلحة الآنية للمتسلطين.

كانت التعددية أحد خصائص الإدراك العربي الجاهلي للوجود، وتكييفا للفكرة الإسلامية كما نزل بها الوحي من الله تعالى. ولتعددية العربي، برزت في وعي المسلم، تفرقة حادة بين اثنين: الأول فاعل، والآخر مفعول؛ هذه الثنائية، هي معطى تكوين بيئي تراثي صنع النموذج الفكري العربي؛ لم يهيء له ـ للفكر العربي ـ  إمكان الفهم الصحيح للدعوة الجديدة.

ثم ترجمت سلطة السياسة فكرة الثنائية العقيدية، إلى ثنائية الحاكم والمحكوم؛ وفي التطبيق، فقد كان الحاكم فاعلا، والمحكوم مفعولا؛ بيد أن الحاكم ظل يزعم أنه مفعول لفاعل على الحقيقة هو الله؛ فتكرست فكرة المفعولية، وطغت على وعي الأمة.

كانت المفعولية في وعي وسيرة المسلم الأول، تمثلا للأمر الإلهي بحمل الراية والإندفاع بها في حركة، كانت فاعلة الأثر، ونبضت بها قلوب مؤمنة، لم تكن مشغولة بنظر يتغيا الفهم الأصيل للدور الإنساني في الوجود؛ ولكن الغاية التي سعى المسلم الأول لتحقيقها، كانت تجسيد الدور وبلورة نموذج حركي له.

ثم إن منهج العقل لم يكن قد ألح على مسلمي أول الدعوة، مثلما لم يكن قد ألح على الأجيال التالية؛ فلم يواجه التحدي العقلي الأمة كما يواجهها اليوم، ولم تدخل الأمة في ماضيها كله، مأزقا حضاريا يوازي المأزق الراهن، الذي يخلقه تحدي الإنجاز العقلي، والذي دهمها بينما هي في غيبوبة الغفلة والعبث.

العقل هجم على اللاعقل، فانتصر العقل واندحر اللاعقل.

وعقيدة الإسلام كما يدين بها الناس من اللاعقل الذي ورثناه عن أجداد لم يحيوا في زمن سيادة الفاعلية العقلية.

وما من سبيل الآن إلى إنكار دور العقل أو التكيف بغير منهجه؛ وليس من سبيل أمام المسلم المعاصر غير أن يقبل التحدي العقلي لعقيدته، وأن يثبت صدق ما نزل به الوحي.

فإذا لم يستقم أمر عقيدة المسلمين بمعيار العقل، فهل يستقيم الدين ذاته على هدى العقل المتحرر من أوهام الأولين واللاحقين التابعين؟‍

والدين القويم، يصدق أمام كل محك، خاصة المحك الذي يثبت أن الإنسان، من خلال منهاج العقل، فاعل، وشريك في الوجود، مختار بإرادة، صانع غير مقهور، ثم هو رائد حركة، يتحرر بها الفرد وتتحرر بها الأمة من إرهاب الماضي، لتلج بها الأفق الوسيع.

ومثل هذا الدين هو مطلوبنا‍؛ فهل الإسلام هو الدين المطلوب؟ أو؛ هل هو الدين الذي يمكن للعقل فهمه فهما يسترد به المسلم فاعليته؟‍ أجل!

                      حسن ميّ النوراني

 

                                          العين ـ الإمارات العربية المتحدة

                                       17 رمضان 1405هـ ـ 5 يوليو 1985م

واحدية الوجود

الله هو قضية الدين النظرية. وعلى مستوى الفعل، فإن قضية الدين، هي العلاقة بين الخالق والخلق.

والله، في المفهوم الديني، واحد، خالق.

والله، في معتقد المسلمين، خالق، مغاير للخلق؛ هو وجود مستقل، خلق وجودا آخر، ليس هو؛ فبعد أن كان الوجود الأزلي واحدا، أظهر الله وجودا آخر، زمانيا، هو الخلق؛ فصار الوجود وجودين: وجود الله، ووجود العالم.

هذه الثنائية الوجودية، هل يسلم بها العقل؟

وهل ثنائية الوجود مسلمة دينية، أم هي وهم عقيدي؟

فإذا رفض العقل ثنائية الوجود، فلا بد له أن يرفض الدين، إذا كان جوهر الدين، الإيمان بوجودين متغايرين، هما: الله، والعالم.

وبزعم الفكر العقيدي، فإن الله وجود لا يتصور العقل نهايته، فإذا كان الله لانهائيا، فإن خلقه لوجود غيره، تناقض مع ذاته، ولا يزول التناقض إلا بنفي ثنائية الوجود؛ فإن كل وجود آخر، غير الوجود الأول، حد للوجود الأول، وحكم عليه بالتناهي.

نحن نعرف الوجود ابتداء من خبرتنا ـ خبرة الذات بالموضوع ـ والوجود الذي نعرفه بالخبرة، ونتخيله بالعقل، غير محدود؛ إنه ملاء، يملأ مقولة الوجود. وإذا كان الله قبل العالم يملأ الوجود، أو كان هو الوجود الممتلىء بذاته، فلا قدرة له على خلق وجود آخر مغاير له؛ والخلق لا بد أن يكون بـ، ومن، وفي ذاته. ولو كان العالم محدودا، فهو حد للوجود الإلهي. فإذا كان الوجود الإلهي مالئا للوجود من قبل الخلق، فإن القول بخلق مغاير نفي لقضية ملءْ الله للوجود؛ فيكون الله ناقصا، محدودا؛ والدين يرفض نقصان الله.

وإذا صارت مغالطات الأفكار عقائد تحكم الحياة الإنسانية، صار البلاء قاسيا. وقد أفرزت الثنائية سلبيتها، منذ تجرأ سلطان السياسة الإسلامية على الزعم أنه قدر الله الذي لا راد له، ومنذ أن تحولت الإمامة من حاكم يسأل الأمة أن تصلح إعوجاجه، إمام يحمد الله على أن الأمة لن تتردد في تقويم اعوجاج أميرها بالسيف؛ إلى إمامة تكره الأمة على ما تأباه، فيجبر الحاكم الناس على مبايعة إبنه بالخلافة، من غير حق؛ ثم يجيء سلطان فيرى الإرادة الحرة رؤوسا يانعة حان قطافها!

كرس نظام السياسة عقيدة الثنائية؛ فإذا كان الوجود إثنين: الأول مطلق هو الفاعل، والآخر مفعول مسلوب الحول، خلقه الخالق من عدم؛ فما حيلة الإنسان أمام تصاريف الزمان، إن كانت التصاريف حكما مقضيا به ومقدرا من حاكم فوق، يفعل ما يشاء؟! وباسم حاكم التصاريف، يسوس حاكم المسلمين الرعية!

هيمنت فكرة المفعولية على المسلم، وبرزت سلبيتها بما أحدثته من انفصام البنية، وقبول جور الحاكم، ومطاوعة الظلم. وكيف المفكرون الحياة المجتمعية مع القدر السياسي الصارم؛ واحترزوا من خوض غمار معركة يتحدون بها سلطان العقيدة، أو عقيدة السلطة؛ افتقد المفكرون روح التجديد البطولية وهادنوا؛ فعززوا انقسام المسلم إلى ديني، ودنيوي؛ وبالطبيعة، قدم الناس عاجلهم على آجلهم، وهم لا يزالون مشدودين بوجدان مزدحم بقضاء وقدر، يظنونه جار من فوق وجودهم، ومن غيره، لا فيه؛ أو هو قدر واقع عليهم، لا بهم!

***

الدين يوسع فاعلية العقل، وعندما يجيز العقل الدين، يصبح الدين عقلا، ويصيرالعقل دينا بتوسعه إلى مستوى الوجود الديني. تختلف واســـعية العقل الإنساني ـ بلا دين ، الدنيوي ـ عن واسعية العقل لدى الإنسان الديني. وبتفاوت السعتين العقليتين، يتفاوت المدى الوجودي للدنيوي، والديني. ومن ثم، يمتاز الديني بالقدرة المتفوقة على الحركة في الدنيا، حركة تجاوزية، مرتكزة إلى الدنيا، لا مفصولة عنها.

العقل يوسع الحاضر، وخلال تقدمه المتواصل، يكتشف الوحدة التي تختفي في المتفرقات، وبالنظر القريب. والوحدة لا تلغي الفردية؛ إن كائنات الوجود متفرقة، ولكان العقل، وخلال نموه، يتقدم نحو تفسير واحدي لما هو متفرق في العيان، وكان آينشتين يطمح إلي صياغة نظرية المجال الموحد، ليفسر بها ظاهرات الطبيعة، بنظرية موحدة.

يدعم العلم الطبيعي الرؤية الواحدية، لكن الأخيرة غير معوزة للعلماء الأفذاذ للكشف عنها. فهي تنكشف بالوعي بالوجود الواحد الذي لا يتصور العقل التأملي تعدديته؛ والذي يمتنع فيه تصور العدم المحض، أو اللاوجود المطلق. ستكون الواحدية رؤية باطلة، لو كان للاوجود كينونة، بأية صورة، وكان ـ اللاوجود ذو الكينونة ـ غير الوجود، مغايرة تدفع به إلى خارج التصور الوجودي. ولكن، لما كان لا يمكن تصور إلا ما هو وجود، فإن اللاوجود وجود بالتصور، واللاوجود هو صيرورة وجودية، لا إلغاء للوجود البتة. فكرة الوجود لا تقبل اللا، ولا التعدد.

الوجود هو الصفة الأولى، المطلقة، لكل فرد. وتباين الأفراد فيما بعد اتحادهم في الصفة الأولى، هو تبــاين وجــودي، الوجـــوديـــة صفته الأولى، والمطلقة أيضا؛ فهو ـ التباين ـ ينتفي برؤيته بمنظور الصفة الوجودية الأولى، التي تطوي التباينات في معناها، وفي واسعيتها.

الوجود الواحد يسع الكثرة، لكنه لا يلغيها، الكثرة فاعلية الوجود، وإلغاء الكثرة إلغاء للوجود، بإلغاء فاعليته؛ وحقيقة كثرة الوجود، تطابق حقيقة واحديته. وبلغة العلم الطبيعي؛ فإن العالم طاقة، وهو كثر من الأفراد؛ فالفردية حقيقة كونية وجودية تتكون من طاقة، والوجود كله طاقة متحققة في أفراد. والفردية فعل حركي، فالعالم طاقة، والطاقة حركة؛ فالعالم حركة: العالم أفراده؛ والفرد هو فاعلية العالم. الوجود واحدي؛ والفردية فاعلية واحديتـه.

منهاجية التفكير العربي

لم تكن البيئة الثقافية العربية ـ التي تلقت الوحي ـ معنية بتجريدات العقل؛ كان العربي مشغولا بالتكيف العملي مع الحاضر الراهن المباشر، وكان مهموما بتقلبات بيئته الطبيعية والإجتماعية، دفاعا عن كينونته التي تهددها عوامل ظروف شاقة قاهرة. انعكس هذا الهم على مدركاته العقلية، وكانت معتقداته، تجسيدات لانفعالاته بالبيئة الطبيعية والإجتماعية، وتشكلت رؤاه بآنية لم تحظ بالتقدير في سياق شامل لمقولة الوجود المطلق من حدية الآن، أو محدودية الزمان والمكان.

صبغت البيئة العربية التي تلقت الوحي، حياة الإنسان، الذي هو ـ الإنسان ـ صورة زمانه على كل حال. كانت قسوة الحياة، وحركة العربي المكانية السريعة، عوامل أنتجت منهجية تفاعل حيوي، بمواقف انفعالية. والإنفعال استجابة عجلى، وتغير مفاجىء، يباين نشاط العقل المتردد، والمتراخي في مدة أكبر، تسمح بالتفكير البارد، وإجراء عمليات تحليل القضايا وتركيبها.

الانفعال طغيان ذاتي على لحظته، وعلى موضوعه. لا يقدر المنفعل على التفلت من إرادة الحياة المصمتة المركوز عليها وجود الإنسان الإبتدائي؛ فتنغلق على المنفعل فتحات تواصل اللحظة مع السريان، ويسجنه موضوع انفعاله، لتبرز الفردية حادثة متشنجة، تلغي في جوانية المنفعل الدور الفاعل لممكناته الكلية، النظرية والإجرائية.

كان العربي مضطرا للقفز في المكان، دفاعا عن وجود تتهدده عوامل ظرف لا تدعه يسكن في مقام. وقد انعكس أثر خاصية القفز في المكان على النشاط الأدبي العربي؛ فكان قفزات تنتمي للوجدان وترسم صورته، تنفعل بالقضية فجأة، وتنقلب عن أخرى فجأة، من غير تسلسل من مقدمات إلى نتائج بينهما رابطة الوحدة الموضوعية.

ونشاط التجارة الذي مارسته بعض قبائل العرب، لا يند عن خاصة القفز في المكان؛ فلم تكن التجارة العربية  عندهم علما يتطلب غور التفكير؛ ولكنها كانت قوافل تحمل بضاعة في الذهاب والإياب؛ لقد كانت قفزا في الفيافي، وانتقالا ونقلا. ثم إن التجارة في مجملها، عمل فردي الدوافع والغايات، يلعب فيه حب المال دورا مؤثرا وحادا على الذات؛ فيتكثف بالمال، وراء جدران الذات، وجود أنــانـــي مصمت، يناقـض الكليــــة ـ والجمعية ـ فكرا وسلوكا.

وتتشابك الانفعالية مع الأنانية في نظام القبيلة العربية. لقد كانت “أنا” العربي تنتفخ لتملأ الفرد بـ “أنا القبيلة’”. والإنتفاخ بالقبيلة خاصة انفعالية تعكس أثر العلاقات بين الإنسان والإنسان، والإنسان والبيئة؛ وهو منحى مضاد للعقل؛ لأن رؤية العقل تهدي إلى تجاوز حدود القبيلة، إلى حدود أبعد، بغاية التعاون لمواجهة تحد بيئي قاس تفرضه ظروف البيئة العربية. غير أن شعار العربي كان هو : “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”؛ والأخوة في معناها لا تخرج ـ في مفهوم عرب الجاهلية ـ عن حد القبيلة، وهي مدى العربي الجمعي، إضطره إلى الوقوف وراءه، سلوك القفز في المكان، وسوغه له منطق القفز في الأحكام، وهومنطق الإنفعال. ولم تكن جماعية القبيلة تدريبا للعربي يؤهله إلى رؤية كلية أوسع، التي هي سمة العقلانية، ولكنها ـ جماعية القبيلة ـ أصلت الأنانية وأغلقت النوافذ دون الآخر الحقيقي، الآخر المنتمي لقبيلة أخرى.

وكان الشعر والفروسية والكرم من مفاخر العرب. وكانت هذه الخصال، وعلى ما تنطوي عليه من معان إنسانية كلية، كانت ـ في البيئة العربية ـ مغلولة بقيد الـ “أنا” بشكليها الضامر والمنتفخ. كان الشعر صوت القبيلة وإعلامها المنافح عنها بالكلام. وكانت الفروسية دفاعا عن ذاتية القبيلة؛ وكان الكرم مواجهة عربية ضد خطر الهلاك الذي يهجم على مرتحل في مجاهل الصحراء، إذا ضل هلك، وإذا جاع قاتل؛ وإذا لم تكرم القبائل وفادته، تناقلت الألسن مذمتها، وانحط شأنها في الناس بصنيع البخل الوضيع. فالشعر والفروسية والكرم عند العربي انفعالات بالواقع، ودفاعات أنانية في إطار القبيلة، تأصلت بها المنهجية غير العقلية، المختلفة عن رؤية العقل الواسعة المدى، التي تتعامل مع الفردية، لا في عزلتها عن الجمعي المطلق، ولكن، برد الفردية إلى أبعادها ومقوماتها الفاعلة.

إن مدى الانفعال ضيق، وكان العرب الذين زامنوا الوحي انفعاليين؛ وعقيدة الدين عندهم دليل صريح على منهجيتهم الانفعالية  في الفكر والسلوك. فالوثنية لا عقلية، وكان العرب يعبدون الأصنام تزلفا إلى الله، ومن بطلان المنطق جمع الأضداد معا في مقولة تتأبى على القبول، مثل مقولة الشرك التي تجمع بين الله المطلق، الذي له السماوات والأرض، كما كان العرب يعتقدون، برواية القرآن، وبين صنم لا حراك فيه، يراه الوثني مدراجا إلى الله. ولكن نقيضة المنطق ظلت حبيسة الفكر، جردتها الممارسة من مضمونها في الواقع؛ فاكتفى العربي من وجهي معبوده، بالصنم الذي يصنعه بيديه.

ولم يأبه العرب بدعوات كانت تحضهم على التحرر من جهالة الوثنية، بل قاوموها بسلبية الطفولة حينا، وبمكابرة ظلومة حينا آخر، ورغم مشاعر واضحة لديهم، بأن الإله لا تصنعه الأيدي، ثم يأكله الجياع، وتبول عليه الكلاب؛ فلا يحمي نفسه، ولا يرد عدوانا. ولكن عقيدة العربي الوثنية دفاع عن الشخصية العربية المتمثلة في نمط القبيلة؛ فقد كان لكل قبيلة إله تكرس به انفصاليتها، وكان الإيمان بالصنم جمودا فرديا وجمعيا على تراث الأولين، وكان رفض معتقد الجاهلية خروجا على وحدة القبيلة؛ فلا تتردد القبيلة في مقاومة الرافضين لعقيدتها بكل أشكال القمع والإغراء، كما فعلت قريش مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ومع المسلمين عامة.فقد زعم القريشيون أن محمدا فرق شمل جماعتهم، فقاوموه فلم تثنه مقاومته عن مواصلة الدعوة، فأغروه بالملك عليهم، وأن يتوحدوا تحت لوائه، بشرط تراجعه عن دعوته إلى دين جديد، رأوا أنه يرفض تقاليد الأولين، ويكسر جمودهم، ويعصف بالأساس البنيوي للقبيلة؛ مبشرا بقيم عظمى لا يستوعبها مفهوم العربي الجاهلي؛ فالدعوة الجديدة، انتماء إنساني للكل، يناقض انتماء الإنسان للبعض، بالتصور العربي الجاهلي الضيق.

الوثنية عقيدة ضيقة، انفعل العربي بها، فظل ضيق الفكر، مغلولا في دوائر وجودية، تمثلت في مفهوم استنكر توحيد الآلهة في إله واحد؛ فهو ـ العربي ـ بحكم تعددية سياسية، ورؤية انفصالية، لم يتأهل لمعرفة واحدية للوجود. كانت إرادة الحياة، لدى العربي، تحت ضغط البيئة والتراث، هي إرادة العزلة. والإنسان الذي يشتبك بالحياة، بمواقف انفعالية، تطغى عليه انفعاليته، وتسلب الانفعالية منه، إمكانات التكيف العقلي. لم يكن العربي عقليا في رضوخه لتراث الأجداد، وكان التكيف العقلي بالنسبة للعربي، يمثل ثورة، لم يكن الواقع العربي قد تأهل للقيام بها.

والجمود والانفعال خاصتان للعربي الجاهلي يجمعهما موقفه المناقض للعقل. على أن الانفعال حركة نفسية كانت تحكم تكيفات العربي الوجدانية مع وجود الآخر؛ أي أن الانفعال كان قوالب التكيف؛ وكان الجمود هو الجانب الموضوعي لانفعالية العربي، أي: هو مادة قوالب تكيف العربي مع وجود الآخر.

 كان الانفعال منهاجا عربيا؛ وكان على كل دعوة جديدة أن تعبر إلى دائرته الذاتية من هذا المنهاج. وكان تحول العربي عن جموده لا يعني تحوله عن منهاجه، ولكنه كان إحلال مضمون جديد في وجدان العربي، محل مضمون قديم، في قالب لم يختلف.

ولست أزعم أن العرب لم يكونوا يفكرون، فالفكر سمة إنسانية عامة؛ ولكن العربي لم يكن يفكر بطريقة علمية تحتكم إلى شروط التحرر من الرؤى والمواقف السابقة، والتحرر من سلطان تراث الآباء على المعتقدات.

كان العربي يفكر بطريقة انفعالية. وقد تتقاطع حركتا الانفعال والعقل في نقطة واحدة من مساريهما، ولكن تماثل نقطتين من خطين لا يلغي مابين الخطين من اختلاف، كالاختلاف الواقع ما بين طريقة الانفعال، وطريقة العقل العلمي.

ومن خصائص العقل طابعيته، ومن خصائص الانفعال انطباعيته؛ فلم يكن العربي قبل الإسلام صانع بيئته، لقد كان مصنوعها. فإذا نضب الماء وأجهز الحيوان على المرعى، ارتحل العربي عن مقامه إلى غيره؛ ولم يحترف العربي مهنة مدنية يتكيف بها مع عناصر بيئته، محاولا مغالبتها، لينتزع منها مقومات معاشه، كما هو شأن الحضارة الفاعلة. كان العربي يفر من أرضه إن أجدبت، ويكر إذا جاع أو عطش. وكان أثره العمراني أطلالا يبكيها إذا وقف عليها، وكانت ثقافته شعرا يدون تجربة الوجدان، أو حكمة تبلور تجربة حياته، أو أقاصيص تحكي تاريخ الأولين، أو تتبعا لأنساب الجن والإنس والحيوان؛ وكان في ثقافته هذه كلها، نتاجا مطبوعا غير طابع، يدل على ثقافة تسجيل، لا ثقافة عقل مبدع.

والانطباع انفعال. وعندما دعا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، العرب للإسلام، انفعلوا بدعوته، قبولا ورفضا. فلم يجمد المشرك على شركه، ولم يؤمن المؤمن بالدين الجديد، بتحليل قضية الشرك أو قضية الإيمان، تحليلا يتناول القضية بالطريقة العقلية العلمية التي يمتلك بها الباحث زمام حريته وهو بصدد الحكم على ما بين يديه بصدقه أو كذبه.

ومن الأمثلة الدالة على الأسلوب العربي الجاهلي في تناول قضية الدعوة الإسلامية، ما روته سيرة إبن هشام من أنه اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر موسم الحج، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموســم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بحنقه ولا تحالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول أنت يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما انتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.

فالمشركون مطبوعون بانفعال رافض للدعوة، فلم يتناولوا قضيتها بالعقل ليحكم عليها، فقد اجتمعوا ليبحثوا في تسويغ الرفض بوسيلة التمثيل ، ولم يقبلوا تمثيل الدعوة الجديدة إلا بالسحر المنافي لطبيعة العقل؛ السحر الذي يدمر بنية القبيلة، جامعة القيم الجاهلية النفسية والفكرية، ورضوا هذا التشبيه لأن العربي ينفر من دعوة تهدم بنية القبيلة، وغير هين عليه أن  يستبدلها بدعوة تقوم على عقل يضيء ظلمات النفس، فتستنير الحياة الإنسانية بعقيدة تقوم على القيم القائمة على الحقيقة كما جاء بها الوحي، وكما يسلم بها، تسليما عقليا، أولئك القادرون على التحرر من منهاجية الانفعال، ومن هيمنة الآن على الفكر وعلى السلوك.

كان رفض المشركين للدعوة الجديدة انفعالا بمقومات الجمود الطاغية الظللومة؛ فقد شتم محمد ـ بزعمهم ـ الآباء والآلهة وعاب الدين وسفه الأحلام وفرق الجماعة، جماعة الشرك، وما أبقى على أمر قبيح إلا جاء به فيما بينهم وبينه. وهم قد رأوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بمنظور الجهالة المصمتة المنفعلة بقيم الدنيا الضيقة، فظنوا أنه إنما جاء يطلب المال أو الشرف أو الملك؛ فإن لم يبتغ أيا منها، فما حديثه غير رئي يراه.

كان الفكر العربي زمن الوحي ساذجا لم يألف منهج التحليل والتركيب العقلي الجامع للأبعاض في وحدة. وكانت أحكام العرب عجلى، تتدافع تحت ضغوط المواقف الآنية، ولا تصدر عن روية ورؤية مستقلة مترددة بين تقديرات متعددة ومختلفة، يقلبها الناظر فيها على وجوهها المحتملة وغير المحتملة، ليمايز بينها ويقارن ويختار. في هذه البيئة الفكرية، ظهرت الدعوة الإسلامية، وبمنظور الإنفعالية التجزيئي، غابت واحدية الإسلام.

إيمان الأوائل

دخل العرب الإسلام بمنهاج الانفعال.

ومن الأمثلة الدالة على منهاجية الانفعال عند العربي، قصتا إسلام حمزة عم الرسول وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. تروي سيرة ابن هشام أن أبا جهل آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره. فلما نما إلى حمزة خبر أبي جهل مع ابن أخيه، “احتمله الغضب”، فخرج يسعى، بحثا عن أبي جهل، ولم يقف على أحد، حتى لقيه، فأقبل نحوه، وقام على رأسه، فضربه بقوسه، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟

فهذا حمزة ـ أسد الله وأسد رسوله ـ قد دخل الإسلام غضبا لابن أخيه، فجأة، ومن غير إعمال للعقل فيما يدعو إليه النبي، ولكنه أعلن إيمانه بدعوة عمه، في لحظة طغى عليه فيها انفعال الغضب لعمه، على عدو من أعداء عمه، وفي هذه اللحظة الخاطفة، خرج حمزة من عقيدة الجاهلية إلى عقيدة الإسلام؛ قفز من قديم إلى جديد؛ خرج من وجدانه القديم، وامتلأ بوجدان جديد!

وقد أسلم عمر بن الخطاب، أحد أعظم رجالات الدعوة الإسلامية، بعد أن ارعوى! روى ابن هشام عن ابن اسحق، أن نعيم بن عبدالله لقي عمر، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: “أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله”. فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب. فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها. وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما كان صنع، فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا، انظر ما هذا الذي جاء به محمد. ثم قام عمر فاغتسل، وقرأ من الصحيفة صدرا فقال: “ما أحسن هذا الكلام وأكرمه”، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

كان ارعواء عمر مما صنع بأخته هو ذروة منحنى خط الحركة في الحادثة المركبة التي روتها سيرة ابن هشام عن إسلام عمر؛ وهي حادثة تناقضت فيها المواقف واختلفت بين طرفين في لحظة انفعال وجداني، كانت لحظة حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية بمكة قبل الهجرة، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي كله. وصحيح أن عمر أسلم بعدما قرأ بعض القرآن، فأعجبه؛ ولكن هذا الموقف نشأ ـ فورا  ومباشرة ـ عن موقف وجداني انفعالي، كان بمثابة الظرف الذي هيأ ولادة التحول المفاجىء لعمر، نحو عقيدة لم تكن بعيدة عنه، قبل حادثة إسلامه؛ ثم، هل يصح أن تحاكم دعوة كبيرة، تسع الوجود كله، ولها أهمية لا تحصرها الحياة الدنيا، هل يصح أن نقبلها أو أن نرفضها، في ومض من الزمن، واستنادا إلى نص لا يعدو الكلمات القليلات؟ لا يصح هذا المنهاج بحكم العقل، ولكنه صح بمنهاجية الانفعال!

انفعل عمر بالرفض قبل إيمانه، وانفعل بالإيمان أيضا. وعكس إسلامه انفعال العربي بالوقائع، فصور منهج القفز من حال إلى حال نقيض، وهو قفز انطوت عليه البنية العربية تحت إلحاحات إرادة الحياة في بيئة العرب القاحلة، التي تضطر الناس إلى التخفف من أعباء مقام طويل، ومن أ‘عباء تفكير عميق، وتؤهلهم للحركة السريعة، في الفكر وامتداد المكان، حركة يقفزون بها من نقطة إلى نقطة، بحثا عن مقومات النجاة، منفكي الرابطة بالقديم وبالجديد من المكان،، فالقديم شيء جاوزه الزمن، وخلا من النفع، والجديد مقام غير مأمون، يتهدده مستقبل يقضي ـ إذا كان انفصاليا، كما يعيش العربي الزمان آنا منفصلا عن آن ـ على الحاضر، وعلى أمن االشعور والحياة.

وكما العرب يقفزون من القاحل إلى الخصيب، قفز عمر، ومثله حمزة، من قاحلية الشرك، إلى ملاء الإيمان. لم يكن اعتناق حمزة وعمر للإسلام عقليا؛ ولا نزعم أن ايمان الصحابيين العظيمين فعل يناقض العقل، لكننا نرى أن منهجيتهما كانت منهجية لا عقلية.

كان إيمان المسلمين الأوائل إنقلابا على العقيدة القديمة، يقع فجأة. كان عمر جامدا على عقيدة الآباء، ومغلولا بموقفهم، ولم ترو سيرته أنه أعمل فكره في الدعوةالجديدة، القريبة منه، والمسموعة الصوت بوضوح كان كافيا لأن يوقظ فيه ملكة التفكير في صحتها؛ كان وجدانه مفعما بالكراهية للرسول، صلى الله عليه وسلم، والى الحد الذي دفعه إلى طلب قتله، وكانت كراهية عمر للمسلمين جلية ومروعة، والكراهية سلوك لاعقلي. وقد ظل وقتا طويلا يرفض الدعوة الجديدة ويقاومها بغير عقل، ولكن بانفعال، عكس موقفا عاما تفاقم في ذاتية عمر ، ونفخ أناه، ومنعه من أن يعي الحق، أو أن يصيخ السمع له، أو أن يتأمل الدعوة الجديدة تأملا حرا فيقرر منها موقفا منفك الرابطة بموقف جماعة المشركين، أو جماعة القبيلة بما تنطوي عليه من قيم تتهددها القيم الجديدة التي دعا إليها النبي الكريم.

كان إيمان عمر قفزا كالقفز العربي في المكان.والقفز يحدد الوقائع والقضايا بفواصل تقطع صلة الحادثة الفردة بالسياق الكلي المحيط بها. إن الفردية التي لا تند عن علاقة الفرد بالكل مفهوم عقلي تترجمه الرؤية الواحدية للوجود، والعربي لم يكن يوحد؛ إن تعددية القبائل، وامتلاء الوجدان العربي بهذه التعددية، وما تولد عن ذلك من سلوك وفكر؛ وتعدد المقام، والتباين الحاد بين القاحل والخصيب، الموازي للتباين بين الموت والحياة، هذا التعدد والتباين حفر في الذات العربية، إلى درجة غائرة، عادة الإشتباك مع الوجود في مستوى الحادثة أو القضية الفردة المنفصلة؛ وهذا يفسر إيمان عمر، باعتباره نموذجا للإيمان العربي بمنهجية الانفعال، في موقف غير متصل بالماضي ولا بالمستقبل؛ فأعمل فكره في بعض قليل من الوحي، لا بالدعوة كلها، وبتفاصيلها، أو بأمهات قضاياها. آمن عمر في لحظة فردة غلبته، ولم يعاود النظر فيها، ولم ينطلق فكره بالتحرر من الحاضر، كما لم ينطلق من الماضي الذي حكم موقفه العدائي من المسلمين، والذي حكم موقفه أيضا وهو يتحول من العداء العنيف، إلى الولاء العميق.

 لا شك أن عمر ، في لحظة الانقلاب السريع، وازن بين دعوة النبي وحال المشركين، والموازنة عنصر في منهاج العقل، لكنها أيضا عنصر في منهاج الانفعال الوجداني. وفي حالة الإيمان العمري، فالموازنة أدنى إلى أن تكون انفعالية وجدانية، لحصولها في ظرف وجداني صرف، ولانفلاتها من عقال التسلسل المبني من مقدمات ونتائج منطقية، لا التسلسل كما وقع وعمر ما زال يتوشح سيفا توشحه ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويدلل إيمان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، كذلك، على المنهجية الإيمانية الانفعالية. فعلي اتبع النبي الذي كان قد ضمه إليه اتباع الولد لأبيه؛ لقد آمن بالنبي وكان عمره عشر سنين، فإيمانه انفعال صبي، وانفعاله لا يشينه، فالناس أبناء أزمانهم، كما قال علي ذاته فيما نقل عنه.

وآمن أبو بكر، رضوان الله عليه، بدعوة الرسول، وما تلبث وما تردد. وكان إيمان أبي بكر انفعالا بشخص الرسول؛ روت السيرة النبوية أن أبا بكر كذب حادثة الإسراء والمعراج لما أخبره المشركون بها، ولكنه عاد وصدقها لما علم أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، رواها؛ فالقضية في تقدير أبي بكر، صادقة أو كاذبة بمعيار الحامل لا المحمول. ولا يخفى الانفعال في موقفي ابي بكر، موقف الإنكار وموقف القبول.

وكان قد ارتد بسبب حادثة الإسراء كثير من المسلمين؛ فما تفسير نتيجة تناقضت صورتاها بين ازدياد إيمان أبي بكر وارتداد الكثيرين عن الإسلام، وهي نتيجة ارتبطت بموضوع واحد؟!

انطـوى أبو بكر الصديق تحت راية الداعي لثقته في صدقه وأمانته، وأسلم أبو بكر ـ السهل ـ للنبي قياد نفسه، مطمئنا إلى أن محمدا نموذج أخلاقي رفيع، وكان أبو بكر ذا خلق ومعروف، لكنه لم يكن يساوي النبي، فالنبي، في تقدير أبي بكر، إمام، وهو مأموم له. إنقاد أبو بكر للداعية الذي عرفه، أكبر مما انقاد للدعوة التي لم يعرفها كلها؛ فلم تكن الدعوة قد اكتملت. وعندما صدق حادثة الإسراء، كان منفعلا بالإمام الذي لا يكذب، ولم يكن متعقلا للحادثة تعقلا يستقل بذاته، عن ارتباط الحادثة بشخص النبي.

والذين كذبوا الإسراء من المسلمين، وارتدوا بسببه، انفعلوا بحادثة قطعوا صلتها بسياق الدعوة،؛ فلم يعقلوا قضية الإسلام الكلية، التي هي انفتاح القدرة الضيقة للإنسان، على إمكانات الوجود الواسعة؛ وأحسب أن حادثة الإسراء برهان على واحدية الإسلام، لم يتبينه المسلمون الأوائل، لوقوعهم في دائرة المنهجية الانفعالية، التي لا ترى الحادثات بعقل غير مغلول بالآنات المنفصلة، هذه الآنات المحكومة بالانفعال.

تأدى موضوع الإسراء ـ الواحد ـ إلى نتيجتين مختلفتين، اعطتهما حركة الانفعال. والانفعال حركة نفسية تقيد المنفعل، وتتقيد به، وتتأدي إلى غايات لا تجمعها الوحدة، وذلك لتباين الذوات الإنسانية، ومن ثم، تباين وجهاتها ومواقفها إزاء واقعة بعينها.

وإذا كان من خصائص العقل أن يجمع، فإن من خصائص الانفعال أن يفرق. والقصة الواحدة التي فرقت المؤمنين، دليل على منهاجية الانفعال عند العرب في عصر تنزل الوحي.

والحق أن قصة الإسراء والمعراج دليل على أن الإسلام ثورة ضد المنهاجية الجامدة، منهاجية الانفعال. والقصة آية من آيات النبوة المحمدية الدالة أن وعي الدين مرهون بالعقل الحر المستنير، المتفلت من قوالب الرؤية القديمة ضاربة الجذور في بيئة العرب القاحلة؛ لقد كان إسراء الرسول انفتاحا على الخصب المطلق الذي يعطي الأمن والحرية والسلام؛ وكانت الصحراء العربية مقبرة للقيم العليا، وكانت فلاة الانفعال المحبوس في مضائق العقول والنفوس.

الواسعية إعجاز القرآن

العقيدة القادرة على مواجهة مشكلة الأنا الظلوم، أهم مشكلات الإنسان، والتي لا تلغي فردية الأنا، ولا تجحد قيمة العقل؛ هي العقيدة التي يعوز البشرية في عصرها الراهن الإيمان بها.

وصلاح الدين المعقود عليه الأمل بالنصر في معركة تتغيا الخروج من مأزق الحضارة المعاصر’’ة، مأزق الدنيوية، هو وجه الإعجاز الذي يثبت به صدق دعوته؛ دعوة الدين.

وبمنهاج العقل المستنير بالحرية، نعالج قضية الإيمان بالدين الإسلامي، باعتبار وحدتها وتمامها؛ فنخالف منهاج الأولين في الإيمان، الذي كان انفعالا وقفزا لا يلتزم الانتقال المعقول من نقطة إلى أخرى، ترتبطان بعلاقة السببية، مثاله إيمان أبي بكر الذي آمن بدعوة محمد لأن محمدا كان صادقا أمينا! فهل الصادق الأمين في ماضي الزمن صادق أمين في حاضر الزمن ومستقبله؟ وهل يكذب الصادق ويخون الأمين بإرادة إذا توهم الحق في قضية باطلة بذاتها؟! وإذا صح قول محمد أن الدعوة متنزلة عليه، فهل يلزم بالضرورة أنها منزلة من الله رب العالمين؟ ولماذا لا يكون محمد قد نسب دعوته إلى الله ليضمن لها القوة الكفيلة بتحرير قومه من خضوعهم المهين لأصنام وأوثان وقيم عبودية لا تليق بالإنسان كما تشوق إليه الداعية الكريم؟

تلك كلها فروض جائزة التقدير، لا يمنعها زعم من احتج بأن محمدا ظل في قومه أربعين عاما، فلم يدعهم إلى ما دعاهم إليه بعد هذا العمر المديد؛ فما العلاقة بين عمر الداعية وصدق دعوته؟ فلو أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، تلقى الوحي قبل أو بعد الأربعين، فهل يصح أن يحسب ذلك نقيصة في الدعوة؟ كلا. وهل يصح أن نكذب دعوة نبي لم تأت في ميقات يوافق عامه الأربعين؟ كلاّ.

تلك الفروض جائزة، لا يلغي جوازها أن تكون دعوة محمد قد نقضت الوثنية العربية الباطلة. فليس دعوة تتنزل من الله هي الحق وحده، إذا كان محك صدقها قوة إبطالها لعقيدة الوثنية العربية. وليس محمد هو أول داعية في عرب الجاهلية دعا إلى رفض عبادة الأوثان.

***

وليست العقيدة الفاعلة في عصر الأزمة الحضارية ـ العربية الإسلامية العالمية ـ هي العقيدة التي يؤمن بها المؤمنون بمنهاجية الانفعال غضبا أو ارعواء أو إعجابا أو اقتداء أو تسليما علي عماء. العقيدة الفاعلة هي الحق في كل ظرف ومن كل وجه، والحق هذا هو معجزتها التي لا يبطلها التغير.

فما وجه إعجاز دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يكشف أنها الحق، وأنها علاج مشكلة الإنسانية في الزمان الراهن، وفي كل زمان؟

ترتكز القضية الدينية على دعوى تنزلها من الله رب العالمين. فإذا صح أن القرآن وحي الله نزل به جبريل الأمين على قلب محمد الرسول الكريم، فلا مسوغ بعد لجدل يدور في مستوى العقل أو دون مستواه، حول صدق الدعوة الإسلامية في ذاتها، وصلاحها لمواجهة تحديات الوجود الإنساني. فإذا كان الدين متنزلا من رب العالمين، خالق الأكوان، لا يند عنه كون؛ فإن كلام الله خلق لله يهدي به خلائق الإنس؛ على تقدير سابق، وآخر لاحق، تبرز بينهما أزمة الوجود بمعنييها الديني والحضاري الدنيوي على السواء. فإذا اجتاز الإنسان أزمة الوجود بهدى وحي الله بمقالة الدين، ثبت أن القرآن كتاب الله لا ريب فيه، وأنه الحق الصراح في ميزاني العقل والفعل.

فهل القرآن كتاب منزل من لدن الله؟ الجواب على صورتيه، فرض تعوزه الحجة.

أم أن القرآن كتاب من عند محمد، ثم زعم أنه منزل من لدن الله؟

ينفي القرآن عن نفسه كل نسبة لغيرالله، ولن يأتي الجن ولا الإنس ـ يقول القرآن ـ بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وقد تحدى القرآن العرب على أن يأتوا بسورة من مثله؛ فلما عجزوا، ثبت ـ بمنطق القرآن ـ صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله.

ومن حق العقل إذا تناول قضية الدين أن يسأل عما إذا كان عجز العرب عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، دليلا حاسما على صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله؟

فإذا كان الفعل القرآني فائقا ولا يرقى العرب إلى محاكاته، فهل العجز العربي عن الإتيان بشيء من مثله، دليل كاف على أن القرآن وحي الله نزل به جبريل على قلب نبي الله محمد؟

وعلى صحة افتراض أن يكون القرآن فعل غير محمد، فهل هذا الغير هو الله لا سواه؟

فمن ذا الذي يزعم، زعما يؤيده الدليل، أن الوجود ابتداء من مرتبة الإنسان، محصور بين الله والإنسان؟‍

ومن ذا الذي يزعم، زعما مؤيدا بالدليل، خلو الوجود من أكوان لا يمتنع في العقل أن يتنزل منها على محمد كلام، ويقال أنه كلام الله؟

إن العقل المستنير بالحرية يتغيا الحق لذاته، فيقتحم كل بحر، ولا يتهيب افتراض الفروض، إلى أن يثبت عنده صحة فرض بحجة يخالها لا تنقض؛ ولا يغفل عن الوعي بأن الحجة أيضا، حكم غير معصوم.

وقد رد المفكرون المسلمون المعجزة القرآنية إلى نظم القرآن البليغ، وإلى ما اشتمل عليه من أمور الغيب، وقصص السابقين، ونبوءات المستقبل، ودعوته إلى خير الإنسان، وسبقه لمكتشفات العلوم التجريبية، في نسق لا تتعارض فيه أجزاؤه.

ولا يزعم مفكر مسلم، أن مقدار ما تحدى الله به العرب، من القرآن، يشمل أوجه الإعجاز التي عمد الدارسون المسلمون لذكرها كلما ناضلوا المنكرين لقضية الدين، أو أثبتوا صدق نزول القرآن من لدن رب العالمين.

فلما تحدى الله العرب أن يأتوا بسورة واحدة من مثل ما نزل على الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فأعجز التحدي العرب؛ دل العجز العربي على أن إعجاز القرآن صفة له كله، وصفة لكل سورة من سوره. وليس كل سورة من سور القرآن فيها أوجه الإعجاز المتعددة التي ذكرها الدارسون المسلمون للوحي.

ولم يكن العرب، زمن تنزل الوحي، أهل علم واف بما سبق من أخبار الأمم، ولا أصحاب كشف عن مخبوء الزمان مما تنبأ به القرآن أو أضمره من معان؛ فيردوا دعاوى القرآن إلى ما يعلمون أو يكشفون، ليتبينوا حقيقتها من زيفها. ولكن الدين الجديد كان يسحر العربي فيؤمن به، ولا يكون ـ العربي ـ قد وقف إلا على القليل من آياته، أو أن يكتفي بأن يخبر ناحية من أخلاق الدعي به.

كان للعربي وجدانا منفعلا، لا عقلا محللا ومركبا ومتريثا يتريث قبل أن يصدر الحكم. ولو تريث المؤمنون الأوائل بالوحي قبل الإيمان به على ما انتهى إليه لحظة إيمان كل منهم، إلى أن يتم تنزل الوحي كله، لكان إيمانهم أقرب إلى منهاج العقل الذي يحدد موقفه من القضية التامة وليس من أبعاض معلومة لكل مجهول؛ لكن قضية القرآن التامة قائمة في كل بعض من القرآن، بتقدير للإعجاز القرآني، لا يطابق المفاهيم الشائعة حول قضية الإعجاز القرآني.

كان للإيملن الذي كان يقدح وجدان العربي الصحراوي القاسي المنفصل المتعنت، كان له فاعليته الخاصة التي مكنت الوحي من أن يقلب وجهة النفس العربية من صورة إلى نقيضها. ولا تنفعل نفس بدعوة ، إن لم تكن عوامل النفس مواتية لنمو بذور الفكرة الجديدة. ولم يكن العلم بالسابق أو اللاحق من عوامل تكوين النفس العربية التي ملكت دعوة الإسلام نواصيها.

كان العربي يقفز من الشرك إلى الإيمان في لحظة انقلاب لا ينكفىء عليها، بأداة التحليل؛ بل كان يندفع بها، بقوة تكمن في دعوة الوحي، لها ـ للقوة ـ صداها في وجدان المؤمن ـ الإنسان ـ بها.

فالإيمان الذي يطفر من أعماق نفس مظلمة، في برهة قصيرة، وبآيات قليلة، لا ينبني على أساس ما في القرآن من وجوه إعجاز درج المسلمون على ذكرها، وحض الناس على الإيمان بالوحي من بابها.

لم يتوجه التحدي القرآني للعربي القديم وحده، ولكنه تحد للإنسان ـ ومعه الجان ـ في كل زمان. فلا بد أن وجه الإعجاز القرآني هو واحد بعينه، يغلب العربي إذا  تحداه، ويغلب سواه في كل مصر وعصر، خاصة وأن محمدا رسول الله للناس كافة.

فإذا قيل يكمن في البيان وجه إعجاز القرآن، بدلالة كل آية من أياته، فهذا قول تنقضه عمومية الرسالة وعمومية التحدي. فإن كان العربي بليغ اللسان، تحداه القرآن بالبلاغة ذاتها التي يتقن صنعها؛ فأين وجه التحدي القرآني لغير العربي؟ أو للعربي في عصور انحطاطه البياني؟ فلو أن البيان هو وجه الإعجاز القرآني، فإن من الحق الزعم أن القرآن تنزل للعربي في عصر بلاغته البيانية ولا غير؛ طالما أن  القرآن معجزة بلاغية، لا تكون معجزة إلا إذا تحدت البليغ فأعجزته، ولا تكون معجزة ربانية إذا تحدت غير بليغ البيان، فنكص عن تحديها.

ولم يكن العرب يؤمنون بالقرآن لبلاغته البيانية. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو العرب للإسلام بأفكار القرآن. ولم تكن دعوته للقرآن  بصورته البلاغية في كل حال. ولم يذكر من أخبار الإيمان أن المؤمنين الأوائل جربوا الرد على التحدي القرآني البياني، فإذا أعجزهم التحدي استسلموا للدعوة النبوية المحمدية. ولم يكن الأعجمي يؤمن بسبب بيان القرآن، فأعجمي اللسان لا يدرك ما في لغة العرب من بيان! وأعجمي اللسان ليس مكلفا الإيمان بالقرآن إن كان باب الإيمان هو البيان!

والتفاوت في البلاغة بين متكلمين بلسان واحد، مسلمة في كل العصور والأمم. وكان العرب يمايزون بين بلغائهم ويجعلونهم مراتب يعلو بعضها بعضا؛ فإذا ادعى محمد النبوة لعلو مرتبته البلاغية، جاز أن يدعي النبوة كل بليغ ارتقى سدة البيان في أمته وعصره.

البيان البليغ صفة للقرآن، غير أنه ليس وجه إعجازه اللازم عنه أيمان الناس به في كل زمان، الناطقين بكل لسان. البيان صفة للغة، لكن اللغة ترجمة للإفكار، من ترجمات متعددة؛ فلا تستغرق كل أنماط الفكر؛ والإسلام أفكار؛ فإن كان الإسلام معجزا، فإن إعجازه في فكره، لا في شكل من أشكال الترجمة الفكرية. وقد يلتقي الناس كافة، في كل الأزمان والبلدان، على فكر واحد، لكنهم لن يلتقوا على صورة واحدة من الترجمات المتعددة لفكرة واحدة؛ فالفكر المنتج عقليا، واحدي بذاتيته، لكن تجليات ما هو واحد بذاته، متعددة؛ واللغة، عربية أو غير، بليغة أو غير، لها تجلياتها المتباينة المتفرعة عن أصل واحد، غير الشاملة عليه كله. ولا بد أن إعجاز القرآن يكمن في الأصل الواحد الشامل غير المشمول.

ولا ينماز القرآن عما سواه بالوجوه الأخرى التي رأى المفكرون المسلمون فيها إعجاز القرآن غير ما فيه من إعجاز البيان. فإذا احتجوا باجتماع ما ذكروا من أوجه الإعجاز القرآني على تفرد القرآن، لزمهم إثبات اجتماع الناس عليها في كل زمان وعلى كل حال. غير أن اختلاف الناس في فهم القرآن واقع، فالتفاسير متعددة، والتأويلات متعارضة، وظلت بعض الحقائق القرآنية مطوية في النصوص، تنكشف على كر الزمن. فالإعجاز القرآني على الوجه الذي يظنه الرأي الشائع، لم يظهر من القرآن ظهوره التام في أية حقبة من الزمان. ولا بد أن يظهر إعجاز القرآن كله، وفي كل زمان، لكل من يعي سر الإعجاز، ووعي سر الإعجاز القرآني ميسور لكل نظر عقلي واحدي، وليس للنظر المشروط بالكشف عن الوجوه التي عددها الدارسون التقليديون لقضية الإعجاز القرآني.

إن ما ذكره الباحثون التقليديون من أوجه الإعجاز القرآني لا تنفي عن القرآن، نفيا قاطعا، احتمال نسبته لغير الله.

فبلاغة القرآن، وانتظامه في النسق الخاص به، ليس من المسائل التي لا يستطيع الإنسان فعلها.

وتاريخ الأمم السابقة مدون في الكتب، فٌإذا زعم أن قصص القرآن رواية جديدة لأخبار حفظتها آثار اليهود والنصارى، فهو زعم لا يدل دلالة قاطعة على أن النبوة المحمدية ربانية. ولا يضعف فرض النقل المباشر أو غير المباشر عما سبق، بالقول أن رواية القرآن بينة، وأنها أجلى معنى من روايات التوراة والإنجيل؛ فكل تجديد يمتلك إمكانات التقوية والتجلية. وقد يجوز أن يكون محمد قد وضع يده على الروايات الأصلية للكتب السابقة، على اعتبار أن الروايات المتداولة لا تطابق الحقيقة.

وهل نبوءات محمد دليل على أن رسالته متنزلة من لدن الله؟ فهل يحق لكل نبيء أن يزعم أن وحي الله قد تنزل عليه؟ ثم إن انتماء النبوءة للمستقبل أمر يحيل الحكم عليها إلى زمان وقوعها، الذي لم يقع في زمان التنبؤ، وهو الزمان الذي يرجو المتنبيء من الناس أن يصدقوا فيه دعوته. فالنبوءة قبل وقوعها، تقبل أن يفترض فيها الصدق والكذب، وإن قبول الدعوة يتطلب التسليم بصدقها تسليما عاجلا، لا تسليما مؤجلا.

وأخبار الغيب قضية لا تستقل عن قاعدتها، ولا تصدق إلا بردها إلى مقدمات ثابتة. فإذا صدق الزعم بتنزل القرآن من الله، وصح الفرض بأن الله منزه عن الكذب، لزم التسليم بقضة الغيب، وفق منطق ارتباط النتائج بمقدماتها الصحيحة.

وحكم إشارات القرآن العلمية هو حكم النبوءة والغيب. وقد تكون هذه الإشارات أمارة نبوغ بشري، وقد تكون سبقا للزمان، أو موافقات عفوية. والقول بها، وفي كثير من الأحيان، شيء مفتعل، يقصد به المتأخرون الدفاع عن الدين، وفي مواجهة العلم المعاصر، بلغة العلم، على ما في هذا الدفاع من مجافاة لمنطق العلم، المبني على قاعدة أساسية، هي قاعدة التخلي ـ ابتداء ـ من التسليم لكل معتقد، غير معتقد التحرر من الأحكام السابقة. وأظن ـ وليس كل الظن إثم ـ أن المدافعين عن الإسلام بالتقاط الموافقات بين نصوص القرآن، وتقريرات العلم، لا يتحلون بالتخلي المطلوب في منطق العلم، فهم مؤمنون من قبل، مؤمنون من بعد؛ وهم لا يتحلون كذلك بالوعي بقضية تغير مقررات العلم، مع تغير العصور، ولا يعون أن تغير العلم يجر إلى تغير الحكم على الدين؛ فلو أن العلم قرر أن الأرض مسطحة، وأنها ثابتة لا تدور، فزعم القائلون أن القرآن كشف هذا من قبل؛ ثم قرر العلم غير ما قرر من قبل، فقال أن الأرض تدور وأنها كروية، فماذا سيكون موقفنا نحن معشر المؤمنين بصدق القرآن؟ وبأي مقررات العلم ندافع عن صحة معتقدنا؟ هل الدين صادق في كل زمان، أم صادق في زمان، كاذب في زمان؟ أما ربطه بمقررات يكذب اللاحق منها السابق، فهو فك ارتباط ما بينه وبين عقل لا تجتمع فيه المقررات المتخالفة، عن قضية واحدة، عن واقعة واحدة.

وليست قيم الإسلام الأخلاقية، أو نظمه التعبدية والتشريعية، ليست جديدة على الإطلاق، ولم تنسج على منوال لم يسبق. ففي التراث الإنساني عامة، والعربي خاصة، قيم أخلاقية كريمة، كما في الإسلام. وعرف الناس قبل محمد عقائد وشرائع مثل تلك التي دعا إليها النبي؛ وعرف العرب خاصة، أغلب ما تبناه الإسلام من العقائد والشرائع والأخلاق. وبفرض أن لا يكون محمد نبيا مبعوثا من رب العالمين، فهو مصلح عظيم، لم يخرج عن سنة المصلحين، الذين دعوا أجمعين إلى الخير، وبطرائق تتأدى إليه.

أوجه الإعجاز التي يبرزها المفكرون الإسلاميون التقليديون ـ غير الواحديين ـ لا تنفي عن القرآن تهمة نسبته لغير الله؛ فهي لا تقوم حجة على معجزة القرآن الربانية، ولا تتجاوز مدى التدليل على أن القرآن فعل فائق، ولكنه يحتمل أكثر من تفسير، ويمنح الباحث العقلي حرية افتراض كل ما يجوز افتراضه.

وقد يستند الخصم إلى ما ثبت من إخلاص الداعية لوجه رسالته، وطلبها منه لذاتها، وللخير الذي تحض عليه؛ لا للملك ولا للمال. بيد أني أسأل: هل رفض الحياة الدنيا من محمد إذا دانت له، دليل على صدق دعواه؟ يكون الرد بالإيجاب، إذا كان الإخلاص للدعوة هو صدقها عينه! لكن الإخلاص أخلاق تحكم الموقف الذاتي للإنسان؛ والصدق صفة تتعلق بالفكرة،  مستقلة عن الإيمان بها أو الإخلاص في تطبيقها.

ولو أن الإخلاص لدعوة هو صدق الدعوة، إذن لاستوى على صراط مستقيم، أهل العقائد أجمعين، بميزان حق واحد، يثبت بمعياره صدق كل عقيدة. وهو غلط ينقضه المنطق السليم، الذي يحكم بأن الحق في حلبة صراع أو خصومة، موقف واحد لا يتعدد مع تعدد مواقف المتصارعين أو المتخاصمين.

فلماذا لا يكون وفاء محمد لدعوته، دليلا على التزامه بدعوته، لا دليل صدق دعوته بذاتها؟ فالالتزام بالدعوة كما التزم بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، خاصة بطولية، ومحمد، ومن كل زاوية، بطل فذ! وهذا فرض يجيزه العقل، ويسوغه منهاج التحليل المستنير بالحرية.

وقالوا: كان الرسول أميا، فهل يجمع الأمي ـ القول لهم ـ علمي السابق واللاحق؟ وإن كنا لا نبالي في هذا المقام بالخلاف حول معنى أمية الرسول صلى الله عليه وسلم،؛ فإني لا أسلم بأن الخلو من دربة القراءة والكتابة في الجزيرة العربية زمن حياة الرسول، حائل يقوم جدارا عاليا كثيفا، بين طلاب العلم، وإرادة التعلم وحصول المعرفة. فالبصر ليس أداة التعلم وحده؛ وليست اليد الكاتبة هي الدالة وحدها على حصول المعرفة؛ خاصة في بلاد العرب أيام جاهليتهم، التي لم يغلب فيها عليهم العلم قراءة وكتابة؛ لكن ذلك لم يمنع من أن يكون للعرب علوما، وأن يمتلكوا أساليب التعبير عنها. وليست جهالة العرب أنهم لم يكونوا يعلمون، أو يتناقلون فيما بينهم ما يعلمون؛ كانت الجهالة العربية جهالة منهجية عامة؛ ولا يستحيل في العقل خروج نفر من المصلحين عليها، أداتهم العلمية أداة زمانهم، ومنهاجهم ثورة فكرية، وقاعدة للتغيير.

***

فإذا كان القرآن وحي الله المتنزل على رسوله هداية للناس أجمعين، فلا بد أن ينكشف الإعجاز الدال على إلهية القرآن للناظر من كل جهة. لم تعتبر الرؤية التقليدية لإعجاز القرآن هذا الشرط لفهم سر القرآن الذي تحدى الله بمعجزته ـ التي هي سره ومعناه ومبتغاه ـ العرب والإنس كلهم والجن.

الإسلام الذي امتد عالمه، وتطاول في تقدمه، منذ أربعة عشر قرنا، إنما هو دعوة واحدة، على مرتكز واحد، يتبلور في مفهوم أساسي، ويتجلى في تفصيلات لا يند منها شيء عن الأساس. ومفهوم القرآن الأساسي هو إعجازه، وهو إعجاز لم يتخلف منذ بدأ تنزل الوحي، ولا ينقضي إلى آخر الأزمان.

الإعجاز القرآني متعضون بتجربة الوحي ، معرفة وتاريخا. وهومنبث في الإيمان، انفعالا وتعقلا. الإعجاز القرآني هو الفاعلية القرآنية؛ فاعلية القرآن كله، وفاعليته سورة سورة، وآية آية.

بدأ تنزل الوحي والرسول مجاور في غار حراء. وورد عنه، صلى الله عليه وسلم، قوله: “فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء ـ وفي رواية أخرى: ما أقرأ ـ قال (الرسول): فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء، فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: إقرأ، فقلت: ماذا أقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: “إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرا وربك الأكرم،الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”. قال الرسول: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني. وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا؛ فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل؛ فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل.

وهكذا وقع انفتاح الإنسان محمد على ربه الذي خلق الإنسان من علق؛ الأكرم، الذي علم الإنسان بالقلم، ما لم يكن يعلم؛ ودلالات هذا النص القرآني الافتتاحي دلالات واسعية: الربوبية، والخلق، والعلقية ( = العلاقية )، والأكرمية، والعلم القلمي. فتبين منذ أول تنزل الوحي، أن فاعلية الدعوة الإسلامية هي الواسعية؛ يوكد ذلك، ظرفية واقعة افتتاح الإتصال الإنساني يالربوبية؛ فالمتلقي كان في عزلة الغار والنوم، لكنه كان موصولا بعمق الوجود، فجاء جبريل ليحمل محمدا، بالقراءة، من عزلة الغار والنوم، إلى واسعية الوجود؛ وليفتح العمق الذي كان المعتزل للناس موصولا به، على العمق الموصول به الوجود كله: الله رب العالمين.

رسم الوحي وجهته منذ ابتدائه، وتحددت بالبداية معنى القرآن؛ ومن ثم، كشف القرآن إعجازه وفاعليته؛

والوحي متنزل على محمد الأهل له؛

فالقرآن، أو الوحي، واقعة حادثة متقومة بأسبابها العاملة، شأن كل واقعة حادثة أخرى. والقرآن دعوة الله دعا بها النبي محمد بأمر الله؛ فالله الآمر بالدعوة، والرسول الداعي بالدعوة، عاملان سببيان داخلان في فعل تكوين بنية الدعوة الإسلامية. وعامل الفعل، كل عامل لكل فعل، لا بد وأن يكون مؤهلا لدوره، وقيامه الفعلي بالمشاركة دليل حاسم على أهليته لدوره. لقد تمت الدعوة الإسلامية بالرسول، وهذه حقيقة يترتب عليها، بالضرورة، أن الرسول مؤهل للدخول في بنية الدعوة التي دخل فيها الأمر الإلهي كذلك.

والواقعة فعل مركب من عوامل لها قابلية التوحد معا في كل واحد. فإذا تكونت واقعة ما من عوامل متعددة، دل هذا على مثلية العوامل المتحدة من جهة توحدها.

فإذا كان الوحي الإلهي واقعا دخل الأمر الإلهي في بنيتها، فإن الله من جهة آمريته عامل مكون لواقعة الوحي؛ والله واسع؛ فالوساعة الإلهية عامل تكويني في الأمر الإلهي الذي هو في الوحي؛ وأمر الله الواسع المتنزل على قلب محمد، يتطلب أن يلقى وساعة قلب محمد، أو: وساعة أفقه الوجودي المؤهل للدخول في تكوين فعل واحد، من عوامله وساعة الله الوجودية بالمفهوم القرآني.

لقد كان محمد واسعا. ومن آيات واسعيته ـ التي ترويها كتب السيرة النبوية ـ مجاورته في غار حراء، شهرا من كل عام؛ فيتفلت في الغار من أغلال الاستغراق في دائرة الفعل المعاشي الضيق، منطلقا بالتأمل باحثا عن معنى وراء حياة ينسلب فيها  من الإنسان قيمة الكرامة ، كما تمثل ذلك في عبادة الأوثان وشيوع الحرمان من الحق بالعدالة التي تساوي بين الناس كافة. كان محمد يعيش في مجاورته حالة من الرفض الفردي لمعايير حياة قومه. كان يوجه نظره للكعبة، وكأنه كان يسائل نفسه عن مصداقية توظيف القرشيين والعرب لهذا الرمز الموصول بأبي الأنبياء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام. ولم يكن رفض محمد جوانيا وحسب، فقد كان يصلح من سلوكه باطراح الآثام، وكان يعبر عن تعلقه بالمثل العليا، بإطعام المسكين إذا جاءه وهو في اعتكافه.

وقد أحب محمد قبل مبعثه الخلوة، فلم يكن ـ برواية عائشة، رضي الله عنها ـ شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. وللخلوة في البيئة الجاهلية العربية دلالة الرفض السلبي لمعايير الحياة التي كانت سائدة في مجتمع النبي قبل تنزل الوحي. إن الجمود في الرؤية الضيقة هو أحد أبرز صفات الجاهلية العربية، التي كانت منغلقة على ذاتها في دائرة منفصلة عن وساعة الوجود، ومناقضة لرؤية العقل الواحدية التي تتجلى فيها الكلية الوجودية بتعيناتها الفردية.

انفلت محمد من دائرة عصره الضيقة، إلى دائرة الوجود المطلق الواسعة، وتمثل انفلاته في مجاوزته للأنا الظلومة خلال حركة دخول تحت مظلة الوجود الواحد مع المسكين الذي كان يجيئه في خلوته في حراء، فيطعمه. فلم يكن محمد يملك، وهو في مرحلة الرفض السلبي لمفاهيم وممارسات الوجود الضيق المظلم، غير أن يعبر عن وساعته بحرية النظر؛ وفتح أناه على الآخر.

وقد روى عبد الله بن عبيد الله، أن الرسول قبل مبعثه كان إذا خرج لحاجته، أبعد حتى إذا تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال الحجر أو الشجر: السلام عليك يا رسول الله. ومكث كذلك يرى ويسمع حتى جاءه جبريل عليه السلام.

وقد يعجل مدعو العقل ـ الدنيوي ـ فينفوا صدق الرواية هذه، لما فيها من خبر حديث الحجر والشجر، زعما بأنه مسألة لا تخضع للتجريب، ولم تشهد لها خبرة الإنسان العامة بالصدق. ولست أعجل فأنفي حكم التجريب ومصداق شهادة الخبرة العامة للإنسان؛ ولكن نفي ما لم نعلم، بناء على ما نعلم، غلط لا يتفق ومنهاج التفكير الرشيد الذي يأبى التوقف بحدود المعرفة في دائرة ما حصل منها، أو ما يمكن أن يحصل بالمماثلة مع الحاصل. فالعلم يتنامى، وتفيد تجربة الماضي ذاتها، أن الحاضر ليس سقف العلم؛ العلم متجاوز لذاته، مترام في المستقبل. وقد تخلو معرفة الإنسان الماضية من كلام الحجر والشجر؛ وقد يقال أن الكلام بلغة الإنسان هو مفردة إنسانية خاصة به، لا تسع غير الإنسان؛ وقد يقال أن رواية تسليم الحجر والشجر علي النبي قبل مبعثه خبر كاذب؛ كل هذه افتراضات ، لكنها ليست أحكاما قاطعة. فخلو الماضي من واقعة ما، ليس دليلا قاطعا على عدم إمكان وقوع تلك الواقعة في غير الماضي، وقد يكون الخالي هو معرفتنا؛ فقد تقع الواقعة ولا نعلم وقوعها؛ وخبرة الإنسانية العامة ليست جسدا مصمتا يأبى التشكل الجديد، الخبرة الإنسانية مرنة تقبل الإستثناءات؛ وقصر خاصة الكلام بطريقة الإنسان، على الإنسان وحده، لا يغلق الأبواب على تأويل آخر لرواية عبدالله بن عبيدالله؛ وتكذيب خبر لا يسوغه التفكير الشائع، ليس حجة تنفي احتمال وقوع حادثة فذة، تجري في سياق فعل كبير، فذ كله، وغير عقلي بزعم عقل لا يستنير بالحرية.

ويظل لخبر تسليم الحجر والشجر على النبي قبل مبعثه، قيمة يستمدها من مصدره، فهو مما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في كتابهما المشترك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي صدر في وضوح التاريخ الإسلامي، ويعكس فهما إسلاميا عاما يقبل مثل فكرة حديث الحجر والشجر مع النبي. فالخبر يستمد قيمته من المكانة العلمية الممتازة لسيرة ابن هشام؛ ومن القبول العام في الفكر الإسلامي للوقائع الإستثنائية ذات الدلالة على انفتاح محمد الذي جاوز الدائرة الإنسانية ـ ولم ينفك عنها ـ إلى دائرتي الأحياء والجمادات.

فإذا صح خبر الحجر والشجر فهو دليل على وساعة وجودية محمد قبل تنزل الوحي عليه؛ فإذا لم يصح، فهو إشارة إلى الوساعة المميزة للدعوة الإسلامية التي لا يرفض مناخها الفكري العام التسليم بوقوع حوادث كثيرة من نوع حادثة تسليم الحجر والشجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثه، في التجربة الدينية الإسلامية خاصة والتجربة الدينية عامة. وامتياز الدعوة الإسلامية بالواسعية، دليل على وساعة الداعية لها، الذي هو أحد عواملها التكوينية.

كانت نوافذ محمد منفتحة على الوجود الواسع في صحوه ونومه. روت عائشة رضي الله عنها، أن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. والرؤيا الصادقة استباق علمي بالحادثة قبل وقوعها، فهي امتداد وجودي في المستقبل، تدل على تجاوز وجودية الرسول قبل مبعثه لحدود الماضي والحاضر. وهذا التجاوز أخذ شكله الواضح عندما بدأ تنزل جبريل بالوحي على محمد بينما كان نائما. فالرؤية الصادقة، وتنزل الوحي على محمد بينما كان نائما، يدلان على أن الصلة بين محمد والواسع لا تبدأ من طرف محمد الفرد المحدود، ولكنها تبدأ من “قلبه” الوجودي؛ أي: من المحض الوجودي لمحمد. ليس وجود محمد متطابقا مع الوجود الكلي؛ لكن مركز دائرته الوجودية الفردية هو مركز دائرته الوجودية، “القلبية”، التي تمتد حدودها لتسع بعدا وجوديا، دل عليه الرؤيا الصادقة وتنزل جبريل من لدن الله، على الرسول في نومه بغار حراء، عندما كان مجاورا متفلتا من أغلال دائرة الحياة الجاهلية المغلقة الظلومة؛ ومنطلقا من حركة تصاعد طالب للحق توخاه في رؤية أخرى للوجود، نقيضة لرؤية المشركين العرب؛ فالتقت حركة الصاعد بحركة الوحي المتنزل في نقطة انبثق منها داعية يحمل للناس دعوة الله الهادية المبشرة بحياة أخرى تمد أفق الوجود الدنيوي إلى مدى متطاول يجاوز به الإنسان المؤمن حدود السلب الوجودي؛ متحققا بعبادة الله، ومحققا الله به أمره.

كان نزول جبريل الأول على محمد وهو نائم، دليلا على أن محمد واسعي الوجود على كل حال؛ فنومه لا يغلق عليه نوافذ التفتح على الوجود الواسع، بل إن اتصاله الفاعل بالوجود الواسع، وقع في نومه؛ ولكنه اتصال لم يخضع لحالة النوم، إنما كان صحوة كبرى، عينت وظيفة محمد الوجودية، وتجلت بها، ابتداء، وظيفة الوحي؛ أو: فاعليته وإعجازه.

كان محمد واسعيا قل مبعثه، وأهلته واسعيته لتلقي الوحي، الأكبر وساعة. وعندما كاشف محمد زوجته العظيمة خديجة بما خطر له من أن تنزل الوحي عليه قد يكون شيئا عرض له؛ بشرته وثبتته، راجية أن يكون نبيا؛ وكانت حجتها التي استندت إليها  هي أن الله لن يخزيه أبدا؛ فهو يصل الرحم، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فخديجة العظيمة تعرف لمحمد العظيم، أخلاقه الواسعية ـ الواحدية ـ التي تؤهله لأداء دور وجودي واسع يجاوز أقصى حدود الوساعة الدنيوية.ّ

لم تكن لوساعة محمد قبل مبعثه، مدى وساعة الدعوة التي حمل لواءها، لكن وساعته كانت البذرة الحية التي تنزلت عليها بركات الله الواسع من غير حد، فنمت واسعية محمد وترعرعت. إن للفعل الإلهي قانون نصه في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؛ ففعل التغيير الإلهي، اللاإنساني يبدأ من قلب فعل التغيير الجاري في النفس الإنسانية؛ بلغة واضحة: يبدأ الفعل الإلهي بالفعل الإنساني المكتمل؛ أي: الأصيل الصادق. الفعل الإلهي التغييري توسيع للفعل الإنساني التغييري، الواسعي. كان محمد واسعيا، فنزل الوحي يعزز واسعيته، ويمدها في أفق لم يكن العقل قادرا على اختراق غيبها، وإن كان قادرا على استيعاب صورته، والتكيف بها، إذا انحسرت له. إعجاز القرآن هو واسعيته، وفاعلية المؤمن بالقرآن هي واحديته؛ فالواحدية هي التي تفتح ما هو ضيق على ما هو واسع، كما انفتح محمد على درجات الواسع، بمنهج تعمقي للوجود، يكشف عن الحقيقة الواحدية للكل، ذي الفعل الفردي. والإيمان فعل يتعمق الوجود، يجاوز به المؤمن محدودية الدنيوي.

كانت وساعة محمد الدنيوية دليلا على وساعته ما فوق الدنيوية؛ على أن الأخيرة كانت إمكانا خرج إلى التحقق على يدي جبريل، عليه السلام، الذي غت محمد غتا، ظنه محمد الموت؛ غت جبريل محمد مرتين، كلما أمره أن يقرأ كتابا في يده، فلا يقرأ محمد لأن القراءة في غير مقدوره الواقعي. ولما خشي محمد حبس النفس أو عصر جبريل الشديد له مرة ثالثة، قرر اقتحام ما وراء دائرة خبرته، فقال: ماذا أقرأ؟ فانفتح بقراره القحام على دائرة الإمكان التي فض الغت مغاليقها، وترامت وساعة محمد في فيض الله الزاخر، أوله ووجهته قول الله تعالى: “إقرأ باسم ربك ….” إلى آخر ما تنزل من الوحي الأول.

صورت أيات القرآن الأولى المتنزلة على الرسول صلى الله عله وسلم، العلاقة بين طرفي الدعوة،؛ فبينت ارتكازها إلى القراءة، وحددت نوعيتها الخلقية، بلام ساكنة، التي تربط بين الرب الخالق، والإنسان الخلق، والرب الأكرم، والإنسان الذي علمه الرب الأكرم بالقلم ما لم يعلم.

فأول ما بدأ انفتاح الرسول بواسعية الوحي، بدأ ـ الانفتاح ـ بصفة الربوبية عليها. والمعاني اللغوية لمادة “رب” ومشتقاتها تدور حول: العلو، والإصلاح، والجمعية، والملك، والزيادة، والحذر، والتقوى، والمراقبة، والحراسة، والعهد، والدنو، والطليعية، والإدراك، والسياسة، والكثرة، والإحسان، والنعمة، والحاجة، والعقدة المحكمة، والضخامة. وكلها معان تفسر فعل الوحي في ابتدائه واستمراره على السواء، بوجهيه الآمر والمكلف بالأمر؛ فكانت علاقة الربوبية حركة الصعود من الإنسان، والتنزل من أمر الله، في نقطة التقاء جامعة، هي عقدة محكمة تتداخل في بنيتها عوامل إلهية وعوامل إنسانية، ليصبح الفعل الإنساني في مثاله المسلم، فعلا إلاهيا واسعا؛ تنامى من علق، ثم بعلم، علمه الرب الأكرم، فكرم به الإنسان.

لقد عززت أول آيات القرآن حركية الإنسان الخلقية ـ الخاء بفتحة ـ والعلمية منذ أن كان علقة إلى أن بلغ مرتبة النبوة، والانفتاح على الوجود الواسع بأقصى مداه. ولا شك أن العلم منهاج تفتح الإنسان، ونماء عقله. والعلم خاصة إنسانية فريدة، تنطلق بالإنسان إلى آفاق الوجود الرحبة؛ وليس ثمة انطلاق أوسع مدى من انطلاقة محمد بتنزل الوحي عليه، يأمره أن يقرأ باسم ربه؛ فيعقل الوجود، لا المحدود منه، ولكن الوجود الذي يحيط به علم الله، ويعجز علم الإنسان المحدود عن كشف غيبه، وتلك كانت واسعية النبي الفذة، وواسعية الدعوة الإسلامية، وفاعليتها، وإعجازها.

ثم إن تحدي الله للعرب ومعهم من يدعون من دون الله، بأن يأتوا بسورة مما زعموا أن محمدا افتراه، يراد به معنى السورة مع مبناها، إذا صح أن الله أراد مبناها فيما أراد. فالقرآن دعوة حركية قوامها الفكر، وهو منهاج تغيير ليس لعصر من العصور أو مصر من الأمصار؛ فالقرآن فاعلية عقلية، وفاعلية وجدانية؛ ولو كان تحدى القرآن بالمبنى الفني البليغ، لكان معجزة بيانية لها فاعليتها الوجدانية الجمالية في عصر البلاغة العربية، ولكان وقفا على العرب ذوي البلاغة، فلا يجاوزهم إلى الناس كافة، ولكان وقفا على حاسة الجمال فلا يعدوها إلى فاعلية العقل.

والسورة ـ بسين بفتحة وبواو ساكنة، المشتقة من “سار” المشتق منها: “السورة”، التي سينها بضمة ـ في اللغةهي: المنزلة، والشرف، وما طال من البناء إلى جهة السماء وحسن. وقد سميت القطعة المستقلة من القرآن بالسورة، على قول بعض الأسبقين، لأن القرآن بسوره كلها، يمثل منزلة بعد منزلة، يرتفع بها القارىء ـ أضيف: المؤمن أولى ـ واحدة بعد الأخرى.

ومن معاني السورة أيضا: الصعود، والوثب، والثورة، والأمر بمعالي الأمور. ومن المعنى الأخير نشأت تسمية أبعاض القرآن بالسورة؛ لأن كلام الله هو الأمور العاليات، أي: الأمور الواسعة؛ فالله واسع ومتعال بوصف القرآن، ومن كان كلامه عاليا لتعاليه، كان لكلامه وساعة لواسعيته.

ومن معاني السورة: الإحاطة؛ والإحاطة والوساعة معنيان يحضران معا. السورة كلمة يدل معناها على مبناها دلالة تامة. وتطابق أوجهها اللغوية معاني الدعوة الإسلامية منذ باكورتها، ساعة تنزل جبريل عليه السلام على النبي الكريم في غار حراء؛ فالقرآن يحقق للإنسانية المؤمنة به منزلة شريفة تحسن بها مكانتها، ويتطاول بنيانها في المدى الواسع للوجود. السورة القرآنية مرقاة تصاعد حركة الوثبة، أو الثورة الإنسانية على جمود الجهالة وظلمة الأنا إلى معالي الأمور.

وليس ثمة أمر أعلى من أمر الواحد، ثم أمر يتمثله المؤمن، فيطلب التحقق بالأمر الأعلى. والأمر الأعلى هذا، وطلب التحقق به، هو إعجاز القرآن وفاعليته؛ للقرآن كله، وله سورة سورة.

العلو الإنساني حركة وساعة، تتجاوز انغلاقية الأنا، وتنفتح على الوجود بأوسع معانيه وتحققاته. والإعجاز في السورة القرآنية هو قوة دافعيتها الفاعلة في الحركة الإنسانية المنطلقة إلى أقصى ممكنات الوجود الإنساني. وإذا تحدى الله الناس أن يأتوا بسورة لها قوة الإنطلاق بالإنسان إلى ما وراء حده المدرك، فهو تحد يعجز قبالته العرب والعجم في كل عصر؛ فالناس، بعقل لا يجاوز مداه حد المدرك أو المقاس على المدرك، لا يكشفون وساعة الوجود كما كشف عنها وحي الله المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه سلم، الذي اكتملت به النبوة.

تقويم الفكر

محمد فعل اخترق جدار الأنا الظلومة التي كانت مستبدة بعرب الجاهلية، منطلقا في الواسعية الواحدية؛ تنزل عليه جبريل من الواسع ذاته، يهدي ضلال خطى الباحث عن دين يعزز القيم العليا للحياة، ويناضل اللامعنى في فناء الآن السلبي الوجود.

والقرآن مستقلا بموضوعه، دعوة واسعية إلى ما فوق واسعية محمد قبل النبوة. القرآن بالنسبة إلى محمد قبل ابتعاثه مرتبة فائقة عليه من كل وجه. وهو مرتبة فائقة على عصره كله، وعلى العصور كلها بعده.

فالقرآن حادثة، ليس محمد ومقومات عصره، أو مقومات الإنسانية المحدودة بقدرتها الذاتية، هي الأسباب العاملة وحدها على إيجادها. فواسعية القرآن المتفوقة على كل واسعية إنسانية محضة، دليل  على أن ثمة عاملا آخر، به تفسر واسعية القرآن؛ وبه يدل على واسعيته المتفوقة على واسعية الوجود الإنساني القاصر على ذات الإنسان.

فما هو العامل الواسع الذي انعكست واسعيته في تفوق القرآن على التجربة الإنسانية المنفصلة بذاتيتها؟

يزعم المفكرون الدينيون التقليديون أن الله المفارق للعالم هو العامل الواسع، أو هو مصدر الوحي المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا تأبى العقل على التسليم بالثنائية الوجودية؛ بطلت فكرة الله المفارق للعالم، وبطلت النتائج المترتبة عليها، ومنها أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية، هو مصدر الوحي.

القرآن واقعة وجودية، تضعها الرؤية العقلية الواحدية المنهج، في السياق الكلي للوجود، كأية واقعة وجودية أخرى. القرآن بعض الوجود الواحد، يمتاز بوساعة يجاوز مداها وساعة العقل المستقل بذاته؛ ولكنه ـ القرآن ـ لا يند عن مفهوم العقل الرئيس، المفهوم الواحدي للوجود؛ قاعدة كل فهم ومظلته.

والفرض الذي يزعم أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية هو مصدر الوحي، مساو للفرض الذي يجيز أن يكون مصدر الوحي غير آخر، غير الله، وغير محمد.

أما بالمفهوم الواحدي للوجود، فالله هو الوجود، وكل مصدر للوحي يفترضه العقل هو الله؛ ومنه أن يكون محمد مصدرا للوحي؛ ليس محمد الإنسان المحدود بإنسانيته، إنما محمد الرسول الذي تعين به أمر الله المتنزل وحيا، المتحقق فعلا؛ أو محمد الرسول واسع الوجود بوساعته الأولى، وبتفوقه عليها.

محمد قبل النبوة وبعدها مستويان وجوديان لهما بؤرة واحدة، تلتقي في نقطتها أقطار دائرتيهما. وهما دائرتان متباينتا الأبعاد، متماثلتا المعني، تربطهما علاقة البعض والكل التي تربط ظواهر الوجود المتعددة بالوجود الواحد. فكل ظاهرة فعل تعين، تنفرد ولا تنفصل عن الكل بفواصل العدم.

ومحمد والوحي تعينا فعل الواحد، إتصلا بالمناسبة، فتفتح في محمد الإنسان محمد الرسول الداعية بأمر الله له.

والقرآن فعل عوامله السببية هي هو، نبدأ منه لمعرفتها؛ فإذا كان دعوة واسعة، دل على واسعية مصدره، أو واسعية عوامله التكوينية؛ أما كل افتراض آخر، ليس له تسويغ كاف من الواقعة كما هي، وهي القرآن الذي بين أيدينا الآن، فهو ـ أي افتراض آخر ـ رياضة عقلية، لا تدعو إليها الحاجة الحركية للمسلم، ولا ترقى إلى مرتبة الحق الملزم.

فإذا كان الله هو الوجود الواسع، فالوحي فعل إلهي، وهو دعوة توسيع الوجود الإنساني المحدود في دائرة الوجه المفعول لحركة الخلق المحدث. وقد تنزل أمر الله، مكلفا المؤمن، الخروج من مفعوليته، واستئناف الحركة الفاعلة الممتدة جذورها إلى عواملها السببية المكونة لحادثة الخلق الإنساني.

ولما كان الوجود الواسع حقا، فلا يصدر عنه باطل، ولا يلتقي في مركز واحد مع نقيض له. وتكون الصور التي عددها المفكرون المسلمون السابقون، وهم بصدد إبراز أوجه الإعجاز القرآني، تكون هذه الصور حقا لا يند عن حقية الوحي كله؛ وتكون أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، الرفيعة المستوى، هي أهليته لتلقي الوحي، والإلتقاء مع الدعوة المتنزلة في بؤرة فاعليتها، وأصل إعجازها الإلهي.

الإسلام في مجمله ومفصله، دعوة لمجاوزة الذاتية الضيقة الظلومة للإنسان. ومصداق الدعوة الإسلامية، بالمفهوم الواحدي الواسعي، هو التحدي الذي أعجز العرب؛ ويعجز الناس أجمعين عن ابتداع دعوة تناظر دعوة الوحي المتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالحق المبين، الذي أزهق باطل المشركين.

وغاية الدعوة الإسلامية الفكرية تصحيح المفهوم الإنساني عن الوجود، برؤية واحدية له، تجاوز تصورات الشرك التي وقع فيها الفكر المغلول، على تفاوت درجاته. فأول حقائق الإسلام وأساسها وحدانية الله وقدمه الذي لم يشاركه فيهما وجود آخر. فإذا قرر الإسلام أن الله كان ولاشيء معه، فهو، متسقا مع حكم العقل المستنير بالحرية، يقرر أنه لم يزل على ما كان. فلا وجود غيره، قبله، أو معه، أو بعده. هذا هو الحق عينه، والله هو الحق بنص القرآن الكريم.

إن القرآن مرقاة الواسعية الفعلية مثلما هو دعوة الواسعية العقلية. ورحلة إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم، آية واسعية المسلم الوجودية في المثال النبوي له. لقد علا الرسول سماء بعد سماء مبتدئا من بيت المقدس، وبعدما كان قد وسع المدى من مكة إلي المسجد الأقصى في مستوى الدنيا؛ إلى أن بلغ سدرة المنتهى، آخر ما يبلغه وجود له أول.

والصلاة التي يؤديها المسلمون عبادة تتمثل رحلة الرسول إلى سدرة المنتهى، المتعمقة في أقطار الوجود. والصلاة عماد الدين، تاركها عن عمد كافر، إن صلحت، صلحت بها أفعال الإنسان بميزان الحساب يوم الآخرة. وهي صلة بالله وكل ما طوى، ينفتح بها الفرد على الوجود كله، منطلقا من أناه الظلومة، حرا يستغرقه فعل عبادة الله، وطلب الدنو منه، بوساعة القلب المؤمن لله، وتدفقه به، سالكا طريق الخلود في جنة عالية، هي دار السلام، والمقام الكريم.

والصلاة رابطة تشد وثاق الجماعة بعبادة موحدة النية والأداء والمطلب، شأن عبادات إسلامية أخرى، تعزز في الفرد الفاعلية الجماعية، بتفتح الأنا على الأنا، على قاعدة الحب، وعلى هدى عدالة تبني صرح وحدة الأمة، ولا تلغي حق الإنسان في الوجود المتساوي للناس أجمعين.

الحج عبادة واحدية أيضا، على مستوى الوجود بين الخلق والخالق، وعلى مستوى الجماعة بين المسلم والأمة الإسلامية. فالحاج المتجرد عن شهوات الحياة الدنيا والرفث والفسوق، مرتق إلى الله، فإذ برقيه عن ذاته الضيقة بعض من كل؛ فلا تصده عن الأخوة الفاضلة، أنانية عمياء لا يعدو فعلها أدنى حدودها.

والصوم مقاومة للشهوة، آلة الأنا الضيقة الحادة؛ وهو إمساك عن كل ما يؤذي الآخر لكيلا يفت ـ الأذى ـ من عضد الجماعة المسلمة. وهو فعل كريم كله جعله الله له، لتنزه الإنسان به عن ذاته، وترقيه به في طلب الواسع، الله تعالى.

والتصدق بالمال تحرر من سلطانه على النفوس. فإذا تحرر الناس من هيمنة المال، أو الملك، غدا المال قيمة اجتماعية، لها وظيفتها العامة، فيتم تجاوزه كأداة استبداد به من الحائز بالمحروم، ولا يبقى وسيلة افتئات على حق الآخرين في الوجود الكريم. فإذا أصبح المال دعامة الإجتماع، كانت غاية الصدقة هي تحقيق واسعية دائرة الأنا، بانفتاح الأنا على وجود موحد بالجهد المشترك، بأداة مشتركة، هي أحد أهم أدوات المعاش الإنساني على غير وجه؛ تلك هي المال العامل بالخير؛ الصدقة انفتاح على الواسع، أي: انفتاح الأنا، بالجماعة، على الله رب العالمين.

وأخلاق الإسلام كلها واسعية الفاعلية. وقيمتها الجماعية بارزة في صغير أثرها وكبيره. تشترك عبادات الإسلام وأخلاقه وتشريعاته التنظيمية في هدف واحد، تتغيا الأمة الإسلامية، بأفرادها، تحقيقه في مستوى الحياة الدنيا، وهو تحقيق جماعية المسلم، وحماية وحدة الأمة المسلمة. وقد ذكر الحديث الشريف أن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، تتراوح ما بين الإيمان بالله، وإماطة الأذى عن الطريق؛ ولا يخفي ما يشير إليه حديث النبي من تقرير للوحدة الموضوعية بين شعب الإيمان كلها، وتقرير للغاية الجماعية للإيمان؛ الغاية الواحدية التي نبلغها بالواسعية الربانية. وقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وأوضح صلى الله عليه وسلم أن أقرب المؤمنين منه في الجنة أحسنهم أخلاقا. ووازي بين كمال الإيمان وكمال الأخلاق.

والدين الذي يعزز القيم الأخلاقية في جماعة المؤمنين به، هو مطلب حركي يساوي مطلب وحدة بنية الأمة، ووحدة وظيفتها. ووظيفة الأمة الإسلامية عبادة الله الواحد؛ وأخلاقها أخلاق الأمة المتعبدة لله، المكلفة بالخلافة في الأرض بدستور الإسلام المتنزل وحيا على رسول الله الكريم، الواسع قبل مبعثه، المتقوقة وساعته بعد مبعثه.

الحدوث

في الوجود المدرك، تلد الحاثات من اتساق أسباب عاملة في بنية واحدة، تعادل فعل الإتساق؛ أو هي فعل الإتساق ذاته، بتقدير تكونه. والحادثة المتولدة فعل ينبض بحركة مؤهلة للإتصال بالآخر، تنفي جذرية انفصال الفردية عن الكلية، بحكم تداخل الفردي مع الكلي معا، بعلاقات حميمة يتبادلان بها التأثر والتأثير. كل حادثة فعل يتكون بعوامل سببية، وكل فعل يتحول ليدخل بنية حادثة أخرى، كعامل سببي.

نوضح ذلك بفعل الكتابة الجاري الآن: هذا الفعل واقعة يتوحد فيها، وبها، عوامل كثيرة اتسقت معا في بنية متمايزة بتفردها، ترتد بالتحليل إلىعوامل سببية بسيطة بنسبتها إلى بنيتها المركبة. ولكل عامل سببي تاريخه الخاص الذي تحرك فيه بين الفعلية والعاملية دون انقطاع.

يتكون فعـل الكتابـة من عوامـل الإنسان والقلم والورق والضوء وسوى ذلك، ومن ـ أيضا ـ قابلية العوامل كلها للتوحد معا في نسق له بنية مستقلة بدرجة توكد فرديتها، لا إنفصاليتها. والإنسان الذي دخل عاملا في فعل الكتابة، شأنه شأن العوامل الأخرى، له تاريخ من الحركة، يكشف تحليله عن تداخلات كثيرة ومتباينة المستويات، انتقل بها ـ الإنسان ـ من فعلية إلى عاملية إلى فعلية؛ وهكذا دواليك، إلى اللحظة التي أنتجت أهليته التاريخية عاملية دخوله في بنية فعل الكتابة الجاري هنا.

لست أزعم أن للإنسان بنية واحدة جامدة منذ أول حادثة وقوعه؛ فالرجل الراشد ليس هو الطفل الرضيع. الراشد بنية وجودية لها عوامل تكوين مختلفة عن عوامل تكوين الرضيع. ورغم أن الصلة قائمة بين حالتي الرشد والرضاعة من جهة ما، إلا أن لكل حالة منهما فرديتها المتمايزة بها.

فإذا وقعت حادثة الكتابة فعلا متفردا، تأهلت ـ الكتابة الواقعة ـ على الفور للدخول في حادثة تالية هي حادثة القراءة ممكنة الوقوع لأسباب تعمل في اتساق، فيتكون من توحدها معا فعل جديد، لا يكون ما لم تكن عوامله السببية.

والكتابة ليست عاملا تتأدى عنه القراءة بالضرورة، فلا يقال: إذا وقعت الكتابة لا بد أن يلحقها وقوع القراءة؛ فالأسباب لا تصير إلى مسبباتها بضرورة وجودها؛ تصير الأسباب بالضرورة إلى المسببات إذا صار السبب أولا عاملا مؤهلا للدخول في بنية حادثة جديدة مع عوامل أخرى مؤهلة للدور ذاته، في زمان بعينه، يولد بتوحدها فعل أو واقعة مساوية في التكوين وفي الفاعلية للعوامل السببية في حال تلاحمها الأصيل الذي يتجاوز به كل عامل منها حده الفردي إلى حد جمعي يشملها معا في فردية جديدة. فالجماعة التي تتكون من عشرة رجال، بنيتها عشرة رجال مجتمعين، لا عشرة رجال فقط؛ فالجماعة نسق متباين عن النسق الفردي، والإتساق عامل أصيل في كل بنية. ولهذه الجماعة فاعليتها، وهي فاعلية عشرة رجال يكونون جماعة واحدة؛ وليست فاعليتها فاعلية عشرة أنساق فردية غير متصلة معا في بنية موحدة. فالواقعة مساوية لعواملها، وعواملها، في مثال الجماعة التي تضم عشرة رجال، ليست الرجال العشرة أفرادا لا تربطهم علاقة الجماعة؛ عواملها هي رجال عشرة بينهم رابطة جمعية؛ أي: رجال عشرة كل رجل منهم عضو جمعي، يشارك في بنية الجماعة بعامل جمعيته؛ وباتساق عشرة عوامل جمعية، تولدت واقعة جمعية عشرية لا تزيد في التكوين والفاعلية عن العوامل الجمعية العشرة المتسقة معا.

ولا ينفصل الفعل بالزمان عن اتساق عوامله السببية معا؛ الفعل هو الإتساق ذاته. والحدث الذي يقع يريد زمانا، فالزمان أحد عوامل الفعل التكوينية، وهو ـ الفعل ـ يتم في آن يمثل الوحدة الزمانية المميزة لسريان الزمان في فرديته التي لا تلغي كليته. والآن الزماني هو مقدار ما يفي بحاجة الحدوث الفردية. والحدوث حركة تجاوز كل سكون يحد الحادثة ويعزز ميلها الإنعزالي بحكم فرديتها. ففي كل آن يحدث فعل جديد باتساق جديد لعوامل ليست هي هي فيما هو زمان ممتد. وكما أن الآنات متفلتة دوما من الساكنية؛ فالحادثات ـ برؤية جذرية ـ متفلتة كذلك من جمود فرديتها، لأنها بعض كل لا يتيح لأفراده الاستغراق النهائي في عزلة تفصل الواحد عن الآخر؛ وأيضا، فإن كل استغراق في الساكنية يعني الموت للحادثة كواقعة.

فإذا كان الزمان عاملا يدخل في بنية الفعل، فإن الزمان لا يمتد من بنية الواقعة إلى خارجها، بالنسبة لواقعة بعينها. إن زمان الواقعة هو بعض نسيجها، لا غير. فلا تتراخى الحوادث في الوقوع عند تمام فعل اتساق العوامل المكونة للحادثة؛ لأن تخلف عامل منها عن الدخول في بنية حادثة ما، يتأدى إلى لاالحادثة هذه؛ أي: يتأدى إلى حادثة أخرى؛ فإذا كان ثمة زمان يسمح بالتراخي، فهذا الزمان لا علاقة له بالحادثة المعنية، على فرض ـ يفرضه الخيال ـ وجود زمان مستقل بذاته عن الحادثات.

الوجود المدرك حادثات متباينات؛ فإذا أمكن لحادثتين أن تتماثلا، فالأصل تماثل العوامل السببية التي اتسقت معا في بنية كل حادثة منهما. إن تساوي تلاميذ فصلين عدديا، يساوي بين واقعتي الفصلين العدديتين؛ لكن الفصلين واقعتان متباينتان من زاوية أخرى، مثل زاوية الذكاء الإجمالي لكليهما. فالذكاء الإجمالي واقعة يدخل في إحداثها عوامل زائدة على عامل العدد؛ وبحصول الإختلاف في عامل واحد، نتج تباين الحادثتين، ويزداد التباين كلما زاد عدد العوامل المختلفة في تكوين الحادثتين.

منشأ تباين الحادثات، ومن ثم، تفرد كل حادثة، هو اختلاف العوامل السببية المكونة لكل حادثة على حدة. فتباين الحادثات حكم دال على مسئولية العوامل السببية عن وقوعها بعدما لم تكن.

لكل حادثة جذور في الواقع العام. ولا تعدو الحادثة فعل اتساق عواملها السببية. ولا يكشف تحليل الحادثات عن غير عامل سببي من العوامل المنتمية كلها للوجود المدرك بما فيه حركية كل عامل، وأهليته للدخول في بنية الحادثة الجديدة.

وكان الغزالي قد أنكر، جريا على رأي الأشاعرة، التلازم الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الذي قاله الفلاسفة المسلمون؛ دفاعا ـ من الغزالي ـ عن حرية الفعل الإلهي ومطلقية قدرته كما تتجلى في المعجزات، التي لا تفسرها مقولة السببية، بزعم الغزالي. وصف الغزالي في “تهافت الفلاسفة” العلاقة بين “ما يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد مسببا، بأنها اقتران ليس ضروريا”، وقال: “بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا اثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشراب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشراب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه وتعالى بخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات”.

يقول الأشاعرة ـ وهم من نفاة السببية ـ أن المقدور الواحد لا تقع عليه قدرتان. يعنون أن الحادثة لا تقع بقدرة الله وقدرة الأسباب. ورفض الوقوع مشاركة، رفض لاستقلال الأسباب بالأحداث؛ وعندهم: ليس لغير الله قدرة على الحقيقة، وما ليس له قدرة حقيقية لا يفعل، فإذا قيل: غير الله يفعل، ففعل غير الله ـ المزعوم، الرأي للأشاعرة ـ نفي لفاعلية الله المطلقة. الثنائية هي أساس مذهب الأشاعرة، وعندما تتعارض فكرة الثنائية الأشعرية مع قولهم بالوجود الإلهي المطلق، يخرج الأشاعرة من هذا المأزق، بنفي حقيقة وجود وفاعلية العالم للإبقاء على وجود وفاعلية الله المطلق، والذي هو الحقيقة التامة.

لكن العالم ذو وجود حقيقي، وله فاعلية حقيقية. وتصور وجود آخر غير العالم، هو تصور ممتد من التسليم ببديهية وجود العالم وفاعليته. والفاعلية الحقيقية للوجود المدرك، لا تنفي الفاعلية الحقيقية لوجود غير مدرك، ولا تنفي مطلقية القدرة والوجود معا، شرط أن لا يتناقض الوجودان في العقل، وهما لا يتناقضان إلا باعتبارهما اثنين متغايرين؛ ومع غياب التناقض، فالوجودان، في الأصل، وجود واحد.

وباعتبار الوجود واحدا، بعضه مدرك، وكله مطلق، فإن الفاعلية في الوجود المدرك، هي فاعلية الوجود المطلق ـ والأخير شامل للمدرك ـ فلا يقع على مقدور واحد قدرتان، لعدم وجود اثنين، قادرين؛ فالمقدور الواحد، هو فعل قادر واحد. وفاعلية العوامل السببية هي فاعلية الوجود الواحد، وهو الله في المصطلح الديني.

فالحدوث يتكون بعلاقة ضرورية بين الأسباب العاملة ومسبباتها؛ فالكل وجود إلهي مترايط بالضرورة، ولا انفكاك لبعض عن ارتباط ضروري بالكل. الحادثة بعض يرتبط بالضرورة بالكل، بروابط سببية.

لا مسببات بلا أسباب، لا بحكم التجربة الماضية؛ فقد يوجد السبب الذي دخل بنية حادثة ما، ولا توجد الحادثة التي دخل السبب ـ المعين ـ بنيتها في واقعة سابقة؛ لكن، وبحكم أن كل حادثة تتقوم بوجود، وهذا الوجود الذي تتقوم به هو سببها العامل، ولا نتصور حادثة مفرغة من الوجود؛ الفراغ الوجودي عدم يحد الوجود، ولا نتصور أن للوجود حدا؛ ولو تصورنا أن وراء الوجود عدم، فلا بد أن نتصوره في زمان ومكان، أي شيئا، وكل ما تشيأ، فهو وجود، لكون الشيئية مقولة وجودية حقيقيةلا ينفيها العقل.

والمعجزات لا تنفي الإرتباط الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الداخلين معا في بنية واحدة. حدوث المعجزة على غير معهود التجريب لا يدل إلا على أن التجربة الماضية بعض التجربة الكلية التي تترامى في المستقبل. فالتجربة المكتسبة لا تستغرق إمكانات التجريب كلها.

ويجوز في التصور حدوث الري بغير الشراب، لكن الري هذا ليس هو الري الذي يحدثه الشراب؛ هاتان حادثتان متغايرتان، لكل منهما أسبابها العاملة، وقد تتمايزان بأن أحداهما معهودة للخبرة الماضية، والأخرى مستحدثة لم يسبق العلم بها. وقد يوجد الشراب ولا يكون سببا للري، أو لا يحدث من وجوده المجرد ريا، يحدث هذا عندما لا يعمل الشراب في نسق فعل الري؛ أما إذا وقع الري بالشراب، فالشراب سبب ضروري لواقعة الري هذه.

وقد خالف مذهب المعتزلة المذهب الأشعري في قضية السببية، فأثبت المعتزلة علاقة ضرورية بين الأسباب ومسبباتها، ورأوا أن الفاعلية في الوجود المدرك حقيقة، ولا تنفي ـ هذه الحقيقة ـ حقيقة الفاعلية الإلهية.

كان المعتزلة يقدمون العقل على النقل. وليس يمكن في حكم العقل نفي الفاعلية في الوجود المدرك، الثابتة بالعيان الصريح. لكن مذهب الاعتزال لم يسلك طريق العقل إلى نهاية مداه، ، فظل العقل المعتزلي حبيس تصور ديني موهوم، يسلم بثنائية الله والعالم، ثنائية يفارق بها الأول الآخر، مفارقة تزعم أن الله وجود بلا حد، وأن العالم حادث من لاشيء؛ غافلة عن أن حدوث العالم، بزعمها، حد لله، أي: نقض لمقولة الوجود الإلهي بلا حد.

الثنائية منطق مغلوط. فالحدوث من لاشيء قضية لا يجيزها العقل، ولا الدين. كل حادثة، في العقل، متقومة بوجود، وما تقوم بوجود ليس من عدم. الوجود ضد العدم، والضد لا يلد ضده. والعدم نفي مطلق، وتصوره سابقا للحدوث، متناف مع فكرة العدمية، أو هو تصور موهوم. والحدوث حق لا يجيء من موهوم. كل حادثة هي فعل وجودي ممتد فيما قبل الحادثة، والماقبل وجود، وليس ليسا. الوجود يشمل في مقولته الماقبل والحادث، فهو واحد وجوديا، لا ينقسم إلى اثنين أو أكثر.

وفي الدين، العالم خلق لله؛ والخلق فعل لم يوجد من عدم. وتؤكد النصوص القرآنية الصريحة أن الخلق كان من شيء، مثاله قوله تعالى: “أم خلقوا من غير شيء”، (الطور:35). فالخلق في المفهوم الديني فاعلية لم تبدأ من عدم. والفاعلية من الفاعل، أو هي هو بوساعة الفعل.

العالم محدث، فهو وجود، متقوم بوجود قبله، ما قبله متماد فيه بالفاعلية لا بالإمتداد، لأن الوجود غير منته إلى فراغ وجودي يحيط به، فيمكنه التمدد فيه.

ويرفض الفكر الإسلامي عامة فكرة التناهي الوجودي لله؛ والقول بالثنائية يناقض فكرة لانهائية الله الوجودية. فالله يشغل الوجود كله؛ الله ملاء الوجود. وإذا كان العالم وجودا، وهو كذلك، فهو من الوجود كله، لا زيادة وجودية على الله؛ إن تصور الله قابلا للزيادة الوجودية، تحديد له، ودعوى شرك بالله يأباها إيمان المسلم الموحد لله.

فكر الإعتزال السببي حق إلى المدى الذي احتكم فيه إلى العقل. لكن المعتزلة فرقة دينية ابتدأت من مسلمات المعتقد الديني غير العقلي؛ وكان يمكن للفكر المعتزلي أن يتمثل الدين كله بالعقل، لو تحرر المعتزلة من قبليتهم العقدية، وواجهوا خصمهم في فيحاء العقل الواسعي الواحدي المطلق. لكن إيمانهم القبلي بثنائية الوجود، لجم حركتهم العقلية عند حد الوجود المعاين، وتوهموا أن الحد المعاين للوجود، هو الحد الذي ينبغي على العقل التوقف دونه.

والقول أن الوجود المدرك ابتدأ من العدم، قول ينفي حقيقة الوجود المدرك، وينفي فاعليته أيضا. فالواقعة بجذورها، فإن كانت جذور الواقعة عدما، فلا واقعة. والواقعة وجود، والعدم ليس أصلا للوجود؛ قول ما عدا ذلك تناقض لا يرفعه إلا إثبات ما هو ثابت ـ بالإدراك ـ ونفي ما ينقضه الثابت بالمعاينة أو بالخبرة. إن القول بالثنائية، على مذهب المعتزلة، يناقض قولهم بفاعلية الوجود المدرك بالمعاينة. فإذا كانت فاعلية الوجود المدرك حقا، بضرورة سببية، فإن الثنائية زعم باطل.

ليس الحدوث دليلا على أن الوجود المدرك مغاير للوجود المطلق كما يتوهم التفكير الديني التقليدي؛ الحدوث دلالة على تكون الحادثة من أسباب عاملة، صارت من نسق وجودي إلى آخر، في سياق الوجود الواحد؛ وهو دلالة أيضا على تساوي الفعل الحادث مع فعل التكوين للحادثة. الحادثات لا تزيد عن عوامل فعلها، العوامل الداخلة في تكوينها. من الحادثات نستدل على المحدثات ـ بكسرة على الدال ـ بتحليل للأوليات يقودنا للأخريات؛ فالحادثة قضية مركبة، تمثل نتيجة لازمة عن مقدمات صارت نسقا جديدا لا يغاير مقدماته في تمام التئامها الفاعلي.

الحدوث فعل وجودي دال على فاعلية الوجود. والحادثة مفعول عوامل فاعلة؛ فإذا انتقلت الحادثة إلى الإحداث، فقد انتقلت من المفعولية إلى الفاعلية.

الفاعلية صفة الوجود الواحد الأساسية، وكل فاعل يشارك الوجود الواحد صفته الأساسية؛ وبالفاعل يتحقق الوجود الواحد، وبالوجود الواحد يتحقق فاعل مؤهل لتمثل حقيقة الواحدية الوجودية.

العابد فاعل

العبادة فعل قوامه عوامل سببية لها جذورها في الوجود. وفاعلية العبادة هي فاعلية عواملها السببية، شأن كل حادثة أخرى.

والعبادة بالمفهوم الإسلامي تحقق بالأمر الإلهي المتنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يتجاوز به المؤمن حد المفعولية إلى دائرة الفاعلية التي تجري بها، ومن خلال مشاركة المؤمن، الفاعلية الإلهية، مستهدفة بلوغ المراد الإلهي المتضمن في قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، (الذاريات:56).

والأمر الإلهي، والإنسان، وأهلية الإنسان لقبول الأمر الإلهي، وطاعة الإنسان للأمر الإلهي، هي عوامل سببية يتقوم بها ويساويها، فعل العبادة.

والإنسان فعل لله له ـ في انفراديته ـ نهاية؛ إذا استغرق الوجود الإنساني في نهايته، يفنى بالمفعولية. غير أن الأمر الإلهي دعوة ترمي إلى أن يتجاوز بها الإنسان فناءه بالمفعولية، إلى البقاء بالفاعلية؛ فالفاعلية متصفة بالإستمرارية؛ والإستمرارية صفة للوجود الواحد الباقي من غير بدء إلى غير نهاية.

بالفاعلية تتسع حدود الإنسان الوجودية، وإلى المدى الذي يمكن له بلوغه، متقوما بعاملية دعوة الوحي المتنزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ الوحي دعوة وجود واسع إلى وجود ضيق، ليخرج الضيق من دائرة أناه الظلومة ، إلى النور المشع على صفحة، وفي ثنايا وحنايا الوجود الكبير.

الوجود الواسع مكون من مكونات فعل العبادة، الذي يتمثل به ـ العابد بالوجود الواسع ـ الواسعية، فيتحقق بها، ويحققها بذاته؛ بالقــدر الذي يؤهله له خلقه ـ بلام ساكنة ـ وفاعلية طاعته لأمر الله.

وبرؤية واحدية، فالحياة الدنيا بعض أصيل من الوجود بإطلاقه؛ الوجود الواسع. والدنيا مركز الدائرة الوجودية الإنسانية على تفاوت واسعيتها. والفعل الإنساني المجاوز لدائرة الحياة الدنيا، يرتكز إليها ـ للدنيا ـ وينطلق منها؛ وهي تبقى جزءا منه، بشرط أن يستغرقها ولا تستغرقه، أي: يهيمن عليها، لا تهيمن عليه.

الدنيا المحكومة للمسلم، هي قاعدة ومحور واسعيته الوجودية المجاوزة للحياة الراهنة، لا المنفكة عنها.

والمسلم فاعل إلاهي بعبادته التي يحقق بها واسعيته الوجودية، التي تنبني، من ضمن ما تنبني منه وبه، من وبمقدرات الحياة الدنيا، باعتبار الأخيرة بعضا أصليا من الوجــــود المطلـــق الواحـــد. وكل ما في الدنيا، عدا المسلم الكامل، مفعول لله؛ لجموده ـ الماعدا ـ في دائرة وجود ضيقة، بميزان الوحي؛ ومن ثم، فإن كل ما في الدنيا، عدا المسلم الفاعل بالعبادة، مفعول للمسلم الفاعل بالعبادة، المستخلف في الأرض؛ لتحققه بالفاعلية الإلهية التي هي الله الواسع.

الواسعية مفهوم تقدمي عقلي تتقهقر أمامه جهالة العقل الدنيوي وجنود الظلمة النفسية. حقق الإنسان صورة واسعية، وطوى تحت رايته مقومات الحياة الدنيا بنشاطه العلمي، فعزز فكرة الخلافة الإنسانية المرتكزة للعلم. وبين القرآن أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها؛ فسجدت له الملائكة وهي التي لم يؤهلها التسبيح لله بحمده، وتقديسها لله، للخلافة في الأرض. أما آدم فقد تأهل للخلافة بالعلم، رغم الإفساد وسفك الدم. ويلح القرآن الكريم على أهمية العلم، فاستفتح الله وحيه المتنزل على النبي محمد، صلوات الله عليه وسلامه، بدعوة الله لمحمد للقراءة، باسم ربه الأكرم، الذي كان من أكرميته، أنه علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم.

لا مندوحة للمسلم من علم يتعبد به الله. وعبادة الله تفتح الوجود الإنساني الضيق على الوجود الواسع الواحد، وبه ـ بالعلم التعبدي ـ تتسق عوامل فعل الخلق ـ بلام ساكنة ـ الإنساني المؤمن؛ فيولد الإنسان الرباني المكافىء للعوامل السببية الداخلة في تكوين بنيته.

والعبادة هي تحرير فعل الخلق الإنساني من نهاية المفعولية، ويحصل ذلك باستئناف فاعلية بداية الفعل، وهي البداية الإلهية المتصفة بالواسعية التي كشف عنها قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا لعبدون”؛ تبين هذه الآية الكريمة غاية الخلق الإنساني، وما يراد منه لله، مما قبل بدايته؛ فهي تبين النية والقصد معا. وما بين النية والقصد، تتسق الأهلية الإنسانية مع دعوة الوحي، مع القبول الإنساني، في بنية واحدة تتكافأ مع عواملها السببية.

وفاعلية الإيمان هي القبول ـ المتحقق ـ بدور المشاركة في فعل تحقيق المراد الإلهي. أو: هي فاعلية السبب الذي يتأدى منه المراد الإلهي إلى واقعة فعل واحدي تتعين به واحدية الله كصفة أساسية أولى له، من غير إغفال حقيقة أن القبول ذاته فعل يلد لأسباب عاملة تنتمي إلى الماقبل الوجودي؛ فكل فعل إنساني هو فعل وجودي كلي متعين في صورة فردية. فالفاعلية الإنسانية فاعلية وجودية. وفاعلية الإيمان فاعلية واحدية الوجود.

وقد اختلفت آراء المفكرين المسلمين الذين تناولوا قضية الفعل الإنساني؛ فقال فريق أن الفاعل على الحقيقة هو الله، لا الإنسان؛ وقال فريق آخر أن الإنسان فاعل على الحقيقة. واحتج الفريق الأول بأن القدرة لله وحده؛ واحتج الفريق الآخر بعدالة الله التي تبني الحساب على فعل الإنسان ذاته.

وتصدر آراء الأشاعرة والمعتزلة، ومن دار في فلكيهما، أو قريبا منهما، عن معتقدهم الرئيس الذي يذهبون به إلى تصور ثنائية الوجود؛ وهو الذي يترتب عليه أن الله فاعل، والإنسان مفعول لله؛ وأن الوجود المدرك كله مفعول لله، بحكم إحداثه من بداية، وانتهائه إلى نهاية له؛ ولو كان ذا فاعلية؛ ففاعلية المحدث ـ بدال عليها فتحة ـ المفعول لله، الذي لا يتجاوز حده، هي، في الحقيقة، مفعولية للمحدث ـ بدال مكسورة.

نشأ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة، من رؤية الفعل الإنساني عند الأشاعرة، بمنظور الوجود الإلهي، المفارق للوجود الإنساني، وابتداء منه؛ ومن رؤيته، عند المعتزلة، ابتداء من الفعل الإنساني؛ فأثبت المعتزلة فاعلية الإنسان المقررة عيانا، ولم يثبتها الأشلعرة.

وكان قفز الأشاعرة، وأهل الجبر عامة، عن الواقع الثابت عيانا، هو أصل الضعف في مذهبهم في الفعل الإنساني. وإلغاء الثابت عيانا بالنظر القافز على الواقع، غلط منطقي تكذب به القضية، ولا يستقيم به حكم العقل.

ومع أن المعتزلة قالوا أن الإنسان فاعل؛ لكن مذهبهم يلزم بالقول أن الإنسان مفعول؛ فقد قالوا أن الإنسان مفعول لله، وقالوا أن الفاعلية والمفعولية الإنسانيتين حقيقتان، ليسا مجازين؛ فجمعوا في مقالة واحدة، اثباتا ونفيا لقضية واحدة؛ فلم يصح حكمهم. وكل حكم عقلي يبدأ من ثابت الواقع، فهو حكم يسلك المنهاج القويم؛ فإذا ناقض حكم تال ما قرره الثابت، في دائرة قضية واحدة، فالحكم التالي إنحراف عن المنهاج القويم.

إن العبادة طاعة أمر، هي فعل للعابد، والعابد بها فاعل. ثم أن الإنسان فاعل على أوجه حياته الأخرى؛ وفاعلية الإنسان المعاصر متعاظمة، فلا يمكن تجاهل حقيقتها؛ كما لا يمكن مواصلة، ومواجهة تحديات الوجود ـ الدنيوي، مرتكز الوجودية المطلقة في مذهبنا الواحدي ـ بغير منهاجها. والمعتقد الذي ينفي فاعلية الإنسان على الحقيقة، وهم لا يقدر أن يقاوم طغيان العقل ـ الفاعل بطبيعته ـ ولا أن يواجه تحدياته الحضارية.

المسلم، إذا ما أراد التمسك بالوجود، الدنيوي الكريم، والأخروي، فلا بد له من أن يكون فاعلا لا مفعولا به، أو فيه، أو مفعولا مطلقا. ولا تقوم فاعلية المسلم إلا بالفاعلية الإلهية، بالصدور عن فهم واحدي للوجود؛ الإنسان فيه بعض حقيقي، وممتاز بخاصة الوعي التي تؤهله لتجاوز دائرة الوجود الإنفعالي الضيقة، إلى الوجود الواسع.

إن الله تام القدرة، والإنسان فاعل بقدرة حقيقية له، ولا تتناقض قدرة الله مع قدرة الإنسان؛ فالقدرة الإنسانية قدرة إلاهية، والإنسان بعض حقيقي تتعين به القدرة الإلهية، مثلما يتعين به الوجود الإلهي الواحدي. في إطار حركة الإنسان الوجودية، فإن الفعل الإلهي والفعل الإنساني فعل واحد. الفعل الإنساني محدث ـ بفتحة على الدال ـ يتقوم بأسباب عاملة هي أسباب إلاهية. والوجود الإنساني ليس زيادة على الوجود الإلهي؛ الزيادة حكم بالمحدودية على المزيد عليه، والوجود الإلهي يملأ الوجود كله، هو وجود لا يحد ـ بضمة على الأول، وتشديد الأخير ـ فلا يقبل زيادة عليه.

العبادة فاعلية تترامى بها حدود الفعل الإنساني إلى ما بعد حد المفعولية، ليسع الوجود الإنساني ـ الفاعل ـ الوجود ـ بفتحة ـ الإلهي الواحد، كما أشار حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه أن الله الذي لم تسعه أرضه وسماواته، وسعه قلب عبده المؤمن.

وتجاوز حد المفعولية أمانة أنيطت بالإنسان لأهليته المنماز بها؛ فحملها الإنسان بتكوينه الذي فاق السماوات والأرض والجبال، كما صور القرآن. وميزة التكوين الإنساني الفارقة ما بينه وبين الخلائق كلها، حركية واسعية تجاوزية إلى ما وراء حده الآني بشهادة الوقائع التي لا ترد لها شهادة.

وقد قرر القرآن بنص واضح وحدة المشيئتين الإلهية والإنسانية، فدل على واحدية وجودية: الله كلها، والإنسان بعضها؛ قال تعالى: “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين”، (التكوير:29). وقوله تعالى هذا تعقيب على آيتين سبقتا الآية هذه من غير فاصل؛ وصفت الآية الأولى منهما القرآن الكريم بأنه “ذكر للعالمين”، وقال جل جلاله في الآية الثانية: “لمن شاء منكم أن يستقيم”. أثبت القرآن المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، ووحدهما. فالقرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم في تصوره وحركته؛ هذه المشيئة الإنسانية هي مشيئة إلاهية، كما تقرر الآية (29)، التي يدل نصها على كل مشيئة، سواء كانت مشيئة استقامة، أو غير. الإنسان لا يشاء ما لم يشأه الله؛ فإذا كان من الإنسان مشيئة، فهي مشيئة شاءها الإنسان وشاءها الله؛ ومن المشيئة الإنسانية نعرف مشيئة الله، التي ـ الأخيرة ـ تتبدى لنا بالمشيئة الإنسانية، هذه ـ الأخيرة ـ ليست خالية، هي ملاء بالمشيئة الإلهية المكونة لها تكوينا عامليا سببيا، وتملأ ـ هي ـ المشيئة الإلهية؛ نستدل على المشيئة الإلهية بالمشيئة الإنسانية، كما نستدل على عوامل تكوين حادثة من إدراك الحادثة ذاتها.

وبالمفهوم الثنائي للفكر الإسلامي، تبدو نصوص “التكوير” الثلاثة متناقضة. تبدو الآيتان (27)، (28) منحازتين لحرية المشيئة الإنسانية؛ وتبدو الآية (29) حجة لصالح نفاة الحرية الحقيقية للإنسان. أما كلام الله فمتنزه عن التناقض، الذي ـ التناقض ـ يترتب على القول بتجزيء الوجود. وقد توارث الفكر الإسلامي الثنائي مفهومه التجزيئي من المنهجية العربية القديمة التي أعوزتها الرؤية الواحدية الكفيلة برؤية الأبعاض في كليتها، المنتجة ـ المعني: الرؤية الواحدية ـ لمعرفة بالكل بتعيناته الحادثة في الواقع. الآية الثالثة من النصوص السابقة، تدور على موضوع المشيئة الكلية التي تتعين في المشيئة البعضية الإنسانية؛ والكلي لا يتناقض مع البعضي؛ فإذا قرر القرآن حرية المشيئة الإنسانية في نصوص أخرى، فلن يتناقض تقريره هذا مع الآية (29) من سورة “التكوير” التي قررت حرية كل من المشيئة الإلهية والإنسانية، حرية واحدية.

وقد جرت عادة المفكرين المسلمين التقليديين على مواجهة النصوص القرآنية التي يتوهمون تناقضها، لثنائية نظريتهم، بالتهرب منها، أو بافتراض حاجتها للتأويل. مثال ذلك ما صنعه الألوسي؛ قال في معرض تفسيره في “روح المعاني” لقوله تعالى: “وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك”، (النساء: 78، 79): ” إعلم أنه لا حجة لنا، (يعني الأشاعرة)، ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم، فلا بد من التأويل”.

يرى الألوسي تناقض القرآن في نص واحد من آيتين. والتناقض لا يرفعه التأويل، فالتأويل سبر للمعنى، وليس ليا لعنق النص واستنطاقه بما ليس فيه، لاغتصاب اعتراف منه بسلامة المذهب. النص هذا صريح الحكم على أن الحسنة والسيئة من الله، وتغلق صراحته كل باب أمام دعوى تزعم أن أحدهما من غير الله؛ ومن ثم، فلا بد من العدول عن التفسير الذي لا حجة له إلا أنه انتصار لمذهب، إلى تفسير يعالج النصوص برؤية عقلية مستنيرة لا قيد عليها، إلا قيد طلب المعرفة الحقة الملزمة.

لقد نصت الآية الأولى على أن الحسنة والسيئة من الله. ونصت الثانية على أن الحسنة من الله والسيئة من النفس الإنسانية.

ونشأت المشكلة الموهومة من رد السيئة في الآية الأولى لله، وردها في الآية الثانية للإنسان.

لكن، لو قلنا أن الله هو الكل، وأن فعله فعل كلي؛ وأن الإنسان بعض الكل، وفعله هو فعل بعض الكل؛ لأمكن القول أن السيئة فعل كلي بنص الآية الأولى، وفعل بعض الكل بنص الآية الثانية؛ وما تصح نسبته للبعض تصح نسبته للكل؛ فإذا كان المنسوب إليه هو الكل، صحت نسبة السيئة إليه؛ وإذا كان المنسوب إليه هو البعض، صحت نسبة السيئة إليه؛ ولا يقع تناقض ، فقول العليم منزه عنه.

ومن جهة أخرى، فإن رد حادثة السوء إلى عواملها السببية، هو رد لها لأصلها الإلهي، باعتبار ارتداد الفعل الإنساني، باعتبار وجوده كله، لأصله الإلهي.

وكان الفيلسوف الإسلامي ابن رشد قد أخطأ إذ زعم في “مناهج الأدلة” أنه لاحظ ظهور جانبي الحرية والجبر في آن واحد، في قول الله تعالى: “أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله”، (آل عمران: 165، 166).

ابن رشد، الفيلسوف العقلي صاحب “تهافت التهافت” الذي ينقض به “تهافت الفلاسفة” للغزالى الأشعري، لم يكن فارس الفكر المقدام، فيجاوز عقلانية المتكلمين مجاوزة جذرية، بعقلانية مستنيرة؛ لو اقتحم بها حصن الموروث مما قبل نزول الوحي، ما استمرت حركة تقهقر الأمة الإسلامية، إلى أن وصلنا إلى حالة المفعولية الحضارية، لحضارة تنامت من قراءة لابن رشد، مستقلة عن تراثه. كان يمكن لابن رشد أن يجذر ثورته العقلية على الفكر الأشعري، بالتحرر الكامل بالعقلية المستنيرة المستقلة عن التراث التعددي العربي؛ ولو فعل ذلك، لكان قد غذا العقل الإسلامي بدم حار،  به يستعيد المسلم فاعليته الإيمانية، فيتحقق بالعقل لا بالوجدان، فلا يبقى شطرين: مسلما بالوجدان؛ وشطرا مقسوما على ذاته، بين اثنين موهومين، فلا هو بهذا، ولا بذاك؛ فالحق أن الوجود ـ نسبة لله والإنسان ـ واحد؛ هو الله بالكلية المطلقة، والعابد بفاعلية البعضية.

ولآيات “النساء” و “آل عمران” المذكورة آنفا، دلالة واحدية الفعلين الإلهي والإنساني. وهي تكشف أيضا عن دور الفاعلية الإنسانية في الفعل الإلهي الكلي. فالنصوص القرآنية تثبت فاعلية وفردية حقيقيتين للإنسان؛ فالسيئة والمصيبة فعلان للنفس الإنسانية المفردة، تستقل بالفعل في حدود بعضيتها، وتتحمل نتائج فعلها في مداها البعضي. توكد هذا الآية (165) من “آل عمران”، بنصها على أن المصيبة التي وقعت بالمسلمين، جاءتهم من عند أنفسهم؛ المسلمون إذن فاعلون، وفاعليتهم ذات أثر يقع، بهم، عليهم.

وكان الوجود الفاعل للمسلمين في معركة أحد، قد انحسر من الدائرة الإلهية الواسعة، دائرة الفعل الإيماني، إلى دائرة الإنسانية الضيقة، لمخالفة المقاتلين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحصل تراجع لفاعليتهم من مداها الإلهي الواسعي،إلى مدى الأنا المصمتة، الساكنة في نقطة المفعولية، السالبة لحركية العابد.

ورد الحسنة إلى الله في آيات “النساء” آنفة الذكر، لا يعني استئثار الله بالحسن وقصر القبح على الإنسان؛ المعني، بدلالة النص، هو أن فعل الإنسان الحسن، هو فعل كلي يوسع الوجودية الإنسانية بعوامل إلاهية يتقوم بها الوحي؛ وهي العوامل التي تدخل بنية الفعل الإيماني، فتحرره من قيود التعين في واقعة مفعولة لله، وتنطلق به في الأفق المترامي لفاعلية الله الواسع، الواسعة. ويعني رد الحسنة لله أن فعل الحسنة فعل واسعي، وبفعله، يصير الإنسان واسعيا؛ وبغير فعله، يبقى الوجود الإنساني حبيس ظلمات النفس السيئة بمحدوديتها، أي: بمفعوليتها.

الفعل الحسن فعل حركة إنسانية تجاوز دائرة المفعولية، ويتعين بها فاعلية الله الواسعة. وفاعلية الله تتعين في خلق الله على تفاوت: أعلاها مرتبة مؤمن بواحديته، وعاملا  عملا صالحا، يصير كل ما يحده الفناء به، عبدا له؛ صبورا على المكروه، إلى أن يفوز، بفاعليته، بثواب مقيم في دار السلام.

المسلم فاعل فاعلية تسع الوجود المدرك، وما هو أوسع.

والفاعل لامفعول.

والمسلم، برفض المفعولية، يتأهل للنهوض من ضمير الأمة، بطلا فاعلا مقداما؛ فيرد العدوان، وينتصر للحق المبين، ويعبد الله عبادة يبلغ الله، جلت قدرته، وتعالى، بها مراده الإنساني.

فاعلية المسلم تحققه رائدا للحركة الإنسانية، بترجمة واقعية، جماعية، أداتها إرادة العدل وحضوره البهي القوي.

وعلى الله قصد السبيل.

والحمد لله رب العالمين على ما هدانا إليه.

نهوض الأصل

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس)

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

توضيح:

(1) كتبت هذه الدراسة في المرحلة التي كان فيها تفلسفي مؤطرا بنظريتي “الواحدية” التي تقدمت منها فيما بعد إلى مستوى تفلسفي لم يلغها، ولكنه يعمقها وهو الذي يحمل اسم “النورانية” أو “النورانية الواحدية” وبمفهومي الخاص والمتميز عن المفاهيم الفلسفية الواحدية أو النورانية التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني الذي كان ينبوع أفكاري لكنني لم أقم بتكرار أي من تجلياته ولكنني أنتجت ما يصطبغ بلوني الفردي.

(2) أعتذر عن عدم توسيع دراساتي النقدية التي يتضمنها اجتهادي المقدم هنا ليشمل كل ما أنتجه الأفاضل الثلاثة الذين تناولت كتاباتهم حتى تاريخ إعدادي للدراسة الراهنة. وهذا وجه يوهن من قوة رأيي فيهم، لكن ظروف الترحال المستمر وإقامتي الراهنة وغير المستقرة في غزة، التي لا يتوفر فيها للباحث الفلسفي وغير الفلسفي ما يحتاج إليه؛ ظروفي هذه، وقد يضاف إليها أن شهوة البحث باتت ضعيفة عندي كما ضعفت شهوات كثيرة جميلة ومشروعة تحت ضغوط القهر المتخلف التي يحياها المتطلعون لمستقبل أجمل.. ذلك كله، قد يجعل من اعتذاري مقبولا.. وهو اعتذار آمل أن يكون مشفوعا لي بما لا يزال يتحرك في كياني من إرادة الانتصار على ظلاميتنا وعلى تخلفنا.. لذا، أدفع بهذا الاجتهاد للنور..

 

 

 

 

 

***************************************************************

الموضوعات

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1) غياب الفاعل الفرد

(2) العقل المطلوب

القسم الثاني

شرط الواحدية

زكي نجيب محمود: ثنائية العلوي والسفلي

حسن حنفي: الضيق يحاصر الواسع

محمد عابد الجابري: استدعاء لحظة بلا آفاق

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

****************************************************************

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

الفكر المرتجف لا يبدع الحب والسلام. يرنو العقل الواحدي ـ الذي ينتظم فيه هذا الاجتهاد ـ إلى استنهاض جماعية الكثر بمشروع يؤصل القيمة الفردية الأولى: قيمة الحرية الفاعلة، لا الحرية القاهرة. والحرية الفاعلة، في الرؤية الواحدية، تنهض من “أصل” الوجود، وتنطلق في كل أفق ينطلق فيه الوجود؛ ولا أفق للوجود إلا أفق الحرية التي تفتح مغاليق الدوائر المظلمة، دوائر المفعولية التي تحاصر تطلعات المشروع النهضوي العربي إلى تحقق جديد للأمة، لا يكرر قديمها، ولا يذوب في الراهن الإنساني الغربي العدواني.

وسوف تبقى مشكلة التراث والمعاصرة ـ التي تشغل العقل العربي المعاصر ـ عصيّة على الحلّ، ما بقي المشروع النهضوي العربي المعاصر هيّابا لا يمضي، واضحا، وحازما، مستقيما، وبلا التواءات، ليقتحم “القلب المحض” للنسيج الحضاري العربي الإسلامي الذي ما زال موروثنا منه يهيمن على واقعنا المعاصر.. من هذا القلب البعيد الحاضر، يبدأ مشروع نهضوي جديد؛ لن يبدأ من نصف حيّ أو ما شابه الحياة، ونصف ميّت، أو ما زعم له الموات، ولكنه يبدأ من “واحد” عميق واسع، عمق الوجود المطلق وسعته. فإذا ولد مشروع نهضوي من هذا الواحد المنفتح على ذاته المطلقة (الحرة)، المنفتح بفاعليته الخالقة بـ وعلى، خلقه التاريخي والزماني؛ فسيلد نهوضا متواليا، غضا، لكنه صلب الإرادة، ماض في عزم، يجتاز عوائق القهر التي تسلب الفردية طاقة الوجود السيّال، وتستبد بالحق الأصيل لكل ذات في حياة كريمة، تحوز، بالعدل، حظها الكامل في الوجود.

وإذا حازت كل ذات حقها الكامل في الوجود، فلا بدّ أن تشرع، ودفاعا عن حقها الأصيل، في أداء واجبها الكامل ـ أيضا ـ تجاه الوجود، الذي هو وجودها، الوجود الذي تساوي قيمته درجة رفيعة، كما الجنّة، مرتبة الحب والسلام، في أعلى صفاء، جنة نغرسها هنا والآن، وننطلق في رحابها، من الآن ومن هنا، على صهوة زمان نبدعه نحن، لنا نحن، تبدعه نحنُ كالبلّور، لا عتمة فيها ولا جوْر ولا قهر ولا استبداد.. مثل هذه النحن التي تينع بها، وفيها، كل أنا، حلم يستولد إشراقة إنسانية جديدة تبدو قريبة المنال، في كنف حال أنهكه العدوان، ويستحث عقلا واحديا، هو الآن يغذو الخطى نحو تواصل أعمق، ليخلق عالما أوسع، سبق الوحيُ إليه، بدعوة فتحت الخلق على الخالق، والشهادة على الغيب، والزمان على المطلق؛ فتح الدين، ويفتح العقل، وجودا واحدا، ذروته إنسانية واحدة، ذروتها السلام.

صنعاء في 18 شوال 1413هـ/10 نيسان (إبريل) 1993م

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1)  غياب الفاعل الفرد

إذا عجزت قوى التنامي عن مواصلة فاعليتها الحيوية في مواجة عوامل الهلاك، صارت الحياة فعلا مختنقا. التنامي خاصة حيوية يتحقق بها الكيان الوجودي الحيوي في مستوياته الفعلية كلها، وفي ذروتها مستوى الإنسانية؛ هذا المستوى الذي امتاز عمّا عداه من مستويات التحقق الحيوي بالقدرة على جمع مفردات خبرته، وصياغتها في تاريخ، حقق بدوره، فاعلية التنامي الحيوية، بصورتها الإنسانية. والتاريخ الإنساني ليس تجميع خبرات مفردة مغلقة، هو جمع تشارك فيه الخبرة المفردة بفعل يتعضون به الجزئي في الكلي، أي: ينفتح به الجزئي، بالكلي، على الكلي الممتد إلى ما بعد حدود الجزئي المكانية والزمانية. التاريخ هو فاعلية تفتّح الفردي على الجمعي، أو تفتّح الفردي، بالفردي، ليصنعا معا جمعيا واحدا، عوامله الفاعلة هم الأفراد الصانعون للتاريخ؛ الأفراد المبدعون لتحققاتهم الحيوية الوجودية، وهي تحققات لا يبدعها أفراد معزولون، كل في دائرة وجودية مغلقة؛ الإبداع الحيوي الوجودي هو فعل التنامي في الأفق الواسع للوجود، هو فعل تعميق الوجود الأنوي في الوجود العام. وبالتنامي المعمق يصير الوجود الأنوي فعلا تاريخيا، خلال صيرورته إلى فعل جمعي، يخلق بطبيعته تاريخا فاتحا، كل لحظة، عالما متجددا، يشتبك مع عوامل الهلاك، ويتجاوزها، أو يحيلها إلى شروط جدارة حضوره وشدة درجة فعل مشاركته في إعادة صياغة الوجود. ولكن شعلة الحياة تخبو في اللحظة التي تتجمد فيها فاعلية الحضور، وفي هذه اللحظة، تسقط الحياة في شراك الأزمة.

الأزمة حضور حيوي متجمد تاريخيا يضيق فيه الوجود الفردي وينغلق على ذاته، ويفقد قدرته على التنامي الجمعي، ومن ثم، تفقد الجماعة، أو الأمة، قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل في التاريخ الإنساني العام. والحياة لا تتوقف عن تحققاتها إذا فقدت قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل، ولكن ، تتجه تحققاتها إلى الأداء الحيوي في وضعية المفعولية.

وضعية المفعولية حالة استلاب وجودي لكيان يعجز عن التواصل الفاعل مع المعطيات الوجودية، ثم ينقلب عجزه، أو يتفاقم، فيصير هو، نعني الكيان، معطى، مسلوبا، للموضوعات الوجودية الأخرى؛ أي: يصير معطى يمارس الغير فيه فاعليته، ويمارس عليه حصاره الخانق. المفعولية وضعية ذاتية، لا يخلقها الغير، ولكنها تغري الغير ليمارس عليها فاعليته. فالذات، كل ذات حية، مجبولة على الحركة التوسعية، فإذا تعطلت مكنة التوسع لدى ذات، فإن هذه العطالة مقدمة لحركة توسعية تنجزها ذات أخرى تمتلك عوامل الفعل، الفاعل، امتلاكا ذاتيا، ومنهاعامل شهوة الحيازة على الآخر، وهي شهوة تتفاقم، إذا صار الآخر أرضا سهلة وقابلة للاجتياح؛ أي: إذا صار الآخر في وضعية المفعولية، وهي حالة يتقهقر إليها الكيان، بعد أن تكون عوامله قد ألجمت فعله المبادر بتلقائيته الوجودية. ومن ينكص عن المبادرة الفاعلة، يهوي في ظلامة التاريخ، وتهرسه عجلات زمان يتحرك بالذي يحركه، ولا يجمد مع الجوامد. الحركة طبيعة الوجود، والوجود لم يزل، فالحركة لم تزل، وهي اتجاهات، إما نحو الأمام، وإما نحو الخلف؛ والفاعلون هم الذين يبدعون زمانا يتحرك للأمام. بينما تشتد وضعية المفعولية كلما ضاقت المساحة الوجودية بالحركة المنكفئة على ذاتها، المقلوبة الاتجاه.

المفعولية وضعية لا تستجيب للتحديات الخارجية بكيف يجعل منها عوامل بناء للذات. الآخر نسبة إلى الذات المأزومة بوضعية المفعولية، مخرج استهلاكي؛ هي تستهلكه، وهو يستهلكها. لكن استهلاكها له، تدمير لها، وتدمير له في ذاتيتها؛ أي: إعدام له كعامل استفزاز لها ودافع للتنامي بتوظيف فاعل يقلب تحديه لها إلى تحديها له. واستهلاكه لها، تدمير لها بمحاصرتها في دائرتها، دائرة وضعية المفعولية، لا تدميرا مطلقا، ولكن تدمير فاعليتها، لتظل سهلا مفتوحا لأداء فاعليته العدوانية.

الأزمة، كما الحياة، ذاتية. كما لا يقدر أحد على الحياة نيابة عن غيره، لا تخرج أمة من أزمتها، ما لم يكن الخروج مطلبا ذاتيا لها. ومن الجرثومة التي يبدأ منها مشروع الحياة، منها يبدأ مشروع النهوض الجمعي، متحديا حالة المفعولية، ومتحديا في الوقت ذاته، عدوانية التحدي الخارجي.

وكما جرثومة الحياة، أساس المشروع الحيوي للكيان، أساس عميق، فإن أزمة الكيان الجمعي، ذات أساس عميق أيضا، يضرب جذوره في التراث، ويفترش مركب عقل ووجدان الفرد والأمة في الحاضر المحكوم بالماضي، محكومية تغلق أفق المستقبل.

لماذا حشرت الأمة ـ أمتنا العربية أو الإسلامية ـ رأسها في صدع جدار كثيف سلبها الحضور في التاريخ، بينما لم يغب الجدار عن التاريخ، وظل يضغط على الرأس المحشور في صدعه المتفاقم؟! لماذا فشل مشروع الأمة النهضوي الحديث رغم انبلاج تباشيره منذ قرنين، ورغم تنوع طروحاته وتكرار تجاريبه؟ لماذا عجز العقل العربي المعاصر عن إنقاذ جمجمته المحاصرة بظلمات الصدع التاريخي المتكاثفة عهدا بعد عهد؟!

لماذا بددت السياسة العربية ـ أو الإسلامية ـ إمكانات قوتها، فانتهت بالأمة إلى وضعية المفعولية المزرية المسلوبة حق التعبير عن احتياجاتها الطبيعية وعن طموحاتها السامية؟ لماذا تراجعت الأمة من دور الحاضر الفاعل إلى دور الحاضر المنفي؛ من دور “الرسول” إلى دور المستباح؟!

ودعوة السلام التي تصعّدت من ذرا وجودنا، ومن ذرا فلسطيننا، لماذا تهاوت إلى دعوة انهزام واستسلام في مواجهة طوفان العدوان؟!

الهزيمة في فلسطين، ابتداء من الاحتلال الصهيوني لها، وانتهاء ـ حتى الآن ـ بالاعتراف بمشروعية العدوان، والتسليم بـ”حقه” ـ ولا حق لعدوان في البقاء ـ في وجود آمن، وبضمانة نشارك فيها، هذه الهزيمة تمثل ذروة وضعية المفعولية للحضور العربي ـ الإسلامي ـ المعاصر، وتجسد الخلاصة المكثفة للأداء الحيوي العربي ـ الإسلامي ـ المقلوب الاتجاه، والمدمر لذاته، المستباح للآخر. الموقف العربي (الإسلامي) من العدوان الصهيوني، دليل الأزمة التي يعانيها الحضور الراهن للأمة، فهو دليل فقدان السيطرة على زمام إرادة فعلها الجامع لإمكاناتها الذاتية الوفيرة، الموجه نحو مقاومة تحدي العدون الخارجي لها، الذي تجسد العدوانية الصهيونية مراميه وأهدافه وخطورته على الدور الكياني الفاعل للأمة العربية (الإسلامية).

ليست الهزيمة في فلسطين، هزيمة عسكر في مواجهة عسكر؛ إنما هي هزيمة حضور في وضعية المفعولية، قبالة حضور في وضعية الفاعلية. والحضور في كل وضعية له، أداء حيوي شامل، تنتجه طريقة معينة لتكييف إمكانات الوجود المتعددة وعلى صُعُد كُثْر، ولكن، في نسق واحدي، تتعضون فيه الأجزاء، وتنتج كليا عاما يسجل حضوره النوعي في التاريخ والجغرافيا. واالحضور العربي، أو الإسلامي، قبالة الحضور العدواني الصهيوني الفاعل، حضور يكيف قدراته الذاتية في نسق مهزوم، بكفاية متدنية، وبإرادة مسلوبة، وحركة متدهورة تتقهقر إلى مضائق أشد، أو إلى أزمة أعنف.

ما الذي يوثق رباط رزوح الأمة تحت نير الوجود الضيق المأزوم في دائرة ظلامية وضعية المفعولية؟! ما الذي يُقْعِد إرادتها عن الانقلاب على حالة المفعولية النافية لفاعلية مقومات وجودها التاريخي والمعاصر، إنقلابا يفجر مكنونات الحياة المقدامة، التي لم يبخل بها الخالق عن تشيؤ له، الذي أودع في كل ما خلق من أحياء قوة مغالبة عوامل الفناء؛ التي منها، ومن أشرشها، فيما يخص الحياة الجمعية، عامل الرضوخ للوجود في دائرة المفعولية الضيقة النافية للتحققات الذاتية، للفرد والأمة، تحققات تبدع حضورا فاعلا، وإشراقا ناهضا للحياة؟!

لم تزل الأمة، ورغم محاولات متعددة، أسيرة كوابح تكبل إرادة الفعل المقدام الرابض في كينونتها الحيوية والذاتية، وهو قوة يطويها كل كيان حيوي بضرورة التكوين الخَلقي، النازع إلى الفاعلية، بصدوره عن فاعل أو عن “الفاعل (=الخالق)”، الذي ابتعث من لدنه “روحا” تحققت تارخيا في الأمة العربية الإسلامية حاملة رسالة الهداية للناس أجمعين في حركة عميقة أخرجت الناس من ظلمات الوجود المغلول بالجهالات والمحاصر في مضائق الأنوية، إلى نور الوجود المتحرر من الباطل الزاهق، الموسوم بالحق والمرسوم بالجهادين الأكبر والأصغر. والمتحرر من رؤى السلف، برؤية متجددة، تساوق تغيرات الزمن، تساوقا يشترطه كل نهوض جديد للإرادة الفاعلة المقدامة.

والتجديد الذي وقع مع ابتعاث النبوة المحمدية، انبثق عن رؤية مقدامة، وحّدت بإبداع منهجي شتات الكيانية العربية الثقافية والجسمية، وأخرجت الطاقات الحيوية من كمونها الوجودي في محابس الماضي تحت هيمنة سلطان الأبوية المتجمدة بمفاهيم خاطئة عن الوجود عامة، وعن الوجود الإنساني خاصة، والمرهونة بضلالات معتقدات كانت سائدة تحت شروطها الظرفية، لا تحت كل الشروط، ولا كل الظروف. كشفت منهجية النبوة المحمدية عن الروح الفاعلة في الكيانية العربية الفردية،، وأزاحت عنها حجاب الكفر، فانطلقت من كيانية الفرد كيانية الجماعة، وعمّقت الكيانية الجمعية كيانية الفرد، بتحرير الأنوات من مضائق الآنات المنفصلة، أو من مضائق الأزمة التاريخية التي غيبت العربي في عصر ما قبل الإسلام عن الحضور الفاعل في التاريخ، وهي، الأزمة ذاتها التي عاودت تغيييب العربي، والمسلم، عن الأداء التاريخي الفاعل في العصر الراهن.

وعلى الرغم من تغاير العصور، تظل الغيبوبة التاريخية نتيجة سبب لا يتغير جوهره، كما لم يتغير جوهر سبب الهلاك، فإن جوهر سبب الغيبوبة وسبب الهلاك، هو جمود الكياني في ذاته المنغلقة المنفصلة المتجسد في فردية “كافرة” واقعة في النهايات العدمية للوجود. حرر الإسلامُ الفردَ الكافر من حصار النهايات العدمية المنغلقة، وفتح وجوده على أفق مطلق يبدأ من لحظة “الإيمان” ويتدفق في فاعلية تاريخية وحّدت الأفراد، ووحّدت الأزمان المرئي منها والمُتَخَـيَّل، بمنهاج صادر عن الخالق الواحد، رب العالمين؛ أي: بمنهاج واحدي يعمق وجودية الفرد، باعتباره واحدا فاعلا مسلما للواحد المطلق: الله؛ وفاعلا بنسق جمعي واحد، لا يجور على واحديته الفردية، ولكنه ينبثق من فرديته الواحدة المسلمة لرب العالمين أجمعين، إسلاما يصح على وجهته إذا صحّ الإيمان؛ ولا يصح الإيمان إلا على معنى أخوة المؤمنين التي يقررها كتاب الإسلام، القرآن الكريم، وعلى معنى الحديث النبوي الشريف: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه”. هذه الروح الإيمانية، الواحدية، التي أشرقت بها الذاتية الفردية الجمعية، هذه الروح، هي روح الأصل الذي انبثقت منه النهضة العربية الأولى، وهو الأصل الذي نحسب أنه لا بد أن تنهض منه النهضة العربية المطلوبة. فهل كشف مشروع العقل النهضوي العربي المعاصر القيمة الإبداية للأصل النهضوي العربي الذي أنتج الدور الرسالي للعربي المسلم في عصور الإسلام الزاهية؟!

إن زعمنا بوحدة الأصل النهضوي العربي في نموذجها الذي تحقق تاريخيا، وفي صورتها المطلوبة حاليا، ليس زعما يدّعي التوحيد بين مشكلات النهضة العربية الأولى والنهضة المبتغاة. ثم هو ليس يزعم للأصل النهضوي خاصة الجمود؛ فالصفة النهضوية تنفي جمود موصوفها، فالنهضة حدث مغاير للراهن، ومغايرتها محمول يجدد صياغة الموضوع، فالموضوع مقيد بالمحمول من جهة محمولية المحمول. النهضة فعل محكوم بالظرفية، وما من شك، أن الظرفية العربية المعاصرة مغايرة للظرفية العربية زمن البعثة المحمدية. والأصل الذي نزعم أنه واحد لكل نهضة عربية يسع التغاير الظرفي بواسعيته التي لا تضيق عن استيعاب التشيؤات الوجودية كلها، والتشيؤات متغايرة، والأصل النهضوي الواحدي هو أصل التغاير، والتغاير هو صورة فاعلية الأصل الواحدي التي لا تجري إلا في حركة تغاير، فالأصل الواحدي للنهوض العربي الرسالي، هو ذاته، المانح لمشروعية تغاير صور النهضة العربية الأولى عن النهضة العربية المرتجاة، وهو لن يمنح المشروعية لصورة تكرارية للماضي، فالتكرارية الصورية في الوجود وَهْم الرؤى الضيقة التي تحبس إمكانات التفتح في النهايات المغلقة للتاريخ.

الانغلاق الذاتي في دائرة وجودية ضيقة منفصلة ومعزولة هو الجامع المشترك للوضعيتين العربيتين ما قبل الإسلام، والعصر الراهن. ومع هذا الجامع المشترك، فإن الانغلاق العربي المعاصر يباين الانغلاق العربي ما قبل الإسلام، تباين ما يعاني العربي الأول والعربي الراهن من مشكلات، أنتجت في حالة الأول قضاياها الخاصة، وصاغت تكيفات مشروعها النهضوي بها؛ وهي غير القضايا الراهنة المعطاة للواقع المعاصر، الذاتي والموضوعي، والقومي والعالمي. كان طغيان العزلة في ضراوة المكان وظلامة الكيان الوجودي هي السمة الغالبة على وضعية العربي ما قبل الإسلام، وهي وضعية الجاهلية في حكم الإسلام، أو بالقياس إلى الدعوة المحمدية المنفتحة بالنور الإلهي على تحققات الوجود المطلق (الحر) والمتعين في وقت واحد. واجه الإسلام مشكلة علاقة الخالق بالخلق، التي تجسدت صورتها في عبادة الأوثان، وكانت هذه العبادة معنى يجسد العزلة الاجتماعية داخل إطار قبلي تعصبي، فكان لكل قبيلة وثنها المعبود، ومن ثمّ، كان لكل قبيلة دائرتها الوجودية الضيقة المنفصلة عن الدوائر القبلية الأخرى، والمنفصلة المنعزلة بوثنيتها عن المطلق الوجودي الإلهي، الذي تمحورت حول تجلياته دعوة النبوة المحمدية. وبهذه التجلية لواحدية المعبود للناس أجمعين، عالج الإسلام مشكلة التنافر البنيوي العربي، التي كانت المشكلة المعيقة لخروج العربي من دائرة الأزمة المنفصلة المنعزلة عن مجرى التاريخ الفاعل، إلى الصفحة المشعة للحضور التاريخي الرسالي.

وما زال التنافر البنيوي مشكلة عربية معاصرة، تمثل حالة تقهقر إلى ما قبل الدور الرسالي، ولكن مدى المشكلة المعاصرة يترامى إلى أبعاد أوسع من أبعاد المشكلة القديمة، وهي ـ المشكلة المعاصرة ـ تستعيد المشكلة القديمة، وتتمدد، ومن المشكلة القديمة، لتضيف مشكلات جديدة أخرى، تعكس جميعها، المشكلة الأم، مشكلة أزمة وضعية المفعولية، والتي لن تعالجها الرؤية السائدة ـ في الفكر الإسلامي التقليدي ـ لعلاقة الخالق بالخلق، ما لم يتم إبداع جديد لهذه الرؤية، بلا نفي لمفهومها الوجودي الأصلي، وبالتوكيد على تغيرات الظروف التاريخية، التي توجب على العقل العربي المعاصر استحداث نظرية زمانية تهدي المشروع النهضوي العربي المطلوب، وتستهدي بالأصل النهضوي العربي الأول الواحدي. فما زال الأصل الواحدي قادرا على إشعاع نور هداية للذات العربية الفردية والجمعية الراضخة لعبودية الانفصال والعزلة عن العالم الراهن، وعن التكوين التاريخي الخاص.

العربي المعاصر غائب عن الحاضر العالمي، وغائب عن زمانه الذاتي ، وغائب في وطنه، وهو مقهور قبالة ذاته، وقبالة تراثه، وقبالة غيره. لا يقبض على زمام وجوده، ولا تتقدم إرادته تجاه الغد، مطبوع للزمان غير فاعل فيه، تتفاقم وضعية مفعوليته بالاستسلام لحالة الهزيمة المتفشية في مفاصله الحركية، والتي هيأته لحالة استسلام موازية للعدوان الأجنبي الطامع عليه. والبنية الجمعية العربية المعاصرة مفككة، تعكس تفكك البنية الفردية لها. ويضاعف هذا التفكك المزدوج من تعقيدات مشكلة الوجود العربي المعاصر، ويضاعف، بالتالي، المسافة التي تعزل هذا الوجود عن دور رسالي عصري يبدع حضورا عربيا متميزا بالروح التي أبدعت الحضارة العربية الإسلامية الأولى، روح السلام في عالم واحدي يصنعه المحبون العادلون؛ وسيظل هذا العالم حلما يتغياه مشروع نهضوي جماعي يخلق من الإمكانات الذاتية والموضوعية أداة فاعلة تخترق حصار المفعولية، وتتقدم بالكل الذي لا ينفي ولا يستلب أبعاضه، ولكن، الكل المتقوم بأبعاضه، المالكة زمام الحرية، المبادرة، لا عن إكراه، بالنهوض الذي تطلبه هي، وتصنعه هي، وتتقدم به كما يتقدم بها. لا تحقق الأمم أحلامها، ولا تواجه الأخطار المحدّقة بها بفعل فردي حبيس آن منفصل عن امتداداته؛ فالنضال العربي تصدٍ واسع لجبهة عدوانية مركبة، وفعل يتغيا الخروج من الأزمة، والفعل الفردي المنفصل المنعزل فعل ضيق له طبيعة الأزمة، أو هو صورة الأزمة.

أما مشروع النهوض العربي الجديد، الذي حاولت تجارب القرنين الأخيرين (السياسية) من التاريخ العربي إنجازه، فلم يقدر على التفلت من دائرة المفعولية الضيقة المحاصرة. وكان بذاته، تعبيرا متجددا عن وضعية المفعولية. وقد أعوزته أداة النهوض، القادرة على إنجاز الفعل المطلوب. كان مشروعا غاب عنه الفاعل الفرد (الحر المبدع) صانع النهضة، الفرد الموحد، العضو الفاعل في الجماعة الموحدة. ظل الفرد حبيس القهر، مسلوب الحرية، بينما النهوض هو فعل الحرية، والجماعة من أفراد مسلوبي الحرية لا تصنع نهضة. النهوض حضور فاعل إبداعي جماعي تلقائي يضاد مفهومه القهر والحجر على حرية الفرد في تحقيق إمكاناته الوجودية، التي لا تتحقق إلا في نسق جمعي حر أيضا.

والمشروع الذي لا يملك أداة فاعلة، يفقد ذاته. وكان المشروع العربي النهضوي الجديد قد فقد ذاته، لا لفقدان الأداة الفاعلة، ولكن لسبب أعمق، كان فقدان الأداة الفاعلة نتيجة له، السبب الأعمق هو عوز المشروع النهضوي العربي المعاصر إلى رؤية فاعلة تبدع الفاعل الناهض. وإذا كانت المشكلة العربية الأولى، والأخطر، هي انشطارية الكيان الوجودي الفردي والجمعي، فالرؤية الفاعلة الناهضة القادرة على تحدي هذه المشكلة، هي الرؤية الواحدية التي تتعمق بنية التكوين العربي الحضاري، وتكشف عن جرثومته الوجودية، التي لا تزال، ولن تزل، تحوز قدرة مواصلة الحياة بشروط وتحت ظروف متغايرة، هي شروطها وظروفها التي تتحقق بها، وبفاعلية استكشاف متنام لآفاق وجود لا ينحبس في حدود، ويستحيل كل حدٍّ لديه نقطة بداية جديدة.

واجه المشروع النهضوي العربي المعاصر مشكلة احتلال الدول الاستعمارية لبلدان الوطن العربي، وأفلح في تبديل ألوان الرايات التي كانت ترفرف على رؤوس مواطنيه، فاستبدل الرايات الوطنية بالرايات الأجنبية على غالبية مساحته، وكان يمكن لهذا التبدل أن يستحداث واقعا جديدا يحرر العربي، فردا وجماعة، من غيابه التاريخي وراء الحجب الكثيفة، ومن هيمنة عدوان خارجي تسلط على مقدرات الوجود العربي وانتهك خصوصياته الثقافية. ولكن الاستقلال العربي (السياسي ؟ الظاهري) لم يحقق هدفه النهضوي بإطلاق حقيقي لإمكانات الفعل؛ وظلت الأمة على وضعية التابع المقهور رغم الاستقلال الظاهر، والذي اشتدت معه التبعية القاهرة فاشتدت مقهورية المواطن والوطن بالقهر المضاعف المُمارس عليهما من الأجنبي والوطني. قهر الوطني للوطن والمواطن تمتد جذوره في الماضي وتتشابك عصيّة، تشابُك عوامل مركب النقص الذي يعاني منه الذين يعانون من التخلف الحضاري ومن مشاعر الدونية التي اكتنفت جوانحهم قبالة مستعمر قاهر جامح أفرغهم من معاني الانتماء الأصيل إلى ذواتهم القومية، وجردهم من عقيدتهم الجمعية وعقيدة الحرية التهضوية التي لا يقوم مشروع إنساني على غير قاعدتها وبدعاماتها؛ فالنهوض فعل بنية واحدة تتقوم كينونتها بالحرية، ولكن، ظلت الذات العربية الفردية والجمعية مشطورة في زمن الاستقلال الظاهري، كما كانت مشطورة في زمن التعبية الباطنة الظاهرة. ولم يعالج الاستقلال الظاهري، بمشروعه النهضوي الخاص، لم يعالج مشكلة الانشطار التي نشأت تحت قهر المستعمر؛ للوطن والمواطن.

لم يعالج مشروع الاستقلال الظاهري مشكلة الانشطار البنيوي العربية لأنه لم يمتلك أهلية المعالجة، فقد كان هو بذاته يحمل الداء ولم يكن يملك الدواء؛ ويعود داء الانشطار إلى ما قبل الاستعمار، وما نشأ منه تحت قهر الاستعمار كان صورة جديدة له، عن صورة قديمة تمتد جذورها في تاريخ التكوين العربي الفردي والجمعي، وتتصل بما قبل الإسلام، لكن الدعوة المحمدية أطاحت بها إلى قعر الوجدان، ثم ما لبثت أن طفت في النصف الأخير  من عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ تصدعت الوحدة السياسية للأمة المسلمة، وخاض المسلمون وراء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ووراء معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية يرحمه الله، حربا ضروسا غرزت أسافين الشروخ الأولى في بنية النهضة العربية الإسلامية في مرحلتها المبكرة، وأوقدت رمادا قديما كان مدفونا على بقايا نار لم تنطفىء كلها بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

والانشطارية خاصة عربية جاوزت البنية إلى المفهوم. وبوعيه الوجودي المشطور تلقى العربي القديم دعوة النبوة المحمدية على أنها تكريس للتعددية الوجودية التي بلورها النظام القبلي المتعدد والنظام العقيدي الوثني الموازي للتعددية القبلية، والتي بلورتها بيئة قاسية فرضت العزلة على القبائل وعلى فاعلية الأداء الحيوي والتاريخي للعرب ما قبل الإسلام؛ وتلقى العرب مفهوم الخالقية على أرضية ثقافتهم التعددية، التي لم يستأصلها إسلامهم من جذورها، ثم استعادت فاعليتها بعدما تحول المسلمون الأوائل عن صفاء الدعوة النبوية إلى شوائب الحياة الدنيا، فبرزت القبلية مرة أخرى، وظهر الحاكم القاهر المتعالي، المستبد بأمر الجماعة باسم الدين، وانشق الوعي الإسلامي إلى شق دنيوي وشق أخروي، وكثرت الفرق والتشيعات وجمحت الشهوات وتضخمت الأنوات، وتسابق الناس على النهايات؛ ضاقت دوائر الوجود وتكالبت الأمم على الأمة، وغار الدور الرسالي للعربي المسلم، واندحرت دعوات العقل وتفشت الاتكالية، وغاب المواطن في مجاهل الوطن وفي دهاليز قصور الحكام، وصار الحاكم (المستبد القاهر الجائر) حاكما بأمر الله، وانقهر الناس بالحاكم “المستنصر بالله”، وواصل حملة إرث النبوة يرددون قول “لا حول ولا قوة إلا بالله”، بلسان الضعيف المقهور؛ وما زال واقع الأمة المتقهقر يتراجع ويتراجع حتى اقتحم عليها نفوس أبنائها وديارها عدو من الشرق وعدو من الغرب؛ قامت تصد هذا مرة، وتستسلم لذاك مرة حينا، ثم تدحره، ثم جاء الطوفان العارم الذي هزمها وشطرها على أشطارها، وخرج تظاهرا بالخروج لا خروجا حقيقيا، بعدما أخرجها، أو كاد، من ذاتها.

تصدت حركة الاستقلال السياسي العربية المعاصرة للظاهرة الاستعمارية التي كانت قد أنتجت حالة خراب قومي في الوطن العربي، فلم تفلح حركة التصدي في مواجهتها مع حالة الخراب التي أصلتها ممارسات نظم نقلت القهر التاريخي وقهر العدوان الأجنبي إلى الساحة الجوانية للذاتية العربية الفردية، فأنتج هذا النقل فردية مشلولة تاريخيا، ومحصورة في دائرتها الوجودية الضيقة المنعزلة والمنفصلة، لا في البعد القومي لها فحسب، ولكن في البعد العالمي أيضا، الذي صار، في الزمن الحاضر، مكونا رئيسيا للذات المعنية بالحضور التاريخي الفاعل. العالم يتقدم نحو بلورة واحدية وجوده، بينما يواصل العربي أو المسلم إنكفاءه على ذاته المقهورة المغيَّبة، الغائبة، ويكرس عزلته في كينونة التعدد الحيوي والمفاهيمي، وما زال يعمق انشطاريته، بينما يحث العقل المعاصر خطاه الجريئة نحو الكشف عن فاعلية وجودية واحدة، تنتظم بها كثرة الأشياء، في نسق لا يقهر أبعاضه، ولا ينفيهم في نهايات عدمية الوجود، التي ينفذها نظام منعزل، لا عن النسق العالمي الواحدي الفاعل، وإنما منعزل في ذاته الفردية الضيقة عن ذاته الجمعية التاريخية والمعاصرة، والتي ينقلب بها هذا النظام المنعول عن وجهة العالم نحو نسقه الواحدي، إلى وجهة تلغي الحضور الفاعل للذات الوطنية الفردية والجمعية، بتأصيل وضعية المفعولية التي يحياها العرب المعاصرون، والذين قادهم المشروع السياسي إلى حضيض التبعية لقوى العدوانية العالمية، وقادهم إلى حضيض مهانة الاستسلام للعدوان المتبلور في قيام الدولة الصهيونية، ليغلق، بظلماته، الكوة التي كان نبي المسلمين قد نفذ منها، مرتقيا درجات الروح، إلى واسعية الخالق، والتي كان منها، وقبل نبي المسلمين، قد نهض النبي عيسى يدعو إلى السلام، لا للاستسلام كما يتكيف المشروع العربي للاستقلال الظاهري مع عدوان الصهيونية ومع معطيات العالم التي يتحرك في اتجاه الحرية، بينما لم يزل نظامنا يضغط في اتجاه العبودية. الحاكم العربي يفهم النسق الواحدي، أنه هو الواحد الكل، أما الناس في وطنه فهم حشو له؛ هو الواحد (الكل المطلق)!!

 (2) العقل المطلوب

هزيمة النظام السياسي في معركته ضد العدوان وضد التبعية للأجنبي لا تعني هزيمة للأمة لن تقوم لها قائمة بعدها؛ ولكنها تعني أن الأداء النضالي بالطريقة التي جربها مشروع الاستقلال السياسي، لم يكن هو الأداء الصحيح، ولا يقدر على أن يكون صحيحا، لأن الأداء الصحيح لمقاومة التبعية وصد العدوان، هو أداء عقل مستنير، لا أداء الأيادي الباطشة. فالعقل المستنير المنفتح هو أداة معركة الإنسانية الوجودية؛ أما الأيادي الباطشة فهي أدوات ملوك الغاب والغزاة المتوحشين قتلة الروح. وإذا كان ثمة أمل في النهوض، فهو الأمل المرهون بالحرية التي يينع بها عقل الأمة المقدام من جديد، وتتفلّت بها الرؤوس المحشورة في صدع الجدار العازل عن واسعية الوجود، الجدار الذي ينذر بالتهاوي إلى قاع الحياة؛ فإذا تهاوى، تهاوت معه الرؤوس، وتهاوى معه الأمل إلى مدى من الزمان، قد يطول، ولا شك أن الأمة التي لا تفيق على إنذار تهاويها، حقَّ على الزمان أن يفنيها. وقد ذهبت أمم كثيرة، أهلكها الجمود في قواقع ذاتياتها، صارت أحافير تاريخ، بينما ولدت أمم انفتحت على التاريخ وصنعت حركته.

الجمود هلاك، والانفتاح حياة، والإنسان عقل إذا جمد أهلك بجموده صاحبه. وإذا انفتح العقل فانفتاحه يبعث صاحبه. فإذا أمكن للعقل العربي المعاصر أن يبتعث طاقات الحياة في جسد الأمة، تكون الأمة قد استجابت لتحدي الهلاك، بالأداء الفاعل الناهض المقدام.

فما العقل المطلوب؟

ما هو الفعل الذي إذا أنجزه العقل العربي المعاصر، يكون قد أدى مهمته النهضوية القائدة، ويكون قد ابتعث طاقات الحياة العربية المركومة، التي لم تزل في انتظار من يوقد شمسها مرة أخرى؟!

العقل صورة الحق. وردد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يهدم معبودات الوثنيين العرب فور دخوله مكة فاتحا قول الله تعالى في سورة الإسراء: “وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهزقا”. والحق الذي جاء مع النبي الفاتح، هو الإيمان بالله الواحد ربّ العالمين، الذي ينفي عقيدة العرب المشركين الواهمة أن المعبودات كُثْر. بادر النبي إلى محو هذا المعتقد الموهوم، في اللحظة التي تعمق فيها التراث العربي وبلغ مستوى الأب الواحد إبراهيم عليه السلام، الذي كان قد شيّد البيت الحرام بمكة، بيت الله الأول في الأرض. كانت مكة، بالبيت الحرام، الكعبة، رمز وحدة المكان العربي ووحدة التاريخ الإنساني العربي منذ الأب إبراهيم، ووحدة المعبود، التي تعكس، بمفهوم “الله رب العالمين” وحدة الوجود كما يقررها نسق جماعة المسلمين، التي تلقت اسمها هذا ـ المسلمين ـ عن إبراهيم أيضا، جدّ أنبياء الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يجمعها الإسلام المحمدي في مسماه ومعناه. إبراهيم هو أبو حركة توسع الحياة الدنيا بمفهوم الحياة المطلقة الديني، المتقوم بربوبية الله الواحد للعالمين. العقل بالمفهوم الديني هو العقل المؤمن بواحدية الله رب العالمين، خالق كل شيء، وبالمفهوم الديني (الإسلامي) فإن ربوبية الله الواحد للعالمين، خالق كل شيء، هي الحق الذي جاء فاتحا مكة، الذي زهقت به تعددية الربوبية، غير الخالقة، ولا لذاتها، والتي وصفها النبي محمد بأنها باطل، وقرر، بالنبوة المنفتحة على الألوهية المطلقة، الفاتحة: “إن الباطل كان زهوقا”؛ أي: الباطل زهزق بطبيعته الوجودية، وفي المقابل، فالحق هو ديمومية الوجود التي لا تبطل ولا تزهق، وهي التي جاءت إلى مكة بالنبي المنفتح الفاتح بالله الأول والآخر والظاهر والباطن. والآية التي رددها النبي الفاتح بينما كان يهدم معبودات العرب الوثنية المنصوبة في البيت الحرام، جاءت في النص القرآني بعد آية “وقل ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”، وهذه الآية ـ الأخيرة ـ توجيه للنبي عليه السلام، أتى في سياق دعوته، من الله، بإقامة الصلاة المعمقة، والتهجد المكثف؛ أي: بالانفتاح المعمق على الحضور الإلهي المُستحضر بشدة، وهذا الانفتاح القوي، موثق بحركة دخول وخروج عبر الـ “الصدق” المؤسس بدوره على سلطان رباني من لدن الله، يؤيد حركة الصدق، أو يعطيها معناها. والسلطان هو الحجة، مصدرها الله، يمنحها للنبي الذي يحوزها بطلب صادق لها، وبأداء حركي: مدخل ومخرج؛ والحركية متدفقة، ومتواصلة ونشطة، تقاوم عوارض الجمود: صلاة في الليل الذي يهجع الناس فيه عادة للسكون، وقرآن (= صلاة) في الفجر: بعث مجدد للانفتاح على الربوبية مع مطلع دورة يومية متجددة من الفاعلية التي تنشط في النهار عادة، وتهجد زائد (نافلة) يأمر الله به النبي ليعمق فاعليته الحركية، باعتباره القدوة للمؤمنين، نحو مقام محمود يبعثه الله، ربه، ورب العالمين، وهو بعث منبعث من الفاعلية التعبدية النبوية، المنبعثة بدورها، من فاعلية الربوبية، أو فاعلية الانفتاح على “الحق”، باعتبار ربوبية الله هي “الحق”، الذي جاء بالنبي الفاتح المنفتح، الذي أزهق جهالة الوثنيين العرب، الجهالة التي قيدت فاعلية طاقات الحياة التي أودعها الخالق، رب العالمين، في الكيان الإنساني. الحق، هو معنى إطلاق فاعلية الكيان الإنساني، وبالمفهوم الديني، فهو إطلاق الفاعلية الإنسانية من قيد “الباطل الزهوق”، إلى واسعية رب العالمين الواحد، التي لا تقيدها الحدود.

العقل هو أداة حركية الحق. فالأداء العقلي بحث عن الحق، بمداخل ومخارج الصدق، أو بمعايير الصدق. والصدق واقعي، ما وقع منه وما يقع الآن وفيما بعد. والدخول والخروج بالصدق، هو انفتاح على واقعة، ولكن، مع عدم تجمد فيها، بالتفاعل معها، وبها، باعتبارها دائرة، ينفتح بها ما قبلها على ما بعدها، لا دائرة منفصلة منعزلة عمّا قبلها وما بعدها، ولا منفصلة عما معها، ولا منعزلة عنه. هي دائرة علاقة العقل المنفتح بما حوله، تنشأ بالحجة (العلم / السلطان) الربانية، والحجة الربانية حق، والحق هو ما يصور العقل، أي الذي يكونه، فالعقل الديني صورة للفاعلية المنفتحة بالربوبية الجامعة للعالمين، على هذه الربوبية؛ فهذه الربوبية هي الحق، المطلق، الواحد؛ فالعقل الديني انفتاح، بالمطلق الواحد على هذا المطلق الواحد. العقل الديني النبوي هو الذي أزهق بطلان عبودية العرب الوثنيين، التي كانت لأرباب متفرقين، لا لله رب العالمين، الواحد. وبهذا الإزهاق، فتحت النبوة المحمدية الدائرة الوجودية للمؤمن بها على ذاته التاريخية، بالكشف عن انتمائها لأب واحد، أبوة دينية، وبالكشف عن انتمائها لخالقية رب العالمين، الواحد المطلق، فالنبي كشف، وهو يزهق باطل وثنية العرب، عن المعنى الواحدي لرسالته، الإنساني، والرباني، دونما ثنائية؛ فالمعنى الإنساني هو معنى رباني أيضا، فإبراهيم، أبو العرب، هو نبي، وأقام البيت الحرام، بفاعلية النبوة الإلهية، وهو داع لله الواحد، الذي دعا إليه النبي محمد، وأعلن نبوته بفاعلية هذه الواحدية الإلهية الخالقة.

الواحدية هي صورة الأداء التاريخي الفاعل للنبوة المحمدية التي تحققت في أمة واحدة تعبد ربا واحدا هو الله الخالق، عبودية وحّدت الأمة المؤمنة بالخالق “المؤمن”. واحدية النبوة المحمدية عمقت واحدية المسلم الجمعية الفاعلة، بواحدية المسلم الربانية الوجودية المطلقة الفاعلة.

يغيب المعنى الواحدي الفاعل عن وعي المسلم الراهن الذي يعيش حالة تشطر تأدّى إليها بتطورات تاريخية ذاتية وخارجية ابتدأت من المفارقة الأساسية بين المعنى العقلي الواحدي للإسلام ومن العجز العقلي العربي عن استيعاب هذا المعنى الواحدي للنبوة الفاتحة، التي أنجزت تحققها التاريخي الواحدي بقوة الدفع الذاتي الطبيعي فيها، الذي حجب فاعلية العجز العقلي عن أداء مضاد تحت الفيض المتنامي لحركة المسلمين الجهادية المبكرة الموصولة بالربوبية؛ التي تتنامى فيها ـ في حالة الانشطار ـ الفاعليات العاجزة عن الإشراق الوجودي، لحلولها في الدوائر الضيقة المنغلقة المنفصلة المنعزلة، ومنها فاعلية العجز العقلي، التي ما تلبث أن تنقلب إلى وضعية المفعولية.

كانت تعددية المعبود العربية مظهرا للتكوين التاريخي للوجدان والعقل العربيين تحت مؤثرات النموذج الحيوي الفردي والجمعي الذي صبغته بيئة الصحراء، وحركة الترحال، أو الانفصال المستمر عن المكان، سعيا وراء مصادر الحياة، وطلبا للأمن النفسي والاجتماعي، الذي كانت تتهدده الصراعات الدموية بين القبائل؛ هذا الصراع الذي عمّق تعددية الوجدان العربي، وانغلاقية الحضور العربي التاريخية، فأنتج ـ الصراع والتعددية والانغلاق ـ عقلا غير مؤهل لوعي الوجود وعيا واحديا؛ ومن ثم، لم تتوفر للعقل العربي الذي تلقى الدعوة المحمدية، لم تتوفر له أهلية وعي النبوة المحمدية وعيا واحديا. ولكن الوحي، الذي شدّد على قضية واحدية الربوبية، دفع بالوعي العربي الوجودي خطوة هامة نحو الاقتراب من الواحدية العقلية، بالقدر الذي كان ضروريا لأداء النبوة. وتحول الوعي العقلي العربي التعددي إلى وعي عقلي ثنائي ظل فيه الخالق متميزا عن الخلق، ولم يكن العقل العربي الذي كان يتلقى الوحي، وينفعل ويتحقق به، لحظة بلحظة، معوزا للتغور العميق في معناه الواحدي العقلي، الذي جاءت النبوة ذاتها تحققا تاريخيا له؛ ولم ينتج عن الثنائية العقلية التي تطورت إليها التعددية، خطر يهدد الدعوة، وقد تكون هذه الثنائية، التي أعطت فاعلية إيمانية منقادة لرب له الأمر وحده، فاعلية تحققت في فرد مقدام، قد تكون هذه الثنائية أحد عوامل الاندفاع القوي للجماعة الإسلامية الأولى، في حركة الفتح الواسع، والذي ابتدأ مع فتح مكة الذي سماه الوحي “الفتح”؛ وكان الفتح حركة تحقق تاريخي لواحدية النبوة، التي نجت في بدايتها، من سلبيات الوعي الثنائي للوجود. كانت فاعلية الجماعة الإسلامية الأولى مقدامه، وصانتها عقيدتها الواحدة الجامعة من التصدع لذي قد ينتج من وعي غير واحدي، ولكنه يظل إمكانا قابلا للتحقق. ولا يتحقق ـ التصدع ـ وبصورة مَرَضيَّة، إلا إذا تراجع الفعل الجامع إلى فعل فردية منغلقة منعزلة منفصلة.

خلقت النبوة المحمدية تحققها التاريخي في جماعة واحدية البنية الجسمية والعقلية، على اساس عقيدة جماعية، وأخلاق جماعية أيضا. لكن البنية الواحدة للجماعة المسلمة، أخذت تتخلخل في النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه، واشتد تخلخلها برفض الخليفة الثالث التنحي عن إمامة المسلمين بحجة أنه “لن يخلع ثوبا البسه الله إياه”؛ فصارت الإمامة بهذا المفهوم عزلا للإلهية الخالقة عن عباد رب العالمين. وفي غياب الوعي العقلي الواحدي، فصل المفهوم الجديد للإمامة بين طبقة الوجود الإلهي، وطبقة الوجود الإنساني المؤمن بالله الواحد، والمتحقق تاريخيا، إسلاميا، به، وصار “الإمام” يستمد مشروعيته وسلطانه من الله الذي ـ كما صورته الممارسة الحاكمية المستحدثة ـ لا يشرع الشريعة لمصلحة الناس، ولكن لمصلحة “الإمام” الذي ما زال يحتفظ بلقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما شريعة الإسلام في حقيقتها، ذات مقاصد جماعية، هي مقاصد العقيدة الإيمانية برب واحد للعالمين، التي حققتها النبوة المحمدية في التاريخ. ثم جاء معاوية بن أبي سفيان من تحت ثوب الخليفة عثمان، وصبغ وظيفة الحكم بمعنى تعصبي ضيق خرج عن المفهوم الجماعي الإسلامي، واستغرق الجماعة كلها في بطنه، واستبد بأمر الناس بدعوى “قدرية إلهية” لا يملك الناس غير الانصياع لها إذا ما شاؤوا أن يبقوا ـ بزعمه ـ مؤمنين برب العالمين. لملم معاوية الأفق الوجودي الذي نشرته الدعوة المحمدية الفاتحة المنفتحة، لملمها، بالقسر، في بطنه، وتجسم هذا الفعل بإكراه الأمة على مبايعة ابنه بالخلافة، التي صارت، ابتداء منه، “ملكا عضوضا”؛ أي: أداء أنويا ضيقا منغلقا منفصلا منعزلا، زعم لنفسه أنه قدر إلهي، فصار القدر الإلهي ـ بهذا المفهوم المغلوط ـ أداء ضيقا لا يسع الحركة الإنسانية المنطلقة المتفتحة بالدعوة النبوية الفاتحة، فانكشف بهذا التعارض بين المفهومين الواسع والضيق للإلوهية، تصدع البنية الإسلامية على مستوى التحقق التاريخي، وغار هذا التصدع إلى مستوى الوعي (غير الواحدي)، الذي ظل خطره إمكانا محتملا، صار واقعا فاعلا ضاعف خطر التصدع الجسمي، وصار الوعي (غير الواحدي) بالنبوة المحمدية خطرا، بانزياح الغطاء الذي وفره الأداء التاريخي الواحدي المبكر للجماعة المسلمة، الذي تحول إلى أداء فاعل في دائرة حاصرتها أنوية الحكم الضيقة، التي عزلت طبقة الحاكم، عن طبقة المحكوم، وأفرزت بداية الانشطار في الذات العربية المسلمة، بين الحاكم القاهر بقدر الله، والمحكوم المقهور، بقدر الله أيضا. فولدت ثنائية جديدة في وعي المسلم، بين القدر الإلهي القاهر، والقدر الإلهي المقهور، انضافت إلى، وعمّقت مفهوم الثنائية الأساسي بين الخالق والخلق. وعمّقت ثنائية القاهر والمقهور انشطار الذات العربية المسلمة بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وانعكست هذه الثنائية بين الحياتين في ثنائية المالك للدنيا والمحروم منها، وهي صورة أخرى لثنائية القاهر والمقهور، أو الحاكم والمحكوم، أو قدر الله الحاكم القاهر وقدر الله المحكوم المقهور، أو قدر الله الذي يتملك به المالك الحاكم القاهر وقدر الله الذي يحرم المحكوم المقهور.

الانشطار الذي تأدّت إليه الجماعة، هو في حقيقته المعطى التاريخي لغياب الاستيعاب العقلي للمعنى الواحدي للنبوة المحمدية المنفتحة الفاتحة. ففي كنف هذا الغياب، ظل انشطار الذات العربية ما قبل الإسلام قائما، رغم احتجابه، وعاود فاعليته التاريخية عندما وقع خلل ميزان الحياة الجمعية الإسلامية الأولى، ولم يقع في المقابل، استيعاب المرجعية العقلية للذات المسلمة لهذا الخلل وتجاوز خطره، لفقدانها أهلية مواجهة ومجاوزة خطر الثنائية على البنية الجمعية للذات وللأمة، ووقع الضد، عندما أدت المرجعية العقلية الإسلامية دورها التسويغي للتحقق التاريخي للوعي غير الواحدي، الذي هو وعيها هي، والذي أدّاه في الواقع نظام الحكم الجديد، هذا الذي قمع، من فوق الكرسي القاهر، التوجهات العقلية المناهضة للعقل الذي استندت إليه ممارسات الطبقة القاهرة، ضد الطبقة المقهورة. ظل السلاطين المسلمون، على اختلاف مسمياتهم، حريصين، وإلى وقت متأخر من التاريخ الإسلامي، على تأييد سياساتهم بالفتاوى الشرعية، ولم يعدموا أن يجدوا بين “حاملي” الشريعة، من يحملها على الوجه الذي يرضي “مولانا” السلطان؛ وكان “حاملو” الشريعة، وبهذا الدور، يواصلون تعميق الهوة بين طبقة الحاكم القاهر، وطبقة المحكوم المقهور، التي برزت منذ عهد معاوية، وذهبت تتكرر مع كل حاكم، فأصبحت الهوّة إرثا جمعيا، وإرثا فرديا أيضا. فهي تشطر الأمة إلى حاكم قاهر ومحكوم مقهور، وتشطر الفرد أيضا إلى المقهور القاهر، والمقهور المقهور؛ فالفرد يتمثل إرثه الجمعي، ليستعيد توازنه النفسي، فيتمثل الذات الحاكمة القاهرة، ويتماهى معها، وفقا لآليات الدفاع، وصدّا لهجوم خارجي باستخدام أسلحته، فيصير قاهرا، دن أن يقدر، في مواجهة قاهر طاغية، أن يتحرر بالكلية من مقهوريته والتي يحملها في أحشائه باعتبارها إرثا؛ وقاهريته لا تأخذ وجهتها السليمة، ضد القاهر الحاكم المستبد، لدوافع أمنية، ولكنها تصب في قناة مقهور، في قناته هو، وفي قناة فرد أخر مقهور. الفرد القاهر المقهور ينشطر من داخله، وينشطر عن البنية الجمعية المقهورة، التي تعاني من انشطارها بين الحاكم القاهر، والمحكوم المقهور. والحاكم القاهر مقهور أيضا، فما يصدره من فاعلية قاهرة للغير، هو، في حقيقته، إنتاج ذات مقهورة، القهر إنتاج ذات مقهورة، والقاهرية التي يمارسها الحاكم المستبد ضد المحكوم، هي انعكاس مخزون نفسي كثيف من المقهورية، يمثل المحكوم المقهور مصدرا هاما لها. فالقاهر، الظالم، يعيش حالة ترقب قلقة للحظة انفجار بركان غضب المظلومين، الذين وإن طال صبرهم، فهو لن يطول إلى الأبد، فالظلم واقعة منغلقة على ذاتها في نهايات العدم الوجودي، وهي واقعة واهنة لا تصمد أمام عاصفة طلب العدالة عندما تبدأ في اجتياح الظلمات. حالة ترقب القاهر الخائف في كل لحظة، تمثل للقاهر قوة قهر، تحصره بدوره، في مضيق الذات المقهورة، المشطورة، بالتالي، بين وضعية القاهر ووضعية المقهور، وهما وضعيتان تعكسان إرثا جمعيا قهريا، بقدر ما تتغذيان منه.

الذات، الجمعية والفردية، المشطورة، بلغت ذروة أزمتها التاريخية في اللحظة التي أتمّت فيها جاهزيتها للتحول إلى وضعية المفعولية قبالة وضعية فاعلية أجنبية، وتحققت ذروة الأزمة تاريخيا بالسيطرة الغربية على الوطن العربي الذي كان قد خضع لحالة انقسام جغرافي وانقسام زماني بينما كان يعبر طريق الاستعداد الذاتي لقبول الاستعمار الأجنبي الغربي له.

كشفت صدمة الاستعمار، منذ البداية، عن غيبوبة الأمة التاريخية، وعن تخلفها عن ركب الحضارة الذي كان قد هجرها إلى أمم أخرى، في غفلة منها، وبالمقابل، في صحوة الأمم الأوربية الحديثة. وحركت الصدمة الاستعمارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر (عام 1798م)، الإحساس الأولي، البدهي، بأزمة الغيبوبة والتخلف، عبّرت عنه، كلمات قليلة، لكنها دالة، حكاها صاحب “الخطط التوفيقية” عن الشيخ الأزهري حسن العطار (1180-1250هـ الموافق لـ 1766-1835م)، الذي شاهد الفارق الحضاري بين الأمة وبين الغزاة الغربيين، فقال: “إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها”.

والمشكلة التي أدركها الإحساس البدهي لشيخ أزهري، أخطر، وأوسع، وأشد، من وصفه لها. فالتخلف المعرفي عرض لمشكلة المفعولية التي غيبت الأمة عن ذاتها، في ظلمة إرثها، والتي غيبتها عن الحضور التاريخي الفاعل، وعن الغيبة التي تفاقمت إلى أن استدعت حالة الاستعمار الغربي والتي دخلت فيها، في غيبوبة جديدة. بالوضعية الاستعمارية، تراكمت طبقات الغيبوبة على الذات الجمعية والفردية الراضخة لمفعولية القهر والانشطار. وجاء الاستعمار الغربي يحمل المغلولين بمفعوليتهم الذاتية على الرضوخ لأغلال مفعولية جديدة، تُعمِّق الأولى، وتفاقم مشكلتها، بطبيعة نوعية تصدرها حضارة أخرى، مختلفة النوعية، بأصولها ومعانيها، عن الأصول والمعاني الحضارية العربية الإسلامية. بات على الذات العربية الإسلامية، ومنذ بدء التماس مع الحضارة الغربية المتفوقة، أن تتقهقهر مشكلة المفعولية لديها إلى حالة جديدة من الثنائية الشاطرة، مختلفة نوعيا عن الحالات السابقة الذاتية، هي حالة ثنائية حضارية شطرت المشطور قبلا علىمستوى الذات الجمعية والفردية، إلى ذاتي وأجنبي، ومن ثم، إلى ديني هو الصبغة العامة للذاتي، وإلى دنيوي أجنبي، هو الصبغة العامة للغازي بعسكره وبحضارته الثقافية.

انبهرت الذات العربية، تحت وضعية مفعولية مظلمة، بالتقدم الحضاري الغربي، الذي، وبقابلية ذاتية، افترش حيزا كبيرا من الوجود العربي الذي كانت الفاعلية الحضارية قد هجرته، وأحالته إلى كيان خرب يائس يعلق الأمل (بمنطق واهم) على حياة أخرى، يثيبه الله فيها بالجنة عوضا عن خسارة الحياة الدنيا التي أفلتت منه، وصار أثرها عبئا يثقل كاهله المقهور الغائص في أوحال تخلفه والضائع في مجاهل ظلمات ذاته. استبان للذات العربية المسلمة، بعد اتصالها بالحضارة الغربية، أن حيازة المتعة ليست مرهونة بالآخرة فقط، فهي ممكنة في الدنيا، وبالجبلة الخلقية، يحب الإنسانُ العاجلَ، ويذر الآجلَ، والعاجل على هيئته الغربية، حاد، أخّاذ، لا تقاومه نفوس خربة مقسومة بين اشطارها، تنزف من صدوعها دم الحياة المقدامة التي سال إليها من التحقق التاريخي الرسالي الفاتح للنبوة المحمدية. تحولت الطاقة الحيوية السيّالة إلى داء “سيلان” أفسد أداة الفاعلية الحيوية الوجودية للذات العربية المسلمة، الجمعية والفردية، التي رزحت مساحة شاسعة من حضورها تحت عدوانية غازية حضارية.

طغت القسمة الجديدة للذات العربية المسلمة بين الخاص والأجنبي على أوجه القسمة الأخرى، التي لم تتلاشَ، وإنما تراجعت أهميتها، في الظاهر، قبالة أهمية المشكلة الناجمة عن طغيان المدّ الحضاري الغربي العدواني، الذي دفع حدود الوجود التاريخي الضيق للأمة، إلى مساحة تكاد لا تفي بالحاجة الضرورية للهواء الصحي. أطبق المدّ الحضاري الغربي حصاره على ذات تنتمي إلى تراث مغاير للتراث الذي أنتج الحضارة الأوربية، وكاد هذا الحصار المطبق أن يقتلع الذات العربية المسلمة من أصولها التاريخية بتعميق الصراع معها إلى مستواها التكويني التاريخي، ونجح، بفاعلية حادة، من توسيع الشرخ الذي أحدثه في البنية الفردية والجمعية للأمة، وإلى العمق الموازي لمستوى التكوين التاريخي لها. غير أن الذات العربية وتحت شدة وطأة الهجمة، لم تزل تتشبث ببقايا الروح التي بعثتها النبوة المحمدية، الكامنة تحت ركامات زمنية، المتحصنة في بؤرة عميقة، المضغوطة إلى حد القابلية للانفجار. فالحضارة الغربية الغازية تحوز قوة التمدد في مساحة التاريخ العربي الإسلامي، لكن قوتها، الدنيوية، تخذلها عندما تداعب مخيلتها أحلام اقتحام الحصن الأساس للذات العربية الإسلامية، وهو حصن إيماني مفتوح على الربوبية الشاملة للعالمين، بما فيهم الحضارة الغربية المعاصرة الغازية. لن يبلغ الخطر الغربي على الذات العربية المسلمة مستوى الربوبية الشاملة الذي يمثل بالنسبة للعربي المسلم بؤرة وجودية مفتوحة على المطلق، وعلى وجهها الآخر، فهي بؤرة مصمتة قبالة أية محاولة تطمع في تحديها. ورغم أن التحدي الغربي للذات العربية المسلمة يطال المفهوم الديني الأخروي، إلا أن هذه المطاولة تنتج من تفاقم التحدي الغربي للحضور العربي التاريخي الدنيوي، لا عن مواجهة مباشرة مع المفهوم الأخروي المستقل بذاته داخل منظومة المفاهيم الإسلامية، والذي حاز بهذا الاستقلال حصانة تؤدي فاعليتها المطلوبة في اللحظة التي يفلت فيها التحدي ضده من عقال معتد جامح. فالمفهوم الوجودي الأخروي العربي الإسلامي صامد في مواجهة تحدي حضارة الغرب الغازية، وهو صامد وراء جدار قلعة الوجود التي تلجأ إليها الأمم عندما يشتد عليها الخناق، صامد بينما سقطت المساحة الدنيوية التاريخية الوجودية للذات العربية تحت الضربات المكثفة للعدوان الحضاري الغربي، الذي ذهبت عدوانيته إلى ما وراء احتلال الأرض ونهب ثرواتها، إلى اقتحام عقل ووجدان العربي، وانتهاك تراثه وحضوره، فأوجد ذاتية عربية ضامرة تاريخيا، تمارس فاعليتها الوجودية ضد ذاتيتها، المشطورة قبل الاستعمار، والمشطورة اشطارها بعد الاستعمار.

استباحت الحضارة الأوربية الغازية دنيوية الذات العربية المسلمة بإنتاج مادي، هو معطى تاريخي لمنهجية عقلية ترفض التصور التقليدي للعقل العربي المعاصر بتراميه التراثي، الثنائي، والذي أعطى وضعية المفعولية لذات منغلقة منفصلة منعزلة، بينما الذات الأوربية الغازية ذات ناهضة منفتحة متصلة حاضرة، ولكن بخصائص مغايرة لخصائص الذات العربية المسلمة التي أعطتها دعوة النبوة المحمدية؛ فالأخيرة معطى تصور وجودي مطلق غير مقيد بالحياة الدنيا، والأولى معطى تصور وجودي دنيوي. فالمسلم يتكيف مع الحياة الكائنة برؤية تتجاوزها إلى حياة سوف تكون، ليس في الدنيا، سوف تكون في الحياة الأخرى؛ والأوربي الغازي يتكيف مع وقائع حياته برؤية تقيد هذه الوقائع بالكائن الآن، وبما قد يكون في حدود الدنيا. المواجهة بين العربي المسلم والأوربي الغازي ـ وكما هي في حقيقتها العميقة، وكما ينبغي أن تكون واقعيا ـ رؤيوية، وبرؤيتين واحديتين، تنسجان من الوقائع المتعددة والمتباينة تصورا عقليا واحديا، لكنه غير متطابق المدى، فهو، لدى المسلم، نسيج من وقائع تاريخية وأخرى فوق تاريخية، ولدى الأوربي نسيج من وقائع التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل فحسب. انطلاقا من هذا التصور، تتحدى الحضارةُ الغربية، بتوظيف تاريخي لطاقاتها، الذاتَ العربيةَ المعاصرة، التي تراجعت عن توظيف طاقاتها تاريخيا، وعلقتها على أمل حياة أخرى، لا يعدو، الأمل، أبعد من “حلم”، علقت النبوة المحمدية تحقيقة بالعمل الصالح، وفي الدنيا، فهو، وفي ظل الغياب عن العمل، لا يعدو أن يكون أملا فارغا. الذات العربية المعاصرة، تواجه التحدي الحضاري الغربي، بمفهوم أخروي، فارغ من محتواه التاريخي، لا لفروغه من المحتوى بذاته، فالتاريخ ينفي مثل هذا الاتهام، ولكنه فارغ من المحتوى لفروغ الحاضر العربي الإسلامي من عقل يعيد بعث المفهوم الأخروي، في تحقق تاريخي يتكيف مع متطلبات التحدي الذي يواجهه من حضارة غربية هي منتج انبعاث عقلي أوربي، نهض بالذات الأوربية من وضعية المفعولية التي كانت ترزح تحت نيرها، إلى وضعية فاعلية مقدامة، توسعية، عدوانية.

والفشل الذي انتهى إليه مشروع الاستقلال العربي المعاصر، في مواجهة تحدي الغزو الأوربي للأمة العربية الإسلامية، لا يقضي على إمكان تحقيق فعل نهضوي، وهو إمكان قائم في صورة “قوة” ما زالت قادرة على أن تبعث الذات العربية متجددة، موصولة بذاتها الأولى، غير مقيدة بها. أما تلك “القوة”، فلن تنبعث، أو تتحقق في لتاريخ المعاصر، إلا باعتبارها منتج رؤية عقلية واسعة، توحد الذات العربية المسلمة المعاصرة، مع تحققها التاريخي الماضي، مع التاريخ الإنساني، مع الحاضر على إطلاقه، أي: على إبداعه، مع المستقبل التاريخي وفوق التاريخي. فالرؤية المبتغاة، لا تلغي الحضور التاريخي الأوربي الغازي في الحضور التاريخي العربي الإسلامي المعاصر المهزوم، ولكنها تقلب الحضور الغازي على وجهه الأصيل، وهو الوجه العقلي الإنساني، النهضوي، المقدام، وتتعضون مع أصله، وعلى أرضيتها التاريخية الأصلية، أي بالأصل العقلي الواحدي لها، الذي يصون الذات العربية المسلمة من وضعيات الانشطار المتعددة، معوقات النهوض الجديد؛ وبالأصل العقلي الواحدي للذات العربية المسلمة، لا يظل الأجنبي الأوربي عامل تحد مدمر، بل يصير عامل تحد بناّء، يتمثله عقل عربي إسلامي إنساني واحدي، يفجر الطاقات الوجودية للنوع الإنساني، نحو تحقق إنساني تاريخي رسالي فاتح منفتح بمعنى “السلام” الذي وصف الله، رب العالمين، به نفسه في القرآن الكريم؛ الذي هو وصف الجنة أيضا.

السلام عالم واحدي يبدعه الحب. والحب، المبدع ـ بفتح الدال ـ على مذهب الواحدية، هو الأداء المبدع ـ بكسر الدال ـ لذات منفتحة على الآخر، ضمن علاقة مؤسسة على شريعة العدالة التي تضمن للفردية حرية التحقق، وتكبحها عن فعل استلاب حرية تحقق فرد آخر، له من الوجود باعتباره بعضه، حق مساو لحق أية فردية أخرى. وتحقق الفردية الذي لا يسلب تحقق فردية أخرى، هو فاعلية جمعية، أو هو فاعلية انفتاح فردي يعطي انفتاحا جمعيا بين فردي وفردي، بلا جور على الفردية، بلا جور للفردية على الجماعة. تصنع هذه الفردية عالمها الواحدي النسق الذي تنسجه ذات تحب الآخر، طالما كان الآخر بعض الأفق الجمعي للفرد، الفرد الذي يبلغ ذرا تحققه بالفاعلية الجمعية له ولغيره، أو منه وبه ومن غيره وبه. لكن الذي لا يحوز واحدية ذاته الفردية، لن يشع الواحدية الجمعية، فالبيت الخرب ليس سكنا، والذات المشطورة بيت خرب، والذات المشطورة لن تكون عماد بناء جمعي واحدي فاعل ناهض مقدام. والعقل، بفاعليته الحرة المنفتحة هو طوق نجاة سفينة تخوض غمار المجهول، بينما هي أشطار، لا يجمع أبعاضها إلا ذاكرة لم تفقد بعد قدرتها على استعادة ماضيها المجيد، ولا الأمل الذي ما زال يحدوها، أمل النصر في مواجهة تحدي الفناء الذي يتهددها.

العقل المنقذ، هو الذي وصفناه بأنه صورة الحق، ما تحقق، وما يقبل التحقق، لا في الزمان المنظور، وإنما في كل الأزمان التي ستتوالى، وتوالت، على وجود لم يبدأ ولن ينتهي. والعقل الذي هو صورة الحق المطلق من قيود زمان فان، هو العقل الواحدي، الذي هو معطى معنى وجود واحد يتحقق في كُثْر، كل فرد منه، من الكثر، يعيد توكيد المعنى الواحدي، فالمفرد فردي باعتبار كونه معطى وجوديا متناهيا في ذاته، بذاته؛ وهو، أي المفرد، معطى وجودي للامتناهي بانتمائه إلى وجود يندّ عن قيد الفردية المتناهية في ذاتها وبذاتها. العقل صورة تحقق الوجود المتناهي واللامتناهي، باعتبار فردية المتناهي ومطلقية اللامتناهي من قيد التناهي الفردي؛ العقل بهذه الرؤية الواحدية، يحوز أهلية تأسيس مشروع نهضوي تواجه به الأمة وضعية المفعولية التي وقعت في دائرتها الضيقة المنفصلة المنعزلة؛ فهو يحوز إمكانات إبداع فاعلية ذاتية فردية وجمعية باعتبارها معطى للعقل الذي هو صورة الحق. والحق هو الزمان، والزمان هو فاعلية الوجود، والوجود واحد متكثر، فالعقل صورة للواحد المتكثر، صورة غير منفصلة أو منعزلة عن الوجود، أي غير منغلقة، هي منفتحة، ينفتح بها الفردي على الجمعي، وينفتح بها الذاتي على الغيري، وينفتح بها الآن على الزمان الديمومي، تنفتح بها الدائرة المنغلقة للمفعولية المقهورة وتنبثق بها الفاعلية الناهضة البانية المحبة العادلة السلامية.

يواجه العقل الواحدي المشكلة الأم للواقع العربي الراهن/ مشكلة التبعية للأجنبي، وهي التي لا يمكن مواجهتها بمعزل عن هذا الأجنبي الذي لا ينفك عن التحدي العدواني للوجود العربي الذاتي الفردي والجمعي، بدوافعه الطامعة في تحويل الحضور العربي المعاصر، وعوامله الحيوية، إلى موضوع لحضوره هو، بالجور على ما هو حق وجودي للآخر، وباستلاب حريته في إبداع حضور تاريخي متميز مستقل بذاته، ومساهم، بتميزه، في إبداع حضور إنساني وجودي، يسع المفهوم الوجودي الغربي (الدنيوي) للإنسان، ويتجاوزه بمفهوم الدين الأخروي للفاعلية الإنسانية. أبدع العقل الغربي، الحديث والمعاصر، انفتاحا إنسانيا دنيويا على الوجود المطلق. وتراجع العقل الإسلامي عن مواصلة التقدم الذي أحرزه في عصور الانبثاق والتكوين والتحققات التاريخية الأولى، لكنه ظل يحكم روابطه بالمفهوم الأخروي للوجود الديني للإنسان، في دائرة منغلقة على ما بعد الحياة (الدنيا)، ومن ثم، صارت الحياة الدنيا الإسلامية العربية دائرة منغلقة أيضا، منغلقة على ذاتها، في وضعية المفعولية، الوضعية التي استباحها المفهوم الغربي، الثقافي والتقني، للحياة الدنيا،  وفرغها من قيمة تراثها، وأحال تراثها إلى عبء يثقل كاهل حركتها التاريخي؛ فالتراث الذي لا تستطيع ذاتية إنسانية الانفصال التام عنه، يستحيل إلى قيد يغلّ الإرادة النهضوية، عندما يصير هذا التراث عامل تشطير للذات، لا عامل توحيد. ونجح المفهوم الحضاري الغربي في إيهام العقل العربي الإسلامي المعاصر بأنه لن ينطلق من ظلماته إلا بالخروج على تراثه، أي بالانفصال عن زمانه الماضي. والانفصال عن الماضي وهم لا يجيزه عقل هو صورة الحق. فإذا كان الواقع “حقا”، فالحضور العربي الراهن واقع “حق” لا ينفصل عن ماضيه، أي: عن تراثه الديني، وخاصة الأخروي. فالوهم الذي عشعش في العقل العربي، الذي ظن به أن خروجه من دائرة النفي المظلمة، مشروط بالانفصال عن ماضيه، هذا الوهم كاذب، لفقدانه شرط التعامل العقلي ـ العلمي ـ مع الواقع العربي والإنساني كله. فالواقع العربي الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه التراث حضورا فاعلا واسعا؛ والواقع الإنساني الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه فعل عدواني ناتج عن توظيف إرادة ضيقة أنوية لفاعلية عقلية منفتحة بضرورة انفتاح الطبيعة العقلية المجردة من التوظيفات الأيديولوجية المنغلقة بضرورة طبيعتها. الواقع الإنساني الراهن واقع تحت هيمنة عدوانية إرادة غربية، تقتضي عدوانيتها تجريد الآخر من عوامل القوة المؤهلة للدفاع عن الوجود الذاتي ضد هجوم عدوان مضاد بمفاهيمه الوجودية (الدنيوية) للمفاهيم الوجودية العربية الدينية (الأخروية التي تسع الدنيوية). فالواقع الإنساني العام الذي يفرض هيمنته على الواقع العربي الراهن، هو واقع عدواني أدلج العقل ـ الإنساني المنفتح ـ لتعميق عدوانيته، والعقل الأوربي المؤدلج هو الذي يتحدى الواقع العربي الراهن، يتحداه على وجهيه: وجهه العقلي المجرد، ووجهه العقلي المؤدلج، ومشكلة التحدي تكمن في أن العقل المجرد غير قابل للتحقق التاريخي إلا في صورته المؤدلجة، فالعقل المجرد، المعطى الغربي، دخل الحياة العربية في سياق اقتحام غربي لها، أي: دخلها باعتباره عاملا عضويا في عقل مؤدلج لخدمة مصالح الغرب العدوانية التوسعية؛ أما افتراض إمكان ردّ العقل الغربي إلى العقل المجرد، والتعامل مع الأخير كمعطى إنساني بريء من غرضية الأيديولوجيا، فإنه، أعني هذا الافتراض، وهْم لن تقل خطورته عن التعاطي مع العقل الغربي على ما هو عليه، فهو وهْم لأنه ينافي مفهوم العقل الذي هو صورة الحق، فالعقل الأروربي صورة الواقع الأروبي، الأول معطى للثاني، والأول والثاني عناصر كينونة واحدة تنعكس في الحضارة الأوربية التي صنعت عقلها، وصنعها عقلُها، العقل الأوربي الصوري والتطبيقي عقل حامل للخصوصية الأوربية بقدر ما هو محمول لها، والإشارة إلى عقل تجريدي لا تعني إلا أنه يجوز، لأغراض إجرائية بحثية، تصور وجود هذا العقل، وحقية هذا التصور لا تعدو كيانيته التصورية.

مشكلة تحدي العقل الغربي للعقل العربي الإسلامي أعمق مما خال للفكر العربي المعاصر الذي أعوزته رؤية عقلية واحدية لا تغفل لحظة عن فاعلية ارتباط عوامل تكوين العقل وتكوين الوقائع أيضا، وغياب الوعي بفاعلية ارتباط عوامل التكوين ينتج وهما، ينتج بدوره الوقوع من جديد في منزلق التبعية الحضارية للغير العدواني، فالتبعية لا تحصل إلا للعدواني، والتبعية للعدواني تعميق للشرخ الذي تعاني منه ذاتية راضخة، في دائرة المفعولية، لواقع يسلبها حق التفتح التاريخي، التفتح الذي لا يحصل باستيراد معطيات حضارية أجنبية عن البيئة الذاتية، هي معطيات ستجد فرصتها للنمو، ولكنه نمو يخرب الأرض ويفسد الهواء، وينتج ذرية مشوهة ومعوقة وتائهة في غيبوبتها عن ذاتها وعن الآخر أيضا. والرد على التحدي العقلي الغربي بمنهج تعريبي يمحي المسميات الأجنبية بمسميات محلية، ليس هو التحدي القادر على مواجهة الخطر الداهم القادم مع غزو حضاري قوته الفاعلة العقل الباني للحضارة الغازية، المبني لها، فالسلاح الذي يحارب به مقاتل هو سلاح فاعل طالما بقي سلاحا يحارب به هذا المقاتل، ولكنه سلاح قاتل لمقاتل آخر يحارب بسلاح ليس سلاحه؛ والحضارة الأوربية، بما فيها العقل الأوربي سلاح يقاتل به الأوربي، فالسلاح والمقاتل كينونة وجودية واحدة تترابط عناصرها ترابطا ينتج فاعلية واحدة، هي، بالرد إلى الذات العربية المسلمة، فاعلية عدوانية صادرة عن العقل الغربي الغازي، الذي هو الأداة الأكثر حدّة في معركة الغرب ضد العالم غير الغربي بما فيه العالم العربي.

كل منتج حضاري، ومهما قلّ شأنه، يحمل مفاهيم وخصوصيات ثقافية. وعندما تتعاطى أمة مهزومة حضاريا مع منتج أجنبي، فهي تزيد إلى مشكلة مفعوليتها مشكلة أخرى تتفاقم بها هزيمتها وتتضاعف تبعيتها وغيبوبتها عن ذاتها وعن غيرها وما يصح الحكم به على أمة مهزومة لا يصح الحكم به على أمة حاضرة في التاريخ بفاعلية، فالأمة القوية تتعاطى مع منتج حضاري أجنبي بروح “العزة”. القوي عزيز ممتنع على التبعية للغير، والمهزوم ذليل مستباح لكل عدوان.

النهضة إرادة رافضة للهزيمة الرافضة في دائرة المفعولية، والعزة هي الحالة الشرط للنهضة. النهضة العربية الإسلامية المطلوبة ذات بُعد تقني، فهي لا تتوهم أن بإمكانها مواجهة تحدي الحضارة الغربية المعاصرة بمنتج تقني ينتمي للزمان القديم، هذا التوهم صورة للانفصال عن المعطى العقلي الإنساني المنفتح زمانيا ومكانيا، ورفض العقل النهضوي العربي المفترض للحضاري الغربي ليس رفضا للانفتاح على ما هو منفتح، العقل الناهض انفتاح، هو فتح للمغلق، وفتح المغلق انفتاح، هكذا كل فعل ناهض مناهض للعدوان الذي هو ـ العدوان ـ الحالة المضادة للانفتاح. ولكن الانفتاح على الآخر لا يعادل الانسلاخ عن الذات؛ المنسلخ عن ذاته لا ينفتح على آخر، ينفتح على الآخر موصول بذاته، أو منفتح على ذاته، ومن انفتاحه على ذاته يتأسس انفتاحه على الآخر. النهوض فعل يبدأ من الانفتاح على الذات، ويواصل فاعليته بانفتاح الذات على الآخر، بتنامي انفتاح الذات على ذاتها. فالانفتاح على الآخر هو فعل تنامي الذات المنفتحة على الوجود الذي يبدأ بالنسبة لها من أصلها الذاتي ويتواصل في تحققات أخرى للأصل الذاتي، الذي يكشف تغوره عن أصليته للذاتية الإنسانية كلها. فالفعل الناهض من الأصل الراسخ في الغور الوجودي الإنساني، فعل منفتح على التحققات الإنسانية المنفتحة لا الراضخة لحالة العدوانية. لا يقدر الفعل النهضوي العربي الإسلامي على الانغلاق على المعطى النهضوي الغربي، شرط أن يتعاطى الأول مع الثاني “من فوق”. هذا التعاطي القوقي لا يضمر احتقار المعطى النهضوي الغربي، هو يخلِّص الأخير من حالة الرضوخ للعدوانية، فالفوقية، برؤيتنا الواحدية، شرط انطلاقة الفاعلية الإنسانية من قيود الدوائر الضيقة المحصورة في أغلال الكراهية إلى واسعية الوجود التي يشرق فيها حب يعطي السلام للناس أجمعين. الفوقية التي نشترط على الفعل النهضوي العربي أن يتعاطى بها مع المنتج الغربي، هي ضمانة مشروعة للأول تصون سلامة ذاته الناهضة في معركة تحدي عدوانية الغرب. تحصل هذه السلامة بإعادة صياغة المنتج الحضاري الغربي ليلائم بيئة جديدة تمتد من غور الوجود الإنساني إلى ذروته العليا، التي يحوز التصور الإسلامي إمكانات تجليتها ابتداء من أصله الأعمق، وتناميا، بفاعلية جهادية، إلى درجة “ظهور الإسلام بإرادة رب العالمين على الدين كله”.

العزة، ومعطاها: الفوقية، شرطان للفعل النهضوي العربي الإسلامي المطلوب. والجهاد، بتحققات منفتحة، أداة النهضة المطلوبة. مقولات العزة والفوقية والجهاد تؤطر، مبدئيا، منهاجا نهضويا عربيا عقليا وتنفيذيا، يتوحد به الأخلاقي مع النفعي والذات مع ذاتية الآخر، والحادث مع المطلق، وهذا كله على أساس ذات عامرة بذاتيتها الواقعة في الآن والمترامية في الزمان كله. العزة والفوقية والجهاد مقولات منهج نهضوي أصلي يتنامى من الجرثومة الوجودية للكينونة العربية الإسلامية التي تجلت تاريخيا في فتح النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمكة، الذي كان أول الفتح بتجلياته التاريخية، أول انتصار إسلامي لربوبية الواحد، المطلق، الله، نور السموات والأرض، على تعددية الأرباب الميتة التي كان يعبدها العرب المشتتون الضالون. ثم انطلقت الحركة الإسلامية الجهادية، قوامها المجاهدون المأمورون بـ “وجاهدوا في الله حق جهاده”، الذين ساحوا في الأرض ليخرجوا الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ضيق الخلق إلى سعة الخالق. وبالخروج من ضيق الخلق إلى سعة الخالق تتعمق مقولة عزة المؤمن التي أسست فعله الجهادي، والتي ترفعه إلى حالة الفوقية، الواسعية، ليتوحد، بمقولة العزة، بصفة جمعت، في نص قرآني،
بين الله جل جلاله والرسول الفاتح صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فالمجاهد، حاضر تاريخي فائق، منفتح على الجماعة المؤمنة، وعبر الرسول الفاتح، منفتح على الألوهية المطلقة الوجود، فإذا كان ثمة صفة تطابق الموصوف بالنهضة فلا صفة أدق وأحكم وأشمل من صفة المجاهد، الذي يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، الذي يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا، ويعمل للآخرة كأنه يموت غدا.

النهضة فعل جهادي تواجه به الذات مهزوميتها، وتواجه به عدوانية الغير، ووفقا للتراث العربي الإسلامي، الجهاد جهادان: جهاد النفس أو الجهاد الأكبر، وجهاد العدو، وفي الحديث: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فالجهاد الأصغر، ضد عدو، حالة مشمولة بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، الفردي الجماعي، ومعنى الجهاد النفسي التحرر من الرضوخ في مضائق الوجود، والانطلاق في الواسعية التي يعبر إليها المجاهد من ارتباطه مع النبوة، وبها، ومع الألوهية، وبها، في معنى العزة، التي يرقى بها المؤمنون إلى “فوق”: فوقية الإيمان، فوقية الذات الفردية والجمعية على حالة المفعولية، الوضعية الميتة التي تقابلها وضعية حية للمجاهد، ليس فقط قبل الموت الحيوي (الدنيوي)، ولكن بعده أيضا، فالفوقية الإيمانية تعال على ضيق الدنيا، ونفي للموت، ببعده الوجودي. الفوقية صورة لللانفتاح على المطلق، الذي ينفتحه المؤمن بعزة، ويحققه تاريخيا بالجهاد. والانفتاح على المطلق، هو فاعلية المشروع النهضوي العربي الإسلامي المطلوب، الذي ما زال يتعثر لاصطدامه بعقبة الفرد المغلول في أسر دائرة المفعولية الراضخة تحت نير القهر الواقع على الذات الفردية والجمعية. التحرر من القهر هو الخطوة العملية الأساسية للبدء في تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة. وتلد هذه الخطوة الأساسية من قرار إرادة نهضوية عزيزة منفتحة على ذاتها أولا، وعلى الآخر ثانيا، وعلى ذاتها والآخر معا؛ لتحوز الذات بهذا كله أهلية عقلية واحدية تجمع عوامل تكوينها المعاصر في فعل مقدام لا يتردد عن المُضِّيِّ، بقوة ووضوح، من اللحظة الراهنة، إلى مستقبل لا يلغي الماضي، ولكن، مستقبل يعمق فيه العربي المسلم حضوره في الزمن الراهن، إلى مستوى عمقه التاريخي، وعمقه الوجودي الضارب بجذوره إلى لحظة آدم، باعتبار هذه الأخيرة تحققا تاريخيا للإرادة الإلهية المطلقة؛ باعتبار هذه الأخيرة، الفعل الخالق الدائم للخلق المحدث المستمد لوجوده من إحداث الدائم له، الذي يتجلى تاريخيا في تمثل الخلق للإحداث الدائم بإحداث الطاعة المبدعة للدائم.

النهضة إرادة مقدامة أداتها الفاعلة جهاد يحرر الذات من حالة الانشطار التي استدعت عدوان الأجنبي، واستدعت طيَّه مزيدا من الانشطار الفردي والجمعي. الجهاد هو وحده المؤهل للتفوق على حالة الانشطار، والعزة هي الشرط اللازم لانطلاقة حركة جهادية مبتدعة، مبدعة، توحد الذات الفردية والجمعية في مواجهة هزيمتها قبالة تاريخها، وقبالة العصر الراهن. والعزة هي الشرط الضامن للتعاطي المأمون مع الغير؛ وبالفوقية، ومعطى العزة، لن يتأتى من التعامل مع الغير خطر تعميق التبعية العربية الحضارية الراهنة للغرب العدواني، وإنما يتأتى الانتفاع بالمنجز الحضاري الغربي بشروط أخلاق الحضارة العربية، ولتكريس هذه الأخلاق بإنجاز نهضوي عربي إسلامي جديد، ينفتح على الآخر، انفتاح المؤمن، بالنبوة، على الله رب العالمين. وإرادة نهضة عربية إسلامية جديدة مرهونة بوعي واضح وقوي بالحاجة إلى التمايز الحضاري الرسالي الذي أفرد حركة المسلمين الأوائل بمعانٍ قيمية عليا، استوحتها من مصدر الوحي العالي علوا مطلقا. والدور الرسالي يعطيه فرد كريم على نفسه وعلى جماعته أما المهين، فهو مجلبة للعار والدمار. والكريم متوحد مع ذاته ومع جمعيته، كيانيا حيويا ثقافيا.

التوحد، فيما نحسب، هو منهاجية المشروع النهضوي العربي المعاصر المطلوب والمنوط بالعقل العربي المعاصر مهمة إبداعه. يتحدى الواقعُ العربيُ الراهنُ عقلَه بمشكلات انشطاراته بين اقسام الزمان من جهة، واقسام المكان من جهة أخرى. ويمكن للعقل العربي المعاصر أن يحوز أداة فاعلة يتحدى بها مشكلات واقعه المشطور المعاصر، تحوز بدورها، نعني الأداة، قدرة اختراق الراهن في اتجاهات الذات المتعددة، دون الانفكاك عن الأصل، أو الانفكاك عن الحاضر، وليس بالضياع في مسافة تُباعد بين الأصل والحاضر، إذ مهمة المشروع العقلي العربي المطلوب، إبداع واحدية الأصل والحاضر، أو إبداع الحاضر من الأصل الذي لا يتنافى معه، أي الأصل الأشد واسعية، المؤهل لإبداع لحظة آنية، غير منفصلة ولا منعزلة عن الزمان الساري من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، من الفردي إلى الجماعي، من الذاتي إلى الإنساني، من البعض إلى الكل، ومن الكل إلى البعض. والجهاد أداة تحوز إمكانات تحقيق المنهاجية الواحدية، المؤسسة لمشروع نهضوي عربي مطلوب، يبدعه العقل العربي المعاصر.

الجهاد قرار إرادة، لا يصدر عن حالة قوة حضارية، الأخيرة هي التي تصدر عنه، القوة معطى الإرادة، وحالة الوهن العربي الإسلامي الراهنة معطى غياب الإرادة النهضوية. والإرادة غير الأماني، الإرادة تستوجب أداة فاعلة، الجهاد أداة فاعلة، توحد إمكانات الذات التاريخية والبيئية، على مستويي الفردي والجمعي، بفاعلية مبادرة، متحررة من أسر القهر، منبثقة من الأصل الوجودي الفردي، الجمعي، الكلي، في لحظة واحدية، ومن ثم، مقدامة، تبدع تحققات جميع ممكناتها الحيوية، ليست عدوانية، بل فاتحة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور.

الجهاد مفهوم يفيض عن استخدام القوة في معركة يتواجه فيها عسكران. هو مفهوم يسع، ويفيض عن، مشروع نهضوي متكامل، تتطلع إليه أمة، باعتباره معطى حضاريا لها، يبدع حاضرا موصولا بالمستقبل: “الغيب”. هذا الأخير، الذي يحوز إمكانات مفتوحة على المطلق الوجودي، تعطي الراهن (الدنيوي) الأمل المتدفق نحو غد أشد جمالا وسعادة وسلاما من اليوم، غد لن يحمل طيّه نعيّ الحياة، ولكنه يجدد البشارة بحياة لا يغلبها الموت. ونصَّ القرآن الكريم على أن الذين يقتلون في سبيل الله “أحياء يرزقون”. الموت ليس ذروة الجهاد، فالجهاد فعل مفتوح، وجهاد النفس جهاد أكبر، وجهاد النفس فعل يحرر الذات من أغلال قيودها، أو من دائرة مفعوليتها، ويسمو بها، إلى دائرة فاعليتها؛ ومشكلة الواقع العربي الراهن هي مشكلة الرضوخ في دائرة المفعولية، ومهمة المشروع النهضوي العربي المطلوب، هي تحرير الذات، الفردية والجمعية، من دائرة المفعولية والسمو بها إلى دائرة الفاعلية. الجهاد الأكبر مقولة مفتوحة غير جامدة في زمان، هي فعل التكيف مع ما هو واقع، والواقع الراهن غير متطابق مع الواقع القديم، فإذا قام اليوم جهاد أكبر، فلا يجيء قيامه تكرارا لجهاد أكبر جاهده السلف العظيم، ومع أن جهاد اليوم المطلوب، وجهاد الأمس المنصرم، معطيان لأصل واحد، فهما معطيان متمايزان، هما معطيا أصل واحد متمايز بتحققات كُثْر، يغزلها التاريخ المتجدد.

المهمة الأساسية، أو التحدي الحضاري الأشد، الذي يواجه العقل العربي المعاصر، هو، أو هي، إبداع مشروع نهضوي معطى لأصل يغزل التاريخ تحققاته، باعتبار التاريخ فاعلية إنسانية متجددة، وباعتبار الأصل وجودا يحضر حضورا بائنا، ويكمن، ولكنه لا يفنى؛ وباعتبار النهضة إرادة جهاد تصنعها ذات انتصرت على تحديات انشطاراتها، فانتصرت على مفعوليتها؛ وباعتبار العقل فاعلية الانفتاح بالفردي على الكلي، وبالكلي على الفردي، انفتاح الفردي على الفردي، والتاريخي على التاريخي، انفتاح الحب بالحب، والسلام بالسلام، والحب على العدل، (و) على السلام.

[ح‌م‌1] القسم الثاني

شرط الواحدية

تشترط الرؤية الواحدية للمشروع النهضوي العقلي العربي المرجو، التزام هذا المشروع بمنهج عقلي يسع الماضي والحاضر والمستقبل، غير مغلول بالتراث الفاعل في الحاضر، وغير مغلول بالمعاصرة على هيئتها الأجنبية؛ وينتمي إلى الحقيقة الوجودية المطلقة، الواحدية، ويدور في فلكها، الفلك الذي لا يقيد حركة، ويطلق كل حركة، طالما الغاية هي حب وسلام بالعدل لا بالجور؛ فإن هذه الغاية، حلم يتساوق مع الحقيقة الرابضة في الوجود، وفي الزمان، وهي حلم التاريخ الإنساني، جاهدت إرادة النهضة العربية الإسلامية الأولى في سبيلها، وجاهدت الإنسانية، ولم تزل، في سبيلها؛ يتغياها العقل المطلق من دوائر الذات الضيقة الظلوم، وينشدها وجدان الفن وتخلقها صوره. إن العدل الذي يجمع الحب والسلام، إنما يجمع خلقا من الجمال الذي ينبثّ في حنايا الوجود، وفي خبايا العتمات.. هناك، كالعذارى، يرقبن مولد عاشق يفضّ بكارة الليل، لتصدح الجوقات من كل نوع وكل لون، بأهزوجة النماء، ينشدها أطفال جاؤوا لتوهم، من نقطة انبثاق كل مجيء.. من أصل واحد، لوجود واحد.. تحقق في التاريخ وحيا دينيا محمديا..

***

ما علاقة فكرنا العربي المعاصر بالمطلق الوجودي، أصل الوحي الديني العربي الإسلامي؟ هل دنا الفكر العربي النهضوي المعاصر من شرطنا الواحدي؟ لا يزعم واحدي أنه يحتكر الحقيقة؛ ولكنه يعشقها، ويرنو إليها، ومن هذا العشق الراني إليها، نقدنا ثلاثة من الاجتهادات الفكرية العربية النهضوية المعاصرة، على أمل أن نشارك في صياغة للحلم النهضوي، لن تفيض عما أهلتني له قدرة أحسب أنها مقيدة بالفردية التي لا تحوز ذاتٌ إمكانات التفلت منها ولو شاءت. والحق الذي أباح لي نقد ثلاثة من النماذج الفكرية، يبيح نقدي، وأستبق كل نقد، فأزعم أنني لم أبلغ غاية المنى، وقد يكون ما بلغته شيئا من المنىالذي لا يقوى على مواجهة الواقع.. ولكن، إنما يستحق الحياة، أولئك الذين يمتطون موج البحر، وينهضون لمدافعة الهلاك.. فإذا ابتلعتهم ظلمة حوت، نالوا الشهادة.. والجنة.

زكي نجيب محمود

ثنائية العلوي والسفلي!

بدأ زكي نجيب محمود العناية بقضية التراث والمعاصرة بكتابه “الشرق الفنان” الذي صدر عام 1960م، والذي كان، يقول صاحبه، حجر الزاوية في بناء فكر جديد له[1]، شرع في تأسيسه بعدما كان يتبنى، بحرارة، الدعوة إلى الثقافة الغربية، بمنهاج الفلسفة الوضعية.

مايز مؤلف “الشرق الفنان” بين ثلاثة أنماط فكرية، قال إنها ظهرت في تاريخ الإنسان المتحضر، هي: حدس الصوفية التي أبدعها الشرق الأقصى؛ والعقل اليوناني القديم، والغربي كله من بعد؛ ونمط ثالث جمع النمطين السابقين “الضدين”، في كيان واحد فيه حدس المتصوف ومنطق الفيلسوف، هذا النمط الثالث هو الحياة الثقافية العربية، فـ “من ذا الذي يُذكر له التراث العربي، فلا تقفز إلى ذهنه أسماء لوامع كالجاحظ والمعري وابن سينا وابن رشد وابن خلدون، ومعهم رجال من أمثال الحلاج وابن عربي؟”[2].

يرى زكي نجيب التراث العربي نسيجا متآلفا “بين فكر عقلي منطقي ووجدان صوفي وشعري”، وهو ما تعكسه اللغة العربية، كما خُيـِّل لزكي نجيب، بتعقبها، وقد ركبت تركيبا يحمل الجانبين معا، “فهي منطقية إلى حد بعيد، إذا قيست إلى غيرها من اللغات، ثم هي مشحونة بشحنات وجدانية إلى حد بعيد كذلك”[3].

وهذا النسيج الثقافي العربي مركب ازدواجي، بدا لزكي نجيب وكأنه سمة بارزة “يمكن أن تكون أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة، تصون أصالتها، وتساير عصرها في آن واحد”[4].

وعى زكي نحيب ازدواجية الثقافة العربية التراثية، لكنه لم يرَ فيها مشكلة، وإنما رأى أنها الأساس الذي ينبني عليه حل مشكلة المشروع النهضوي العربي المعاصر، رآها “وكأنها قابلية فريدة”[5] لنهوض معاصر يواصل الازدواجية الثقافية العربية التراثية.

يمثل تراجع دور العقل في ثقافة أمة، عاملا أساسيا، ولعله حاسم، في تشطير الذات الفردية والجمعية. والعقل في الثقافة العربية التراثية، لاحظ زكي نجيب، تابع للوجدان ـ الإيمان الديني لدى زكي نجيب من هذا الأخير ـ الذي ، أي الوجدان، يحقق نوازعه بالنشاط العقلي[6].. ويفسر زكي نجيب تبعية العقل للوجدان في الثقافة العربية القديمة، الممتدة بهذه الخاصية، في تقديره ـ وهو صحيح ـ إلى الثقافة العربية المعاصرة، يفسرها بالتفرقة الحاسمة بين الله وخلقه، هذه التفرقة، وصفها بأنها تمثل “صميم الثقافة العربية” كلها[7].

لا تتوقف العلاقة بين الوجدان والعقل في الثقافة العربية عند هيمنة الأول على الآخر، بل تذهب هذه الهيمنة، لطبيعتها، إلى حد أبعد، وبحكم ما يطلبه كل من طرفيها، يقول زكي نجيب: إن “كلا منهما يطلب ما يتنكر له الآخر، فالعقل يطلب أن تقام البراهين على كل فكرة يتقدم بها صاحبها إلى الناس؛ وأما الوجدان، فيقبل ما يقبله، ويرفض ما يرفضه بلا برهان”[8].

النتيجة المباشرة، الصريحة، لعلاقة التناكر ما بين العقلي والوجداني، المعطاة لعلاقة هيمنة الوجدان على العقل، هي أن مركبا ثقافيا من وجدان يهيمن على العقل، ويتنكر له، هو مركب مشطور، وليس نسيجا متآلفا، كما سبق لزكي نجيب وصفه، عندما تحدث عن السمة البارزة في الثقافة العربية التراثية، التي رأى فيها أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة.

ويبالغ زكي نجيب في التفريق بين العقلي والوجداني [لديه: العلمي = العصري، والديني (الوجداني) = التراثي]، ويرى أنهما قابلان للانفصال النهائي، بالتحقق، كل على حدة، في أفراد الأمة، تحققا يغلق على الآخر منافذ له، فيكون هناك فرد عقلاني فقط، وفرد وجداني فقط، يقول: إن اللقاء بين الجانبين لا يشترط له أن يتم في الفرد الواحد، ويكفي أن يتحقق في مجموعة من الناس التي يتكون منها “أمة” ذات ثقافة متميزة، فيكون من أفرادها من هم أصحاب تفكير عقلي، ومن هم أصحاب حالات وجدانية”[9]. ثم يقول، وفي الموضع ذاته: “يؤمن المؤمن أولا، ثم لا عليه أن يتناول بالتحليل العقلي ما آمن به”. يوكد النص الأخير هيمنة وأولية الوجدان على العقل في الثقافة العربية، وهو يعكس تراجعا سريعا، لكنه ظاهري، لدى صاحبه، بالقياس إلى النص السابق مباشرة. فبعدما أجاز للوجدان أن يحتل، بالكامل، ذات فردة، أجاز له، للوجدان أو للوجداني، إمكان دخول العقل إلى دائرته، لا دخول الفاعل بطبيعته، بل دخول المفعول المقهور بفاعلية مفعول قاهر هو الوجدان. فالوجدان، معزولا في ذاته، مفعول، والعقل مقهورا بالمفعول، مفعول. فالوجدان الذي يهيمن على العقلي، حالة مفعولية؛ وإجازة وجدانية بعض من الأمة،ثم إجازة توظيف العقلي للوجداني، هي إجازة للانشطارية التي تعاني منها الأمة، تاريخيا، وفي العصر الراهن. ويعمق زكي نجيب حالة الانشطار المعاصرة، بعزل العقل في بعض الأمة، عزلا مستقلا؛ أو عزله في منفى الوجدان، وتحت هيمنته. وعزل العقل، فصل للحاضر عن الماضي، وللعقلي عن الديني، وللذات عن الغير، هو فصل زماني ومكاني، لا يمثل “قابلية فريدة” تمتاز بها الثقافة العربية ولا تمثل أساس نهوض جديد. ما إجازات زكي نجيب “العزلية الفصلية”، إلا انعكاس حالة المفعولية التراثية التي ما تزال تهيمن على الواقع العربي الراهن، بما فيه العقل العربي المعاصر.

لم يفلت زكي نجيب محمود من مفعوليته الثنائية التي شطرت الوجود، الكلي والفردي، إلى اثنين، يحد كل منهما الآخر. وكان فكره، أو مشروعه العقلي، في مرحلتيه، دليلا على استمرار حضور مشكلة الثنائية التراثية في الواقع العربي المعاصر، التي تولّد عنها، مشكلة التراث والمعاصرة العربية الإسلامية الراهنة.

اعتنق زكي نجيب محمود في مرحلته الفكرية الأولى، فلسفة حددها بأنها “طريقة بغير موضوع”[10]، وصاحبها لن “يقول للناس خبرا جديدا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء”[11]، فليس من غاية فلسفته “أن تبحث عن مسائل لتصل فيها إلى نتائج عن حقائق الكون”[12]. تحصر المدرسة الفكرية التي اعتنق نجيب فلسفتها، رؤية الباحث العلمي في حدود ما هو واقع؛ “أي في حدود ما هو ظاهر لأعضاء الحس وأدوات التجربة”[13]. ولا تتمادى هذه الرؤية في تغور الوقائع الكامنة، ومن ثم، تظل الوقائع الكامنة دوائر مغلقة، ويراها الباحث منفصلة، ويتعامل معها باعتبارها هذا، أي: وقائع منفصلة لا تكشف عن شيء غير تناهيها، فتنتفي بهذه الرؤية ارتباطات الواقعة المفردة بواقعة أو وقائع مفردة أخرى، وتكتسب كل واقعة مفردة، بها، مشروعية وجود مطلق في ذاتها، وفي علاقاتها مع الغير، التي لا تلغي، على أي مستوى، استقلالها التام.

يعود معتنق زكي نجيب الفلسفي، الوضعي المنطقي، أو التجريبي العلمي كما ينعته، إلى الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم (1711-1776م) الذي كان يرى الواقع مجرى من الانطباعات “أسبابها مجهولة وغير قابلة للمعرفة”، وقد رفض العلية، وحصر موضوع المعرفة الأصلية في الرياضيات، ونفى إمكان معرفة الوجود، وقرر أن جميع الآراء في الموجودات تنطلق من التجربة[14].وأصدر هيوم حكما على كل كتاب ـ كائنا ما كان ـ في اللاهوت أو في الميتافيزيقا، بالحرق، إذا كان لا يحتوي أي تدليل مجرد يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الوقائع القائمة في الوجود، فإن مثل هذا الكتاب “يستحيل أن يكون مشتملا على شيء غير سفسطة ووهم”[15]. وحاكى زكي نجيب المدرسة التحليلية الجديدة، المنتمية إلى هيوم، فحصر المعرفة العلمية في نوعين “لا ثالث لهما: وهما الرياضة والعلوم الطبيعية”[16].والدين، أهم عوامل التراث العربي، ليس رياضة، ولا علوم طبيعية. هو نشاط وجداني، لا يسعه النشاط العقلي، عماد النهوض المعاصر، الذي لن يلغي، في مشروع زكي نحيب، ثنائية العقل والوجدان في الفكر العربي المعاصر، وسيظل هذا الفكر، يحمل الآفة الثنائية القديمة التي صاحبت العقل العربي منذ بواكيره الأولى، والتي تحققت تاريخيا في انشطارات متعددة ورثها الواقع العربي الإسلامي الراهن.

ضيقت دعوة زكي نجيب فاعلية العقل وأقامت قبالتها فاعلية الوجدان الذي يمثل الدين عنصرا بارزا فيه، فجدد ثنائية المعقول والمنقول، وما يرتبط بها من ثنائيات فكرية أخرى عانى منها التراث العربي الإسلامي العقلي، وفرخت شرورها الثنائية في التاريخ العربي الذي نقلها إلى الواقع الراهن، المبتلى بثنائية مستحدثة، هي ثائية الذاتي والأجنبي، والتي يعكس مشروع زكي نجيب العقلي نموذجا لها؛ إذ هو مشروع محصور في معطى حضاري أجنبي، منقول قسرا إلى بيئة حضارية ذاتية، لم يتوحد بها، فهو ينكر عاملها الأهم، عامل الوجدان أو الدين، باعتباره حقلا ممكنا للنشاط العقلي، أو لاعتباره “سفسطة ووهما”.

الثقافة العربية نسيج محوره الدين. ومشروع عقلي لا يسع الدين، لن يسعها، لن يعالج مشكلاتها، ولن يؤهلها للنهوض المعاصر. الدين أهم عناصر الثقافة العربية، هو حكم تفسيري قيمي لوجودها، ما يحضر منه، وما يغيب عن الشهود، فهو يقول خبرا جديدا، ويصدر أحكاما، هو موضوع. معتنق زكي نجيب، لا يبحث عن حقائق الكون، هذه الأخيرة التي تمثل المرتكز الأقصى للدين، وبهذا الاعتبار، فالدين خارج دائرة مشروع عقلي وضعي.

لم يخلص زكي نجيب لمشروعه الوضعي تمام الإخلاص. ظل يدعو لموقفه الفلسفي الوضعي بعد أن تخلى عن “اغترابه” في الحضارة الغربية، الاغتراب الكامل في الظاهر. كان يستبطن تراثه الذاتي، الذي برز منذ كتابه، “الشرق الفنان”، عنصرا يقابل العنصر العقلي الوضعي الغربي دون توحد، للتناكر الذي قرره زكي نجيب بين الوجداني [العنصر المهيمن في التراث العربي] والعقلي [العنصر المقوِّم للحضارة الغربية]. ويوحي كتاب “التحول” من عنوانه: “الشرق الفنان” إلى توكيد هيمنة الوجدان على التراث العربي [الشرقي]، لكن زكي نجيب لا يستسلم لهذه الهيمنة، فظل يؤمن بالوضعية[17]، رغم تراجعها في نشاطه العقلي، الذي أفسح مجالا للعنصر التراثي الوجداني، بصفتنه المتناكرة مع صفة العقل الوضعي، على حد قوله، فأثبت بهذا التحول، أن مشروعه العقلي صورة مكرورة للواقع العربي الراهن المشطور بين الذاتي والأجنبي، وبين الدنيوي والأخروي، وبين القاهر والمقهور؛ فالوضعي، في مذهب زكي نجيب غربي (قاهر)، والتراثي، في مذهبه أيضا، ذاتي (مقهور). وثنائية القاهر والمقهور خطر يتحدى المشروع النهضوي العربي المطلوب، ويجهضه. وبلور زكي نجيب ثنائيته الفكرية بالدعوة الصريحة إلى “فلسفة عربية قوامها ثنائية السماء والأرض، وثنائية الطبيعة والفن”[18].

انحسرت الوضعية الخالصة في فاعلية زكي نجيب العقلية قبالة إلحاح الحضور الواقعي للتراث الرابض في ذاتية “المغترب في الظاهر”، ولن يجد وضعي عربي غضاضة في الإعلان عن تراجعه نصف خطوة، طالما كانت فلسفة التحليل التي شكلت وضعية زكي نجيب، مصدر تسويغ للتراجع تحت ضغط الوقائع، ففلسفة التحليل تتعامل مع الظواهر كما هي في الواقع، ولا تزيد على أن ترد الواقع إلى عوامل تكوينه. وعوامل تكوين الواقع العربي الراهن، من منظور زكي نجيب العقلي، هي الذاتي [التراث] والأجنبي [الوضعي]. ووفقا لمنهجه، مايز بين عاملي الذاتي والأجنبي، وأبقى عليهما معا، كما هما، ولم يصدر حكما ما عليهما، وهكذا أجاز مشروعية وجودهما معا، متقابلين، يرسمان ثنائية معاصرة، تحت مسمى “ثنائية السماء والأرض”، أو ثنائية الآخرة والدنيا، ثنائية السالب والمسلوب. وقع مشروع زكي نجيب في دائرة الرضوخ لقهر مزدوج: التراث المحصور في الماضي، المنغلق على الحاضر؛ والأجنبي الغريب عن الحاضر الذاتي، المعزول عن التاريخي المنماز بماهيته عن ماهية الحضارة الغربية التي أنتجت الوضعية تحت شروطها، وللوفاء بمتطلباتها. الوضعية المنطقية التي التزم زكي نجيب مذهبها الفلسفي، معطى ثقافي للحضارة الأوربية، بلورتها “جماعة فيينا” التي نشأت لمواجهة مشكلات أفرزها التطور الحضاري الغربي، بخصائصه التي ترسم معايير معطياته، وترسم أدوات علاج منعطفاته المرضية. فالوضعية المنطقية، شأنها شأن كل معطى عقلي غربي، ردة فعل بيئة، تفقد مشروعيتها في بيئات ثقافية أخرى، يحملها إليها المبهورون أو العجولون أو المنهزمون.

الوضعية المنطقية تعبير أمين عن المناخ الثقافي الأروبي الدنيوي، الذي يحصر الوجود في دائرة يمكن للعقل التجريبي الإحاطة بمضمونها، ثم لا يجاوز دائرة “الدنيا” إلى دائرة “أخرى” أعمق وأوسع، تملك المخيلة الإنسانية قدرة تصورها، وهو ما فعله العقل الحضاري العربي الديني، وهو فعل لا يستوعبه عقل تجريبي “دنيوي”، أو عقل الوضعية المنطقية الذي حمل لواء الدعوة إليه زكي نجيب محمود، ولكنها دعوة ظلت عقيمة[19]. احتذى زكي نجيب في المرحلة الأولى من مشروعه العقلي أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، بالمثال الغربي. وأقر فيما بعد، أنه كان ينظر للأمر من جانب واحد، وأنه أهمل الجانب الآخر، جانب الهوية الخاصة ـ العربية ـ وأن دعوته تلك، كانت “على كثير من التطرف”. وقال: “فجاءت نظرتي إلى الثقافة المنشودة نظرة مبتورة”[20].

كان زكي نجيب يبالغ في دعوته إلى تقليد الغرب، وأسرف فيها كما قال في مقدمة كتابه “شروق من الغرب”، [لاحظ دلالة العنوان!!]، فتمنى “أن نأكل كما يأكلون، ونكتب من الشمال إلى اليمين كما يكتبون، وأن نرتدي من الثياب ما يرتدون”. وفي غمرة مشاعره الاغترابية، اعتنق مذهب الوضعية المنطقية. وحكى قصة هذا الاعتناق في الكتاب الذي روى فيه سيرته العقلية، قال: “كنت لم أزل ماضيا في إعداد رسالتي للكتوراه… وبينما أنا ماض في طريقي ذاك، أُعلن عن تعيين الدكتور الفرد آير، (وكان إلى ذلك الحين أستاذا في جامعة اكسفورد)، رئيسا لقسم الفلسفة في الكلية الجامعة بجامعة لندن. [وهي الكلية التي كان قد التحق بها زكي نجيب للحصول على إجازة الدكتوراة في الفلسفة، ولكنه تركها والتحق فيما بعد بكلية الملك]. وجريا على العرف المألوف، كان على الأستاذ الجديد، أن يفتتح عمله بمحاضرة عامة. وأعلن بالفعل عن موعد تلك المحاضرة. لم أكن قرأت شيئا للدكتور آير، فرأيت ضرورة أن أعرف عن الرجل شيئا قبل استماعي لمحاضرته العامة، فكان أول ما قرأته من كتبه، كتابه الذي يلخص به اتجاها فلسفيا ظهر أولا في فيينا خلال العشرينات من هذا القرن، ثم أخذت دائرته تتسع. وهو اتجاه أطلق عليه أصحابه اسم “الوضعية المنطقية”، ثم شاع بعد ذلك اسم آخر لعله أنسب وهو “التجريبية العلمية”. فما أن تلقيت الفكرة الأساسية في هذا الاتجاه، حتى أحسست بقوة أنني خلقت لهذه الوجهة من النظر”[21].وفي موضع آخر من الكتاب ذاته، وصف زكي نجيب ولوجه عالم الوضعية المنطقية بقوله: “كانت لحظة نادرة من ربيع سنة 1946م، تلك التي كنت فيها جالسا كعادتي كل يوم، أطالع وأكتب وأدون المذكرات، في المكتبة العامة، بالمبنى الرئيسي لجامعة لندن، عندما أحسست بما يشبه اللمعة الذهنية تتوقد لتضيء لي طريقي منذ ذلك الحين، وإلى الساعة التي أكتب فيها هذه الصفحات [من عام 1982م]. وكان الموضوع الذي أطالعه عندئذ هو عرض لموقف فلسفي لم يكن قد مضى على ولادته في صورته المعروضة أكثر من ربع قرن، وأسماه أصحابه يومئذ بالوضعية المنطقية، وهو نفسه الذي أطلق عليه فيما بعد “التجريبية العلمية”. وأما اللمعة الذهنية التي أحسست بها في تلك اللحظة، فهي شعوري بأنني أوقع هنا، دون سائر التيارات والمذاهب”[22].

نقلنا رواية زكي نجيب عن تحوله الدرامي للوضعية المنطقية، لتوخي الكشف عن استحالة سلخ ذات عن تراثها، فكما لا تقبل ذاتية الوضعية المنطقية الأوربية الانسلاخ عن تراثها، فإن ذاتية زكي نجيب لا تقبل كذلك، شاء هو أم أبى، الانسلاخ عن التراث المهيمن على وجدانه، وعلى عقله، بالوجدانية المهيمنة عليه، أعني: على التراث العربي الإسلامي الذي لم ينفك عنه زكي نجيب، ولا انفك هو عنه، حتى في ذروة ما ظن زكي نجيب أنه اكتشاف عقلي لموقف عقلي، هو الوضعية المنطقية.

ولج زكي نجيب دائرة الوضعية المنطقية بقفزة تستدعي للخاطر قفزة جندب الصحراء، تحت وهج شمس، تتداخل تحت شدة حرارتها ألوان الجندب مع ألوان الرمال الصفراء الملتهبة القاحلة. صار زكي وضعيا بمنهاجية عربية؛ تكفي اللمعة الخاطفة لإجراء تحول عميق من مذهب إلى مذهب، من غير روية ولا تفكير في احتمالات، ولا تحليل ولا تركيب، ومن غير بحث في الأسباب ومن غير توقع للنتائج، من غير شرط من شروط العقل التجريبي، وعلى غير قاعدة من قواعده، ومن غير شرط من شروط العلمية، وعلى غير قاعدة من قواعدها، على الرغم مما يزعمه زكي نجيب من أنه صار منذ تلك اللحظة “تجريبيا علميا”، وأنه يقع “هنا ـ في التجريبية العلمية، دون سائر التيارات والمذاهب”.[ح‌م‌2]  ولا يعيب التجريبي العلمي أن يبدأ من وقدة لمعة ذهنية، أما ما يعيب منهج العقل العلمي، فهو التعاطي مع قضايا العقل بالإحساس، كما يتعاطى الفنان، بوجدانيته، مع اللحظات اللامعة التي تضيء في ذهنه فجأة، كما أضاءت في ذهن زكي نجيب، وفجأة، لحظة “إحساس شعوري قوي بأنه خلق لهذه الوجهة من النظر”، كأنما هبط عليه الوحي فجأة، فأيقظه من سباته، ليبتعثه “نبيا” يبشر بالخلاص الإنساني، لمَ لا؛ والنبوة خاصة عربية تراثية أصيلة؟! لمَ لا؛ والرسولية دور عربي ثقافي تاريخي، يتمحور التراث العربي الإسلامي، وقبل الإسلامي، حولها؟! وقد ينبه الإحساس إلى قضية، ولكنه لا يفتح أفق العقل فتحا مبينا. ولدى التجريبيين، فإن الإحساس مصدر أوليَ للمعرفة، ولكنه ليس المصدر الذي يسع المعرفة إلى آخر مداها.

تحول “إحســـــــــاس” زكي نجيب إلى موقف فلسفي وضعي “عربي”. كان تحوله “عربيـــا” منذ اللحظة الأولى. يتبدى ذلك من تفحص هذا التحول المفاجىء تحت التأثير المباشــر لـ “الرئيـس” آيـر، الذي ـ التحول ـ جاء بمثابة ولادة عجلى، أو انقلابية، عكست نموذجا  ـ معاصرا ـ لظاهرة عربية تراثية، حاضرة فاعلة، يصورها القول المشهور: “الناس على دين ملوكهم”. وواقعة تحول زكي نجيب للوضعية المنطقية، تترجم تراثا مفعولا لـ “الرئيس”.

لم يكن زكي نجيب منتسبا إلى قسم الفلسفة بالكلية الجامعة بجامعة لندن، حينما أسندت رئاسته إلى آير. كان زكي قد انتقل من الكلية الجامعة إلى كلية الملك ـ اللندنية أيضا ـ في وقت سابق[23]، فما الحجة على صحة ما نزعمه من رضوخ زكي نجيب، بعملية القفز إلى دائرة الوضعية المنطقية، لتراث من المفعولية لـ “الرئيس”؟ كان طالب إجازة الدكتوراة منهمكا في البحث في موضوع أطروحته: “الجبر الذاتي”، وهو “موضوع يمس حرية الإرادة بصفة أساسية وجوهرية”[24]، وخلاصته “أن الإنسان لا تسيره إلا ذاته”[25]. الجبر الذاتي في مفهوم زكي نجيب هو المعادل للحرية الشخصية قبالة الآخر، وكانت الحرية همّا لازمه طوال حياته و”منذ حمل القلم لأول مرة”[26]. الحرية همّ يعوز الطُـلّعة لتحقق بقيمتها العليا ذاتها. وقبل حضوره إلى لندن، عاش زكي حالة شعور بالمرارة مما كان يلقاه من إجحاف في “لجنة الترجمة والتأليف والنشر” بالقاهرة، الذي كان عضوا صغيرا فيها، والتي كان يسودها “علاقة استبدادية عجيبة” بين كبارها وصغارها ، وكان، بتقديره، من صغارها. ونفخ هذا الاستبداد “روح التمرد” في صدره[27]، الذي غذّى مشاعره اللاحقة إثر معايشته لبيئة علمية جديدة في لندن، قوامها تواضع لم يألفه من قبل، وكان يحسبه من قبيل الشائعات[28].

نزعت روح زكي نجيب المتمردة على العلاقة الاستبدادية العجيبة الســـــائدة في لجنة علمية مصرية ـ على حد قوله ـ للتطلع نحو “منزلة مرموقة في دنيا الفكر والأدب”، وعلى تقديره، فإن أستاذية الجامعة، هي السبيل إلى مثل ذلك المركز المرموق[29]. الحرية ـ من جهة طبيعتها ـ مطلب الروح المتمردة، ولدى زكي ـ هنا ـ مركز الأستاذية المرموق يحقق الحرية، التي تتقوم بالمساواة التي اغتالها الكبار في لجنة علمية مصرية، اغتيالا هو صورة اغتيال أكبر يجري في الحياة المصرية المحكومة بتراث عربي قديم حاضر فاعل، التي رأى ـ زكي ـ فيها “كثيرا من الظلم والقهر والاستبداد والتسلط والتنافر والكراهية، مما أدى في نهاية الأمر إلى فقدان الفرد لكرامته وحريته واستقلاله”[30]، وازدادت شدة قتامة هذه الصورة لديه، بما لاحظه من “الرعاية لكرامة الإنسان فردا فردا” في بريطانيا[31]. وكان بحثه في “الجبر الذاتي” تعبيرا عن شوقه للكرامة الفردية، صنو الحرية. كانت أطروحته للدكتوراة تعبيرا عن مطلب الحرية، لم تكن تحققا للمطلب ذاته، كانت تسويغا له، وإلحاحا عليه، وإجلاء لغوامضه. أما هذا التحقق، فقد كان الانقلاب الفكري تحت التأثير المباشر لتعيين رئيس جديد، لقسم الفلسفة، الذي بدأ فيه زكي نجيب الشروع في تجسيد تطلعه إلى أستاذية الجامعة، فكان قسم الفلسفة هذا، بالكلية الجامعة بجامعة لندن، “أرض المشرق”، التي أشرقت منه شمس الحرية التي نزع إلى طلبها، أستاذا مرموقا، وداعية إلى ثقافة الغرب، طلبا للحرية على الطريقة التي لاحظ الناس في بريطانيا يحيونها. في أرض مشرق حريته، كانت شمس الغرب، هي شمس زكي نجيب محمود.

نشدت حرية زكي نجيب رفض التراث العربي القديم المعيوش في الواقع العربي الراهن[32]. والرفض فعل هادم، يخلي لبناء جديد. والحرية التي تنشد رفض تراث قديم، تستدعي تراثا بديلا، وفقا لآلية التوازن الجمعي والفردي الذي عانى زكي نجيب من اختلاله تحت ضغط مركب الماضي / الحاضر المتنازع في كينونته. هذا المركب هو المجال الحيوي لفاعلية آلية التوازن الذاتي ـ فرديا وجمعيا ـ واختلال توازن زكي نجيب ناشىء عن رفضه للماضي المُعطى لتراثه العربي الإسلامي، الرفض الموازي زمانيا للواقعة المعنية. استدعى رفضه موحيات الواقعة المعنية، وهي عنصر ينتمي للماضي قياسا للحظة التي سجل فيها قفزته الاغترابية بالتحول، الحسي، العجول، للوضعية المنطقية. لحظة دخوله، باعتباره أستاذا جامعيا مرموق المركز، الحالة الاغترابية، جرَّت عنصرَ الماضي ـ القريب ـ ليوازي عنصر الحاضر في المركب الذي يخلق مجال فاعلية آلية التوازن الذاتي. لكن الماضي مفتوح على الماضي، الماضي القريب، تراث زكي نجيب الجديد، مفتوح على الماضي العميق، تراث زكي نجيب القديم، العربي، الذي تهيمن عليه مركزية الرئيس بمفهوم: “الناس على دين ملوكهم”. آير هو “الملك”، التراثي المستحدث، استدعته تراثية عميقة لذات نازعة للتحرر من هيمنتها ـ هيمنة التراثية العميقة ـ لكن، نزوع الواهم، فالزمان العميق في ماضويته، لا ينعدم عدمية مطلقة، العدمية المطلقة وَهْم، الماضي يجدد صورة فاعليته في الحاضر، بفاعلية الحاضر، وفقا لضرورة التوازي الحيوي الجمعي.

خلال معاناة زكي نجيب حالة النزاع التراثي، كان هواه يميل ناحية الثقافة الغربية. وكان هواه معوزا إلى عامل تكويني له خاصة تراثه القديم. وبفعل آلية الهوى ذي الطبيعة العائمة على ظهر موج الحركة، فقد طابقت خاصة العامل التكويني اللازم لاستعادة التوازن النفسي والجمعي، طابقت خاصة التحرك العائم على ظهر الموج، فاندفع، مفعولا للهوى، لا بقرار عقلي، إلى حشو فراغه التراثي العربي، بتراثه الجامعي الحديث، المبتدىء بزمان التحاقه بالكلية الجامعة بجامعة لندن، والمنتهي عند اللحظة التي جرّه فيها آير للوضعية المنطقية، وهي اللحظة التي كان لا بدّ لها أن تتجذر  بتراث من طبيعتها، هذا الذي، بدوره، كان لا بد له أن يتبلور في واقعة، كانت هي، اللحظة ذاتها التي قفز فيها زكي نجيب وراء رئيس ـ في الحاضر ـ لتراثه الجديد، الموهوم بطبيعة الحال، لأن التراث لا يتجدد لذات فردية أو جمعية، إلا من ذاته وبذاته. فالتراث الغربي لزكي نجيب، حالة مفتعلة، ورغبة هوى، لا تقتلع تراثه العميق، ولا تتصالح معه، هذا، على الرغم من أن حصولها وقع بمنهجية تراثه العميق، بمنهجيته العاجز عن الانفكاك عنها، والتي يمثل الهوى، أو الحركة العائمة على ظهر موج الشواطىء، أهم أدواتها.

اتبع زكي نجيب مذهب آير الذي تقلد منصب رئاسة قسم الفلسفة الذي ابتدأ زكي حياته الجامعية الغربية فيه، الذي كان قد تركه قبل رئاسة آير له؛ ولكنه لم يتبع مذهب كيلنج الذي كان رئيس القسم حينما كان أحد طلابه. لم يستحوذ كيلنج على إعجاب زكي نجيب رغم أنه كان يحسب أن كل أستاذ بريطاني سيملأه إعجابا، كان كيلنج هو أول أســــتاذ بريطاني لاقاه أول مجيئه إلى لندن[33]. لم يتمدد كيلنج في ماضي ـ تاريخي واقعي ـ زكي نجيب، فلم يدخل تراثه، ولم يتأهل لمزاحمة ـ فعلية ـ لتراثه القديم؛ أي: لم يملك كيلنج آلية إعادة التوازن لزكي نجيب، الذي اختل ـ توازنه ـ بالتمرد الذي خاضته روحه ضد تراثه القديم، الذي نزع إلى الاغتراب في الحضارة الأوربية. كان كيلنج من مشايعي ديكارت، فلم يكن يمثل النموذج الغربي المعاصر، البالغ ذروته الحضارية في الوضعية المنطقية، النموذج الجاذب لروح نازعة للاغتراب عن ذاتيتها، ديكارت نموذج قديم، يلتقي، بتقادمه، مع النموذج التراثي العربي الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، بما فيه من عامل ألوهي، يوجد أيضا في فلسفة ديكارت، هذه الأخيرة، التي تستدعي نموذج الغزالي، الشّاك، الذي شكّ ديكارتُ مثلَه. ثم إن فلسفة ديكارت فلسفة ثنائية، تقول بثنائية الروح والمادة، وتتوافق مع التراث العربي الإسلامي الثنائي، الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، ومن ثم، نزع إلى رفض كيلنج، الذي لم يهبه فرصة الخروج ـ كما يتوهم[34] ـ من تراثه القديم، بينما وهبه آير هذه الفرصة، التي ما أن سنحت له، حتى قفز خارجا ـ كما توهم ـ من تراثه القديم، إلى تراث جديد.

رحل زكي نجيب إلى الغرب وهو منقسم على نفسه. كان بعضه يندفع مع وجدانه ولا يبالي، وبعض ثان يمسك في يده ميزان العقل ويتخذ من فيلسوف اليونان القديم سقراط مثله الأعلى، وبعض ثالث أسلم ذاته لله تعالى وللمجتمع فيما نزل من شريعة يجب أن تراعى، ومن تقاليد وقوانين يجب لها أن تطاع عن قبول ورضا[35]. لم يرحل من أبعاضه الثلاثة إلى لندن إلا بعضه الثاني[36]: “النفس اللوامة.. نقيض الفطرة في بكارتها” ومعارضها ولاجمها[37]. حلت الوضعية المنطقية في الطبقة الفاصلة بين الوجدان المندفع، أو الفردية المنغلقة؛ والشرائع والتقاليد والقوانين، أي: الجمعية. كرست طبقة الفصل ـ العقلية ـ حالة الانشطار لدى زكي نجيب، لطبيعتها الاغترابية، الممتدة من سقراط إلى آير، ولطبيعتها الفكرية المنغلقة في “دنيا” التجريب، بالرد إلى طبيعة فكرية “أخروية” و”غيبية”، ظلت تهيمن على جماعه الذاتي، ويعجز عن التحرر منها، فاضطر إلى مصالحتها،  واستسلم لها، استسلاما مجزوءا، أبقى عليه مشطورا إلى نهاية مشروعه الفكري النهضوي.

تجلت ثنائية زكي نجيب في مشروعه الفكري النهضوي الذي كرَّس ما بعد الستين للدعوة إليه، بعدما خرج من جامعة القاهرة التي كانت مجال دعوته ـ العلمية العقلية ـ للوضعية المنطقية. وعانى في محاضرته الأخيرة على طلابه من اختلاط الأمر عليه بين ظاهر وباطن، كان “ينظر إلى ما يدور حوله مرة، ويغوص إلى باطن نفسه مرة”[38]. عاش في الجامعة الأستاذية ـ المركز المرموق ـ التي تطلع إليها، وحقق حريته فيها على طريقته الخاصة، واحتمى، داخل القاعات المعزولة عن واقع حال المجتمع، وداخل عقله المرهون لحضارة غربية، احتمى من المواجهة الصريحة التي حان، بالخروج من الجامعة، وقت خوض غمارها. استدعت المحاضرة الأخيرة معركة مواجهة عقل مغترب مع واقع قارٍ في غور صاحبه، هو من واقع المجتمع الممتد خلف أسوار قاعات الدرس الجامعية، الممتد تحت أساسات الجدران التي يتوهم الواهمون أنها تفصل العقل الناشط في دوائر العلم المغلقة عن الوجدان الناشط في دوائر  الذوات، بفرديتها وجمعيتها، ومنها ذات دعت للاغتراب، ثم دعاها واقع الحال لمحاكمة اغترابها بوقائع الأحوال التراثية والراهنة. والصورة التي رسمها زكي نجيب لحالته في محاضرته الأخيرة، صورة تولد من عتمة الشرخ الذي يفصل بين العقلي والوجداني، انفصال ثقافة الغرب وتراثهم عن ثقافة العرب وتراثهم، وهي صورة الاختلاط المتنافر بين الحاضر ـ الذي حبسه زكي نجيب في دعوة مغتربه ـ والماضي ـ الذي ظن أنه يقدر على كبحه بحد الحاضر الأجنبي عنه ـ لكن الماضي اختلط بالحاضر، اختلاط الباطن والظاهر في معركة استدعتها لحظة ما قبل المواجهة الصريحة، بين ما تقوقع عليه العقل، وما تقادم عليه الزمن، وغامت الرؤية على عقلية الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب، لا تحت ضغط اللحظة فحسب، ولكن تحت ضغوط تاريخ مديد، كانت اللحظة في ذاتها، إحدى تجلياته الكاشفة عن أعماقه، أعماق التاريخ العربي، وأعماق زكي نجيب المقسوم على ذاته، ما بين ماض لم يبرأ منه، وحاضر لم يخلص له، ولانقسامه على ذاته، لا يقدر على أن يبرأ من ماضيه، ولا أن يخلص لحاضره.

رجع زكي نجيب، في المرحلة الأخيرة من مشروعه الفكري، عن صريح دعوته إلى تقليد الغرب في طرائق التفكير وطرائق الحياة أيضا، وتبنى الدعوة إلى نموذج مختلط، ليس موحدا، لاحت صورته في اختلاط الظاهر بالباطن، وفي اختلاط العقل المثلوج ـ بوضعيته المنطقية الغربية ـ بالعاطفة الساخنة، العربية، وذلك كله مقابل حالة تسليم بما “يتعالى” في السماء عن الأرض، وبما يتمايز به الفن عن الطبيعة؛ كما دعا، بصراحة تامة، في كتاب “تجديد الفكر العربي”، الذي محور رؤيته للمشروع الثقافي العربي النهضوي المطلوب على محور الثنائية، غير واع أنه يعيد صوغ المشكلة وتعميق جذورها بالعقل المأمول منه أن يبدع نظرية تواجهها، وتتجاوزها.

مشروع زكي نجيب الفكري، كله، تكثيف لمشكلة الأمة الأم؛ مشكلة الثنائية الشاطرة لذات الأمة الفردية والجمعية، التي تفشى خطرها في مجالات الفكر والاعتقاد والفن والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وأنتجت حالة المفعولية والتبعية الحضارية لثقافة غازية توسعية عدوانية بطبيعتها الدنيوية المباينة للثقافة العربية التراثية الأخروية الغيبية.

ولد تحوله الجديد، من ذاتيته الثنائية، التي عانت، بعد الخروج من جامعة القاهرة، حالة قلق متوتر، تخلص منها بـ “المصادفة اللافتة للأنظار”، التي التقى فيها رأسا سنة هجرية وسنة ميلادية في يوم واحد[39]. استعاد بهذه المصادفة، حالة التوازن التي افتقدها منذ محاضرته الأخيرة بجامعة القاهرة، التي عمقتها فرصة جديدة للعمل في جامعة الكويت[40]، عاود بها الأستاذية الجامعية، لم تكرر الأستاذية التي مارسها في جامعة القاهرة، تكرارا تاما، ولكنها عكست صورة التقاء بداية سنة من التاريخ الهجري ـ العربي الإسلامي ـ مع بداية سنة من التاريخ الميلادي ـ الغربي ـ وهي صورة لحظة يلتقي فيها زكي نجيب العربي الإسلامي مع زكي نجيب المنطقي الوضعي الغربي، لقاء لا يوحد الأبعاض؛ فالتاريخ العربي الإسلامي لا يقبل اللقاء، لقاء الأبعاض، مع التاريخ الغربي المبلور في الحاضر الغربي الذي غزا الواقع العربي المعاصر، وعمّق وضعية المفعولية المنعكسة على مرآة الذات العردية والجمعية العربية، التي لا تنجو منها ذات مفكر، ولا ذات أميّ جهول.

أبقى مشروع زكي نجيب على وضعية الدوائر المنفصلة في الحاضر العربي، بحكم منهجيته المنطقية الوضعية الغربية (العربية)، فأعطى أحقية الوجود المطلقة لعناصر الحاضر، التراثية والاغترابية، فلم يقيد أحقيتها بواقعيتها، ولكنه قيّد الوقائع برؤية ظن أنها الحق وحده، بيد أن الحق يسع كل واقعة، ولا تسعه كل واقعة.  الحق المغلول بقيود الوقائع حالة في وضعية انفصالية لا تبدع تجلياتها الفاعلة إلى أقصى مدى الفاعلية.

حسن حنفي:

الضيق يحاصر الواسع

أبدى حسن حنفي وعيا واضحا بازدواجية الشخصية العربية، التي يعكسها نموذج الشخصية المصرية. وتتمثل هذه الازدواجية في مظاهر متعددة، منها انفصال الفكر عن الواقع؛ فالفكر العربي ينسج ـ بالكلام ـ عالما من التمني والرجاء، ويسقط من حسابه عالم الواقع والفعل. وتأدى عن هذه العزلة الفكرية عن الواقع انقسام الحياة الفردية بعدم الصدق، أو انقسامها بين العزلة والنفاق؛ “نحن نقول ما لا نعتقد، ونعتقد ما لا نقول”. وتنقسم الشخصية العربية بين التفكير والتعبير، فهي تفكر ولا تعبر عن كل ما تفكر فيه، وتعبر عن أشياء لا تفكر فيها. ولا يتوحد القول والعمل لدى الشخصية العربية، فالخطاب ذو وجود مستقل ومنفصل عن مضمونه وتحقيقه. ومن ثنائية “القول والعمل” تنتج “ثنائية “النية والسلوك”، يعني: عندما لا يصدر السلوك تلقائيا عن نيّة، بل بتوسط من الفكر، بدافع من الحيطة والحذر، فإن تطابق القصد مع السلوك، أو النية مع العمل، يصبح “مستحيلا”. ثم هناك الانفصام بين الداخل والخارج… إلخ[41].

ردّ حسن حنفي ازدواجية الشخصية المصرية ـ العربية ـ إلى التفكير الديني التقليدي الذي تسوده ثنائيات: الله والعالم، الدنيا ولآخرة، الثواب والعقاب، الخير والشر، الملاك والشيطان، الحلال والحرام، وغير ذلك[42].

ويقترح توحيد الديني والدنيوي، ويعتبر مثل هذه الخطوة الجريئة، علاجا لمشكلة الثنائية الفكرية، من ناحية المصدر، أو من ناحية الغاية والهدف. ويردد ما كان هيجل قد قاله، من أن “كل مقدس دنيوي، وكل دنيوي مقدس، ليس للمقدس ميدان خاص منعزل عن باقي الحياة اليومية”. وتقديرا لهذا الموقف، فإن هيجل، يرى حنفي، تقدمي، وهو كذلك، لأنه أيضا، يقول حنفي، وحّد، وعلى مستوى الواقع، بين الفكر والوجود، فـ “قضى على الثنائية التقليدية في المسيحية بين الروحي والزمني”[43]. وبالتعلم من هيجل، “فإن بإمكاننا القضاء على المصدر الثنائي للمعرفة، ورؤية الوحي في الواقع، بمعنى الوصول إلى حقائق الوحي عن طريق العقل، والعقل هو الواقع، وهو التاريخ أيضا”[44]. وبالقياس إلى هيجل، ينفي حسن حنفي تهمة الكفر عن الصوفية المسلمين، لقولهم بوحدة الوجود، وإن تاريخ النبوة يطابق تاريخ التطور البشري، وأن الله متحد بالكون ولا يوجد خارجه[45].

يمثل وعي حسن حنفي بالمشكلة الأشد خطورة ، مشكلة الثنائية، خطوة هامة لتقدم الفكر العربي المعاصر نحو تحقيق المشروع النهضوي العربي الجديد. وتتأصل أهمية هذه الخطوة بتوجهها صوب رؤية واحدية. ولكن ما مدى أصالة هذه الخطوة عند حسن حنفي؟

النهوض فعل ينفي التمني. فهل جاء مشروع حسن حنفي النهضوي بريئا من آفة نفي التمني للفعل النهضوي؟ هل جاءت خطوته صوب رؤية واحدية نهضوية أصيلة بالقدر الكافي لمعالجة وتجاوز مشكلة الواقع العربي الراهن؟

يرمي حسن حنفي من مشروعه إلى “إعادة بناء للتراث من داخله”[46]، تتأدى ـ الإعادة ـ إلى “اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية، مناهجها، وتصوراتها ومذاهبها، ونظمها الفكرية”[47]. نشأ التراث العربي من مركز عيّنه حسن حنفي بالقرآن الكريم والسنة النبوية، لكنه لا يصف القرآن والسنة والتراث بالقدسية[48]. التراث قضية ليست دينية رغم انطباعه بالصبغة الدينية[49]. التراث حضارة، والحديث عنه “ليس حديثا عن الدين”[50]. ويرى الإسلام معطى تاريخيا، “وليس باعتباره دينا”، هو لا ينكر الوحي، لكنه يرى الإسلام “واقعة حضارية حدثت في التاريخ” يهتم بما نشأ منها كحضارة، دون اهتمام بالمصدر الذي أتى منه الإسلام، “تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، تجديد التراث لا يبحث عن النشأة، بل عن التطور”[51].

أغفل حسن حنفي فاعلية الأصل ـ القرآن والسنة ـ الإلهي في التاريخ، مع الإقرار بأن التاريخ الإسلامي معطى له، وهو ينزلق من هذا الإغفال إلى المشاركة في تعميق انشطار الذات العربية (الإسلامية) ما بين الديني والدنيوي. أخرج الوحي من دائرة بحثه، بينما الوحي حاضر فاعل في وعي العربي المعاصر، وتجاهل الحضور الفاعل للوحي في وعي العربي المعاصر، ينفي ـ نظريا ـ نصف الوجود العربي التاريخي الراهن، ولكنه لا ينفي واقعية هذا النصف، أو أكبر من النصف، ومن ثم، ينزلق مشروع حسن حنفي إلى ثنائية النظري والواقعي وغير ذلك من ثنائيات شاطرة للذات العربية المعاصرة، كان قد حذّر منها، ولمس عللها، التي يعاود ترسيخها بالفصل بين الوحي والحضارة الناشئة عنه. حاكى حسن حنفي موقف سبينوزا تجاه الوحي الذي درسه أفقيا “ابتداء من إعلانه على لسان النبي للآخرين.. دون أن يبحث صلة النبي بالله أو بالطبيعة”[52]. وتابع مفهوم هيجل عن الدين، الذي قال فيه: “الدين ليس كتابا أو وحيا أو عقيدة أو إيمانا بل هو تاريخ أو حضارة”[53].انعاكسات الرؤى الأجنبية في موقف حسن حنفي تجاه مركزية الذاتية العربية يؤيد نفي التمني للفعل، الذي رضخ له العقل العربي المعاصر. تمنى حسن حنفي تحرير “الأنا” من سيطرة الثقافات الغازية، ولكنه لم يفعل هذا في الواقع، وحمل شاطورا ثقافيا أجنبيا ليقسم “أنا” الذات العربية إلى أصل وإلى تحققات تاريخية، كما لو شطر دارس ظاهرة ما إلى سبب ومسبب عنه، وهو شطر يلغي واحدية كينونة الظاهرة. وفي الحقيقة، فإن فصل السبب عن المسبب إغفال عقلي للظاهرة كلها. والمنهج الذي يدرس تحققات الدين في التاريخ، مفصولة عن مركز النشأة، هو معطى تاريخي لحضارة دنيوية تضيق عن سعة الحضارة العربية الإسلامية الدينية التي تحتل الدنيا بعض مساحتها. وتطبيق منهج دنيوي على حضارة دينية، تقييد للأخيرة وتعامل معها من خارج ذاتيتها، ومن ثم، نفي لها، بينما هي، لواقعيتها، لا تقبل النفي. والعقل اذذي يحاول نفي ما هو واقع، ينفي ذاته، أو يقيدها في دائرة التمني المنغلقة المنفصلة عن دائرة الفعل المنفتح المتساوق مع الواقع. مشروع حسن حنفي لن يساعدنا ـ وفقا لوعده ـ على مواجهة التحديات الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لها في هذا القرن، ولن ينقلنا ـ وفقا لوعده أيضا ـ من وضع التحصيل والنقل إل ةوضع النقد والخلق والابتكار[54]. ينقلنا مشروعه من مركزنا الحضاري (الوحي) إلى مركز حضاري أجنبي دنيوي، ليعمق اغتراب الذات العربية، وانقسامها على ذاتها.

يقصد مشروع حسن حنفي إلى تجريد التراث العربي من دينيته، أو من مداه المطلق الواسع وجوديا، وحصره في التاريخية الإنسانية المنفكة عن أصــولها الأبعد غورا، قال:
“التراث والتجديد ـ يعني مشروعه ـ في النهاية، إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى أيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى أيديولوجية”[55]. هذا التحويل يلغي الوحي الإلهي، أي: يلغي واسعية التراث العربي الديني التي تستوعب التواريخ، ليحصر الحاضر العربي في ذاته التاريخية، بإعادة صياغته وفق أيديولوجية لا ترمي إلى ما هو أبعد من لحظة زمانية تبدعها الفاعلية الإنسانية المنفكة عن أصلها التاريخي، ومن ثم، إغلاق اللحظة الراهنة على ذاتيتها في رؤية واهمة تجتث الحاضر من الماضي، ليتعلق الحاضر في فراغ، ثم ليهوي، تحت أثر ضغوط ثقله، إلى أيديولوجية الطبقة العاملة التي يكتب لها حسن حنفي مشروع التراث والتجديد بغاية أساسية هي تحويل الوحي الإلهي الواسع للتواريخ، أي: للأمم والأطوار ـ إلى أيديولوجية لطليعة الطبقة المتوسطة التي تنتسب نفسيا ونضاليا إلى “الطبقة العاملة”، التي “بإمكانها أن تقوم بعملها النظري في “التراث والتجديد” وأن تناضل بالفعل، وأن تجند الجماهير، وأن تمارس السياسة يوميا من أجل تحقيق أيديولوجيتها” لتواجه بها يمين البرجوازية، الجناح الخائن من الطبقة المتوسطة، الذي لا يقل خيانة عن الجناح العميل المباشر، وهو يمين البرجوازية الخائن ـ وريث الإقطاع القديم، الذي يقود العصر[56]. بعد هذا الذي قاله حسن حنفي، لا شك أنه يصدر عن رؤية ماركسية. والأيديولوجية التي تحل في مشروعه محل الوحي، هي الأيديولوجية الماركسية التي وصفتها موسوعة فلسفية ماركسية أنها “علمية حقا” قبالة أخرى زائفة تغذيها مصالح الطبقات الرجعية؛ وهي ـ الأيديولوجية الماركسية ـ تعكس في النهاية العلاقات الاقتصادية[57]. الوحي يصير لديه علاقات اقتصادية، وصراع طبقي على محورها، فيفرغ من معناه الوجودي المطلق، المعنى الإلهي الذي يفرد الذاتية العربية الإسلامية بالتميز الفارق تاريخيا ووجوديا، وهو تفرد يبعث دورا تاريخيا جديدا للفاعلية الإنسانية الفاتحة، يتشوق له الراهن الإنساني، ويلح حاله المتدهور ـ قيميا ـ على طلبه.

نفى حنفي ماركسية مشروعه، وزعم استقلاله الفكري، وسوغ رؤيته الطبقية بقوله إن “فكر الطبقة وثقافتها أمر واقع بيننا، نلمسه، وسلطة الطبقة في مجتمعنا أمر نعاني منه كل يوم، ومصلحة الطبقة هي الموجه لسلوك السلطة…(وأن) هذه وقائع بديهية من واقعنا المعاصر لا تحتاج إلى نقل حضاري”[58]. النفي المزعوم لا يبطل واقعا. ونفي حنفي لماركســـية مشــــروعه وبطلان نفيه يتبت مجددا ثنائيات الشخصية ـ المصرية العربية ـ المرضية التي سبق ذكرها منسوبة إليه، وينفي ـ كذلك ـ أصالة مشروعه الثقافي النهضوي بما يكشف عنه تردده إزاء الإعلان الصريح عما يعتقد أنه الطريق القويم إلى تسوية ناجعة لمشكلات الراهن العربي. والإعلان الصريح إدانه، ولكن لبس “طاقية التخفي” خطيئة تسوغ إدانة أشد. في مجتمع لا يشغل الصراع الطبقي أول اهتماماته، ولا يمثل حل مشكلته حلا لمشكلته النهضوية، فإن إبراز قضية الطبقية موقف غير مفهوم إلا على ضوء ما تمليه النظرية الماركسية. ويؤيد هذه التفسير، ربط قضية الصراع الطبقي لدى حنفي بالغاية من مشروعه، التي يتحقق عنها “المجتمع الواحد الذي لا طبقات فيه، ولا استغلال ولا احتكار”. وهذه غاية ماركسية وغير ماركسية، إلا أن ربطها، منذ البدء، بالصراع الطبقي يسوغ رأيا يعتقد أنها ماركسية المصدر، وهو ما يسوغ أيضا القول إن مشروعه كشف حيازته لذهنية قبلية حكم بها على اللغة التقليدية ـ التراثية الذهنية ـ بالقصور عن تأدية وظيفتها في التعبير عن مراد مشروعه، أو عن إيصال مراده للآخرين، للفرق الزمني الشائع ـ كما يزعم ـ بين اللغة التقليدية وبين الباحث الحديث والقارىء المعاصر، ولما يسود اللغة التقليدية من “عيوب معيقة”؛ فهي ـ يواصل ـ لغة إلاهية تدور الألفاظ فيها حول الله، ولفظ الله، بزعمه، يحتوي على تناقض داخلي في استعماله، ويعبر عن اقتضاء أو مطلب، لا عن معنى معين؛ هو صرخة وجودية أكثر منه معنى يمكن التعبير عنه بلفظ من اللغة أو بتصور من العقل؛ هو ـ ما زال الكلام له ـ صرخة المضطهدين في معظم الحالات، والله هو العلم في مجتمع يخرج من الخرافة، وهو التقدم في مجتمع يخرج من التخلف؛ فإذا كان الله أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا، فهو ـ لدى حنفي ـ الأرض والتحرر والتنمية والعدل؛ وإذا كان الله هو ما يقيم أودنا وأساس وجودنا، ويحفظنا، فهو ـ لديه ـ الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية؛ وإذا كان الله هو ما نلجأ إليه حين الضرر، وما نستعيذ به من الشر، فهو ـ عنده ـ القوة والعتاد والعدة والاستعداد. لأن لغة التراث الدينية، أوسع، بمفاهيمها، من مفاهيم الصراع الطبقي، أضحت في ميزان حنفي قديمة وتسودها ألفاظ تشير إلى موضوعات دينية خالصة مثل : دين، رسول، معجزة، نبوة؛ فصارت عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر الحاضر، عصر مجتمع يقيمه “المؤمنون، الذين هم، بعبارات حنفي الواضحة: “الحزب الطليعي، أو بمعنى معاصر الحزب البروليتاري الذي يقوم بتحقيق الأيديولوجية في التاريخ”[59]. وسبق أن أيديولوجيته تلغي الوحي السماوي للدين، هذه اللفظة التي صيرها حسن حنفي لفظا “منعرجا”، لا يوصل إلا معنى واحـدا، هو المعنى الغالب، أي: إنه ـ يقول ـ لا يوصل إلا لأحد الجوانب في صورته المتطرفة، هو الجانب الإلهي أو الخارق للعادة، أو الأخرويات، أو ما وراء الطبيعة؛ “ولمّا كان لفظ دين قاصرا عن أداء المعنى، فإن لفظ أيديولوجية أقدر منه على التعبير عن الدين المعنيّ وهو الإسلام، وإيصال معناه”؛ إن ” لفظ التحرر هو اللفظ الجديد الذي يعبر عن مضمون الإسلام أكثر من اللفظ القديم [الدين]… ولفظ السلام أيضا يعبر أكثر عن مضمون الإسلام من اللفظ ذاته، لأن الإسلام هو الذي يحقق السلام الداخلي للإنسان بعد تحرره من كل قيود القهر والاستعباد”. وللتحرر مستويات متعددة، استثنى منها حنفي المستوى الديني الإلهي، لتحوله عن معناه، بتحويل الوحي إلى أيديولوجية أناط مهمة تحقيقها التاريخي للحزب البروليتاري، ولا يستثني “تحرر” حنفي[60] المعنى الطبقي الذي يصدر في مشروعه الفكري النهضوي عنه[61].

التحرر والسلام مضامين دينية لا تتجرد من علاقاتها بالمعاني الدينية الإلهية الأخروية، وتكتسب منها، برابطة حميمة وعضوية قيمة أعلى من تلك القيمة التي تكتسبها من علاقاتها بالطبقية التي تدور الماركسية على محورها. بالوحي، تتسع أو تتعمق مساحات التحرر والسلام على قدر سعة أو عمق المعنى الوجودي للإنسان، وبالصراع الطبقي تضيق مساحات التنفس أمام الحركة الإنسانية الفاعلة على قدر المساحة التي ينحسر إليها هذا الصراع المحدود في زمانيته، وبظروفه الوقتية. المفهوم الواعي العميق للوحي، يستوعب مفاهيم القيم الإنسانية ولا تقتضي هذه القيم إلغاء الوحي؛ الوحي مفهوم طليق (متحرر) من مفاهيم الإنسانية المنغلقة في الأزمنة والأمكنة، وطلاقته تعني مدافعة جمود المفاهيم الإنسانية عند الحدود المغلقة للأزمنة والأمكنة؛ طلاقة الوحي هي حيازة مستمرة لإمكانات كثيرة تتيح للحركة الإنسانية مجالا واسعا للتقدم، لا يتحدد بالواقع الدنيوي، مع أنه ينطلق منه وبه، لكن، ليتجاوزه إلى واقع أعلى (أوسع)، متصل به، ومتطور عنه. ألغى مشروع حسن حنفي ـ أو لم يكتشف ـ واسعية المفاهيم الدينية، ففصلها عن الواقع، وحبسها، مثلما حبس الواقع في دوائر مغلقة سلبتهما معا إمكانات التفتح، كل على الآخر، وإمكانات تفتح الإنسانية على تجددات تندفع للأمام دوما. فصل حنفي العقيدة عن تحققاتها، وزعم أن “ليس للعقائد صدق داخلي في ذاته، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة العملية وتغييرها للواقع”[62]، ففسخ العلاقة بين المعنى ـ العقيدة في ذاتها ـ وبين التطبيق، أو بين العقلي والواقعي؛ فالعقيدة ذات صدق داخلي إذا حازت على صدقها العملي؛ فالصدق معنى وواقع في واحدية تتحقق على المستويين النظري والعملي في وقت واحد. أما فصل المستويين، فهو نتيجة تتأدى إليها الرغبة في تجريد الوقائع من بعدها المطلق (المتحرر)، ما من شأنه التعامل مع الوقائع بتفسيرات لا تتجاوز حدودها الظرفية إلى أبعاد متحررة من ضيق اللحظات والهنات. ألحّ حسن حنفي على تجريد المفاهيم الدينية من قيمها الواقعية ـ الدنيوية ـ وعلى فصلها عن فاعليتها التاريخية وعزلها في دوائر مغلقة، فوصف لفظ الآخرة بالسلبية “لأنه لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التحقق منه في الحياة العملية”[63]؛ وزعم أن “كل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها؛ ونفى الحقيقة الذاتية لله، ونسب صفات العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة للإنسان “الكامل”، لا لله المجرد بزعمه من الحقيقة الوجودية؛ ولذلك، ينبغي، في رأيه، الانتقال من الله إلى الإنسان الكامل[64]، وتغيير الألفاظ الدينية التراثية القديمة مثل “الجن والملائكة والشياطين بل الخلق والبعث والقيامة (فهذه) كلها ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع”[65]؛ وكان أحرى به أن يقول إنها لا تحصر الحياة الإنسانية، عقلا وواقعا، في مفهوم وجودي مادي، لا يسع إلا المحسوس، وينفي إمكانات التفتح على “غيب” لم تلجه الفاعلية الإنسانية بعد، ولا دليل على أنها لن تلجه؛ وثمة دليل، أو أكثر، على أن ما لا ندركه بالحواس أو نعيه بالعقل، لم يرسم، منذ بدأت رحلة الإنسان، حدودا نهائية للمعرفة أو الواقع.

الدين ينقل الإنسانية إلى مفهوم ربوبي إلهي، أو يوسع فاعلية الإنسان بالمفهوم الربوبي الإلهي، بتحويل فاعلي للدين، أو للوحي، لا بإلغائه، وبتحويله إلى أيديولوجية لا تنعزل عنه في دائرة دنيوية ضيقة؛ أي لا تحشر واسعيته في ضيقها، ولكن، تؤصل فاعليتها بواسعيته. مشروع حنفي لا يعكس هذه الرؤية، لصدوره عن رؤية دنيوية لا تستجيب لواقعية الذاتية العربية الممتدة دينيا في أعماق التراث، ومن ثم، لا تلبي المطلب النهضوي العربي المعاصر، لنقصان أو عدم كفايتها لـه. ولا يعدو مشــروعه مهمة شــطر الذات العربية المعاصرة، شـطرا جديدا، إلى “دنيا” وحالـة اغتراب عن الذات التاريخية، وإلى ديـن وأخرى، لا يقدر فكر ما على إلغاء حلولها في الواقع العربي المعاصــر؛ إلا أن من الممكن إغلاق بعض مســاحات الذات عليهما، فيكرس ذلك ـ ويفعل هذا مشروع حنفي ـ انشطار الذات العربية القديم، بين الديني والدنيوي، وبين الذاتي والأجنبي، لانتماء أصول مشروع حنفي الفكري إلى بيئة أجنبية أعطت مفاهيم متساوقة معها، لا متساوقة مع البيئة الثقافية العربية.

بان التوجه الماركسي لفكر حسن حنفي قبل إصداره كتاب “التراث والتجديد”. وللطبيعة الأجنبية للماركسية، اقترن توجهه بمحاكاة ومتابعة غير، كشفه مقالان له عرض في الأول منهما فكر داعية ماركسي أوربي، وعرض في الآخر دعوة فكر وعمل للاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية، وكشف عرضاه عن تشابه دعوته في “التراث والتجديد”، ودعوة صاحبيه، ففند ما زعمه بعد أن مشروعه لا يدل على أثر خارجي من بيئة ثقافية أجنبية.

وصف حسن حنفي في مقال “الأيديولوجية والدين”[66] ماكسيم رودنسون مؤلف كتاب “الإسلام والرأسمالية” بأنه ماركسي التزم ـ في كتابه المذكور ـ بتطبيق روح الماركسية التي “ترتكز أساسا على الالتزام بالواقع وتفسيره بفروض لا تتعدى حدوده”[67]، وقال: “ساعده اعتناقه للماركسية على التحرر من تصور الدين القديم، وفهم الدين كأيديولوجية “بطبيعته”[68]. نقل حنفي عن رودنسون تصنيف الأيديولوجيات إلى ثلاث: وطنية ودينية وإنسانية أو شاملة، واستدرك عليه: “ولكن ينقص هذه الأيديولوجيات الثلاث الأساس الاقتصادي” وبنى على هذا الأساس قبول الاعتراف بالصراع الطبقي، فـ “هو مقياس صدق أيديولوجية عن أخرى”، وأكد الحكم على الأيديولوجية الشاملة بأنها أقرب الثلاث إلى الإقرار بهذا الصراع الطبقي؛ أما الوطنية أو الدينية فتتحول في كثير من الأحيان ـ لدى حنفي ـ إلى رجعية أو فاشية على أيدي الوصوليين وأصحاب الامتيازات باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة أخرى؛ “والأيديولوجية الاشتراكية وحدها، التي تقوم على الصراع بين الطبقات، هي القادرة على الالتزام بقيمها”[69]. تبنى رودنسون التفسير اليساري للدين[70]، ووافق ذلك هوى حنفي فدعا إلى “يسار إسلامي”[71]، زج به في مفهوم طبقي فردد صوت رودنسون: إذا أريد للأيديولوجية الإسلامية أن تقوم بمهمتها، فإن عليها أن “تدخل في الصراع الطبقي، وأن تحرك المسلمين بدافع من هذا الصراع”[72]، وعمّق “التراث والتجديد” هذا الصدى، فهو، يذكر مؤلفه، “تحليل طبقي” للمجتمع، ودفاع عن “الطبقة العاملة”[73]. عرض حنفي دعوة رودنسون إلى “مركسة” الإسلام في كتاب عبّر فيه عن رؤيته لوضعية “الأنا”، مساهمة منه ـ يقول ـ في “حل الأزمة (العربية) المعاصرة، ودرء الأخطار عن الأمة… نقدا للتراث وإصلاحا للذهن”[74]. وهذه عملية شارك فيها رودنسون، بدعوته إلى “مركسة الإسلام”، بحق وهبه له حنفي، مثلما وهبه للاهوتي الماركسي كاميلو توريز.

عرض صاحب “في فكرنا المعاصر” سيرة “القديس الثائر” توريز في فصل طويل ختم به كتابه، وعنونه بـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”. ويستدعي هذا الفصلُ الدهشة، فالكتاب ـ في فكرنا المعاصر ـ مفرد لـ “الأنا”، ووفقا لمفهوم “الأنا” المقيد في الكتاب بوظيفة حل الأزمة المعاصرة ودرء الأخطار عن الأمة”؛ ووظيفة نقد “الذات”؛ والأمة والذات والضمير “نا” في “فكرنا المعاصر (عنوان الكتاب)”، توحي كلها بعربية موضوعها؛ بهذا القيد، فـ “الأنا” توحي بعربيتها أيضا، ومطّ هذه “الأنا” لتشمل توريز، كما شملت رودنسون من قبل، أمر يستدعي الدهشة! وكان أحرى بالمؤلف أن يضم فصله عن توريز، وعن رودنسون أيضا، إلى كتابه “في الفكر الغربي المعاصر” حيث تسعهما الدلالة الجغرافية لعنوانه، ويسعهما موضوعه، فهو للحديث عن “الغير”[75]. ولا تلبث الدهشة أن تتبدد، مع تبدد القيد العربي على “الأنا” هذه، ومطِّها على مقاس البلاد النامية[76].فالواضح أن إفراد الفصل الأخير من كتاب عن “الأنا” العربية، لإبراز سيرة لاهوتي ماركسي غير عربي، هو خطوة، عن قصد واعي، لتجريد الذات العربية من هويتها الدينية، بعد تجريد “أناها” من عروبتها الحميمة العلاقة بالدين. جاء فصل توريز ليمثل جسرا إلى كتاب “التراث والتجديد”، بقضيته التي عدّها مؤلفه جزءا من العمل الأيديولوجي للبلاد النامية[77]. ومطّ “الأنا” بعروبتها حميمية العلاقة العضوية بالدين، إلى “أنا” الدول النامية، غير المجتمعة على تاريخ أو دين أو ثقافة أو مكان، يستجيب لمقصد حنفي الذي هو قلع “الأنا العربية” من تراثها الفارق، وزرعها في نظرية أجنبية يحملها لاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية يقحمه حنفي في فاعلية ثقافية تنقد الذات العربية، وتضم “تحليلات الواقع العربية وحالتنا ـ [لاحظ: حالتنا، والنسبة لا شك أنها تعود، في الظاهر، للعربي] ـ الراهنة”[78]. ومع ذلك، يجيز هذا النص لحنفي ضم أجانب إلى كتاب عن “الأنا” العربية، بحكم الواقع العربي المشروخ المهلهل والمائع، الذي يبيح للغير اقتحامه، بدعوة منا أو بغير دعوة، خاصة وأن الواقع العربي وحالتنا الراهنة هو ـ لا أقول هما، لوحدتهما ـ موضوع الكتاب المنتهَك؛ انتهكه فصل لم يسبق نشره، كما هو شأن فصول الكتاب الأخرى التي سبق نشرها، دون استثناء، في صحف مصرية وعربية، أو سبق إعدادها لغرض النشر الصحفي، إلا الفصل المفرد لـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”، الأمر الذي يؤيد دعوى القصدية للتمهيد لمقدم مشروع حسن حنفي: “التراث والتجديد”، الماركسي النية والتوجه، وهو توجه دعمه مقال “الأيديولوجية والدين” عن رودنسون الماركسي الأوربي، هذا الذي يؤكد ضمّه إلى كتاب عن “الأنا”، أن دلالة “الأنا” عند حنفي لا تشير إلى ما هو عربي، ولا تنتمي إلى العالم النامي الذي ينتمي إليه توريز، ولكنها تنتمي إلى رؤية ماركسية، قصدَ حنفي إلى صياغة الواقع العربي الراهن بها، ودعا إليها عبر دعاة أجانب، منسجما بذلك مع الطبيعة الأجنبية للدعوة الماركسية بردها إلى طبيعة الذاتية العربية.

رهن توريز ـ الراهب وعالم الاجتماع ـ التغيير في المجتمعات النامية بتغيير البناء الطبقي للمجتمع[79]. وسعى إلى تفسير الدين المسيحي تفسيرا ثوريا، يعيد بناء عقائده ونظمه ومؤسساته؛ وتوسل، بإعطاء النصوص الدينية مضمونا ثوريا. نشر دعوته الثورية في مجتمع غلب الطابع التقليدي عليه، ودعا إلى ملكوت إلهي “لا يتحقق إلا على الأرض، ولا يتحقق إلا بالثورة”، هذا، وإلا فالدين أمل ورجاء عند المعدمين، و”أفيون شعوب”.. ومن ثم ـ  يضيف توريز أو حنفي ـ فلا خلاف بين الماركسية والمسيحية (؟!)، فكلاهما ثورة، بصرف النظر عن الأساس الفكري لكل منهما(؟!).. “الماركسية والمسيحية شيء واحد”(؟!).. إن تحقيق ثورة يقوم بها المسيحيون، ببرنامج توريز، هي ثورة مواطنين، لا باعتبارهم متدينين بدين خاص[80].

ألغى توريز الفارق الجوهري بين الماركسية والمسيحية، ممهدا لإلغاء الثانية، بخطوة أولى تقيدها بالوطنية، بعد أن قيد “ملكوت الله” بالأرضية، ليصل إلى غاية أبعد:يثور المسيحي باعتباره مواطنا، ولكن قد تنقصه الأساليب التكنيكية للثورة؛ إزاء هذه الفجوة، يستدعي توريز الماركسيين، “فهم تكنيكيون في الاقتصاد والسياسة…”، وليهم نظرية في العمل الثوري، والثورة قدرهم لاتاريخي، والماركسية عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير؛ قال[81]. وجاوز توكيل الماركسيين بالثورة إلى تقييد المسيحي بها، وبصبغتها الماركسية: “ليس أمام المسيحي خيار.. لا يمكنه أن يعارض الثورة.. (إن) الثورة أمر معقد.. والواقع قد يندّ في بعض الأحيان عن أحكام الخير والشر [الدينية]، بل إن المادية الجدلية [الماركسية] قد تكون هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري”[82].

لا توهن “قد” في نص حنفي الأخير من صرامة موقف توريز المتبني دعوة التغيير الاجتماعي بالنظرية الماركسية. صحيح إن “قد” مع الفعل المضارع تفيد التوقع أو التقليل أو التكثير”[83]، بما يعني: من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري؛ أو: “قليلا” ما تكون المادية الجدلية هي الأساس..؛ أو: “كثيرا” ما تكون… لكن “قد” هنا تعمل تحت قيد شرط السياق المستوحى من التوجه العام لدعوة توريز، وتحت قيد عمل “قد” في نص أسبق: “ولكن قد ينقصهم ـ يعني المسيحيين الذين يقومون بالثورة باعتبارهم مواطنين ـ الأساليب التكنيكية لتحقيق ذلك ـ أي: الثورة ـ ..”؛ “قد” في النص الأخير لا عمل لها على الحقيقة، وهو تعطيل لها ينسحب على شقيقتها؛ والمراد منها في كل حالة تزويد صاحب النص، بأداة تنقله إلى غايته، بأسلوب الخطوة خطوة؛ وفيما يخص توريز، فالموقف من المسيحية واضح، وإقحامها في “وحدة” مع الماركسية سلب لفاعلية المسيحية للتغاير الجوهري بينهما، ولاتجاه توريز الواضح نحو ترجيح كفة الماركسية، ولو كانتا قد تساوتا لديه، فما الداعي إلى التحول عما هو غائر الجذور في مجتمعه إلى نظرية أجنبية لا يقبلها مجتمع راسخ في عثيدته الدينية؟ “قد” لها وظيفة الساتر، عند حسن حنفي الذي ننقل نصوصه، وعند توريز الذي نتأمل موقفه عبر صياغة حنفي له، وهي صياغة واعية هادفة: فإذا كان من “المتوقع” أن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر؛ فإن من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري. وأن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر أمر “متوقع”، أو هو أمر واقع، دليل وقوعه أن راهبا يدعو إلى الثورة عليه، بنظرية لا تتعامل مع الواقع برؤية الخير والشر بميزان المسيحية، التي ندّ عنها الواقع، فاقتضى الحال التعامل مع الواقع برؤية تكنيكيين زعم توريز أن “تحليلاتهم للواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد النامية مطابقة للواقع ولمتطلبات الجماهير، لذلك كانت الماركسية [عنده] “عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير”[84]. والجزء الأخير من النص الأخير يعادل قول: المسيحية (ليست) عقيدة شعبية (ولا) يمكنها تجنيد الجماهير؛ وإلا ما الذي يدفع “راهبا” لإزاحة عقيدته الدينيه (الراسخة)[؟؟] في أعماقه الفردية والجمعية، واستدعاء الماركسية؟! لم يعد ثمة معنمى للأوجه المختلفة للـ “قد” طالما أن القصد نحو التحول للماركسية واضح ولا تستره السواتر.

لم يكن الحديث عن توريز، غير تمهيد لمشروع صاحب “التراث والتجديد” الذي رفض فيه ـ حنفي ـ التوحيد الديني الإسلامي القديم الحاضر بفاعلية التراث، فدفعه إلى ما وراء حدود الماضي، ليدعو إلى توحيد جديد هو توحيد “لاهوت الأرض، ولاهوت الثورة، ولاهوت التحرر، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم، كما هو الحال في عديد من الثقافات المعاصرة في البلاد النامية”[85]. هل ثمة شك، بعد، في أن فصلا عن توريز، أحد ذوي الثقافات المعاصرة في البلاد النامية، بطريقة تستجيب لمقاصد حنفي، هل ثمة شك في أن ضمّ فصل عن توريز، غير العربي، في كتاب في الفكر العربي المعاصر، هو إلا إجراء توسل به حنفي إلى تمهيد الأرض العربية الإسلامية لشقها بزراعة الماركسية فيها؟!

ضيّق حسن حنفي الواسع، وعلى سنة توريز، حشرالواسع في الضيق. ورفض العود إلى منبع التراث الذاتي: القرآن الكريم، وزعم أن العود إليه “طريق مسدود محفوف بالمخاطر والصعوبات”، واقترح، بدلا عن ذلك، العود إلى الطبيعة[86]، وقال إن الوحي ذاته كان “عودا إلى الطبيعة”[87]. لم ينكر قيام الوحي كما هو بين أيدينا، لكنه عاب تفسيره على نحو إلهي، أكثر من تفسيره على نحو إنساني[88]؛ أي: عاب توسيع (تعميق) النص، ومن ثم، توسيع (تعميق) الوجود الإنساني، ورجح أهمية تضييقه ـ بالإنساني ـ ليحقق غاية مشروعه الدنيوي الماركسي[89].

لن يستجيب الواقع العربي الراهن، بكثرته، لمشروع فكري لا يستوعب حاضره وتراثه برؤية توحد أبعاضه الوجودية تصدر عن أصل ذاتي لا يتخلف عن تجديد إبداعاته التاريخية، في مناخه، لا في مناخات أجنبية لها أصولها المغايرة. الأصل العربي الذاتي أوسع (أعمق) من المدى الذي يحصر رؤية حسن حنفي التي قصدت إلى خنق إمكاناته النهضوية الفاعلة بنقله من أرضه إلى أراضي الغربة؛ ولا يؤصل هذا النقل مشروع النهوض العربي المعاصر المطلوب.

محمد عابد الجابري

استدعاء لحظة بلا آفاق!

حدد محمد عابد الجابري المشكلة النهضوية العربية الراهنة بالازدواجية التي تطبع كل مراتفق الحياة المادية والفكرية العربية؛ وأخطر ما في هذه المشكلة، في رأيه، ازدواجية موقفنا من هذه الازدواجية: فنحن نقبلها على صعيد الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي، ونبني مخططاتنا التنموية على أساس “تنمية” هذا الواقع المزدوج.. ننفق على القطاعات “العصرية” من أجل تدعيمها وتوسيعها تحت لافتة “التحديث”، كما ننفق على القطاعات “التقليدية” من أجل الإبقاء عليها وإحياء المندثر منها، باسم “الأصالة” والحفاظ على “التقاليد”؛ ونرفض، في الوقت نفسه، هذه الازدواجية على صعيد الحياة الروحية والفكرية: فبينما يدعو فريق إلى تبني قيم الفكر الغربي المعاصر، التي تشكل جزءا لا يتجزأ من نموذج الحضارة الغربية؛ يدعو فريق ثان إلى التمسك بقيمنا التراثية وحدها؛ ثم ينهض فريق ثالث فيلتمس وجها أو وجوها للتوفيق بين الأول والثاني، في محاولة للتخفيف من وقع هذه الازدواجية على الوعي ليس إلا[90].

ركز الجابري مشروعه الفكري النهضوي في “الشرعية التاريخية” ونشد “العودة إلى الأصول” مع الحذر من الانزلاق إلى اغتراب عن العصر الراهن، بالتقوقع في الماضي الذي تنتمي إليه الأصول، وما دعوة “العودة إلى الأصول” التي تبناها إلا “سلاحا” يتقوى به مشروعه، بحيازة عوامل القوة التراثية، أي: باستدعاء عناصر التراث النافعة بمقياس الحاضر ومقياس التراث[91]. وهو لا يشذ ـ على تقديره ـ عما عرف من نهضات، معرفة مفصلة، التي عبّرت، أيديولوجيا، عن بدء انطلاقتها بالدعوة إلى الانتظام في تراث، وبالضبط، للعودة إلى “الأصول”، لا باعتبار “الأصول” أساس نهضة مضت، ويجب بعثها على ما كانت عليه، “بل من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر، ونقد الماضي القريب، الملتصق به، المنتج له، المسئول عنه، والقفز إلى المستقبل”. لم يتنكر سؤاله النهضوي للماضي كله، ولم يستدعه كله. احتمى بـ”الأصيل”  ووظفه لصالح النهضة، عبر عملية الانطلاق في نقد الحاضر والماضي القريب[92].

النهضة في فكر الجابري مشروع يحتوي الماضي، لا ككل وتفاصيل، بل كـ “أصل”. وساق شهادتين تاريخيتين تدلي بهما تجربتا النهضة العربية الإسلامية القديمة، والنهضة الأوربية الحديثة. انطلقت الدعوة الإسلامية والنهضة العربية الأولى في تراث التوحيد الذي يرجع إلى الأصل الإبراهيمي النقي: دين إبراهيم الأب، جدّ العرب[93]. وجاوزت بهذا الرجوع الموروث العربي، وشيدت تراثا جديدا انطلق، منذ انتصار فتح مكة الحاسم، بالدعوة التوحيدية ـ الحنيفية، ملة إبراهيم ـ إلى “أبعد مداها”. وارتكزت النهضة الأوربية الحديثة على “أصولها”، وانطلقت منها، و”عاد مركز السلطة الفكرية ـ في أوربا ـ إلى تجربة الفرد وعقله”[94]. ما هو الأصل الذي ينبغي على مشروع النهوض العربي المعاصر العودة إليه؟ قبل أن يعطي جوابا عن هذا السؤال، طرح الجابري سؤالا جديدا: لماذا لم تنجح النهضة العربية الحديثة، نهضة القرن الماضي والقرن الحاضر في تحقيق التجاوز النهضوي للماضي؟ أي: لماذا ظل التراث عندنا منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، يوضع بطريقة أو بأخرى، مقابل “تحديات العصر”؟ أو: لماذا بقيت إشكالية الأصالة والمعاصرة تمثل وإلى اليوم، أي: على مدى قرن ونصف، الإشكالية المحورية في الفكر العربي؟ ولماذا لم تعان النهضة العربية الأولى، ولا النهضة الأوربية الحديثة مما نعبر عنه اليوم بـ”إشكالية الأصالة والمعاصرة”، أو بما نسميه التراث وتحديات العصر؟[95]

لاحظ الجابري تباين ظروف النهوض العربي الأول، والأوربي الحديث، عن ظروف نهضة عربية جديدة، فبينما غاب “الآخر المنافس المضايق” في حالة النهوضين الأولين، يحضر “الآخر” في الظرف النهضوي العربي الجديد. غاب “الآخر” في تجربة النهوض العربي الأول بسقوط دولتا الروم والفرس من قبل؛ وغاب “الآخر” في تجربة النهضة الأوربية الحديثة بعدما سقطت النهضة العربية الإسلامية الأولى. غاب “الآخر” وتهديده في حالة التجربتين العربية القديمة والأوربية الحديثة، فأفسح غيابه أمام رجوعهما إلى الأصول، الذي اتخذ شكل الرجوع إلى الماضي لتجاوزه هو والحاضر إلى المستقبل. أما الحالة العربية الجديدة، فـ “الآخر” يهدد ويتحدى وجودها، فيدفعها للاحتماء بالماضي؛ تنتكس إلى الوراء. كان الرجوع إلى الماضي في التجربتين العربية الأولى والأوربية الحديثة آلية نهضة، في التجربة العربية الجديدة، آلية النهضة آلية دفاع أيضا في مواجهة خطر “الآخر”؛ لم يعد الماضي ـ في المشروع النهضوي العربي الجديد ـ ركيزة القفز إلى المستقبل حسب، لكنه غدا، بالدرجة الأولى، مطلوبا لـ”تدعيم الحاضر، ولتأكيد الوجود واثبات الذات”، فقامت ـ هذه الوظيفة المزدوجة لآلية النهضة ـ عائقا نهضويا، نجم منه “مشاكل حضارية وفكرية، وعلى رأسها إشكالية الأصالة والمعاصرة”[96]. حرك “الآخر” عوامل الواقع العربي الحديث الداخلية، بما حمل من عدوانية وغزو استعماري واحتكار وهيمنة.. وبما حمل، أيضا، من قيم الحداثة المادية والمعنوية، كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية.. كان “العدو والنموذج”؛ ازدواجية “الآخر” هذه، أنشأت موقفا نهضويا عربيا مزدوجا قبالة الماضي والمستقبل، فتوترت وقلقت والتبست علاقة الماضي والمستقبل، والتراث والفكر المعاصر، الأنا والآخر.. فلم تقم على الاتصال ولا على الاننفصال، قامت على “التنافر والتدافع”[97].

نتائج العودة للماضي الثنائي لا تبطل صلاحية مبدأ العودة للأصول، فلا نهوض دون هذه العودة، فهي مطلب نهضوي ضروري يقيده شرط حيازته إمكانات الاستجابة للعوامل الظرفية بكيف يتفادى إنتاج مشكلات جديدة، أو مفاقمة مشكلات قديمة. تبنى الجابري دعوة توحيد التراث والفكر المعاصر “على صعيد وعينا”، بإعادة بنية الوعي بالماضي والحاضر والعلاقة بينهما، لتكييف الأصول والمعاصر، في عملية تتطلب “التخطيط في آن واحد لثقافة الماضي وثقافة المستقبلل”، يعني: إعادة كتابة تاريخ ثقافة الماضي، ومن ثم، إعادة تأسيسها في وعينا، وإعادة بنائها كتراث لنا “نحتويه بدل أن يحتوينا”؛ والتخطيط يوفر شروط مواكبة ثقافتنا المستقبلية للفكر المعاصر، وللمشاركة في إغنائه وتوجيهه، بما يحقق المعاصرة التي تُجاوز بنا الماضي إلى المستقبل، بعد علاج مشكلة الأصالة والمعاصرة، الذي يجري مع التحرر من “ماضينا”، ومن التبعية للآخر. والتحرر من التبعية للآخر، أو من الانبهار به، والاستلاب لثقافته ـ الآخر المعني هو الغرب، ويشترط الجابري ـ لا يتم إلا “عبر ـ ومع ـ التحرر من هيمنة التراث”؛ فالتحرر من هيمنة التراث ومن هيمنة الآخر وجهان لعملية واحدة، يجمعهما موقف نقدي واحد منهما على السواء، مع أولوية التحرر من هيمنة التراث، يعيد ـ الموقف النقدي ـ إعادة كتابة تاريخنا الثقافي في كتابة عقلانية مسوغة تاريخيا لـ”تكون هي التربة الصالحة الغنية الخصبة، التي تستطيع حمل مبادىء العلم المعاصر وأسسه”، ليحترز الفعل العربي النهضوي المرجو، بنقل مبادىء وأسس العلم المعاصر، عن نقل نتائجه وثمراته؛ فلا نستورد لنستهلك؛ نستورد “لنغرس ونستنبت”.ونجاح الغرس والإنبات يتوقف على إعداد التربة الصالحة، “والتربة الصالحة لا تستورد”[98].

رفض الجابري هيمنة التراث، وسعى إلى الانطلاق من داخله، وبوسائله وأمكاناته، فـ”لا تجديد ولا تحديث يبدأ من الصفر، بل لا بد فيهما من الانتظام بعمل سابق، (أي:) في تراث”[99]. ومشروعه الثقافي ممتد ـ يقول ـ من مشروع “إعادة التأسيس”، الذي بدأه ابن حزم (384-456هـ) في الأندلس الذي أبرز تناقضات ومحاولات ما انتهى إليه التدوين في المشرق العربي من مذاهب وآراء ونتائج، والذي ضادها بإلحاح وحدَّة وإصرار وثقة، واضعا إصبعه على مظاهر الأزمة ومكانتها؛ ما رآه الجابري مشروعا فكريا فلسفي الأبعاد طمح إلى “إعادة تأسيس البيان، وإعادة ترتيب العلاقات بينه وبين البرهان، مع إقصاء العرفان[100] إقصاء تاما”[101]. تقوم المعرفة البيانية على الإنفصال؛ “فالشيء يكون بيِّنا، ظاهرا مفهوما، إذا تميز عن غيره، لا بل إذا انفصل عن محيطه وأصبح يقدم نفسه كيانا قائما بذاته”[102]. ومع قيامها على الانفصال، تحصر الرؤية البيانية النشاط العقلي “في المقاربة بين الأشياء بعضها مع بعض، لا يتعداها” إلى الاقتران الضروري[103]. اعتمد ابن حزم العقل في الشريعة؛ “وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لأوامره”. وعنده: إذا كان قد نُصّ على الدين كله وجميع أحكامه، فما الحاجة إلى القياس البياني؛ “قياس الفقهاء والنحاة واستدلال المتكلمين” الذي تؤسس الرؤية البيانية منهجه، وتؤطره داخلها، الرؤية المؤسسة ـ بدورها ـ على نظرية الجوهر الفرد التي ينحل فيها كل شيء في العالم إلى أجزاء لا تتجزأ، تقوم العلاقة بينها على التجاور والانفصال؟[104]. رفض ابن حزم الرؤية البيانية للعالم، وتبنى طبيعيات أرسطو ومفاهيمها ونظرياتها البرهانية، ليؤسس البيان على البرهان؛ أراد أن يؤسس البيان عقيدة وشريعة على البرهان”[105]. رأى الجابري في مذهب ابن حزم “نزعة عقلية تتمسك بالنص، وبالنص وحده، فيما ورد فيه نص، وهو قليل ومحصور كما يقول ابن حزم نفسه؛ أما الباقي، وهو غير محصور، فمتروك للعقل”[106].

واصل الفيلسوف ابن رشد مشروع إعادة تأسيس البيان، فاستعاد المحور الرئيسي في مشروع ابن حزم، وفي ميدان العقيدة خاصة، “بالتمسك بظاهر النص أيضا، والتعامل معه تعاملا “برهانيا” كذلك”[107]. بلغ ابن رشد، يقدِّر الجابري، مستوى فكريا فلسفيا ناضجا متمكنا من نفسه، واعيا بنضجه، فطبع بصماته على التأثير الحزمي فيمن جاء بعده؛ الشاطبي ومعاصره ابن خلدون المرتبطين بالحزمية الرشدية، وابن تيمية، الذي عاش قبلهما، الذي وافق آراء ابن رشد الرئيسية في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة”” ومنها اعتقاد ابن رشد “أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات”، أي: إن الله خارج العالم؛ كرر ابن تيمية هذه المقولة الرشدية في تعليقاته على “الكشف..”، ويمكن القول إن “كل ما قرره ابن تيمية في مختلف كتبه من أن العقل والنقل لا يتعارضان، إنما نجد مرجعيته المباشرة عند ابن رشد”[108]، قرر الجابري.

لا يزال مشروع إعادة تأسيس البيان، وفق عرض الجابري له[109]، يعكس الرؤية المعرفية البيانية المؤسسة على علاقات التجاور والانفصال: الله والعالم، العقل والنقل، النص واللانص، العقيدة والفقه، الظاهر والباطن.. وإزاء هذه الثنائيات، يحصر مشروع إعادة تأسيس البيان الذي ينطلق منه مشروع الجابري، يحصر الفعل العقلي في دائرة التسليم بالنقل (النص الديني) من جهة، وفي دائرة اللانص من جهة أخرى، وهما دائرتان منفصلتان لا يوحدهما العقل، في حالته الانفصالية، لفقدانه خاصة جوهرية فيه، خاصة الاجتهاد المفتوح؛ فالعقل، في مشروع إعادة تأسيس البيان، يقبل النقل باعتباره “كيانا قائما بذاته” مصدره الله، والمصدرية الإلهية، لدى الظاهرية التي يمثلها ابن حزم، تسدُّ أبواب الاجتهاد، إلا الباب الذي نتلقى منه الأمر بالقبول بالنص على ما هو عليه. والمساحة التي منحها مشروع إعادة تأسيس البيان لحرية حركة الاجتهاد العقلي تنتهي دون المساحة النصيّة، ذات الحرمة، الممنوع اقتحامها من داخلها، لـ”حصانتها النقلية”، فلا يجتهد العقل اجتهادا مفتوحا إلا خارج أرض النص، ولا يتحرر الفعل العقلي من حصاره في دائرتي النص واللانص؛ إن كل حد يحدّ به الفعل العقلي، هو حدّ تُحدّ به دوائر الثنائية المنغلقة على ذاتها، المنفصلة فيما بينها، انفصال الرؤية البيانية. كان إقصاء العرفان “إقصاء تاما” من مشروع إعادة تأسيس البيان، انسجاما مع ظاهرية ابن حزم، إشارة مبكرة إلى قصور هذا المشروع عن تحقيق إنجاز عقلي كامل يحرر الفكر العربي من ثنائية البيان والبرهان التي انتهى إليها ـ حتى الآن ـ مشروع ابن حزم / الجابري. الرؤية العرفانية لم تبرأ من داء الثنائية لتمييزها بين ظاهر النص وباطنه، ولكن نزوعها لاختراق منهجية العقلية العربية الجاهلية، عقلية مفردات اللغة المنفصلة بانفصال الأشياء كما كانت تبدو للعربي (الإعرابي)، هذا النزوع العرفاني نحو اكتشاف أبعاد أشد عمقا مما يشير إليه ظاهر النص، يمثل أساسا، تستطيع رؤية معرفية عقلية برهانية الانطلاق منه، لتوسيع “الظاهر” باختراق حدوده، لا بفصله عن “الباطن”، بل بتوسيع “الظاهر” باجتهادات مفتوحة، اجتهادات عقلية برهانية، يخضع لها الواقع كله، غير المجزء بين ثنائيات الثقافة العربية التقليدية.

ثم جاء الشاطبي بعد ابن رشد، بنحو قرنين، فكان ، في رأي الجابري “على مستوى واحد من النضج العقلاني، وعلى درجة واحدة في مجال التجديد والإبداع العقليين مع ابن رشد وابن خلدون”[110]. قرر الشاطبي في “مقاصد الشريعة” أن الله وضع الشريعة الإسلامية بالصورة التي يمكن بها للناس فهمها، فقد نزلت بلسان العرب، “وقصد الشارع من وضعها بلسانهم إفهامهم على معهودهم منه، وما هم عليه من الأمية”؛ ولأن العرب أميون، فإن الشريعة أمية كذلك، يقول الشاطبي الذي أراد ـ يقول الجابري ـ أن يخرج من توكيده على أمية العرب وأمية الشريعة أنه “لا بد من التقيد في فهم الشريعة وتفسير القرآن بمستوى هذه الأمية من جهة، والتزام معهودهم في أساليب التعبير من جهة أخرى”[111]. وبدا للشاطبي أن تحكيم العقل في الأحكام الشرعية، خروج على الأمية وعلى المعهود من أساليب العرب في التعبير [التفكير]؛ قال: قَصْدُ الشارع من وضع الشريعة ابتداء هو حفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهي ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينات. “كيف ثبت أن هذه الأمور الثلاثة هي مقاصد الشريعة وكلياتها؟ هل بالدليل العقلي أم بالدليل النقلي؟ الجواب (للشاطبي) هو أن العقل لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول في الأحكام الشرعية، وهو غير صحيح، (الكلام ما زال للشاطبي)، فلا بد أن يكون نقليا”. بعدما رفض الشاطبي توسيع فاعلية العقل لتستوعب الشرع (النقل)، حصر هذه الفاعلية في نشاط يستقرىء الشريعة، لتلمس روحها وتحليل عناصرها، “بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه… على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم وشجاعة علي”[112]؛
ثبت جود حاتم وشجاعة علي “عند العامة” بالنقل لا بالعقل، أو بالنقل الذي يعاونه عقل العامة لا العقل المتحرر من السماع، والأكبر منه! وصف الجابري منشِىء “مقاصد الشريعة”، الشاطبي،  بأنه يحتل موقعه في أوج مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. لكن هذا الأوج ذروة من ذرا تعميق ثنائية المعقول والمنقول المتفشية في تاريخ الثقافة العربية، جسمها الشاطبي بتقرير “أمية الشريعة” ونفي إمكان فهمها بمنهجية لا تلتزم تقريره المبني على تقرير أمية أهل الشريعة، المؤسسة، وفقا لرؤية مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان، على رؤية بيانية لا برهانية؛ فوقع، لا في “أوج تراث مشروع نهضوي عربي معاصر، يحلم به الجابري، بل في أوج موقف متردد بين الرؤية البيانية والرؤية البرهانية: وقف، هو والمشروع المنتمي إليه على ذمة الجابري، مغلولا عند الخط الدائري الذي يفصل النقل عن العقل، فصلا موهوما، وعند هذا الخط الموهوم، مارس التردد العربي العريق بين العقل وتغييب العقل. مشروع الشاطبي هو مشروع العقل الذي يغيِّب العقل!

تكررت ثنائية العقل والنقل مرة أخرى لدى ابن خلدون، الذي عمل على تحقيق مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. قال الجابري: وضعنا ابن خلدون في “نهاية المطاف أما صنفين من الحقائق[113]: حقائق يؤكدها العقل، وأخرى يقررها الدين”؛ فجدد مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة التي شغلت الفكر الفلسفي في المجتمع الإسلامي منذ بدايته، التي تعادل مشكلة التوفيق بين النقل والعقل؛ التي انتهت، وانتهى إليه معها مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. ما موقف ابن خلدون من هذه المشكلة على وجه الخصوص، الذي ينبسط ليشمل أمّ مشاكل الثقافة العربية على وجه العموم؟ يقول الجابري: استمد ابن خلدون موقفه إزاءها من طبيعة رأيه في المعرفة البشرية وميدانها وحدودها. فما دام العقل مشروطا بالتجربة وميدانه محدود بنطاقها، فإن أية مسألة يقررها في ميدان ما وراء الحس، هي مجرد تخمين. ولذلك “فإذا هدانا الشارع [النص لابن خلدون] إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما، ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه….. أما شؤون الدنيا وأمور المعاش ومسائل الاجتماع والحكم فهي متروكة للعقل”[114].يعفينا النص الذي نسبه الجابري لابن خلدون عن معاودة التوكيد على وضعية العقل المنعزل في دائرة مغلقة دون مطلق المعرفة البشرية، القائمة قبالة دائرة الوحي، المحكومتان بعلاقة جوار، فيظل كل منهما في حدوده لا يتعداها، فإذا لم يزالا كذلك، انتفى ـ يحكي الجابري ـ التعارض بينهما، فـ “هما لا يتعارضان إلا حين يتعدى أحدهما نطاقه، ويدخل في نطاق اختصاص الآخر”[115]، قال الجابري. هذا التقسيم يعمق شطر الذات المؤمنة إلى ديني ودنيوي، أو إلى ثنائية الخالق والخلق في عقيدة المتكلمين الأشاعرة التي لم يخرج تصور ابن خلدون الديني الأساسي عنها؛ وهو ما لم يخرج ـ أيضا ـ عن الرؤية المعرفية البيانية القائمة على الفصل، التي أنتجت لدى الأشاعرة، أيضا، عقيدة تنكر الضرورة السببية، وتابعهم ابن خلدون على هذا المذهب، فالسببية لدى الأشاعرة، ولدى ابن خلدون، ليست مبدأ عقليا ضروريا وقبليا: “إن الاقتران والارتباط بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، وكل ما هنالك هو أن الله أجرى العادة على أن تحدث حوادث معينة عند اقترانها بحوادث أخرى”[116]؛ والضرورة السببية توجب الاتصال [الطبيعي المنطلق: الانفتاح الحر]، والاتصال لا يجب على الاقتران الجاري بحكم العادة.

ينتظم مشروع الحابري في مشروع إعادة تاسيس البيان على البرهان التراثي، باعتبار ما في الأخير من جوانب عقلية إيجابية هامة عكسها فكر ابن خلدون، ولم ينل من أهميتها، في نظر الجابري “إيمانه بالنبوة والوحي”؛ ألمح الجابري إلى أن مثل هذا الإيمان يُضعف العقل[117]، أو: الإيمان بالنبوة والوحي ليس من مهمات العقل المفكر، فـ”المهمة الحقيقية للفكر، وبالتالي للفلسفة، هي البحث فيما هو موجود وقابل للمشاهدة”، يقول الجابري[118]. فالنبوة والوحي في معيار عقل لا يسع التجربة الدينية، ويقف دون حدودها، ليسا موضوعيّ فكر موضوعاه هما الموجود والقابل للمشاهدة. وكان يمكن توسيع دلالة “الموجود” ليشمل التجربة الدينية بأفقها الكامل، ولكن تجليات مشروع إعادة تأسيس البيان لا تبيح هذا التوسع، فقد ظلت تتعامل مع الديني بعقل مستسلم مقيد، لا بعقل طليق يحاكم المقولات والوقائع بمنهجية نقدية تقتحم عوالمها كلها، وتوحد فاعلية التكيف الإنساني مع ممكنات الوجود المناهضة للانغلاق في دوائر منفصلة، دوائر ترضخ لمفعوليتها ذاتٌ تتكيف مع الديني بالنقل، ومع الدنيوي بالعقل، لتبقى مشطورة بين الضيِّق والواسع، فلا تملك حرية الحياة في الضيِّق ولا في الواسع.

تبددت لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون التي شهدها تاريخ الثقافة العربية بين أوائل القرن الخامس وأواخر القرن الثامن للهجرة، و”صارت ـ بعبارة الجابري ـ نسيا منسيا”؛ بيد أن لحظة أخرى، زامنتها، “بقيت مستمرة” واستمر معها فكر الغزالي والرازي والإيجي[119]، الفكر الواقف عند الطرف المقابل للفكر الذي أنتج اللحظة الأولى: لحظة مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. كان مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان ـ وفقا للجابري ـ اتجاها فكريا تجريديا عقلانيا نقديا، تعلق “بلحظة جديدة تماما في تاريخ الفكر العربي الإبيستيمولوجي الدي قام عليه الحقل المعرفي البياني منذ عصر التدوين”. اقترح المشروع التجديدي أساسا جديدا لتوظيف المفاهيم الإيبيستمولوجية المؤسسة لعلم عصره، مفاهيم البرهان كمنطق وطبيعيات بصورة خاصة، “توظيفا يرتفع بالممارسة النظرية في الحقل البياني إلى مستوى الممارسة العلمية البرهانية”[120]؛ لكنه لم يغادر منطقة التمني، بل غادره التاريخ.. كان، يقول الجابري: “بدون قابلة، بدون مستقبل”[121].

تفشّت في التاريخ الثقافي الإسلامي دعوة الغزالي في كتاب “تهافت الفلاسفة” الذي هجم على الفلاسفة المسلمين وكفّرهم، وانزوت دعوة ابن رشد الذي رد على “تهافت الفلاسفة” في كتابه “تهافت التهافت” ودافع فيه عن الفلسفة، وتقهقرت دعوة المشروع العربي الأندلسي العقلانية ـ في إطارها ـ إلى عتمة الخزانات القديمة، بيد أن العقلانية التي بعثها ابن رشد اينعت في أوروبا وأنتجت حضارتها الحديثة والمعاصرة، ولم يزل العالم العربي رهين محبسيه: محبس النقل المنفصل ومحبس العقل المنعزل؛ ما السبب؟ لم يتهدد مشروع إعادة تأسيس البيان الأندلسي من خطر أجنبي يقاوم ولادته ونموه، لكنه عانى قصورا ذاتيا حرم غرسته من استطالة الجذور والأغصان، لم يزرعه الزارعون في تربته الصالحة له، بل لم يزرعوه في أرض، البيئة العربية أرض يستبيحها الدين ولا تبيح للعقل الأجنبي عنها حق دخولها، ولا تبيح هذا الحق لعقل لا يواكب دينها، ويمتد إلى غايته في كل اتجاه. دحر الغزاليُّ الفلاسفةَ، ودحر الأشاعرةُ المعتزلةَ، ودحر نؤومو المشرق العربي أيقاظ المغرب العربي ولم يثمر مشروع العقل الأندلسي نهضة عربية تجدد النهضة الأولى لما حمله مشروع التجديد من فكر غريب لم ينفتح على أصل النهضة الأم، لطبيعة دنيوية منغلقة قبالة طبيعة الوحي، أصل النهضة العربية الأولى، الأصل الذي يغذو عقلا يستجيب لشروطه ويصون جوهره، ويجمع ـ العقلّ ـ بواحديته، واحديتّه. أما مشروع الأندلس، فقد بعثر الواقع العربي الديني، التجلي التاريخي للوحي، وشرخ الأصل النهضوي العربي، وغلّق على العقل دائرة وعلى النقل دائرة، وطفى على ظهر الماء، ثم غاص في غياهب الذاكرة الجمعية. هل يفلح مشروع الجابري المعاصر ويستنهض مشروع أجدادنا الأندلسيين ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون؟ أم هو استدعاء لحظة محالة للنسيان، ومشروع يلد بدون قابلة وبدون مستقبل، شأن المشروع الذي يجذّر مشروع الجابري، الذي استوهبه التسويغ التاريخي، حماية الأصول؟

يعتقد الجابري أن لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون “تنتظر اليوم من يعيد الحياة فيها”[122]. لن يطابق مشروع الجابري المشروعَ الأندلسي على كل وجه، هناك مجال للاختلاف في هذه المسألة أو تلك، هذا لا يهم الجابري؛ المهم لديه هو التوافق في “طريقة التفكير والمفاهيم الموظفة وكيفية توظيفها”، تلك التي قامت على المنطلقات المنهجية والتصورية المستمدة “من الحقل العلمي [العقلي] لذلك العصر، بل ولكل عصر”[123]، قال.  يُعنى مشروع الجاري، على منهج أسلافه الأندلسيين، بالمعقول دون المنقول، أو بالدنيوي المنعزل عن الديني. كانت هذه العناية “الشطرية” هي الخطأ الذي انزلق إليه المشروع الأندلسي، وساق معه تاريخ الأمة إلى مهاوي التبعية ومنغلق المفعولية. فالدنيوي (العربي الإسلامي) لا ينفك عن ارتباطه الحميم بالديني، وكل مسعى للفصل بين الديني والدنيوي في بيئة يهيمن عليها الإسلام، هومسعى، لا نقول إنه مضيعة للوقت والجهد فحسب، إنه تضييع للهوية وتطيير للأحلام واغتيال للمستقبل، ثم لنحصد تخلفا أنكى، وشوكا أحدّ، وتبعية أشد وقعا، وانشطارات تضاعف الانشطارات وتفاقم سلبياتها؛ انشطارات تعدد الوجود الواحد الذي تنزل الوحي على النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ليعمق مفهومه ويحرره من أوهام الجهالة، ويطلق كل ممكناته ليبدع تجليات السلام في تحققات مفتوحة، كل على ذاته، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وكل على كل. ولكن فصل النقل عن العقل على أرض أصلها “واحد” لا يتجزأ، فصل لا يرتكز إلى أصل، هو أصل الأصول في الثقافة العربية الإسلامية. أما لحظة ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون، فهي لحظة منفكة عن أصلها التراثي، وهي لحظة لا تحوز أهلية التاصيل لمشروع ثقافي جديد، موضوعه الثقافة العربية الدينية. لماذا اندحرت الرشدية الحزمية إلى عتمة التاريخ العربي الإسلامي، ولماذا استطالت الرشدية الأرسطية في التجربة الأوربية النهضوية الحديثة؟ لسبب حاسم: انغلقت حزمية ابن رشد دون المنبع الأصلي الثقافي الذاتي، المنبع الواحدي (الديني العقلي)، انغلقت في دائرة المعقول، بعد فصله، بالوهم، عن المنقول، عطلت فاعلية الأصل الديني الواحدي بإجراء عقلي لا ينسجم مع عقلية واحدية، لا تصلح بغيرها، رؤية الواقع العربي الإسلامي، فلا يصلح، برؤية عقلية دنيوية تضيق عن الديني، تشخيص داء الأمة العربية الإسلامية، فالداء لم يصب عضوها الدنيوي، الداء متفش في جسمها كله، الديني والدنيوي، على أنه لا يصح أن يمايز في جسمها ما بين ديني ودنيوي؛ في الفاعلية الإسلامية، الديني دنيوي، والدنيوي ديني؛ الفاعلية الإسلامية فاعلية واحدية، لصدورها عن الواحد الكل المطلق، ولتوكيدها على الواحد الكل المطلق. والمشروع الذي لا يلتزم بالواحدية منطلقا وغاية، ومنهجا، سيظل مشروعا غريبا عن التربة الثقافية الإسلامية. كان هذا هو مصير المشروع الأندلسي، وسيظل هو مصير كل مشروع فكري يحاكيه ويتمثله. أما الرشدية الأرسطية، فقد زرعت بذرتها في أرضها العطشى لها؛ استردت أوربا، خلال ابن رشد، ذاتيتها الأصلية، بالانفتاح على تراثها العقلي الأصلي الذي كان أرسطو قد بلوره وكثفه وحفظه إلى حين الطلب. نهض الأوربيون انطلاقا من الصفحة الواسعة التي دوّن فيها ابن رشد شروحه للأرسطية، وطوى العرب المسلمون الصفحة ذاتها، بالغوا في انطوائهم التاريخي وبالغ الأوربيون في انتشارهم الحضاري فطوى انتشارهم كل حضارة أخرى جابهتها حركتهم التوسعية، ومنها الحضارة الإسلامية العربية المتقهقرة، التي لم يفلح المشروع الأندلسي في مسعاه لإيقاف تسارع انحطاطها؛ لماذا؟ لسبب حاسم، هو فصل العقل إلى عقلين: عقل دنيوي نقدي، وعقل نقلي استسلامي؛ ومن ثم، فصل الوجود إلى وجودين: وجود مطلق، ووجود انساني [إسلامي] مفعول للمطلق؛ ثم من بعد، فصل الفاعلية الإنسانية [للمسلم] إلى فاعليتين: فاعلية الأجنبي، وفاعلية المفعولية الذاتية.

ما قرره الجابري من أن كل مشروع نهضوي مقترح لا بد له من أصل تراثي، هوتقرير صادق ومسوغ تاريخيا وعقليا. كانت النهضتان العربية الأولى والأوربية الحديثة شهادتي صدقه التاريخيتين، يعمق صدقهما الواقع الذي يجسد تراثه التاريخي، خاصة الواقع الساكن الذي يستحث سكونه ولادات نهضوية تبدأ مشروعا عقليا يستجيب للمعطيات الظرفية للواقع كله، على أن ينقب في الواقع عن المركز الغائر الذي أعطى تجلياته على مدى التاريخ الثقافي الذاتي، أي أن يحفر ـ المشروع العقلي النهضوي ـ أرض الواقع إلى الطبقة التأسيسية التي انبثق منها تاريخ الأمة كله، بكل تنوعاته وكل تلوناته. هناك، بل هنا وهناك، وفي الخيط الواصل بين الحاضر والماضي البعيد، ما زال نبض قلب “الأم” يفعل سحره الجامع للأبعاض، وما زال يخبىء حبا ثرّا، ومن نبع ثرور: “قل: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي”. أما كلام المشروع الأندلسي، فليس من “كلام ربي” (الذي لا ينفد)؛ كلام لم يعيِّن “الأم”. المشروع الأندلسي عقلاني، والعقلاني بعض من كلام “ربي”، إلا أنه كذلك بالمفهوم الديني الإسلامي لـ”ربي”، ولكنه ليس كذلك بالمفهوم الأرسطي للربوبية، المفهوم الدنيوي الذي يحبس الربوبية في دائرة الدنيا الضيقة[124]؛ فإذا نقل مشروع نهضوي هذه الدائرة الضيقة إلى الدائرة الثقافية العربية الدينية، يكون قد نقل غرسا إلى غير أرضه. كان هذا هو خطأ المشروع الأندلسي الذي لم يصدر عن أصل نهضوي عربي إسلامي. وكل مشروع نهضوي عربي جديد يتوسل المشروع الأندلسي، لا بد وأن ينتهي “غريبا كما بدأ غريبا”. المشروع الأندلسي لم ينبعث من النبع الذاتي التراثي الثرّ، بل هو قد غضّ بصره عن تأوهات “الأم” الراقدة تحت تراكمات العقوق الكثيفة، أَوْلَى عنايته لتطبيب مرض الدنيا، وأعرض عن مرض سوء فهم الدين، فأعرض عن واقع الحال كله، وكان لا بد له أن يعرض عن واقع الحال كله، طالما رهن مشروعه برؤية غريبة عن الواقع ومنافية له. لا يمثل المشروع الأندلسي أصلا تراثيا ولا يسوغ تاريخيا أي مشروع نهضوي ثقافي جديد. النهوض مشروع يسع الواقع كله، ممتدا أفقيا ورأسيا، الواقع الراكد الذي يستنهض مشروعا تحريضيا، واقع من صنع التراث، بجميع تفاعلاته، المغزولة على محوره الوجودي الأساسي، غزلا موبوءا بمفاهيم مغلوطة، كشفت تجددات التاريخ الإنساني، أو لا بد أن تكشف قصورها الذاتي عن مواكبة حركة إنسانية متقدمة في أفق أوسع. المشروع النهضوي غزل جديد على محور [أصل] قديم قابل للتكيف مع المستجد إنسانيا. والأصل الوجودي بسيط لا يتجزأ مع شدة تنوعات تكشفاته. تموضع مشروع نهضوي مع بعض تنوعات الأصل ـ الواحد ـ هو افتراض بإمكان تجزئىء واحد بسيط، وهو وهم. والوهم لا يجاوز دائرة التمني، وتتجاوزه حركة التاريخ.

التراث العربي الإسلامي تراث دين يسع الدنيوي، ولن يستجيب إلا لمشروع نهضوي يستوعبه كله. المشروع الأندلسي، ومشروع الجابري استمرار له، محاولة انزلقت إلى نقطة اختناق هوت إليها جراء خطأ في التقدير. نزع المشروع الأندلسي إلى إخراج الديني من مجال اهتمامه، بدعوى خروجه من مجال العقل، بدعوى أن العقل دنيوي، إزاء واقع تراثي ديني صلب ومغلق، كما يتوهم المتوهمون أصحاب الدعوة إلى ترويج فكر دنيوي أجنبي، التي تحمل معها هلاك الدعاة إليها، أو امتصاصهم وإحالتهم إلى الذاكرة، في وضعية هامدة، ومن ثم، تفشل دعوة العقل الدنيوية، لسبب حاسم، هو أنها كانت دعوة انفصالية، انتحرت على مذبح أصل واحدي، لا يغيب عن أداء تجلياته كلما وجد أن عليه التوكيد على هويته، وهذه حالة تتكرر، مع كل هوية، عندما يتهددها خطر أجنبي. الدعوة إلى عقلنة تراث ديني بمنهجية دنيوية عدوان لا تمتلك الهوية الدينية قدرة ضبط مشاعرها المناهضة تجاهها.

دنا الجابري من النجاة من مصير يؤول إليه مشروعه الثقافي النهضوي، عندما كشف، وبحق عن آلية النهضة العربية الأولى، وأصلها الذي رجعت إليه، والذي نص عليه الوحي، في خطابه للمسلمين: “..ملة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”؛ لكنه يجفو هذه الرؤية عندما يرهن تحديث العقل العربي وتجديد الفكر الإسلامي بالقدرة على استعادة النزوعات العقلية لابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، “التي لا بد منها ـ يقول ـ إذا أردنا أن نعيد ترتيب علاقتنا بتراثنا، بصورة تمكننا من الانتظام فيهانتظاما يفتح المجال للإبداع”[125]. إعادة ترتيب العلاقة بالتراث لا تتم عبر استخدام تراث أجنبي دنيوي ضيق لتكييف تراث ديني ذاتي واسع، مع مستجدات الفاعلية الإنسانية. وتجربة الرباعي الأندلسي الثقافية دلت على خطأ مثل هذاالاستخدام، دلالة تاريخية، وقبول شهادات التاريخ موقف لا يصح العدول عنه، بعدما التزم به الجابري قبالة اثبات صحة نظريته حول ضرورة انتماء المشروع النهضوي لأصل تراثي. واعتماد الجابري للأندلسيين الأربعة أصلا تراثيا، يشكك في مبدأ تاريخية النهضة التراثية فلا يمثل مشروع الأندلس الثقافي العقلي الدنوي أصلا تراثيا،؛ هو نمو هامشي على طرف ناء من جسم الأمة  (الثقافي) المترامي؛ هو يوحي بأن في إمكان الأمة ممارسة فعل نقدي عقلي لواقعها، وأنها تحوز إمكانات الحلم بتجاوز هذا الواقع الراكد؛ إلا أن أجنبية المشروع، وانفصاليته، حالتا دون تحوله إلى حركة تاريخية منتجة حضاريا.

لا شك أن الجابري يلمس الحاجة القوية إلى عقل عربي نقدي؛ لقد دعا إلى “تدشين عصر تدوين جديد”[126]، تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح.. نقد العقل العربي”[127]. ولكنه عندما يستدعي مشروع إعادة البيان على البرهان الأندلسي، فإنه يوحي أن موقفه العقلي غير كلي ومتردد إزاء مواجهة عميقة وشاملة للتراث العربي كله، وهي المهمة المنوطة بمشروع عربي نهضوي عقلي يستدرك أخطاء الفاعلية العربية التاريخية والمعاصرة، ومنها فاعلية العقل القديم والمعاصر. ومن أخطاء الفاعلية العقلية العربية المعاصرة، عدم التزامها برؤيتها النظرية للواقع، خلال طرح اجتهادات إصلاح أحوله. فالجابري وعى مشكلات الحاضر العربي، ولم يستجب لها، نقديا، بما يستوعبها كلها، وإلى العمق الذي يواجه عنده أسباب البيات التاريخي العميقة عمق الأصل الواحدي للفاعلية الوجودية الإنسانية والعربية والإسلامية. ولعل هذا يفسر اعتماده للمشروع الأندلسي كغطاء تاريخي لمشروعه المعاصر، فالأندلسيون الأربعة لم يوسعوا مشروعهم النقدي ليتغور أعماق الوجود العربي الديني، وهادنوا المفاهيم الدينية (الجذرية)، عن قصد أو عن غفلة. على الصعيد النظري، كشف الجابري قصور الخطاب العربي النهضوي طوال المائة سنة الأخيرة عن إعطاء مضمون واضح ومحدد ولو مؤقتا لمشروع النهضة التي يبشر بها: “لقد بقي هذا الخطاب يستقي تحديداته لـ “النهضة العربية” المنشودة، لا من الواقع العربي وحركته وآفاق تغييره، أو اتجاه تطوره، بل من “الإحساس بالفارق”، إحساس الوعي العربي بالمسافة الواسعة والهوة العميقة بين واقع السقوط أو الانحطاط في الحياة العربية المعاصرة، وواقع التقدم واضطراده في عالم “آخر”… ولم يستطع نفس الخطاب، وطوال المائة سنة الماضية، التقدم خطوة واحدة على طريق صياغة “مشروع نهضة ثقافية” سواء على مستوى حلم مطابق أو على صعيد التخطيط العلمي، بل قد ظل ينوس بين طرفي معادلة مستحيلة الحل “معادلة الأصالة والماصرة” التي تطمح إلى تحقيق التوافق والتكامل بين سلطتين مرجعيتين مختلفتين تماما، متنافستين ومتصارعتين بحكم انتمائهما إلى زمنين ثقافيين مختلفين، ونمطين حضاريين متباينين: سلطة النموذج العربي الإسلامي الوسيطي، وسلطة النموذج الأوروبي المعاصر”[128]. أكد الجابري، وعيه الواضح، مرة أخرى، بقوله: “فشل العقل العربي [المعاصر] في بناء خطاب متسق حول أية قضية من القضايا التي ظلت تطرح نفسها عليه طوال المائة سنة الماضية، فلم يستطع تشييد أيديولوجية نهضوية يركن إليها على صعيد “الحلم”، ولا بناء نظرية ثورية يسترشد بها على صعيد الممارسة والتغيير”[129].

اقتبسنا نصا طويلا ـ وواضحا ـ يشهد للجابري بحيازة وعي سليم بحالة عجز الفكر العربي المعاصر عن إنجاز مشروع يحقق الحلم النهضوي العربي، واقتبسناه، بطوله، لنبرز المفارقة بين الوعي الصحيح بالمشكلة، والوعي الصحيح بالحل على الصعيد التطبيقي؛ فالجابري ـ باعتباره مثالا فكريا عربيا ـ لم يطور وعيه النظري تجاه موقف عملي يعلن فيه ثورة جذرية تحفر الماضي العربي الثقافي كله، وتؤسس لانقلاب “إصلاحي”، على مفاهيم اغتصبتها السلطات الاجتماعية طوال التاريخ العربي الإسلامي، واضطرتها لخدمة مصالحها الدنيوية الضيقة، على حساب مصالح الأمة العريضة، مناهضة بذلك، الأصل الواحدي لنشوء الأمة، الذي حقق واحديته تاريخيا، برسالة جامعة وباعثة لحضارة واحدية جامعة، تتجلى، في كلِ “واحدٍ”، على حدة، وفي “الواحد الكل” على الاجتماع على العدل وعلى البذل. اغتصاب حق الجماعة، والفرد، في التاريخ الإسلامي، معطى لانحراف فكري ديني، حماه، وسوغه، فاعلية عقلية، لم تترجم وعيها بالمشكلة، إلى حلول جذرية ـ عقلية ـ تقتلع معوقات النهوض من دوائر التبعية والمفعولية والتخلف… استدعى الجابري مشروعا عقليا مارس فاعليته خارج دائرة المنقول، ليسوغ لمشروعه الخاص البقاء خارج هذه الدائرة، رغم ما يلوح منه، من رغبة في اقتحامها؛ لكنه يتردد، وكان إقصاء العرفان من البعد التاريخي لمشروعه الثقافي، صورة لتردده وإحجامه عن خوض منازلة الانغلاق الذي طبع الثقافة العربية؛ فالعرفان حركة تخترق كل سقف يغلق آفاق التفتح العقلي والنفسي.. ولكن، يتوجب عليها الانضباط بالعقل.

وكان يمكن لمشروع الأندلس الثقافي أن ينجز حلمه لو فتح رؤى البيان والبرهان والعرفان على الأصل الحضاري الواحد للأمة العربية المسلمة، تحت شروط تكاملية بين الفاعليات الثلاث، وشروط توافقية [انفتاحية لا تلفيقية]، فلا يترك إحداها تفسد الأخرى، بأن تلتزم جميعها بمبدأ واحدي يعطي لكل فرد حق التعبير عن ذاته الذي لا ينفي حق الآخر في التعبير عن ذاته أيضا.. هذا المبدأ يضمن عدم شطط العرفان، وعدم انفصالية البيان، وإلغاء اعبتار أجنبية البرهان؛ هذا الاعتبار لا يلغيه إلا بتعضونه مع الفاعلية الثقافية الإسلامية التي تحقق أصل التراثي الواحد من جهة إنسانيته؛ والإنسانية حالة واسعة لا تنغلق على ما هو مسلم (بالاعتقاد)، أو من هو غير. لن يتعضون العقلي الأجنبي مع الثقافي الإسلامي طالما ظل الأول يضمر نوايا عدوانية تستهدف هوية الإسلامي، سواء بإلغائها وجوديا، أو بتعطيلها، بدحرها، كليا، أو جزئيا، إلى عتمات الدوائر المنغلقة، دوائر المفعولية والتخلف، والانشطارات القديمة والمستحدثة.

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

القهر حالة عامة للواقع العربي المعاصر، تمارسه الذات ـ الفردية والجمعية ـ فاعلة ومفعولة؛ أو مفعولة على الإطلاق. فالقهر الفاعل مفعول النشأة والمعنى، فهو إعادة إنتاج حالة من المفعولية الرازحة تحت ضغوط قاهرة، يمارسها “قاهر مقهور” آخر. والقهر الحاالّ في اللحظة العربية الراهنة، موروث تحدّر إليها، لا من تاريخها الخاص، ولكنه تفشّى في تاريخها لعوامل تكوينية فارقة، باعتبار التاريخ العربي أحد صور تحققات الوجود الإنساني؛ فالقهر أعم من التاريخ والواقع العربيين، ولكن ضخامة عموميته في تحققه العربي، التاريخي والمعاصر، جعلت منه أهم مشكلة، وأخطرها، التي يتعين على المشروع النهضوي العربي المرجو، مواجهتها، وتجاوزها. غرز القهرُ الخرابَ في جميع بطون نقاط تلاقي ممارسات الذات الجوانية والبرانية: خربت علاقات الذات بذاتها؛ الذات الفردة مع ذاتها، ومع ذات فردة أخرى، ومع الذات الجمعية، الراهنة والتراثية؛ وخربت علاقات الذات، الفردية والجمعية، مع الغير؛ صاغ القهرُ الحياةَ العربية وأنتج ذاتا مسلوبة إزاء تحديات الخاص والعام والذاتي والأجنبي والماضي والحاضر والمستقبل؛ الواقع والحلم. شطر القهرُ، وما زال يشطر، الوجودَ العربي.

انشطار الذات العربية، الفردية والجمعية، هو البلاء الغشوم الذي لا بد وأن يستنهض العقل العربي المعاصر لإبداع مشروع لا يقف عند حافة الوعي بالمشكلة الأم للواقع العربي الراهن، وإنما ليقتحم حواف الرؤى إلى المحض [القلب] الذاتي العربي؛ فهناك، أو هنا، بؤرة التقاء الداء والدواء، وانطلاقا من بؤرة الغور الوجودي العربي العميق الواسع، بؤرة تَعَضْوُن الواقع مع حلم ينمو من الواقع ويتنامى به الواقع، من هذه البؤرة الدفّاقة الخالقة، لكن، المحجوبة بالكفر أو بالضلال، منها، من صفاء بلّورتها، تلد شمس نهضة عربية جديدة، إنسانية؛ ولن يلد رحم الأم العربية نهضة جديدة لا تسع الإنسانية كلها، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

النهضة العربية المرجوة فعل الحرية الواعية الموحد للأبعاض في علاء. هي فعل يتغور الواقع ولا يجهله أو يتجاهله، ولا يلغي هُوِيَّة الذات ولا يحجر على الهوية الذاتية حقها المشروع في الانفتاح الفاعل على الزمان، زمانها وكل زمان. هي فعل يبدع من إبداعات الإنسانية مشروعه، لا يلملمه، بل يخلقه على سنة الخلق المطلقة [الحرة] التي أبدعته، بإنسانه، خلقا لا مخلوقا؛ أي: فعلاً لا مفعوًلا. الفعل هو الحضور التاريخي للفاعل الذي لا يستوي على الجادة إلا بحضور جمعي له، وهو نقيض المفعولية التي لا تستوي على جاة نهوض، ولا تحضر التاريخ إلا في دوائره المنغلقه المنفصلة للذات المشطورة المسلوبة. يتكون الفعل الناهض من انفلاق البؤرة المحض للذات، ليسري في أبعاضها المفككة، فتستعيد واحديتها الفاعلة؛ واحدية القلب (المحض). والانفلاق النهضوي، وانتظام الفردية في جماعية خالقة، واحدية، مشروع عصري يبسط ذاته الواحدية لتلتقي في مناخها المترع بحب السلام وعشق الجمال أمم الدنيا والآخرة جمعاء. المشروع النهضوي العربي المرجو فعل جماعي يرد اعتبار الفردية للذات، ويوسع أفق الفردية، بقيم الحق والخير والجمال، لتنتشي الإنسانية، وما هو أكبر، في محرابها العريق المتطاول فوق حدود الجغرافيا والعرق واللون واللغة والشهوة وكل الظلمات الوجودية. النهوض فعل واحدي تزرع الجماعة راياته في معين وجودها العريق، وتتقدم بها، لتفلق حصار الأجنبي الغازي، المتنمر بالوهن الذاتي.. تتقدم فاتحة آفاق الحرية إلى أقصى مداها.

المشروع النهضوي العربي فعل حضاري مركب، لا يجتر ماضيا، ولا يحاكي راهنا؛ فعل يبدع ذاته، من أصل ذاته “الأصيل”، الأصل الذي أبدع نماذجه في التاريخ الماضي، القادر على أن يبددع نماذج جديدة في الحاضر والمستقبل. فالمشروع النهضوي العربي المعاصر لا يكرر الحضارة العربية الإسلامية الماضية، في الوقت الذي يوكد هُوِّتَها، على قدر أهمية التواصل الواحدي معها؛ ولا يعني التواصل بين زمان وزمان، هيمنة زمان على زمان؛ فالهيمنة قهر وسلب وحصر، لكن الانفتاح غير الهيمنة، والانفتاح ضد للانفصال: الانفتاح تواصل الأزمنة والأمكنة، تفعله ذات منمازة الهُوِّيَة ومنمازة الرسالة الحضارية من مراكز القوة البريئة من شائبة الظلم والقهر والتضخم الأنوي المذموم بمعيار الأخلاق والمرفوض بمعيار الأحرار. مشروع نهوض عربي جديد، يعني مشروعا لا يبتلعه الماضي التراثي الذاتي ولا يبهره حاضر أجنبي عدواني، ولكنه يبدع تحققــه من الخــالد المطــلق من ظرفيـة الزمانيـة والمكانية، المتكيف ـ أعني: الخالد المطلق ـ مع ظرفية الحضور التاريخي الذاتي. الخالد المطلق واحد منبسط في الزمان الوجودي المار من بؤرة الذات، الواسع لكل ظرف في كل مكان وكل زمان. وإذا لم ينتظم المشروع النهضوي العربي المرجو في الخلود المطلق الواحد، فلا حاجة للعرب وللإنسانية إليه. كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة رسالة فاتحة لظروف الزمان والمكان، وكل تجدد لهذه الحضارة هو تجدد للرسالة الفاتحة التي وسّعت الإنساني بالربوبي الإلهي، أو وسّعت الآن العابر بالزمان العابر للآنات على الإطلاق.

النهوض فعل يستنبت ذاته من أصله، واستجلاب رؤى أجنبية لزرعها في أرضه عدوان على حقه في إبداع تجلياته المتحررة من مصالح الغير الضيقة؛ فالرؤى الأجنبية عن هوية الذات العربية الإسلامية أداء إنساني ضيق يخدم لحظة ضيقة عدوانية بطبيعتها المستجلبة منها، طبيعة النار المبهرة الحارقة. أما الانفتاح على الرؤى الأجنبية بقرار إرادة مستقلة مجاهدة، فهومطلب نهضوي، تخلُّفه عن التحقق تخلُّف للمشروع النهضوي عن الصيرورة من التمني إلى الفعل. صحيح أن النهوض نمو من الداخل، ولكن، تتزاحم على ضفافه معطيات كثيرة، تنازعه وتردفه، ما ينازعه قد يردفه، وإزاء ما هو كائن، وإزاء ما تقتضيه الحاجة، يمثل الغير أفقا للمشروع النهضوي، يأخذ عنه ويعطيه، لا قاهرا ولا مقهورا، بل على قاعدة العدالة الوجودية التي تهب الحق للكل، وتستقضي الواجب على الكل، طالما أن الكل، كل فرد، أو كل كون، وجود له من الوجود ما يرفعه إلى المستوى المكافىء لانفتاحه وواسعيته. كل فرد أو كون هو واحدي الوجود، بمعنى أنه وجود واحد شاهد (على قدر واسعيته)على الوجود الكلي الواحدي، الوجود الفردي واحد يدل على ويمثل الوجود الكلي الواحد. ومن شاهدية ودلالة على وممثلية الوجود الفردي، يحوز هذا الوجود حقه النابع من حقية المطلق في وجوده الكلي الواحدي، ومن لا يملك أن يسلب الوجود كله حقية وجوده الفاعل، لا يملك أن يحجب وجودا فرديا عن حقية وجوده الفاعل الفردي. فكل وجود فردي فاعل (بفاعلية المطلق / الحر) هو وجود حق، وما دام ثمة أكثر من وجود فردي فاعل، فالعالم ملك للجميع، يبدعه الجميع، ويحصده الجميع… “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا”.. فما أبدعته الإنسانية، من خير، هو للناس أجمعين، وما أبدعته حضارة أخرى، من نافع للناس، مشاع لكل مشروع نهضوي يتغيا الخير والنافع؛ لكنه لن يكون شيء نافعا أو خيرا لمشروع نهضوي ما لم يكن النفع أو الخير نفعا وخيرا تحت شروط ذاتية الفعل النهضوي. ليس على المشروع النهضوي العربي المرجو أن يقبل تراثه كله، ولا المنتج الأجنبي كله؛ فقبول التراث كله تكرار لما طواه الزمن، يأباه تجدد الأزمان؛ وقبول المنتج الأجنبي كله طغيان يسلب الذات انميازها، تأباه طبيعة النهوض المنماز ورساليته الحصينتان على الطغي والانسلاب.

يتنازع الحاضر العربي اثنان: تراث ذاتي قديم، ومعطى حضاري غيري جديد. المشروع النهضوي العربي المطلوب يشارك التراث القديم ذاتيته، ويشارك ـ في الآن ذاته ـ المعطى الأجنبي الحضاري جدته. المشكلة التي تتحدى المشروع النهضوي العربي المرجو هي: كيف يبدع تحققه بين سماوات وأرض تتنازع فيهما، وفيما بينهما، ومن داخله ومن حوله، وبسبب عدم التعمق المفاهيمي، الثريا والثرى؟ كيف نبدع ذاتا معاصرة موصولة بالقديم، ونحن مشطورون بين الجديد الغيري والقديم التراثي؟ ولا مناص من القديم، ولا مناص من الجديد؟! شدّنا هذه هي حلبة التحدي الحضاري الذي لا خيار للأمة غير مواجهته أو مواجهة مصير لا ترضاه وتأباه الحيوية الوجودية التي ابتعثت الأمة العربية برسالة فاتحة “تخرج الناس من الظلمات إلى النور”، الحيوية التي لم يأكلها الزمان، وإن كان قد طواها، القادرة، ما زالت، على الانتشار مرة أخرى بإبداع متميز عن الماضي الذاتي وعن الحاضر الأجنبي. إن فعلا مقداما عميقا، يبدأ من فكر جذري غير هيّاب، هو، لا سواه، الناشر للحيوية المبدعة من طيِّها، وهو الباعث للفرد من رقاده، الدافع به للخروج من دائرة المفعولية الضيقة، إلى دائرة الفاعلية الواسعة، رافضا القهر قاهرا أو مقهورا، ليضع حدا للانشطارات، ويُنهي ثنائيات الواقع العربي بين الذاتي والأجنبي، والحاضر والماضي، والزماني التاريخي والخالد الأبدي، والأنوي والأخروي، كيف؟ بالعدول الجريء الحاسم عن مفهوم “المخلوق”، المتفشي في العقل العربي زالوجدان العربي، إلى مفهوم “الخلق”.

العدول عن مفهوم “المخلوق” إلى مفهوم “الخلق” يؤسس لرؤية تصوغ علاقات جديدة بين ثنائيات الفكر الديني وثنائيات الواقع العربي الراهن، والثنائيات الدينية مع ثنائيات الواقع. لم يوجه الوحي الممتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطابه إلى الإنسان “المخلوق”؛ توجه إليه وكلفه برسالته على تقدير أنه “خلق”: خلْق الله لا مخلوقه، خلق لله لا مخلوق له؛ أي: فعل الفاعل المطلق (الله)، لا مفعوله. ولو عدل الوحي عن “الخلق” إلى “المخلوق”، لكان قد انزلق إلى التخالف بين اللفظ ومراد الله. فالله تعالي أراد الإنسان خليفة له، يؤدي فعلا، ويتحقق بعبادة [بفاعلية]، عن إيمان واع فاعل، يسهم به في فعل وجودي أكبر يحرك السكون ويسبح لله رب العالمين؛ فالتسبيح تحريك، والربوبية جمع وإنماء في أحضان الواسعية المطلقة. دلالة “الخلق” القرآنية تفتح الفعل الإنساني على السريان الوجودي الربوبي المطلق، باعتبار الفعل تحقق الفاعل أو بعض الفاعل. فالفعلية خروج للفاعلية من صفتها إلى موصوفها، أي من مفهومها إلى واقعيتها، والفاعل ليس فاعلا إلا بالفعلية، الخالق خالق بالخلق، بين الخالق والخلق علاقة واصلة لا فاصلة، علاقة الصورة والشيء المصوَّر، أو علاقة الكل والبعض.أما مفهوم “المخلوق”، فيرسم علاقة فاعل بمفعول، فلو قامت علاقة الله رب العالمين بالإنسان علاقة فاعل بمفعول، فما معنى التكليف والثواب والعقاب، طالما الإنسان محكوم بإلاهية قاهرة هي “الفاعلة على الحقيقة”[130] كما يعتقد كثير من مفكري المسلمين القدامى والمعاصرين، فيما الإنسان مجبر على الاختيار، أو لا اختيار له على الحقيقة؟! لو كان الإنسان مفعولا لاقتضى أن يوجد (بكيانية مفردة في ذاتها) قبل وجود الفعل الفاعل فيه، فالمفعولية ما يوقعه الفاعل على المفعول به؛ أي هي علاقة بين اثنين، فاعل ومفعول به أو فيه أو غير ذلك من صيغ المفعولية التي لا تنفي أية منها المفهوم الثنائي للوجود؛ مفهوم الخالق والمخلوق، المفهوم الذي يتلاشى بالمفهوم الواحدي للفاعل (الخالق) وفعله (خلقه).

ومع تلاشي المفهوم الثنائي للوجود، مفهوم الخالق والمخلوق، يتهاوى معمار الفكر الثنائي المعاصر والتراثي كله. أول ما يتهاوى منه ثنائي الحاكم والمحكوم، المرتبط بعلاقة حميمة مع ثنائية القهر: قاهر ومقهور؛ وتتهاوى ثنائية الديني والدنيوي، والدنيوي والأخروي؛ والأنا والغير؛ والمعاصر والقديم؛ والزماني والسرمدي.. وغير ذلك من ثنائيات استمدت مشروعيتها، أو نشأت، من ثنائية الفاعل والمفعول، ثم تنوعت وفق الهوى، وفي غيبة عقل مستنير صادق أمين. لا تنفي العلاقة الواحدية بين الخالق (الفاعل) والخلق (الفعل) تنوعات الوجود، ولكنها تصحح مفهومها بنظْمها في العلاقة المعطاة من الواقع الوجودي، لا المعطاة للوهم الفكري أو المستجيبة للقوة القاهرة من جانب، وللقوة المقهورة من جانب آخر؛ فالثنائية التي وظفها القاهر للدفاع عن مصالحه الضيقة، يتعزى بها المقهور ويتوسلها الرضا عن قدر لا رادّ له!

يؤسس مفهوم “الخلق” رؤية جديدة ـ واحدية ـ تفتح أفق حركة الفردي على أفق حركة فردي آخر، وتفتح أفق كل حركة فردية على أفق الفاعل المطلق، من جهة أن الأفق الحركي الفردي فعل للأفق الفاعل الواحد، الذي يحقق واحديته في واحد فرد، وفي واحد فرد ثان… وثالث ورابع… يجتمع كل منهم مع الغير في الربوبية (الجامعة) ليبدعوا، وفي واسعية الربوبية (الإنمائية) فعلا جديدا، نهضويا، لا يكرر الماضي، فالتكرار موات، والله حياة سرمدية. والفعل المستولد من حياة سرمدية فعل حيّ، أي غير مكرور. وبالمقابل، فإن حيوية الفعل مدد يغذو استمرارية الحياة السرمدية، (في القرآن: يسبح كل ما في السموات الأرض لله؛ التسبيح: تحريك)، التي لا تنفك عن استيلاد الأفعال من ذاتها المطلقة من آنات الوقوف، هذه، المحدودة للكيانات الفردية، الواهبة لها مشروعية الاستقلال الذاتي، لكن، لا الانفصال عن الكل، واهب الحياة بإعطائها في هيئة فعل، وواهبها، باستيعاب طاقة الفعل، أو بتوسيعه إلى ما بعد حدوده الفردية.

بالرؤية الواحدية، تغدو الثنائيات تنوعات على أصل واحد يجمعها في كيان موحد، لا تتنافر أبعاضه، فتلتقي عوامله المبدعة للفعل الجماعي، للفعل النهضوي، للفعل السلامي المبني على الحب والعدل؛ تلتقي لقاء أغصان دوحة تنتشر في المدى الواسع تتلقى معا هبة الحياة، بفعلها الحي المبتدىء من أصل (بذرة) واحد تنوع فأعطى ذاته، عطاء كثرا، يدين كل فرد فيه للأصل بجرثومة وجوده، ويدين في الوقت ذاته لعوامل كثيرة، انفتح بعضها على بعض، في نسقه، وتحت شروط أصله، وتكيفا مع علاقات جديدة، ومن ثم، حالة جديدة، استولدت ذاتها المتنامية، فأبدعت فعلا آخر.

العدول عن مفهوم “الخالق والمخلوق” إلى مفهوم “الخالق / الخلق” يصحح الخطأ العريق، والجسيم، الذي انزلق إليه الفكر الديني، وسوغ للثقافة العربية، وحتى عصرنا الحاضر، الارتكاز إلى، وتكريس، المفهوم الثنائي الشاطر للواقع العربي.. تلغي الرؤية الواحدية انغلاقية الثنائيات: تصير ثنائية الحاكم والمحكوم تنوعا وظيفيا تقتضيه مصلحة الجماعة كلها؛ وتصير ثنائية القاهر والمقهور ذكرى تنزوي إلى قاع التاريخ، مع زوال استبدادية الحاكم بمقدرات الأمة، تصير ثنائية القاهر والمقهور تنوعات على مقياس النهوض تُمَيِّـز المقدام عن الخاذل المنهزم؛ وتصير ثنائية الديني والدنيوي، تنوعات ترسم تداخلات الدوائر الوجودية، دائرة ضيقة لها من الإمكانات ما يوسعها من غير حدّ؛ وتصير دائرة الدنيوي والأخروي تنوعات يشير بعضها إلى عالم الشهادة، أو عالم التجريب، ويشير بعضها إلى عالم لم تستوعبه الشهادة بعد، عالم مفتوح أمام الفاعلية الإنسانية المقدامة، المغامرة بجمالية الحرية في آفاق لمّا يحيط بها التجريب؛ وتصير ثنائية الأنا والغير تنوعات للوجود الإنساني تفسح أمام حركة إبداعه مجالات الحب المتسامي الحر، وتصير دلالة على فاعلية الوجود الحية السرمدية؛ وتصير دلالة المعاصر والقديم تنوعات يدونها التاريخ، يدون بها حقيقة التقدم الإنسانية؛ وتصير ثنائية الزماني والسرمدي تنوعات المطلق الذي لا ينكشف كله لبعضه، ولا يحتجب كله عن بعضه…

مشروع الواحدية النهضوي يقوم من الأصل الوجودي الواحدي العريق الحاضر في كل زمان، بتحققات متنوعة، تتباين في الضيق والسعة. تستدعي الواحدية أوسع تحققات الأصل الوجودي للنهضة الإنسانية عامة، الذي هو الأصل الوجودي للأمة العربية الإسلامية المنبعثة بالوحي القرآني القابل للتجدد مع تغاير الأزمان، القابل ما يقبله أصله، وأصله أصل الكل، والكل حر من قيود الأزمنة والأمكنة، فلا يقبل إلا ما كان حرا من قيود الظرفية.. المشروع النهضوي الواحدي يقبل من عطاء الإنسانية كل ما تحرر من قيود الزمان والمكان، قيود الإنغلاق، وأطلق عوامل الإبداع الإنساني لتخلق عالما من السلام المزدان بالحب والعدل والجمال… عالما لا قاهر فيه ولا مقهورا؛ فلا قهر مع الحرية الواعية الواحدية؛ الواحدية رؤية تطلق الإنسانية بدءا من أصل الإنسان الفرد، والإنسان الظاهرة.

الفعلية انفتاح الفاعلية على ذاتها، بتحققاتها لذاتها، بحكم طبيعتها. الفاعلية لا تنفك عن الفعلية، الفاعلية فاعلية بالفعلية، الفعلية تبدع الفاعلية بقدر يساوي خلق الفاعل للفعل. يقول القرآن الكريم: “هو ـ الله ـ بديع السماوات والأرض”؛ البديع في لغة العرب هو: المبتدَع (بفتحة على الدال) والمبتدِع (بكسرة على الدال). الوجه الأول “فعلي إنساني”، والوجه الآخر “فاعلي”، وهما وجهان لا يقسمان الذات العليّة، الفعلية والفاعلية لا تقسمان الواحد إلى اثنين؛ الله، جل جلاله، بنص صريح حاسم “واحد أحد”، وفعليته من موجبات أحديته، فلو لم يكن ذا فعلية، لما كان فاعلا، وبموجب واحديته المطلقة، فإن كل فعلية وجودية هي فعليته هو، كل فعلية هي تحقق فاعليته هو، فإذا لم يكن ثمة غيره، لم يكن فاعل آخر، ولم تكن فعلية إلا هي فعلية فاعليته هو الواحد، ذو الخلق الكثر. تقول العرب: المبتدَع (بفتح الدال) هو ما اختُرع لا على مثال، ومبتدِع (بكسر الدال) السموات والأرض: موجدها، بفاعلية فعلية، أي: خالقها لا على مثال سابق. البديع في لغة العرب فعل وفاعل: فعل يبدع فاعله، وفاعل يخلق فعله.

الفعل إبداع، الفعلية هي أداة النهضة المبدعة، ولا تكون النهضة إلا مبدعة، ولا حاجة إلى نهضة عربية جديدة غير مبدعة، ولا إمكان لقيامها غير إبداعيتها العقلية التي تعدل عن مفهوم “المخلوق: المفعول” إلى مفهوم “الخلق: الفعل”. المفعولية حالة انغلاق، والنهضة إبداع حالة انفتاح. الفعلية انفتاح على الفاعلية؛ فاعلية الواحد المطلق من قيود الجمود في آنات الزمان التي تتخلف عن حركة تقدمه. الفعلية إبداع يتحقق بالفاعلية الواحدية التي تجري في كل فعل، فتفتح كل فعل، على كل فعل آخر، انفتاح الأبعاض على كلٍ واحد، ولكن الأبعاض لا تنفتح على كلٍ واحد إذا كانت هي، وهو، ميتة؛ المفعولية صورة للموات، أو حالة قابلية للموت، لا تحوز إمكانات التفتح على الكلي المطلق، فهي تضاد المطلق، أو هي الآن الذي تخلفه حركة المطلق وراءها، كلما اقتضت فاعليته إرادة التجديد؛ والله حيّ، وكل يوم هو في شأن، حياته تسري في خلقه، وخلقه متجدد؛ فاعليته سارية بفعله الكثر المتجدد؛ وفعله سريان فاعليته في الزمان المتحرك إلى الأمام، غير المنفصل عن الأول: “هوالأول والآخر…”؛

لا إله إلا هو، كان ولا شيء معه..

وهو الآن كما كان؛

الخلق مما كان، كما الفعل من الفاعل..

سبحانه؛

رب السماوات والأرض والعرش العظيم….

تمت في: اليمن – صنعاء بتاريخ: 18 شوال 1413هـ الموافق: 10 نيسان (إبريل) 1993م


[1] زكي نجيب محمود: قصة عقل، بيروت ـ القاهرة، ط1، 1983م، ص 176.

[2] المصدر السابق، ص 177.

[3] المصدر ذاته.

[4] المصدر ذاته.

[5] المصدر ذاته.

[6] المصدر السابق، ص 182.

[7] زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص9.

[8] قصة عقل، ص 184.

[9] المصدر ذاته.

[10] زكي نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص 9. وكان هذا الكتاب يحمل، في طبعته الأولى، عنوان: “خرافة الميتافيزيقا”؛ ورغم أن المؤلف حاول التقليل من شأن تغيير العنوان من “خرافة..” إلى “موقف من..”، إلا أن هدف التغيير واضح تماما، وهو تفادي تجدد الصدام الذي وقع بين الكتاب، في طبعته الأولى، وأصحاب رأي يخالفون زعم زكي حول “خرافة الميتفيزيقا”؛ وواضح أيضا، من تغيير العنوان، تردد المؤلف في موقفه من قضية مركزية في التراث العربي الإسلامي.

[11] المصدر السابق، ص 19.

[12] المصدر السابق، ص 29.

[13] قصة العقل، ص 93.

[14] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين: الموسوعة الفلسفية، ترجمة عربية، بيروت، ط1، 1974م، مادة “هيوم”، ص 523.

[15] موقف من الميتافيزيقا، ص 25.

[16] المصدر ذاته.

[17] انظر: قصة عقل، ص 92.

[18] تجديد الفكر العربي، ط7، بيروت ـ القاهرة، 1982م، ص 257 وما بعدها.

[19] وصف زكي نجيب محمود نفسه، في معرض حديثه عن الاتجاهات الفلسفية اتحليلية المعاصرة، ومن بينها الوضعية المنطقية، بأنه النصير الوحيد لها في الوطن العربي، وقال: “أكاد أكون في الميدان وحيدا”. وشكك أحمد ماضي في دقة ذلك، ولكنه نقل عن بعض الباحثين ما يؤيد رأي زكي نجيب في أنه النصير الوحيد للوضعية المنطقية في العالم العربي. يقول محمود أمين العالم: “ولسنا نعدو الصواب أو الدقة إذا قلنا أنه [يعني: زكي نجيب محمود] الصوت الوحيد الذي يعبر عن الفلسفة الوضعية المنطقية في شرقنا العربي”. (انظر: محمود أمين العالم: معارك فكرية، القاهرة، دار الهلال، د.ت، ص 14). ويؤكد ابراهيم فتحي أن الوضعية المنطقية “عندنا ليست تيارا فكريا تعتنقه قوى اجتماعية ضيقة أو واسعة، لقد ظلت كما بدأت فئة ذات فرد واحد، هو الدكتور زكي نجيب محمود بمنطقه التحليلي”. (انظر: عاطف أحمد: نقد العقل الوضعي ـ دراسة في الأزمة المنهجية لفكر  زكي نجيب محمود، تقديم: ابراهيم فتحي، بيروت، دار الطليعة، 1980م، ص 18 / نقلا عن: أحمد ماضي: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر ـ بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية، مركز الدراسات العربية، بيروت، 1985م، ص ص 171-172). وأخبرني علي عبد المعطي محمد، أستاذ الفلسفة بجامعة الاسكندرية ، في لقاء جمعنا في جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين خلال عمله أستاذا للفلسفة فيها، [في العام الدراسي 85-1986م، إن لم تخني الذاكرة]، أن الدكتور زكي نجيب محمود أعرب عن شور عميق من المرارة لاعتقاده بعقم دعوته العقلية، فسر ـ زكي ـ ذلك، بأن ندوة تليفزيونية للداعية الديني [المصري] محمد متولي شعراوي تقضي على جهود سنين طويلة بذلها يبشر فيها بدعوته.

[20] قصة عقل، ص 62.

[21] المصدر السابق، ص ص 56-57..

[22] المصدر السابق، ص 92..

[23] المصدر السابق، ص 34.

[24] المصدر السابق، ص 56.

[25] المصدر السابق، ص 34.  ولم أستند على أطروحة “الجبر لالذاتي” ذاتها للتعريف بها، التي تم ترجمتها للعربية عن أصلها الإنجليزي في كتاب يحمل عنوانها ذاته، ليس لعدم تيسر حصولي على الكتاب في الوقت الحالي فقط؛ ولكن، لأن الاستناد في التعريف به على كتاب “قصة عقل” لزكي نجيب ، يخدم هدف تقصي حالة زكي، بوضعها في سياقها العقلي.

[26] المصدر السابق، ص 27.

[27] زكي نجيب محمود: قصة نفس، بيروت ـ القاهرة، ط2، 1983، ص 151.

[28] المصدر السابق، ص 176.

[29] قصة عقل، ص 16.

[30] قصة نفس، ص 63.

[31] المصدر السابق، ص 185.

[32] سجل ذلك في مواضع كثيرة من كتابيه اللذين روى فيهما قصتي عقله نفسه.

[33] المصدر السابق، ص 184.

[34] انكشاف فكر زكي نجيب في نهاية مطافه عن ثنائية السماء والأرض، بددت هذا التوهم، وأعادته، بوضوح إلى تراثيته العربية الثنائية.التي التي يترجمها مفهوم الخالق المغاير ل “المخلوق” مغايرة فارقة.

[35] المصدر السابق، ص 250.

[36] المصدر السابق، ص 175.

[37] المصدر السابق، ص 252… وقد استعار زكي نجيب تصنيف فرويد المشهور للإنسان: “الهو” و”الأنا” و”الأنا الأعلى”. وقال في وصف الثالثة: تأتي فوق “الهو” و”الأنا”، وفيها يهدأ الصراع، ويسكن القلق. (المصدر ذاته). و”الأنا” تشير لديه، فيما يبدو، إلى العقل، أو إلى عقل وضعي منطقي، لا يسع فكرة الألوهية: “الأنا الأعلى”، التي أسلمت لله.. ووصفه لـ  “الأنا” بالنفس اللوامة (المصدر ذاته)، يمنحها حق إصدار حكم، لدورها النقدي. وعملا بمبدأ استبعاد الألوهية من مجال التحقيق الوضعي المنطقي، باعتبارها “قضية زائفة”، (حسب المنطق الوضعي)، فإن هذه “الأنا”، مغلقة قبالة “الأنا الأعلى”، ومن ثم، فإن “هدوء الصراع وسكون القلق”، هو، في حقيقته، إقرار بانفصالية دائرة العقل عن دائرة الألوهية، أو دائرة التراث الديني، أو، هو توكيد حالة انشطارية.

[38] المصدر ذاته.

[39] المصدر السابق، ص 227.

[40] المصدر ذاته.

[41] حسن حنفي: التفكير الديني وازدواج الشخصية، مجلة الفكر المعاصر، القاهرة، العدد 50، إبريل 1969م.

[42] المصدر ذاته.

[43] المصدر السابق، ص ص 188-189.

[44] المصدر السابق، ص 221.

[45] المصدر السابق، ص 222. وكان الدكتور حسن حنفي قد تبنى رأيا لا يتفق مع تعاطفه الذي يرقى إلى التأييد، الذي يظهره هنا تجاه فكرة وحدة الوجود، وذلك في حوار بيننا جرى صيف 1985م، حينما كان في مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة، كان أستاذا زائرا في جامعهتا ـ ودافع عن رأيه غير المنسجم مع “وحدة الوجود” بقوله: إن هذه الفكرة لم تحظ بقبول الفكر الديني الإسلامي؛ وأيّد ـ في المقابل ـ فكرة ثنائية الخالق والمخلوق المقررة في الفكـر الديني التقليـدي، لكنه يحجب هذا التأييد في كتابه “التراث والتجديد” بقوله إن الفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعا عن الخالق ضد ثقافــات المخلوق القديمة، “ولكن الحال قد تغير الآن، وأصبحت مأسـاتنا هي مكاســبنا القديمة، الفصل بين الخالق والمخلوق، ومطلبنا هو ما هاجمناه قديما، الربط بين الله والهالم”. (ط1، القاهرة، 1980م، ص 18).

[46] حسن حنفي: التراث والتجديد، ط1، القاهرة، 1980م، ص 51.

[47] المصدر السابق، ص 18.

[48] المصدر السابق، ص 131.

[49] المصدر السابق، ص 19.

[50] المصدر السابق، ص 20.

[51] المصدر ذاته.

[52] حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ط1، بيروت، ص 166.

[53] المصدر السابق، ص 190.

[54] التراث والتجديد، ص 18. وتكشف كتابات حسن حنفي عن تأثره الواضح بمدارس فكرية غربية متعددة، أخذ عنها، بمنهاج انتقائي، ما يخدم موقفه النظري (الماركسي)، وهو ما سنحاول تأكيده فيما بعد. فعلاوة على ترويجه لفينومينولوجيا هوسرل ـ وضع حنفي الوحي بين قوسين لإخراجه من الميدان، على طريقة “تعليق الحكم” على قضية ما، مثلما ذهب هوسرل ـ ونظرية لسنج في تربية الجنس البشري ـ ترجم له كتابه بهذا العنوان وأولاه اهتماما كبيرا ـ وبعض أفكار هيجل ـ التقدمية حسب تقديره ـ وفكر سبينوزا الديني ـ ترجم له “رسالة في اللاهوت والسياسة”، وخصه بمقال موسع في مجلة “تراث الإنسانية” القاهرية (المجلد السابع، 1، مارس، 1969م) ـ علاوة على هذا كله، وغيره مما لا سبيل إلى حصره هنا، فهو، ورغم انقطاع الصلة التراثية والزمانية، يتطلع بمشروعه الثقافي العربي النهضوي، إلى أن يمثل امتدادا لفلسفة التنوير الأوربية التي قال فيها إنها “من أعظم مكاسب الفلسفة الأوربية الحدجيثة” لأنها جعلت الإنسان مركز الكون(في الفكر الغربي المعاصر، ص 192)، وذلك ـ الكلام له ـ بعد أن عالجت مشكلة التعارض بين الديني والدنيوي “بالقضاء على الديني والإبقاء على الدنيوي” (م.س، ص 162). ويواصل “تنوير” القارىء العربي بفلاسفة التنوير، فيمتدح لهم رفض الدين والعقائد والشعائر والطقوس والمعجزات، واستبدالهم بكل ذلك الإنسان والعقل والحرية والمساواة (م. س، ص 158). وهذا الموقف التنويري الغربي، رددته “مقدماته العامه “لمشروعه الفكري ـ التراث والتجديد ـ وعكسه رأيه الذي يقول إن “الدين مسطور في القلب لا في المصاحف، ويظهر في السلوك الفاضل لا في الشعائر والطقوس” (م. س، ص 143). وهو رأي يشطر الحقيقة؛ فالدين ممتد من المصاحف ـ الوحي ـ إلى القلوب، ومن الشعائر والطقوس إلى السلوك الفاضل (+التحقق التاريخي)، أما فصل الأبعاض والغاء فاعلية واحدية كينونتها، فهو اغتراب في فلسفة دنيوية لا تفي بمتطلبات مشروع حضاري لأمة دينية.

[55] المصدر السابق، ص 148.

[56] المصدر السابق، ص 52.

[57] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفباتيين: الموسوعة الفلسفية، مادة “الأيديولوجية”، ص 63.

[58] التراث والتجديد، ص 55.

[59] أوضح مؤسسا الماركسية (ماركس وإنجلز في بيان الحزب الشيوعي، 1848م) المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة، وأوضحا الدور التاريخي لحزب الشيوعيين باعتباره حزب الطبقة العاملة وطليعتها، وحددا الهدف المباشر للشيوعية بأنه “تشكيل البروليتاريا في طبقة وإسقاط السيطرة البورجوازية وغزو السلطة السياسية بواسطة البروليتاريا”. (نقلا عن: الموسوعة الفلسفية، مصدر سبق ذكره، ص 89).

[60] تقول الموسوعة الفلسفية [الماركسية]: تولدت الماركسية “عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر [الميلادي]، وأصبحت التعبير النظري عن المصالح الأساسية لتلك الطبقة، وبرنامج نضالها من أجل الاشتراكية والشيوعية”؛ أضافت: “والسمة الرئيسية للماركسية هي أنها تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”. (ص 545).

[61] التراث والتجديد، ص96 وما بعدها.

[62] المصدر السابق، ص 53.

[63] المصدر السابق، ص 107.

[64] المصدر السابق، ص 105.

[65] المصدر السابق، ص 103.

[66] نشره في مجلة الفكر المعاصر القاهرية، أكتوبر 1968م، وتضمنه كتابه “في فكرنا المعاصر” المنشور أول مرة في القاهرة، 1976م.

[67] في فكرنا المعاصر، بيروت، ط1، 1981م، ص 140.

[68] المصدر السابق، ص 151.

[69] المصدر السابق، ص 152.

[70] المصدر ذاته.

[71] في لقائي معه، المشار إليه آنفا، تحدث حنفي عن يساره “الإسلامي”، وكان قد اصدر دورية بالعنوان ذاته: “اليسار الإسلامي”، فقال: إن لهذه الفكرة، أهميتها بين الشباب العربي المنحازين للفكر اليساري، وإنها تقدر على مخاطبتهم بلغة يفهمونها، ولهدف استعادتهم للإسلام؛ لكنه توقف عن مواصلة الدفاع عن دعوته هذ بعدما أعربت عن تحفظي إزاء حجته، بما رأيته من أن اليد التي قد تطول في اتجاه الماركسيين العرب، ستقصر في اتجاه آخر.. اتجاه المسلمين، طالما كان المراد هو التأكيد علي قيمة الإسلام.

[72] المصدر السابق، ص 153.

[73] التراث والتجديد، ص 55.

[74] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[75] أنظر: المقدمة الموحدة لكتابيّ: في فكرنا المعاصر، وفي الفكر الغربي المعاصر، بيروت، ط1، 1981م.

[76] انظر: التراث والتجديد، ص 43.

[77] المصدر ذاته.

[78] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[79] المصدر السابق، ص 319.

[80] المصدر السابق، ص 322.

[81] المصدر السابق، ص ص 323-324.

[82] المصدر السابق، ص 324.

[83] الأنصاري: مغني اللبيب، القاهرة، ط2، ص 186.

[84] في فكرنا المعاصر، ص 324.

[85] التراث والتجديد، ص 118.

[86] قال: “ولقد كانت حركة “العودة إلى الطبيعة” التي أعطى سبينوزا أساسها النظري في القرن السابع عشر، والتي أعطاها روسو بعدها الاجتماعي والفني في القرن الثامن عشر، والتي أعطاها العلماء بعدها العلمي في القرن التاسع عشر، والتي أعطاها الفلاسفة المعاصرون أساسها الوجودي في القرن العشرين ـ كانت هذه الحركة مصدرا للتمرد الفني من الكلاسيكية، ولنشأة الرومانتيكية والتحرر من الدين اللاهوتي ونشأة الدين الطبيعي، وللتمرد من التربية اقائمة على الثواب والعقاب وإرساء لمبادىء التربية الطبيعية وللتحرر من القانون الإلهي المفروض…” (في فكرنا المعاصر، ص 184),‎. ويعتقد أن العود إلى الطبيعة كفيل برفض الازدواجية والثنائية معا، وما يتبعها من عمليات للتعويض والنفاق والمداراة والتستر. (في فكرنا المعاصر، ص 186). وبيد أنه “عاد” إلى الطبيعة، فلم يزل يتستر؟! والحق أن العود إلى الطبيعة مسعى لمواجهة الازدواجية والثنائية، ولتوحيد الوجود؛ لكنه مشروط بالبيئة الثقافية، فهو مسعى إيجابي في بيئة ثقافية لا تمتد أصولها إلى ما وراء الطبيعة، بيئة دنيوية الجذور (البيئة الأوربية ذات جذور دنيوية، والدين غير أصلي في الثقافة الغربية، وقد تعامل الغربيون مع الدين، بمفاهيمهم الثقافية الطبيعية الدنيوية التراثية)، ولعل هذا ما يفسر القبول الأوربي لمبدأ أو لدعوة العود إلى الطبيعة، للانسجام بين النظرية والواقع. أما هذه الدعوة، في مواجهة تراث ديني أصيل، أبدع بيئته الثقافية الدينية، التي تتجاوز الطبيعي الدنيوي، فستظل محاصرة في دائرة التمني، معزولة عن الواقع الحي، الواقع الذي يخضع لتراث يرفض حصره فيما هو طبيعي دنيوي. وستمثل هذه الدعوة خطرا جديدا يعمق انشطار الأمة بين التمني والواقع، وبين الدنيوي والديني؛ ثم إن تبني أفكار أجنبية يعمق انشطار الذات إلى ما هو تراثي، وما هو أجنبي، وانشطارها الزماني بين الماضي والحاضر، وكل انشطار يعني انغلاقا في دوائر منفصلة، ومن ثم، ازدواجية أعنف سوءا وأغور!

[87] في فكرنا المعاصر، ص 183.

[88] المصدر السابق، ص 181.

[89] طرح حسن حنفي منهجا لتفسير النصوص الدينية يرتكز غلى “محاولة العثور على أساس للوحي داخل الخبرة الإنسانية” (في فكرنا المعاصر، ص 179 وما بعدها). وهذا منهج ماركسي لا يقبل مشروع حسن حنفي النهضوي غيره، فهو يمنحه أداة حصر الوحي في الواقع، داخل الخبرة الإنسانية، أو إلغاء الدور الفاعل للوحي باعتباره مصدر حركة نهضوية عربية منفتحة تناضل انغلاقات الذات المعيقة لتقدمها.

[90] محمد عابد الجابري وآخرون: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ـ ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في أيلول (سبتمبر) 1984 بالقاهرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1985م، ص 34.

[91] المصدر السابق، ص 57.

[92] المصدر السابق، ص 36.

[93] قال تعالى: “ملّة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”، (الحج: 78).

[94] التراث وتحديات العصر..، ص ص 37-38.

[95] المصدر السابق، ص 39.

[96] المصدر السابق، ص 40.

[97] المصدر السابق، ص 41.

[98] المصدر السابق، ص 55.

[99] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1986م، ص ص 568-569.

[100] هو “التماس فهم للنص القرآني يخترق حدود اللغة العربية، ويتجاوز عالمها الجاهلي إلى نوع من التأويل يجد تبريره في التمييز في النص القرآني بين الظاهر والباطن” (بنية العقل العربي، ص 248).

[101] المصدر السابق، ص ص 513-514.

[102] المصدر السابق، ص 38.

[103] المصدر السابق، ص 247.

[104] المصدر السابق، ص ص 516-517.

[105] المصدر السابق، ص ص 521-522.

[106] المصدر السابق، ص 528.

[107] المصدر السابق، ص ص 530-531.

[108] المصدر السابق، ص ص 536-537.

[109] لا يهمنا التحقق من عرض الجابري لمشروع إعادة تأسيس البيان، كما قدمه، ولكن ما يعنينا هو  تصويره هو نفسه للمشروع، فهذا التصوير جزء من مشروع الجابري الذي يستهدفه نظرنا الحالي.

[110] المصدر السابق، ص 538.

[111] المصدر السابق، ص ص 544-545.

[112] المصدر السابق، ص 543.

[113] كان أحرى به أن يستبدل بكلمة “الحقائق” كلمة “المعارف”، فالأخيرة، هنا، أدق وأحوط.

[114] محمد عابد الجابري: العصبية والدولـة، بغداد، د.ت، ص ص 112-113؛ (وثمة طبعة أخرى من الكتاب صدرت في بيروت عام 1982م).

[115] المصدر السابق، ص 126.

[116] المصدر السابق، ص 119.

[117] عبارة الجابري الموحية بهذا المعنى هي: “على الرغم من إيمانه بالنبوة والوحي”.

[118] المصدر السابق، ص 126.

[119] بنية العقل العربي، ص 553.

[120] المصدر السابق، ص ص 551-552.

[121] المصدر السابق، ص 548.

[122] المصدر السابق، ص 553.

[123] المصدر السابق، ص 552.

[124] الرب في العقيدة الإسلامية هو الله الفاعل المطلق؛ وفي الفكر الأرسطي، الله علة الحركة المحسوسة في العالم، وهو بذاته، غير متحرك، فالمفهوم الأرسطي عازل لله في تصور عقلي دنيوي ساكن في ذاته، وليس حاضرا إلا فيما هو دنيوي.

[125] بنية العقل العربي، ص 552.

[126] يدعو الجابري إلى عصر تدوين ثان للثقافة العربية، التي شهدت ـ قال ـ في عصر التدوين الأول، أول تخطيط شامل لها، كان قد أعيد فيه بناء العصر الجاهلي، فضلا عن تدوين العلوم الإسلامية، كما تم فيه أيضا يواصل ـ  دمج الموروث الضخم المتعدد المتنوع الذي خلفته الثقافات السابقة على الثقافة العربية.. ثم دمج هذا الموروث في الثقافة العربية الإسلامية الواحدة. (أنظر: الجابري: ندوة التراث وتحديات العصر، ص 53).

[127] محمد عابد الجابري: الخطاب العربي المعاصر، بيروت، ط1، 1982م، الجملة الخاتمة للكتاب.

[128] المصدر السابق، ص 180.

[129] المصدر السابق، ص 181.

[130] مقولة “الإلهية، هي الفاعلة على الحقيقة، صادقة برؤية واحدية لا برؤية ثنائية.


الماركسية تضل الطريق

تنويه: الاجتهاد الذي تتضمنه دراستي التالية، يعود إلى مرحلة فكرية تجاوزتها؛ لكن ذلك، لا يلغي أهميتها كرؤية قابلة للنقاش، وهذا ما يشجعني للدفع بها إلى النور

الدكتور حسن ميّ النوراني

بريد إليكتروني alnoorani@hotmail.com, alnorani@live.com

 

الماركسية تضل الطريق

 

ليس من أغراضنا، ولا في نيتنا، أن ندافع عن النظام الرأسمالي من خلال النقد الذي نوجهه للماركسية، في هذه الدراسة0 ولا صلة لهذا النقد، بالمعركة التي دارت على أرضية التجارب الماركسية، التي حسمت، في مساحة كبيرة، لمصلحة الرأسمالية العالمية، العدو الصريح والقبيح، والتحدي الخطير للمشروع النهضوي العربي المعاصر0 والوعي بهذه الحقيقة، حقيقة التحدي العدواني الرأسمالي للطموح العربي للنهضة، يفرض على الفكر العربي استنفار طاقته الوجودية الإبداعية لمواجهة تحدي الرأسمالية العالمية العدواني، باعتبار هذه المواجهة خطوة تأسيسية لمشروع يتجاوز الراهن العربي الحضاري، ويتجاوز الراهن العالمي الحضاري، برؤية واحدية للذاتي، والغيري، بحكم أن الذاتي والغيري، تحققات للكلي الإنساني،؛ وأن تحقيق هذا الكلي الإنساني الحضاري هو الرسالة التي تعطي المشروع النهضوي العربي معناه وقيمته، وتستدعيه بتقدير أنه احتياج إنساني حقيقي0

الماركسية منتج للنظام الرأسمالي العدواني؛ ونقد الماركسية هو نقد للرأسمالية العدوانية، مفهوما وأداء0 والنقد الموجه هنا، هو نقد للعدوانية التي ينطوي عليها النظام الرأسمالي في تحققه المباشر، أوفي تحققه غير المباشر، عبر الماركسية0 ومن ثم، فإن هذا النقد، إسهام في مواجهة العدوان الحضاري الغربي ضد الطموح القومي العربي المشروع للإستقلال، ولتأسيس رؤية حضارية إنسانية تتجاوز دائرة العدوانية المغلقة، بنظرية مفتوحة على الكل، ومنطلقة في الأفق الوجودي، على منهاج انطلاق النبوات الربانية التي صاغت محاور الرؤية العربية الوجودية0 غاية النبوة الحب والسلام؛ ولكن الماركسية، المنتجة (بفتح التاء) للنظام الرأسمالي العالمي، لن تنتج الحب والسلام، بضرورة تكوينها ومحدوديتها، وانغلاقيتها0

لقد ضلت الماركسية طريق الحب والسلام؛ على أن القيم الحضارية الإنسانية العليا، أقوى على الدوام، وتظل أحلاما تراود الدعاة إلى الخير أجمعين، وستظل الدعوات إليها، شموسا تهدي إلى الطريق القويم000

 

صنعاء 

الجمعة 27 ربيع الثاني ـ 23 تشرين الأول  / 1413 هـ ـ 1992 م

 

****************************************************************

 

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية

 

الشيوعية التي أبدعها خيال كارل ماركس صورة جميلة، تبز إنتاجات فنية، أثرى بها عباقرة الأدب والرسم والموسيقى تاريخ الوجدانيات؛ تبزها بجموح المخيلة، وبالتغور في أعماق الحلم الإنساني العريق، الذي لم يفتأ يعكس أمنية السلام المطلق.

لم يكن ماركس شاعرا، ولكن الشيوعية التي خالها نهاية مطاف الجدلية التاريخية، والبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني، هي شعر لم يلتزم قواعد الصياغة الفنية؛ ومع ذلك، ومع دعاوى العلمية الماركسية، فإن صيرورة التاريخ الإنساني إلى مجتمع واحد يبذل لكل عضو فيه كل حاجاته المادية والمعنوية، ويبذل كل عضو فيه كل ما يقدر عليه من عطاء، مثل هذا المجتمع صورة تراها المخيلة الشعرية التي لا تحاكم بمعايير الواقع، ولا تحاكم بمعيار من المعايير النقدية، إلا بمعيار يتفلت من كل معيار، ويتفلت من ذاته، كلما بدا لذاته أنه معيار له الحق في إصدار الأحكام علىقاعدة ثابتة، أو بوصف أدق: جامدة.

“تحقق الشيوعية الرسالة التاريخية العظمى: تخلص كل الناس من عدم المساواة الإجتماعية ومن أشكال القهر والإستغلال. ومن كل فظائع الحرب، وتجلب لكل شعوب الأرض السلام والعمل والحرية والمساواة والإخاء والسعادة…

“سيعمل كل فرد في ظل الشيوعية اختياريا.. (و) العمل سيكف عن أن يكون مجرد وسيلة لكسب الرزق، وسيتحول إلى الحاجة الحياتية الأولى، إلى الإبداع الحقيقي ومصدر للسعادة والسرور…

“في ظل الشيوعية سيبرز إنسان جديد يجمع بين الغنى والنقاوة الخلقية والكمال البدني، وسيكون متحليا بصفات الوعي وحب العمل والإنضباط والإخلاص في خدمة المجتمع الشيوعي”(1).

وهذه الصورة التي تنقلب على كل تقارير الوقائع، وتنطلق في أفق لم يحلق فيه خيال النبوة، ليست دعاية يروج بها كاتب ما، كلاما له، أو أمنية رأى بعضها في صحو، وبعضها في منام؛ هذه الصورة، أو الصيرورة إليها، “ضرورة ـ ماركسية ــ  تاريخية”، لا محيد للناس عنها، بحكم قانون جدلي صارم، لا يلوي عن مسار ذي اتجاه ثابت، وتقدمي، قرره الفكر الماركسي منذ بدايته الأولى، وأكد عليه الفكر الماركسي في مراحل متقدمة من تجربة التطبيق الإشتراكي، عن طريق التحول للشيوعية، التي شهدها الإتحاد السوفيتي، تحت قيادة الحزب الشيوعي فيه، والذي نص برنامجه على أن:

“الشــيوعية هي نظــام اجتماعــي لا طبقي تقوم فيه ملكية الشــــعب ـ بأسره ـ الواحدة لوسائل الإنتاج والمساواة الإجتماعية التامة بين جميع أعضاء المجتمع، حيث، إلى جانب تطور الناس من جميع النواحي، ستنمو أيضا القوى المنتجة على أساس العلم والتكنيك المتطورين على الدوام، وستتدفق جميع مصادر الثروة الإجتماعية سيلا كاملا، وسيتحقق المبدأ العظيم: “من كل حسب كفاءاته ولكل حسب حاجاته”. إن الشيوعية إنما هي مجتمع عالي التنظيم لكادحين أحرار وواعين، سترسخ فيه الإدارة الذاتية الإجتماعية، ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر الجميع، وأمرا يدركون ضرورته، وتطبق فيه كفاءات كل فرد بأفيد وجه في صالح الشعب”.

وتقدير نبوءة الماركسية بالتحول الإنساني إلى الشيوعية، تقديرا شعريا، هو الشافع الوحيد للتعامل من جديد مع النظرية الماركسية بعد انهيار أنظمتها السياسية فيما كان يعرف بالإتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في القارة الأوروبية؛ وهو انهيار يذهب إلى أبعد من انهيار نظم حكم قامت باسم الماركسية، فيصيب جوهر الفكرة، كما يصيب أعراضها، على تقدير أن ما يصيب العرض يصيب الجوهر، وعلى تقدير أعمق يقرر وحدة الجوهر والعرض التي يعتقدها الفكر الواحدي، كما نتبناه.

إن التدهور الذي لحق بتجارب التطبيق الماركسي، والذي حمل في بطنه وعلى ظهره أدلة تنفي صحة الإيمان الديني عند ماركس وأتباعه، والذي تغلغل في عقائدهم حول حركة التاريخ ومستقبلها، إلى حد الجزم بأنه لا محيص أمام النظام الرأسمالي من مصير الانهيار كمقدمة للتحول إلى النظام الشيوعي، عبر النظام الإشتراكي، هذا التدهور لا يقف عند تجارب بناء النظم الإشتراكية عن طريق إنجاز الحلم الشيوعي، وإنما يخترق حدود التجارب إلى الأفكار التي قامت التجارب عليها ولها. ويصح الزعم أن التجريب لم يتقيد بالنظرية في نقائها، ولكنه لا يصح أن هذا سبب كاف وحاسم لفشل التجريب، ويلغي فاعلية النظرية في نقائها التي ساهمت، بطبيعتها، في إنجاز الفشل. لقد انهزمت التجربة الإشتراكية أمام عدوها اللدود، النظام الرأسمالي، بينما تمركز الفكر الماركسي ـ في نقائه الأول ـ على ما وصفه بقانون التناقض، والذي بنى عليه ماركس، ومعه إنجلز، قولهما أن زوال الماركسية حتمية تاريخية، يقررها الجـدل المادي ـ الماركسي ـ تقريرا قاطعا لا يقبل جدلا. لقد حملت وقائع التاريخ الإثباتات التي لا تقبل النفي وتأبى الخفاء على الأعمى والبصير، وهي الإثباتات التي قدمتها انهيارات التجارب الإشتراكية في بلدان متعددة، وبنسب متفاوتة، وهي إثباتات توكد على خطأ الإعتقاد الجازم بصحة المقولة المركزية في الفكر الماركسي ـ النقي ـ والتي بالغ المؤسس وحواريوه في تقديرها، فقدروها قانونا يصدق على عالم الماديات وعلى عالم الحيوات ومنها عالم الإنسان. وبينما كانت نبوءة الماركسية تبشر بسقوط النظام الرأسمالي لمصلحة قيام النظام الإشتراكي، وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي التاريخي الماركسي، يحدث في الواقع قلب وجهة القانون، الذي ادعى الماركسيون أنه ذو وجهة تقدمية، يتحول بها التاريخ من الرأسمالية إلى الإشتراكية والشيوعية، يحدث الإنقلاب على أرض الواقع، وتحت رايات الأحزاب الشيوعية، وفي مناخات الدعاية التبشيرية للماركسية؛ فتنهزم التجارب الإشتراكية، وتنقلب المجتمعات التي حكمتها النظرية الماركسية إلى مجتمعات تلهث وراء النظام الرأسمالي، وتركع تحت أقدامه، وتعلن براءتها من “خطيئة” التجريب الإشتراكي؟!

والحق إن انهيار التجارب الإشتراكية ليس هو أول توكيدات الوقائع على خطأ الإعتقاد بحتمية التحول إلى الشيوعية وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي الماركسي، الذي يجري في التاريخ الإنساني على صورة الصراع بين الطبقات. فقد كانت وقائع قيام التجارب الإشتراكية ذاتها، إثباتات سبقت إثباتات وقائع الانهيار؛ إذ لم تقم تجربة إشتراكية واحدة، من بين التجارب الإشتراكية كلها، وفقا لقانون الصراع بين الطبقات، أو نتيجة للقانون المحوري في الفكر الماركسي، قانون التناقض؛ فلم تقم تجربة إشتراكية واحدة، باعتبارها ضرورة حتمها مجرى التاريخ الجدلي، ونتيجة صراع طبقة العمال مع طبقة الرأسماليين،. وإنما قامت التجارب الإشتراكية، كلها، في بلاد لم تكن قد أهلتها ظروفها التاريخية لانفجار ثوري يقوده العمال ضد الرأسماليين، تحت هيمنة نظام رأسمالي، بلغ تطوره مرحلة نهايته، ومرحلة بداية ولادة نقيضه الجدلي: النظام الإشتراكي.

فالتجارب الإشتراكية تجاهلت جوهر النظرية الماركسية عند قيامها، ونفت صحة هذا الجوهر عند انهيارها في مواجهة النظام الرأسمالي. وكانت دليلا مكررا، وثابتا بالوقائع؛ وقائع القيام مرة، ووقائع الانهيار مرة أخرى، على خطأ الجدلية المادية التاريخية الماركسية، التي تنبأت، وفقا لضرورة صارمة، بسقوط النظام الرأسمالي في بلدان محددة؛ لم يسقط فيها، وإنما أسقط هذا النظام، تجارب قامت تحت راية النظرية الماركسية، لا وفق قانونها المركزي؛ فكان هذا القيام المخالف للقانون الماركسي المركزي، إعلانا عن بطلانه؛ ومن ثم، إعلانا مسبقا عن الوهن المتغلغل في عمق بنية النظرية الماركسية، والمنسوجة على محور قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي، الذي تأكد بطلانه النهائي مع وقائع الإنهيار الإشتراكي النظامي.

فماذا يتبقى من النظرية الماركسية غير الصورة الشاعرية الأخاذة التي ترسم معالم مجتمع الشيوعية الطليق من القيود التاريخية المكبلة للحرية الإنسانية على امتداد العصور إلى عصر تحقيق الحلم العريق: حلم الحرية والسلام والوحدة، الحلم الذي يحلم به المصلحون جميعا، والعاشقون جميعا؛ لكن المصلحين والعاشقين رأوه بالحدس والمخيلة على عفويتهما، ولم يزعموا أنه ضرورة يحتمها قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، أو تحتمها الجدلية كلها، مثالية أو مادية؟!

فإذا فقد قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي ذو الوجهة المتقدمة نحو المجتمع الشيوعي العلمي، إذا فقد مصداقيته، فلا يبقى من ماركس غير شاعر حالم، لم يمتلك أدوات الشاعرية، غير أداة الحلم؛ كان ماركس شاعرا حالما،  ولا يوهن هذا الزعم ما زعمه هو، وأتباعه أجمعون، من دعوى العلمية التي وصفت بها الماركسية؛ فالعلمية منهجية لا تنقضها الوقائع. أما منهجية الماركسية، فقد نفتها وقائع التاريخ، وأبطلت مصداقيتها.

على أن الربط بين فكرة وتجربة تزعم ـ التجربة ـ عن حق أو باطل، إنتماءها إليها، أي للفكرة، ليس يفي بالمطلوب من البحث النقدي لنظرية ما، قد يجار عليها إذا ما حوكمت بجريرة تطبيقات تشوه حقيقتها. فالمحاكمة النزيهة للنظرية تقتضي التعامل المباشر مع مقولاتها المجردة، التي لا تتجلى في التطبيقات على كل حال؛ فالتطبيق مؤشر دلالي غير نهائي، لا يكفي الناقد التوقف عنده، طالما أن التطبيق ذاته لم يسع النظرية التي ينتمي إليها.

فقد يزعم زاعم أن حظ النظرية الماركسية من التطبيق لم يستنفد بعد؛ فما زال النظام الرأسمالي العالمي يتنامى، وقد يحسب سقوط الأنظمة الإشتراكية عاملا من عوامل تنامي الرأسمالية العالمية، ومن ثم، يحسب عاملا من عوامل انتفاخ النظام الرأسمالي، وسيرورته إلى مرحلة الإنفجار وفقا للجدلية المادية التاريخية الماركسية، وبذلك تكون وقائع انهيار التجريب الإشتراكي “إستدراكا” جدليا تاريخيا، لم يقررها ماركس، وإنما أضافها إلى نظريته تطور التاريخ الجدلي، فعززت هذه الإضافة ـ على ما قد يزعم ـ جوهر النظرية الماركسية ولم تبطلها؟!

وقد يكون انهيار الأنظمة الإشتراكية تجربة قاسية تخوضها المجتمعات التي جرى تطبيق الإشتراكية عليها، فتتعلم منها أن الإشتراكية نظام يفضل نظام الرأسمالية الذي تلهث وراءه، فيجيء الدرس تعزيزا للنظرية الماركسية، وإضافة جديدة إليها، لم يتنبأ بها المؤسس لها، وإنما يسعها برؤيته العامة المبنية على الجدلية المادية التاريخية؟!

وما زالت الدعوة الماركسية نظرية تتسلح بها بعض حركات مقاومة الطغيان الرأسمالي العدواني الواقع على شعوب العالم المقهور؛ فالماركسية تمتلك آلية مقاومة للنظام الرأسمالي العالمي بامتلاكها حلما يناقض الطبيعة العدوانية الإحتكارية للنظام الرأسمالي.

ما زال في العالم المعاصر دول تنتمي لنظرية الماركسية، وتناهض بها؛ وما زالت في الزمن الراهن، أحزاب شيوعية لا يخلو منها بلد من بلدان المعمورة كلها، تؤمن بالمنهاج النظري الماركسي، وتبشر بالعالم القادم الذي بشر به ماركس. وهذه الدول والأحزاب التي لم تتحول عن قناعاتها القديمة بصوابية النظرية الماركسية في جوهرها، أو في تجلياتها، ورغم الزلزال الذي نزل في مساحة عريضة من حقل التجريب الماركسي؛ تراجع مواقفها وأساليب عملها، بغرض تكييف النظرية الماركسية مع تحولات الواقع، واستنادا إلى قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، قانون التناقض، بتخريج جديد له، لا يلغيه كله، ولا يسلم به كله؛ على افتراض أنه، هو ذاته، يخضع لمقولته البنيوية الأساسية، مقولة تغاير الشيء ذاته عن ذاته؛ فالماركسيون يمايزون ما بين تناقض الطرفين الذين يتوقف وجود أحدهما على فناء الآخر: (التناقض التناحري)؛ وتناقض الحالات لطرف واحد، يتجدد بذاته، فيتغاير عن ذاته، ليواصل ذاته الأعمق، أو الأرقى: (التناقض غير التناحري)!

لا يفي الإحتكام إلى التجريب بالمطلوب، إذا كان المطلوب نقدا محايدا للنظرية الماركسية؛ والنقد المحايد يقتضي مواجهة مباشرة مع مقوماتها الفكرية البكر، تلك التي توالدت منها وبها. وبهذا الإقتضاء المتحرر من قبلية الرفض أو قبلية القبول، نرى الماركسية فكرة لها مشروعيتها الملازمة لها، من غير تفريق أو جمع، ومن غير أن تتلقى مشروعيتها من غير دائرة وجوديتها.

 

عوامل التكوين الماركسي

 

نشأت الماركسية حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي انفعالا بموقف “ردة الفعل” الذي عكسه رفض العمال في عدد من الدول الأوربية لممارسات النظام الرأسمالي الذي كان قد حقق تقدما ملموسا، وكان يواصل اندفاعه على قاعدة أن غايته هي تحقيق أكبر قدر من الأرباح من غير أن يراعي حقوق العمال المشروعة في ما تجني مشروعات الإنتاج من عوائد كان الرأسماليون يزدادون ثراء بها، ويزدادون قوة على تسخير طاقات العمال ونهب جهودهم.

الإستجابة للواقع:

تمرد عمال فرنسا في ليون، وعمال النسيج في سيليزيا بألمانيا، وشهدت إنجلترا حركة عمالية واسعة، عرفت بالحركة الشارتية، وتطلع العمال إلى تحقيق مطالب تدنيهم من نيل حقوقهم، ومنها أن تتوفر لهم ظروف حياتية أفضل، وأن يتقاضوا أجورا أعلى، وأن يقصر يوم العمل، وغير ذلك من المطالب التي توخوا منها استعادة بعض ثمار كدهم، واستعادة بعض الإحساس بالإنسانية التي كان أصحاب الرأسمال ينتهكون قيمها.

ولكن تطلعات العمال ومطالبهم كانت عفوية لا تستهدي بنظرية توجيهية تحدد الأهداف والوسائل تحديدا برنامجيا وعقيديا، وذلك على عهدة المنظرين والمؤرخين للماركسية. هذه الأخيرة التي ولدت، وفقا لدعوى الماركسية، من الحاجة الملحة إلى نظرية، يصفها الماركسيون بـ “العلمية”، تمكن طبقة العمال المقهورين من امتلاك زمام المعرفة بقوانين التطور الإجتماعي، والتي تفسر، وحدها ـ بزعم الماركسيين ـ حركة التمرد العمالي ضد الهيمنة الرأسمالية، في مجرى صراع تاريخي للطبقات، تحقق فيه طبقة العمال “البروليتاريا”، نصرا حاسما، وبحكم حتمية هلاك الرأسمالية، وتقدم الإشتراكية؛ يقول الماركسيون:

“وكذا، فإن تطور الحركة البروليتارية ذاته، قد واجه العلم بمهمة بالغة الأهمية، وهي مهمة وضع نظرية ثورية، وخلق سلاح أيديولوجي للبروليتاريا في صراعها ضد الرأسمالية، ومن أجل الإشتراكية. وقد لبى العلم، ممثلا في شخصي ماركس وإنجلس، هذا المطلب التاريخي الملح”(2).

استجاب مؤسسا النظرية الماركسية، ماركس وإنجلز، لوقائع التغيرات في العلاقة ما بين العمال وأرباب العمل، والتي صبغها القلق والرفض من جانب العمال، فأصدرا معا، ما يعتبره الأدب الماركسي، الوثيقة البرنامجية الأولى للشيوعية العلمية، والتي حملت عنوان: “بيان الحزب الشيوعي”(3) الذي كرسه مؤلفاه لشرح أسس الماركسية.

حدد البيان الشيوعي قوانين التطور الإجتماعي، وقرر الطبيعة الحتمية والمحكومة بقانون لعملية حلول أسلوب إنتاج محل أسلوب آخر، وذلك كله من وجهة نظر ماركس وإنجلز، الذين صدرا عما بدا لهما أنه حقيقة تطور المجتمعات ـ كلها ـ في الماضي، باستثناء النظام المشاعي البدائي، وهذه “الحقيقة” هي: “صراع الطبقات التاريخي”.

“وأثبتا أن سقوط الرأسمالية حتمي، وبينا الطريق إلى تكوين نظام اجتماعي جديد هو الشيوعية.. (و) أوضحا المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة”(4).

قدمت الماركسية صياغة جديدة للتاريخ الإنساني انطلاقا من وقائع محددة في المكان والزمان، ولدت انعكاسا لتطور تاريخي محدد ـ أيضا ـ بعوامله التكوينية. وارتكازا إلى وقائع الحركة العمالية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي. عممت النظرية الماركسية المفهوم المعطى من هذه الوقائع المحددة، وصنعت منه مقولة مركزية وعامة في التاريخ الإجتماعي، هي مقولة الصراع الطبقي، الذي يمثل، من وجهة نظر الماركسية، القوة الدافعة لتطور المجتمع المنقسم إلى طبقات متطاحنة؛ والمجتمعات الإنسانية ـ تزعم الماركسية ـ متطاحنة كلها، باستثناء أولها: المجتمع المشاعي البدائي؛ وباستثناء آخرها: المجتمع الإشتراكي الشيوعي.(5).

ماركس من المثالية إلى المادية:

ولكن الإنطلاق الماركسي من وقائع الحركة العمالية التي عاصرتها ولادة الماركسية، لم يأت مقطوع الصلة بعوامل سابقة على لحظة التحام الإنفعال الماركسي بالحدث الجاري، حدث اضطرابات عمال فرنسا وألمانيا وبريطانيا في أربعينات القرن الماضي؛ فالإلتحام الإنفعالي بين ماركس، المتبوع بإنجلز، وبين الحدث العمالي، والذي صيغ بلغة عقلية، كان نتيجة لتغيرات فكرية عرضت للمؤسس الأول للماركسية: ماركس، تسببت في تغيير موقعه الحركي قبالة متغيرات عصره.

إبتدأ ماركس حياته الفكرية هيغليا، وكان أشد تأثر ماركس بالفلسفة الهيغلية، تأثره بفلسفة التاريخ لدى هيغل (1770 ـ 1831م)، والذي ظل يلازم المؤسس للماركسية، رغم الإنقلاب الحاد الذي انقلبه ماركس على أستاذه والذي أدى إلى تحول ماركس من مثالية هيغل، إلى مادية، قامت، لدى ماركس، على أساس الجدلية الهيغلية ذاتها، مع إخراج مادي لها، أتاح له ـ لماركس ـ أن يقلب هيغل “رأسا على عقب”!

كان ماركس يعتقد أن هيغل اكتشف قانونا تاريخيا عاما، هو “الديالكتيك”، ولكن تطبيق هيغل له – اعتقد ماركس – كان ميتافيزيقيا، وغير علمي. قبل ماركس وإنجلز المنهج الديالكتيكي الهيغلي، بعد تحويله إلى منهج ديالكتيكي مادي، استعاضا فيه عن تاريخ الروح التي تشق طريقها إلى المطلق في الفلسفة الهيغلية، بالأساليب الإنتاجية التي – زعما أنها – تدفع التاريخ الإجتماعي إلى المطلق الشيوعي، من خلال الصراع الطبقي، الذي حل لدى ماركس، محل الصراع بين الأمم.

“كان هيغل هو الأصل الذي استمدت منه نظرة ماركس التاريخية إلى التطور الإجتماعي، فهذه النظرة التطورية ترتبط بالجدل (الديالكتيك)، الذي اقتبسه ماركس بلا تغيير عن هيغل”(6).

وجدلية هيغل، التي تمثل محور فلسفته، تسير في ثلاث مراحل: قضية؛ قضية مناقضـة للقضـية الأولــى؛ ثم قضية مركبــة من القضيتيــن الأولــى والثانيـة، ما تلبث ـ القضية الثالثة ـ أن تصبح قضية جديدة أولى في المسار الجدلي الذي يتواصل إلى بلوغ المطلق الوجودي الذي تتطور إليه الروح عبر التاريخ.

وتحت تأثير مادية فورباخ، تحرر مؤسسا الفلسفة الماركسية من مثالية هيغل. وكان فورباخ (1804 ـ 1872م) أحد أبرز الفلاسفة الماديين في عصره. رفض المثالية والدين، ورفض حصر الفلسفة في إطار الفكر الخالص، ورأى ” أن من واجبها (يعني الفلسفة) دراسة الطبيعة والإنسان. والطبيعة موجودة خارج الإنسان، وهي كائن أول، أولي وغير مشتق. أما الإنسان فهو جزء من الطبيعة ونتاج لتطورها الطويل الأمد. والوعي في رأي فورباخ، لا يسبق الطبيعة بل يعكسها ويستوعبها. وأن المادة، الطبيعة، قابلة للمعرفة”(7).

صار الجدل الهيغلي ذا مضمون مادي فورباخي لدى النظرية الماركسية التي “تولدت عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر”(8)، من حالة انفعال الفكر الجدلي المادي بوقائع حركة تناقض مصالح العمال مع أرباب العمل. وتضخم الإنفعال الفكري من جانب مؤسسي الماركسية إلى الحد الذي ترك عامل الحركية يطغى على النظرية الناشئة، ويوجهها إلى مذهب يقرر “أن الصراع الطبقي هو القوة المحركة الجبارة لتطور المجتمع المتناحر طبقيا ومصدر هذا التطور”.

وكان للمواقع المتغيرة التي تقلب فيها ماركس أثرها الفاعل على الصياغة النظرية للماركسية. وكان تغير موقعه من الديمقراطية إلى الشيوعية الثورية (عام 1844م) سببا لتغير رؤيته للعالم. نتج هذا الإنتقال بين المواقع “عن تطور الصراع الطبقي في أوربا، وعن اشتراكه في الصراع الثوري في باريس، وعن دراسته للإقتصاد السياسي والإشتراكية الخيالية والتاريخ”(10).

طبقية الماركسية:

ورغم هذا التداخل بين عوامل الفكر والحركة التي ساهمت في بناء نظرية الماركسية، فإن العامل الحركي الثوري، الذي ظهر بنشوء حركة العمال الثورية، واستجابة ومشاركة ماركس لها، هو العامل التكويني المحوري في النظرية التي صاغها ماركس وإنجلز، والتي لم يكن هدفها تفسير العالم، وإنما تغييره أيضا، ولهذا كانت السمة الرئيسية للماركسية – يقول أدبها – هي أنها “تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة، بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”(11). والفلسفة التي وضعها مؤسسا الماركسية، كان يراد منها أن تمد الحركة العمالية بسلاح روحي في معركتها الطبقية ضد الرأسمالية، وأن تمثل أداة قوية لتغيير الواقع. فهي فلسفة ذات طبيعة طبقية، تعبر عن مصالح العمال، وتتلخص قوتها “في صلتها العضوية بالنشاط العملي، وفي أنها تخدم نضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية ومن أجل الإشتراكية والشيوعية”(12).

الطبيعة الطبقية للنظرية الماركسية، هي القضية المركبة من قضية الجدل الهيغلي المثالي، وقضية المادية الفورباخية غير الجدلية. وعلى أرضية واقع ثوري عمالي مناهض لاستغلال الرأسمال، تولدت نظرية جدلية مادية شكلت الوعي الماركسي بالوقائع المعاصرة لكل من ماركس وإنجلز.

والوعي، لدى الماركسيين، أعلى أشكال انعكاس الواقع الموضوعي. ويرجع أصله، فيما يرون، إلى نشاط الناس الإنتاجي الإجتماعي، وهو نتاج للتطور الإجتماعي، ولا يوجد خارج المجتمع. وهو يوجد بالمعرفة التي هي نتيجة لنشاط الإنسان التاريخي الإجتماعي(13). ويقرر ماركس أن “عالم الأفكار ليس سوى العالم المادي منقولا كما هو ومترجما إلى الروح البشرية”(14). الوعي، بعبارة ماركسية محددة، هو انعكاس للوجود الإجتماعي للناس. والوجود الإجتماعي مقولة فلسفية ماركسية تشير إلى الحياة المادية للمجتمع، التي تتألف من إنتاج السلع المادية، والعلاقات المادية التي تتشكل بين الناس خلال عملية الإنتاج والحياة العملية المحسوسة للمجتمع(15).

وقد كرس غارودي، قبل تحوله عن الماركسية، كتابه حول النظرية المادية في المعرفة لأداء مهمة البرهنة على أن “الفكر يخرج من المادة، لكنه لا يماثلها أبدا”(16). فالمعرفة الماركسية بالعالم خرجت من المادة، أي من واقعة موضوعية اجتماعية وقتية؛ ولكنها لم تتحدد بزمانية ومكانية وقضية هذه الواقعة، أي لم تماثلها، وتجاوزت الوجود اللحظي، إلى الوجود المطلق، المادي والحيوي والإجتماعي، ووسعت من مقولة خرجت من واقعة ثورية عمالية لها أسبابها الظرفية، لتقرر منها مذهبا شموليا في تفسير العالم جملة واحدة، وبقانون محوري هو قانون التناقض؛ وهو صورة مكبرة وممطوطة عن فكرة صراع الطبقات التي عكسها الوعي الماركسي بوقائع حركات العمال في أربعينات القرن الميلادي التاسع عشر: قانون التناقض، أو ما يسميه الأدب الماركسي “قانون وحدة وصراع الأضداد”؛ وهو صورة مكبرة لفكرة صراع الطبقات: فالتناقض مقولة تشمل العالم كله، وقانون صراع الطبقات يشمل الوجود الإجتماعي، المشمول بالعالم كله، أي المشمول بمقولة أو قانون التناقض؛ وهو صورة ممطوطة من فكرة صراع الطبقات، لتفاوت المدى الزماني لكل منهما؛ فالتناقض الماركسي “مقولة في الجدل تعبر عن المصدر الباطني للحركة، وجذر الحيوية ومبدأ التطور جميعا”(17)، لا تستثنى منه حالة من حالات الوجود، لا كمية ولا كيفية، ولا حالة المجتمع الشيوعي كما يتنبأ به الفكر الماركسي؛ أما الصراع الطبقي فهو القوة المحركة لتطور المجتمع “المتناحر طبقيا”، ومصدر هذا التطور(18)، والمجتمعات المتناحرة طبقيا، بالتوصيف الماركسي، هي الواقعة في المدى التاريخي الإنساني ما بين نهاية المجتمع المشاعي البدائي، وبداية المجتمع الإشتراكي الممهد للمجتمع الشيوعي.

التناقض أو وحدة وصراع الأضداد:

قانون وحدة وصراع الأضداد هو “جوهر الجدلية وقلبها” بعبارة لينين(19)، التي أكدت عليها الموسوعة الفلسفية الماركسية بالقول: “إن التناقض هو المقولة الرئيسية في الجدل المادي”(20)؛ فهو يكشف عن القوة الدافعة في حركة التطور المادي العالمي، ويفسر جميع مقولات الماركسية الأخرى الجدلية: “التطور بالإنتقال من التغيرات الكمية إلى التغيرات الكيفية، وانقطاع الإنتقال التدريجي، والطفرات، ونفي اللحظة المبدئية في التطور، ونفي هذا النفي نفسه، والتكرار في مستوى أعلى لبعض ملامح وجوانب الحالة الأصلية”(21)، وغير ذلك من مقولات الماركسية(22).

ينبني قانون التناقض الماركسي على ما يحسبه الفكر الماركسي جوانب متضادة للإشياء والظواهر، التي تتواجد جنبا إلى جنب، ولكن في حالة تناقض دائم، وصراع فيما بينها(23). والأضداد تستبعد بعضها البعض، وتفترض وجود بعضها البعض، وهي تترابط في علاقة لا تنفصم هي علاقة “وحدة الأضداد”(24).

ولتوضيح معنى التناقض، يسوق أفانا سييف صاحب “أسس المعارف الفلسفية” أمثلة عديدة من مستويات الوجود المادي والحيوي والإجتماعي، منها مثال المغناطيس الذي يتناقض قطباه، ولا ينفك عن التناقض مهما وقع له؛ فإذا قطع قطعتين، تناقضت كل قطعة منه إلى قطبين، وهكذا دواليك، لا التناقض ينتفي، ولا نفي القطبين المتناقضين ينعدم، ولا ينفرد قطب من القطبين بالوجود في غياب القطب الآخر. ومن أمثلة التناقض التي يضربها سييف مثال تناقض طبقة العمال مع أرباب العمل في المجتمع الرأسمالي، الذي لا يقوم – في رأيه – إلا مع التناقض، أو بالتناقض بين الطبقتين، مع ما يقتضيه هذا التناقض من “وحدة الأضداد” بين الطبقتين.

وعلى ما تقرره الجدلية، وما تفرضه، فإن متناقضا من المتناقضين المجتمعين في الشيء أو الظاهرة، لا بد وأن يهدم نقيضه، ليصير النقيضان معا حالة جديدة ما تلبث أن تعيد المسار الجدلي ابتداء منها، مرة أخرى، باعتبارها نقيضا يقتضي وجود نقيض آخر له.

وقد يبدو تحقق الجدلية فيما وصف بأنه تناقض بين قطبي المغناطيس غير مفهوم؛ فإذا كان التناقض هو العلاقة بين طرفين لا يتعايشان معا إلا عيشا من غير دوام، فالعلاقة بين قطبي المغناطيس علاقة تعايش مع دوام بالحكم القاطع لتاريخ المغناطيسية إذا جاز القول بأن للمغناطيس تاريخ وهو قول نعتقد أنه لا يجوز إلا أن يكون قولا جزافا تقتضيه الجدلية الهيغلية، والجدلية الماركسية المتطابقة منهجيا مع جدلية هيغل. ثم هو قول يجوز إذا تغيا قائله تعميم فكرة تصور حالة محدودة الزمان والمكان، هي فكرة الصراع الطبقي التي ابتدعتها الماركسية بالإرادة المنفعلة بحركات عمال بعض البلدان الأوربية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي؛ فإذا قصد منظرو الماركسية المؤسسون والتابعون إلى استيلاد قانون التناقض الشامل لكل شيء ولكل ظاهرة، من فكرة الصراع الطبقي، إذا قصدوا ذلك، فقد يفهم بعض من لا يفهمون على الإطلاق، أن التناقض، أو صراع الأضداد، وصف صحيح لعلاقة قطب الشمال مع قطب الجنوب في مغناطيس واحد أو مغناطيسين.

ولكنه لن يشق على الفهم أن يقال أن المجتمع الرأسمالي حالة اجتماعية يتواجد فيها نقيضان متضادان متصارعان، يتعايشان زمنا محددا، على طوية رفض أحدهما للآخر بحكم اختلاف الطبائع، أو اختلاف المصالح الطبقية الإقتصادية، كما يؤولها الماركسيون، إلى أن تتفجر هذه الحالة المتناقضة بنضال البرولتاريا، فتصير حالة التناقض ـ التناحري بين العمال وأرباب العمل ـ حالة اجتماع اشتراكي، ثم شيوعي.

لا يشق على الفهم مثل هذا المنطق الجدلي الماركسي، بشرط ضروري هو أن يرتد الفهم في التاريخ إلى أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي، فإن من شأن هذا الإرتداد أن يتلقى الفهم مضمون الجدلية الماركسية هذا تلقي الحالم بزوال كابوس الاستغلال الرأسمالي في مستقبل الزمان، لا تلقي الواثق بوقوعه، فهو على أدنى القول، لم يقع منذ نص عليه الدعاة إليه، وإلى هذا اليوم.

وهو لم يقع، لا بسبب تعثر حظ الجدلية ـ هيغلية أو ماركسية ـ في مسارها التاريخي؛ ولو صادف أن كان هذا السبب هو مانع الوقوع، فهذا المانع يشطب، بلا تردد ولا هوادة، مقولة الضرورة التاريخية التي يدعي الجدليون المثاليون والماديون أنها ترسم خط التقدم التاريخي نحو المطلق، بحركة تكتسح كل الموانع، إذ أن الموانع كلها، بزعمهم، مطايا للمطلق التاريخي: الروح في ذروة تحققها عند هيغل، وهي ما جسدته في تصوره، الدولة الألمانية في عصره؛ والمجتمع الشيوعي ذروة صراع الطبقات أو الغاية الأعلى لتناقض أساليب وعلاقات الإنتاج المادي الإقتصادي، عند ماركس؟!

الصراع لازمة للأنا العدوانية:

لم يقع الحلم الماركسي منذ تراءى لأصحابه، بسببه هو، لابسبب خارج عنه. فهو حلم مفتعل من واقعة مربوطة بظروفها الموضوعية المحدودة في الآن والهنا، تمتثل، شأن كل واقعة وجودية أخرى، لقانون التغير الذي يغير الظرف والمظروف معا، وعلى الدوام. فالواقعة، كل واقعة، ذات وجود محدود له حكمه المحدود. لكن افتعال قانون عام يزعم له الصدق على التاريخ كله، من واقعة ماثلة للتغير في كل آن، ومع تقدير توفر حسن النية، هو افتعال حلم يوهم أن البطون المنتفخة كلها، وعود بولادات تامة ومعافاة، بحجة أن بطنا منفوخا ما، انفرج عن وليد حي كامل الأوصاف. فإذا وعد بطن منفوخ بولد أو بنت، فإن ثمة بطونا تقتل أجنتها، وثمة بطونا ينفخها الوهم الحالم، وتكذب على أصحابها إلى حين يفضحها التحقيق، أو إلى حين ترتخي توترات الكروش، وتتلاشى فقاقيع الغازات.

ليس صراع الطبقات قانونا تاريخيا حاضرا على امتداد الزمـان والمكان المطلقين، ـ باعتبار مطلقية الزمان والمكان إشارة إلى المدى التاريخي المكاني كله، وليس على المعنى الذي تحمله الفكرة الماركسية المبني على رفض فكرة وجود إلاه خلق الزمان والمكان ـ والمجتمعات لا تنقسم إلى طبقات بضرورة لا تتخلف عن التجسد في الواقع في مجتمع واحد على الأقل؛ وقد يتباين المجتمع إلى طبقات، ولا تتمايز الطبقات في غيره؛ وقد توجد طبقات، لكنها طبقات لا تتصارع على المصالح الإقتصاية كما تزعم الماركسية؛ كما توجد طبقات لا تخمد نيران الحرب بينها، لا لأن الحرب قدر محتوم بين طبقتين أو طبقات تتعارض مصالحها الإقتصادية، ولكن، لأن طريق الحرب إرادة لها بدائل أخرى يختارها أولئك الين يعتقدون أن نيران الحرب تأكل مشعلي فتيلها، بينما هي تمتد لتحرق أرضا واحدة، بيد أن الأرض تسع الناس والأحياء عامة، تحت مظلة سلام يبدعه عقل منفتح على إرادة خيرة جسورة.

الصراع ليس لازمة طبقية، ولكنه لازمة للأنوات المتضخمة بالعدوانية التي قد تنشأ من وضعية طبقية، وقد تنشأ منها الوضعية الطبقية ذات العلاقات التصارعية؛ لكنها ـ الأنوات العدوانية، وعلى كل أحوالها ـ لها سبب نشوئي أعمق في الوجود، الإنساني وغير الإنساني، أعمق من الطبقية، ويتوغل في الوجود بكليته إلى ذروته التي تتمدد فيه، وبه، من “الأول” الذي لا يسبقه سابق، إلى “الآخر” الذي لا بعد بعده؛ ذلك السبب الذي تنتج عنه الأسباب والمسببات كلها، هو الفاعلية الوجودية التي لا تنفك عن الوجود، ولا ينفك الوجود عنها، أو التي هي الوجود، والوجود هي.

التفسير الفاعلي للوجود:

وتدنو النظرية الماركسية من الإعتراف بالفاعلية الوجودية سببا نهائيا للحركة التاريخية الإنسانية، بما فيها الصراع الطبقي، عندما تؤكد على أن “التنوع الكبير في أشكال المادة وحركتها ينطلق من أن جميع الظواهر الطبيعية التي لا يحصى عددها، ترجع إلى مظاهر المادة وأشكال حركتها، فلا يوجد أي شيء غير المادة المتحركة”(25).

تكاد الماركسية تقرر التفسير الفاعلي للوجود لكل الحادثات الوجودية، بما فيها حادثات الصراع الطبقي التي تولدت نظريتها منه، فلم يعقها عن هذا التقرير إلا ترددها بين الواحدية والثنائية؛ فهي واحدية لكنها لم تبرأ من الثنائية التي لا حيلة لها للبراءة منها، طالما كان التفسير الطبقي يستدعي حالتين وجوديتين ترفض إحداهن الأخرى، وطالما كان المنهج الجدلي ذاته، يستدعي وجود قضيتين متناقضتين، يصيران قضية ثالثة ما تلبث أن يتولد منها، مقابل اعتبارها قضية أولى، قضية ثانية، وهكذا دواليك إلى غير نهاية يفرضها المنهج، لدى تطبيقه على مسار التاريخ الإنساني، الذي تنتهي جدليته – الماركسية – الثنائية إلى واحدية شيوعية مطلقة، تكرس بدورها ثنائية التاريخ الإنساني، إلى تاريخ مجتمعات طبقية، وآخر لا طبقي. بينما التاريخ الإنساني كله، هو تاريخ تحقق الفاعلية الإنسانية، بأشكال متعددة، لا تنفي واحديته، وتثبت أن الفاعلية الوجودية، قادرة دوما على التفتح المتواصل، وعلى اجتياز الفواصل بين آنات الزمان الوجودي؛ هذه الفواصل التي تستلزمها طبيعة الحركة الفاعلية، طبيعة التكثر؛ فالتكثر لا يقع إلا بفواصل، والتكثر الذي هو صورة الفاعلية الوقائعية، لا يسلب الخاصة الأولى والنهائية للوجود، خاصة الفاعلية، لا يسلبها طبيعتها، وإنما هو يؤكد عليها، فما تكثره إلا برهان على الفاعلية ذاتها، الواحدة في جوهرها وأعراضها، والتي لا يقوم فيها الجوهر مقابل أعراضه، فمثل هذه المقابلة ثنائية زائفة، تزرع بين الشيء وذاته وهما تصوريا لا يصدقه الواقع.

القهر مذبح المجتمعات:

صراع الطبقات ليس تفسيرا جذريا لتاريخ التغير الإجتماعي، أو تاريخ الصراع الإنساني. والناس لا يصارعون الناس لدوافع اقتصادية خالصة كما يفترض الفكر الماركسي الدائر على مقولة صراع الطبقات. على أن ذلك لا ينفي أن بعض الصراع التاريخي هو صراع طبقات على قاعدة الصراع على مصالح اقتصادية، أو هو صراع مصالح اقتصادية، وإن لم يكن صراعا بين طبقات. وقد يكون لصراع ما دوافعه الاقتصادية لدى جانب، ودوافع غير اقتقصادية لدى الجانب الآخر له. ولكن الصراع في كل حالة من حالاته، تعبير عن الفصلية الفاعلية المتجمدة بالوهم القاصر عن تعمق المعنى الوجودي المتحقق في الأشكال الإجتماعية المتكثرة، مادية وروحية، من غير ثنائية، فتستحيل الفصلية الفاعلية – هذه – أداة عدوانية تنتفخ بها الأنوات فتجور على أنوات أخرى، لها حقها المشروع وجوديا في المشاركة المتساوية في عملية تسخير مقدرات الحياة، الممنوحة إمكانا للجميع، والإنتفاع بهذه المقدرات دون قيود يغل بها القاهرون المقهورين.

علاقات الطبقات المتصارعة هي علاقات قاهر بمقهور. ولا ينحصر القهر بين الطبقات، وقد يكون في الطبقة الواحدة، ويكون بغير طبقات، ويكون في ذات فردة. القهر علاقة تنتج استغلالا عدوانيا للطاقة الفاعلية المحرفة بإرادة لا واحدية. أما إرادة الواحدية، البريئة من شوائب الثنائية، فهي إرادة السلام. والسلام مطلب المقهور، ومطلب القاهر أيضا. القاهر والمقهور صورتان للفاعلية الوجودية الواحدة التي تنطلق من إسارها بالحب، عبر العدالة، نحو السلام. أما القهر فهو النار الأكول للقاهر والمقهور.

القهر مذبح المجتمعات الطبقية وغير الطبقية، وهو أصل الصراع بدوافع اقتصادية أو غير اقتصادية. وكما تنبأت الماركسية بسقوط المجتمعات الرأسمالية التي تقهر فيها طبقة أرباب العمل طبقة العمال، أثبتت الممارسة الماركسية الإجتماعية أن القهر يهدم التجارب الماركسية التي لا تقوم على قاعدة الطبقية الاقتصادية، وإن كان هذا لم يمنعها من القيام على قاعدة الطبقية القهرية؛ القهر النظري الذي يرتكز إلى زعم قطعي لا فسحة فيه للحرية العقلية، زعم يزعم أن الكشف الماركسي هو نهاية مطاف تكشف الحقيقة النظري؛ والقهر العملي الذي حجب الكثر عن الإنفتاح على وجود فيه غير، وغير يحقق الفاعلية التي تتحقق في الماركسيين أيضا، من بين من تتحقق بهم وفيهم أكوان الوجود المادية والحيوية، القهر الذي جمد طاقة الإبداع لدى الأفراد، بحجة أن الإبداع مهمة أداها المعلم الملهم بالنيابة عن الناس كافة، فإذا كان ثمة فسحة للإبداع، فهي فسحة لترداد الصدى، تتحرك به الحناجر بالصوت المرهوب بالسوط.

 

انغلاق الماركسية

 

فشلت التجارب الماركسية لأن الفشل كامن فيها. ولا تفشل تجربة إنسانية إلا لسبب واحد هو: انغلاقها. والأداء المغلق الذي ماز التجارب الماركسية، نتيجة طبيعية للنظرية الماركسية ذاتها. فإن صدورها عن واقعة مغلقة، هي واقعة حركة العمال في بعض بلدان أوربا في أربعينات القرن الميلادي الماضي. هذا الصدور عن واقع مغلق، أنتج نظرية انغلقت على ذاتها، بحصر حركة التاريخ الإنسانية المفتوحة على خيارات متعددة، في مسار واحد، هو مسار صراع الطبقات ذي الدوافع الاقتصادية، ومن ثم، بحصر رؤيتها في محبس الصراع الطبقي الاقتصادي؛ بينما للعقل رؤى كثر، أنتجتها وقائع أخرى، غير واقعة عمال محدودة الزمان والمكان والدوافع والتطلعات؛ رؤى للتاريخ الإنساني، تصدق كل منها صدقا نسبيا يعادل الحقيقة التاريخية المتموضعة لها، ولا تكذب بردها إلى حقائق تاريخية أخرى لا تتموضع لها، لأن رد مقولة إلى غير موضوعها تعسف منطقي، لا يقتضيه منهاج العلم القويم.

تفسير التاريخ الإنساني بالنظرية الماركسية حقيقة تصدق على موضوع تاريخي تتوافر فيه عوامل الصراع الطبقي الاقتصادي. أما إذا جاوزت النظرية الماركسية مساحتها التاريخية أو المنطقية، فادعت أنها التفسير الوحيد الصحيح للتاريخ الإنساني كله، فهي بهذه الدعوى تحشر عنقها في مقصلة المنطق ومقصلة التاريخ، وتقدم البرهان على انغلاقها في الوهم القاتل؛ بيد أن الحياة تتجدد بفاعليتها الوجودية التي تتأبى طبيعتها على الجمود في مأزق واهم أكره رأسه على ولوج مقصلة ينتهي عندها تاريخه، لا التاريخ كله.

النظرية الماركسية رؤية منغلقة رغم الصورة الشاعرية ذات الطلاقة الجمالية التي ترسمها للشيوعية؛ فهي منغلقة بمعيار الجدلية ذاتها، التي يزعم الماركسيون أنها لا بد وأن تؤول إلى الشيوعية، بضرورة لا تنازع؛ الجدلية المستنبطة من مقولة التناقض بين القضية والقضية المناقضة لها، على نحو ما صوره البروفسور بارنت سافري بقوله:

“يشرح الماركسيون عقيدتهم في النقائض بالطريقة التالية: تحتوي الأشياء كلها قوتين جوهريتين متناقضتين، أحدهما يسمى “الموضوع” والآخر “نقيض الموضوع”، وتقوم القوتان بتدمير نفسيهما، وينشأ من هذا التدمير وضع جديد يسمى “مركب النقيضين”. وأخيرا، ينهار المركب من النقيضين لينتج نقائضه ـ فتدور الدورة: نقيض يقابل نقيضا، ثم، وصدورا عن هذه القوى المتناقضة التي انهار إليها “مركب النقيضين” الأول، ينتج “مركب نقيضين” جديد ـ وهلم جرا”(26).

الجدلية صحيحة المنطق وهي تقرر أن كل مولود والد، ولو على سبيل الإمكان؛ ولكنها تجافي المعقول إذا حكمت على مولود من مواليدها بالعقم الأبدي الذي لا دواء له. فالشيوعية في النظرية الماركسية مولود لا يصير والدا، ولو على سبيل الإمكان، هذا رغم أن الأدب الماركسي لا يستثني الحالة الشيوعية من قانون التناقض، لكن تناقض الشيوعية “داخلي” ولا يدمرها؛ فهي نهاية الجدلية التاريخية – التدميرية – والتي تتأبى على التفتح على أفق تاريخي مغاير لها؛ عند الشيوعية تتوقف الجدلية التاريخية – بمعناها الكلي – بينما تنفي طبيعتها خاصة التوقف عند مرحلة من مراحلها، فإذا أوقفتها الحالة الشيوعية، فإنما هي ـ الشيوعية ـ حالة منغلقة على أنوية متضخمة بابتلاع التاريخ كله، ما قبلها وما بعدها، كما هي حالة مغلقة لإغلاقها مجرى الزمان عند اللحظة التي يتكشف عنها، إذا كان من جوده التكشف عنها.

منهج الجدل التاريخي، إذا صح اعتباره قانونا عاما شاملا، فلا يصح إلا بشرط انطباقه على التاريخ كله. أما استثناء حالة تاريخية ما منه، فهو إبطال له، أو إبطال للحالة المستثناه؛ وعندما يتواجه المنطق مع مشكلة تحديد بطلان أي من الفكرتين المتنازعتين على شهادة الصدق المستحقة لإحداهما دون الأخرى، فإن المنطق ينحاز إلى تأييد فكرة التفتح المتواصل للفاعلية الوجودية المتحققة في التاريخية الإنسانية، انحيازا منه إلى مبدأ الحرية الإنسانية التي لا يستقيم لها معنى مع معنى نهاية التاريخ الجدلي أو غير الجدلي الذي تدعيه الماركسية وغيرها من القوى المستبدة بالمقهورين من الناس. فإذا رفض منهج الجدلية التاريخية، المتطابق مع منطقه، حالة الاستثناء التي يدعيها الماركسيون، فإن الشيوعية فرضية ميتة، تقتلها انغلاقيتها دون الطلاقة الفكرية والطلاقة التاريخية.

وانغلاقية الفكرة الشيوعية خاصة للنظرية الماركسية أنتجت فكرة انغلاقية أكبر هي فكرة انغلاق التاريخ في مسار دائري؛ من مشاعية أول التاريخ إلى شيوعية نهاية التاريخ، على فهم أن التاريخ تأريخ التغير الملازم للظاهرة الإنسانية، الذي لم ينفك، وليس ثمة إشارة توحي إلى أن التغير قد ينفك، عن الظاهرة الإنسانية أو غيرها من ظواهر الوجود.

انغلاق يلد انغلاقا:

ودائرة التاريخ المتخيلة من مشاعية بدائية إلى شيوعية “علمية”، هي دائرة التاريخ العقيدي اليهودي من جنة أولى خرج منها الأب الأول إلى جنة أخرى يعود إليها اليهود، ولا أحد غير اليهود.. أو هي دائرة التاريخ الذي ابتدأ بالدخول العبراني الأول إلى فلسطين، وينتهي بالرجوع مرة أخرى إلى “أرض الميعاد” التي وعد الله بها “شعبه المختار”..

ماركس، مؤسس الماركسية الأبرز، يذكر من طفولته أنه كان يهوديا، واليهودية عقيدة مغلقة(27). والتحول الذي تحولته عائلته – مضطرة – عن عقيدتها اليهودية إلى العقيدة المسيحية، كان تحت ضغوط بيئية مغلقة أيضا، وكان له دوافعه المعاشية الاقتصادية، ومثل هذا التحول ـ بالإكراه ـ يعزز الميول الإنغلاقية لدى الناس، عن وعي أو غير وعي، بدوافع أمنية وجودية غريزية، وبقدر الحاجة إليها، ويبدو أن القدر الذي كان يحتاج إليه ماركس من انغلاقه على ذاته كان كبيرا، بدلالة أن انعكاسه على فكره وعلى أخلاقه كان كبيرا.

هيمنت انغلاقية التراث اليهودي على رؤية ماركس الفلسفية، فعاير أحداث عصره بمعيار الإنغلاق على وقائع محددة، أغلقها على رؤيته للتاريخ كله، مثلما تغلق اليهودية رؤيتها للتاريخ ولما هو أوسع من التاريخ، على الشعب اليهودي، “شعب الله المختار”، هذا “الله” الذي هو رب اليهود من دون الناس، الذي رفع “شعبه” فوق الشعوب، والذي وعده بأرض تفيض لبنا وعسلا، والذي اصطفاه على العالمين، لا لرسالة عالية يحملها، ويؤديها على وجهها الصحيح، بل له ذاته أيما كانت الرسالة وأيما كان الأداء.

انغلاق اليهودية هذا على ذاتها، وفرضها الإنغلاق على فكرة الله، وعلى فاعليته المطلقة بطبيعتها، انعكست في النظرية الماركسية التي أغلقت على التاريخ الإنساني وعلى الفاعلية الوجودية المطلقة بطبيعتها، دائرة ضيقة الزمان والمكان، ودائرة مفهوم محدود للنشاط الإنساني تحصره في النشاط الاقتصادي، وتفسر، بهذا الأخير، كل نشاط غيره؛ ولكنها في الحقيقة تفسر بهذا التقييد، انعكاس التراث اليهودي على تفكير ماركس، وهو ـ التراث اليهودي ـ يقدس المال، لما للمال من دلالة على انغلاق حائزيه ومانعيه؛ فالمال المحوز الممنوع ـ أو الملك عامة ـ هو الذات المنغلقة على جورها على الآخرين على صورة مجسمة مفضوحة فاضحة.

شيوعية ماركس جنة اليهود:

وقد يعجل عجول فيرد تهمة التأثر الماركسي بتقديس اليهود للمال بما تتصوره الماركسية من حالة شيوعية يختفي فيها المالك والمملوك؛ وهو رد مقبول إذا تأنى العجول وأثبت أن الشيوعية الماركسية براء من علاقة عضوية تربطها بالتاريخ اليهودي مثلما يرتبط التفسير الاقتصادي بالخلق اليهودي الأنوي الجامع المانع للمال. الشيوعية الماركسية هي “جنة الآخرة” أنزلتها النظرية الماركسية إلى الدنيا، فردتها إلى موضهعا الأولي الذي وضعتها فيه ثقافة الأولين اليهود المدونة في العهد القديم، والتي تخلو من أية إشارة إلى جنة ما بعد الموت، وتنص على أن جنة اليهود هي فلسطين، “الأرض التي تفيض لبنا وعسلا”؛ أي جنة في الدنيا؛ جنة دنيوية توفر لكل “قدر حاجته” وهو ما توفره جنة الماركسية، التي لا تعفي، مثل جنة اليهود الأولى، من بذل العمل على قدر الطاقة. ثم إن جنة الماركسية وجنة اليهودية الأولى مكافأة يحصدها العاملون لها: طبقة العمال في الماركسية؛ وأبناء “الشعب المختار” في اليهودية.. وجنة ماركس لأولئك المؤمنين بالتفسير الاقتصادي للتاريخ؛ وجنة اليهود لأولئك الكانزين المال المانعين له ـ بحقة ـ عن “الغوييم”، كما تمنعه الماركسية عن غير العمال، حيث لا تسع جنتها إلا العمال.

إباحة المال:

وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي – الماركسي – المتخيل، إسقاطا يعكس حاجة لدى ماركس، الذي قضى حياة الدعوة الماركسية معوزا لا يجد مالا يكفيه لمعاشه ومعاش أسرته؛ فما الحال الذي ينشده معوز للمال غير إباحة الملكية إذا كانت أقوى القوى العاملة في ذاته قوة التخيل لمجتمع موهوم، مركوزة بقوة التمثل لتاريخ يهودي عاشه أهله، ومنهم ماركس وأهله، وراء “غيتو” ظل يفصلهم عن مجرى الحياة المتدفق، كما عزل ماركس خياله في “غيتو الشيوعية”، فعزله عن الواقع الواسع الذي يهب الخلق أجمعين إمكانات الحياة لمن يطلبها على وجهها، لا للذي يتخيل أنه النهاية التي تصب بين يديها ثمار عمل الناس، دون أن يعمل هو إلا أن يبتدع لهم جنة من الوهم؛ وأراد أن يستبق الزمان، فابتدعها ـ ماركس ـ في العاجل، لنفسه، فطلب زاد المعاش كما يطلبه أهل الجنة؛ جنة خاصة به هو “النبي”: مكافأة خالصة دون عمل؟!

 وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي الذي أبدعته المخيلة الماركسية، إسقاطا لرغبة تراثية يهودية بالإنتقام من المجتمعات التي عاش فيها اليهود أذلة، وليس أفعل من انتقام يشفي غليل الحقد، وفي معيار تراث يقدس المال، من انتقام يسلب المال من مالكيه، خاصة، وأن إسقاط الماركسية يوافق مجتمعات الرأسمالية المتقومة بالمال، والمتكون من جهد العمال المقهورين، وليس أقدر على تحقيق الإسقاط اليهودي التراثي المختزن عند ماركس، من طبقة العمال المكرهة على تحويل جهدها إلى مال يملكه أرباب الأعمال، فكرس ماركس نظريته لتحريض العمال ضد النظام الرأسمالي، وكان هذا التحريض هو التجديد الوحيد في النظرية الماركسية قياسا إلى النظريات الموضوعة من قبل، والمعنية بالمقولات والهموم التي عنيت بها الماركسية.

غيتو ماركس:

 “غيتو الماركسية” صورة من غيتو اليهود، عزل فيه ماركس طبقة العمال في زمان مقطوع ومكان مفصول عن زمان ومكان الحياة الإنسانية الواسعة، ثم نقل ماركس “غيتو طبقة العمال” من بؤس الحياة تحت هيمنة الرأسمالية إلى “نعيم الجنة الشيوعية”، كما ينقل التراث اليهودي “غيتو اليهود” من بؤس الحياة خارج “أرض الميعاد” إلى الأرض التي “تفيض لبنا وعسلا”؛ أرض فلسطين.

شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر:

وإذا كان مجتمع الشيوعية، هو الحالة التي تغيب فيها الملكية الفردية بالكلية، ويبذل فيها الفرد غاية طاقاته الإنتاجية، مقابل الحصول على كفايته من الاحتياجات، لا على كل العائد مما يبذل من مجهودات، على فرض أن عائدات إنتاجه تفوق قيمة احتياجاته، فما الدوافع التي تثمر قيمة العائدات الزائدة عن قيمة الاحتياجات المكفولة للعمال؟ المجتمع الرأسمالي يدفع إلى تحقيق القيمة الزائدة بإرادة تحقيق الأرباح الخاصة للأفراد، والمجتمع الشيوعي الذي يقوم على أساس رفض الماركسية لحق الأفراد في تحقيق أرباح من عملية الإنتاج، يجعل هذا التحقيق الزائد حقا مباحا للمجتمع كله، كيف يقنع العامل ببذل جهد يفوق الجهد الذي يكفل له احتياجاته إذا عادت ثمار جهده الإضافي للمجتمع وليس له؟ يقول التصور الماركسي للمجتمع الشيوعي أن كل زيادة في الجهد المنتج، هي زيادة في درجة إشباع الحاجات الفردية، المادية والمعنوية، وزيادة للإنتاج القومي؛ وهذه غايات اقتصادية يحققها منتج واع بالقيمة العميقة للعطاء غير المحدود من جهده، العائد إليه وإلى أفراد مجتمعه. وهذا الوعي المنتج هو وعي شيوعي يلد من قناعة مسبقة بالنظرية الماركسية التي تبشر بمجتمع العدالة المطلقة والسلام الجواني والبراني للفرد والجماعة، مجتمع لا تحكمه سلطة دولة؛ فلا دولة في المجتمع الشيوعي؛ بل تحكمه عقيدة تجعل من العمل، عملا خلاقا حرا، عملا لخير المجتمع بأسره، عملا “يتحول إلى الحاجة الحيوية الأولى، ويحمل إلى الناس فرح الإبداع، وأسمى التمتع”(28). ولا شك أن الشيوعية بهذا المفهوم تمثل “حلم الإنسانية المزمن”(29)، ولكن، هل تملك النظرية الماركسية إمكانات تحقيق الحلم الإنساني بشيوعية تحرر الناس من الإكراه على الحياة في نمط يفرضه القاهر على المقهور؟ الشيوعية تحرر من القهر إذا لم تلد، ولادة شرعية منه. أما شيوعية الماركسية فهي مولود شرعي للقهر، هي حاصل الصراع الطبقي الذي يتنازع فيه القاهر والمقهور، في ظل النظام الرأسمالي، على أساس نظري قاهر، منغلق على ذاته بزعمه أنه الرؤية الصحيحة ـ الوحيدة ـ  للحياة الإنسانية؛ ومنغلق على ذاته، لحصره مفهوم الحياة الإنسانية في دائرة الإقتصاد، بينما الإقتصاد وجه من أوجه النشاط الإنساني، لا كل أوجه هذا النشاط المتعدد بحكم قانون التعدد الوجودي.

النظرية القمعية لا تعطي الحرية:

فالشيوعية التي تبشر بها الماركسية حالة مغلقة، تنتج من نظرية مغلقة، القهر أس خصائصها، لا ينفك عنها بحكم علاقة الولادة من رؤية منغلقة تدعي أنها الرؤية الوحيدة التي تقود حركة التاريخ الإنساني نحو “الحلم المزمن”.

وما الحلم إلا الحرية‍‍‍!!

والصورة الشاعرية التي ترسمها النظرية الماركسية للحالة الشيوعية هي صورة الحرية… ولكن نظرية قمعية لا تعطي الحرية… فالحرية انفتاح يطلق إرادات الناس المتقومة بوعي متحرر لا يقيد حركة الحياة بواقعة محددة، ولا بتصور قطعي ناجم عن واقعة محدودة. الحرية إبداع يجدد الحياة؛ والنظرية المتورطة في واقعة جاوزتها وقائع لاحقة، سلفية تغتال مكنة الإبداع وتنازع الحياة حق التجدد الذي ينطلق من الحاضر وحده.

ماركس منغلق أخلاقيا:

الحالة الشيوعية انفتاح يبتعثه منفتح، وشيوعية ماركس انغلاق نتحه منغلق أخلاقيا. والإنغلاق الأخلاقي خاصة تنشأ من تفاعل مجموعة صفات، أكدت شهادات عدة أدلى بها عارفون بماركس، أنها ـ مجموعة الصفات ـ متوفرة في صاحب نظرية الشيوعية الماركسية، وهي تدور على محور أناني واضح، جعل أباه، هنريك ماركس، يصفه بـ “أن الأنانية غالبة عليه”(29).

وقال الكاتب الماركسي أوتو راهل واصفا ماركس في كتابه عنه، أنه “كان على الدوام متقلبا مبتئسا حقودا”.

ووصفه باكونين بأنه “يحب نفسه أضعاف حبه لأصدقائه ومريديه.. وما من صداقة تصمد لحظة إذا مسته لحظة في غروره وكبريائه، وأيسر من ذلك جدا أن يغفر الإساءة أو الخيانة لدعوته الفلسفية ورسالته الإجتماعية.. فإنه ينظر إلى هذه الخيانة نظرته إلى علامة من علامات القصور العقلي أو علامات امتيازه على صديقه فيرى فيها نوعا من التسلية المرضية، وقد يكون هذا الصديق أحب إليه وأدنى إلى قلبه لأنه يأمن أن يكون مزاحما له في رسالته أو منافسا على القمة العليا في شهرته.. غير أنه لا يغتفر أبدا أصغر الإساءات إلى شخصه، ولا بد لك من أن تعبده وتتخذه وثنا تصلي بين يديه إن أردت أن يحتملك ويصبر عليك”.

أضاف باكونين عن ماركس: إنه “ينطوي على خليقتين ذميمتين: الغرور والغيرة”… وأنه “أناني يفرط في أنانيته لحد الجنون”.

ولم ير كارل شورز قط، على ذمته، “رجلا بلغ سلوكه من البغضة التي لا تطاق ما بلغ سلوك (ماركس).. كان لا يعير التفاتة واحدة لفكرة تخالف فكرته أقل مخالفة، وكان يعامل كل من يخالفه معاملة ملؤها التحقير والإزدراء، ويجيب على كل قول لا يعجبه إجابة قارصة تسخر من الغباء المطبق الذي يرمي به قائله أو تلوح له بالاتهام وسوء النية”.

وقال عنه تيشو: “لو كان قلبه في عظمة فكره، وكان حبه في قوة حقده، لاقتحمت النار معه”.

ودمغه إنجلز، شريكه في تأسيس النظرية الماركسية، بـ “جمود الطبع”.

والربط بين صفات أخلاقية، أو سلوكيات نفسية، ونظرية فكرية، مدعاة لإثارة اعتراضات ضد تعليق أهمية على منهج يحاول التوكيد على انغلاقية فكرة عقلية بانغلاقية مؤسسها الأخلاقية. إلا أن مثل هذه الإعتراضات لها مسوغها المشروع، إذا صح جواز الفصل الوجودي بين العقلي والنفسي ـ الأخلاقي أو السلوكي ـ في فعل واحد يصدر عن فاعل واحد. وإذا صح مثل هذا الفصل الوجودي على مذاهب تجيزه، فهو لا يصح على مذهب الماركسية المادي الذي يصدر عن مفهوم واحدي مادي للعالم، ينبغي له ـ المفهوم الواحدي المادي ـ أن يعلو على مفهوم التناقض، الذي يوحي، بذاته، بانفصال فاعلية عن فاعلية، ولكن إلى الحد الذي لا يلغي مقولة “وحدة الأضداد”. وبإعمال هذه المقولة، فإن فاعلية ماركس، وحدة أضداد: صورة الشيوعية المجردة عن مقدماتها ومتعلقاتها التاريخية: صورة الطلاقة الوجودية؛ والسلوكية الأنانية لماركس، مؤسس النظرية الماركسية المبشرة بالشيوعية، سلوكية المنغلق.

الشيوعية تضاد الأنا المغلقة:

ولكن “وحدة الأضداد” هذه، برهان جديد على انغلاقية الماركسية، فهي “وحدة” مستعصية على الجدلية المادية المتقومة بقانون التناقض؛ أو هي “وحدة” لاغية للقانون الجوهري في جدلية ماركس. فإن إعمال قانون التناقض في حالة هذه “الوحدة” ينتج، وبعد هدم الحالتين معا، حالة جديدة مركبة منهما، فما هي الحالة الممكن تخيلها لمركب عضوي من الإنغلاق وضده، أي: الإنفتاح؟ فإذا استحال تصور هذه الحالة، لطبيعتها الضدية  ـ والقضيتان تكونان متضادتين إذا كان من الممكن أن تكذبا معا، وإن لم يكن من الممكن أن تصدقا معا ـ استحال أيضا إمكان تطبيق قانون التناقض، جوهر الجدلية، عليها؛ وهذه الإستحالة برهان جديد على انغلاقية الشيوعية على المنهجية الجدلية، وبرهان على انغلاقيتها على فاعلية المبشر بها؛ فهي ـ الشيوعية الماركسية ـ  صورة ليس لها جذورها في سلوكية ماركس الأخلاقية. فالإبداع الإنفتاحي للشيوعي المتخيل، سلوك أخلاقي لا يناقض ـ التناقض علاقة بين قضيتين، يستلزم صدق إحداهما كذب الأخرى، والعكس بالعكس ـ الأنانية المغلقة، ولكنه يتضاد معه. والضدان ينغلق كل منهما على الآخر؛ والتضاد علاقة تكريسية للثنائية الإنفصالية وجوديا؛ والأخيرة غير مشروعة على مذهب شيوعي يعزز القيم الواحدية التي تستحيل بها الكثرة قوى بانية للفاعلية الواحدية، ومدافعة عن مقولة انكشاف الفاعلية الواحدية الكلية، في الفاعليات الواحدية الفردية؛ الانكشاف المتحقق بالعطاء الجماعي المطلق للفرد، بدوافع حب متغلغل في الوجدان ومنتش في العقل. لكن الحب، كما تدل شهادات العارفين بماركس، لم يكن متغلغلا في وجدان مؤسس النظرية الماركسية؛ ومن لا يحب، ويخلص للحب، لا تصدق دعواه بأنه المبشر بالجنة: الحلم الإنساني السامق؛ المبشر بالجنة هنا في الأرض، لا هناك في السماوات!

لماذا ينكر الماركسيون الله؟

ولماذا الجنة هنا على الأرض، لا هناك في السماوات المحيطة بالوجود على وساعته، بما فيه الوجود في ضيق الأرض؟ لماذا تنكر النظرية الماركسية جنة الوجود على وساعته، التي يبشر بها الدين الإلهي؟! لماذا ينكر الماركسيون الله، ولم يثبت في تاريخ التفكير الإنساني كله دليل على نكران الله، إلا دليل يخطىء تقدير الألوهية ويتغياها هوى يطابق هواه؟! وما اللازمة اللازبة عن مذهب المادية الذي تعتنقه الماركسية التي توجب إلغاء فكرة الوجود الإلهي، طالما كان الوجود المشروع هو وجود المادة هنا وهناك، والآن وقبل وبعد؟! وما الفرق بين مفهوم الماركسية هذا، ومفهوم بستبدل كلمة “الله” بكلمة “المادية”، فيكون الله هو الوجود المالىء للهنا والهناك، وللآن والقبل والبعد؟! لا فرق إذا ما كانت الطلاقة الفاعلية هي معيار الحكم. ولكن الفرق ناتج طبيعة الإنغلاق في النظرية الماركسية، المتعضونة مع انغلاقية مؤسسسها الأهم السلوكية؛ فإن الإغلاق على الإنسانية بمغلاق الصراع الطبقي الإقتصادي، إغلاق على فكرة الألوهية المنفتحة على كل “هنا” و”آن”، والمنفتح بها الإنسان على خيارات متعددة، يحقق بها كثرته، بكثرة إبداعية، تتأبى على الإنغلاق طالما تواصلت فيها، وبها، فاعلية الوجود؛ فإذا أكرهت على الإنغلاق، فقد أكرهت على الموت: فالموت إيقاع الإنغلاق.

تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي):

ولولا خاصة الإنغلاق العامة في النظرية الماركسية، لكان في وسع صاحبها أن يبصر طريقا آخر إلى نفض أعباء الإستغلال عن كاهل العمال، وأن يسلم بأن الصراع الطبقي الدامي، ليس الخيار الوحيد، لا هو، ولا التفسير الإقتصادي للعلاقات الإجتماعية، باعتباره التفسير الوحيد؛ لولا خاصة الإنغلاق التي أغلقت مجال الرؤية الواسع أمام التنظير الماركسي، لكان في وسع الماركسيين أن يقرروا أن الصراع بين الطبقات والمؤسس على التفسير الإقتصادي للحياة الإنسانية، خيار من خيارات كثر، كان منها تجربة روبرت أوين (1771 ـ 1858م) المعاصر لماركس، القريب منه في الزمان والمكان، فلا يفصله عنه إلا الجمود على مذهب اعتقد – ماركس – أنه أصح المذاهب، أو أنه المذهب “الأكبر الأعلى” الذي تذيب شمسه ما دونه من مذاهب!

بنى أوين تجربته على عقيدة تؤمن بالتعاون لا بالتنافس (الصراعي)،  وعلى أن العلاقة السليمة بين العمال وأرباب العمل، هي علاقة التوافق لا علاقة التصارع، وأدرك أوين أن التوافق بين العمال وأرباب العمل مرهون بمراعاة التوازن بين مصالح الجانبين. وأثبت تجربته التي أشرف على تنفيذها، أن حفظ مصالح العمال وضمان حقوقهم المادية والمعنوية يعود بالفائدة على أرباب العمل كما يفيدون من صيانة المكنات وزيادة قدرتها على الإنتاج.

كان أوين يعتقد أن سعادة المجتمع ترتبط بالظروف السائدة فيه، وأن الإنسان لا يصنع شخصيته بذاته، ولكن شخصيته تتحدد بفعل البيئة الإجتماعية التي تحيط به. وقام أوين بتطبيق أفكاره على ألفين من العمال لديه في المصنع الذي كان يديره، وبنى إدارته على خطة قدر بها توقعاته لتحسين الإنتاج، وكانت الخطة التي تحققت بها التوقعات الإقتصادية، منهجا في الأخلاق يدار به العمل بأسلوب الرأفة بالعمال. ولهذه الرأفة مردود إقتصادي لم يسقط من حسابات أوين، ولكنه ـ المردود الإقتصادي ـ لم يكن العامل الأهم، ولم يكن تحقيق أكبر ربح لرب العمل هو الغاية في ذاتها، وكان تحقيق أكبر ربح ممكن غاية مشتركة للعمال ورب العمل على السواء؛ فالربح فائدة مشتركة تتقاسمها عوامل الإنتاج على قاعدة عدالة التوزيع، والعدالة مقولة أخلاقية حكمت أسلوب الإنتاج في تجربة أوين التي لم يلدها الصراع الطبقي، وإنما ولدتها الإرادة الأخلاقية لرب عمل، وعى أن خيرات الوجود حق (مشاع) لكل موجود، وأن الخير تصنعه إرادات متعاونة؛ وأثبت أن إرادة الخير لها وسيلة أخرى غير وسيلة الصراع الطبقي الذي تمركزت حوله النظرية الماركسية، وانغلقت به عليه.

ألغى أوين استخدام الأطفال تحت سن العاشرة في مصنعه، وزود أطفال العمال بما يحتاجونه دون مقابل، ونظم للعمال دورات تعليمية، ووفر لهم مساكن نموذجية، وخفض ساعات العمل اليومي من سبع عشرة ساعة إلى عشر ساعات، وألغى الغرامات المفروضة على الأعمال الفاسدة الناجمة عما يرتكبه العامل من خطأ غير مقصود، وشجع العمال على التدبير وحبب إليهم العناية بصحتهم، ولم يوقف عنهم صرف معاشاتهم عندما توقف مصنعه بسبب كساد عام 1806م لمدة أربعة أشهر.

هذه التغيرات المذهلة التي خالف بها أوين سياسة أرباب العمل في عصره، والتي أثبتت أن زيادة أجر العامل، وتحسين ظروفه المعاشية، وتوفير مناخ إنساني له ولأفراد أسرته؛ استحقت، وعن جدارة، شهادة عصره، أنه “أنجز المحال”، وأبدع نموذجا إجتماعيا مثاليا(30).

ليس يحق للنظرية الماركسية أن تدعي احتكار الحقيقة، بينما الحقيقة معطى مشاع للإنسانية جمعاء. وإذا كانت مزاعم الماركسية صحيحة فليس من أهلية صحتها تجاوز السور الفكري الذي شيدته في باطن العقل، وتحصنت خلفه، وتوهمت، وهي في منغلقها أن المنهاج الذي أخضعت له تاريخ الإنسانية، وعموم الحركة الوجودية، هو منهاج الحق المستعصي على الشكوك أو إحتمالات الشك فيه!

 

نقد الجدلية الماركسية

 

تفند تجربة أوين شمولية الماركسية التي يزعمها الماركسيون لنظريتهم في التاريخ الإنساني. فالعلاقة بين العمال وأرباب العمل ليست جدلية (صراعية) في كل الأحوال؛ فقد تأخذ صورا أخرى، كما دلت تجربة أوين. والتي دللت أيضا، أن الأخلاقية طبقة تفسيرية أعمق من التفسير الإقتصادي للتاريخ؛ فالأخلاق إبداعات تصدر مباشرة عن الكينونة الوجودية لٌلإنسان، بينما الإقتصاد إبداع أداتي دفاعي عن هذه الكينونة، ودون أن يستغرقها كما تستغرقها الأخلاق التي يتبلور فيها العقلي والوجداني والإرادي الإنسانية، والتي تمثل صورة انفتاح الفرد كله على الكل الوجودي كله. أما الأداء الإقتصادي فهو بعض الفرد لا كله، وهو انفتاح بعض الفرد لا كله.

ومحدودية االتفسير الإقتصادي للتاريخ، أو تفسير التاريخ، كما تزعمه النظرية الماركسية، بالصراع الطبقي؛ تستمد بعض سببيتها من محدودية المنهج الجدلي الذي اقتبسه ماركس عن هيغل، فاستخدمه في تفسير التاريخ الإنساني المادي، وهو ما لم يمكن إثبات صدقه “إلا عن طريق تشويه الحقائق: فالإعتراف بنمط للأحداث التاريخية شيء، واستنباط التاريخ من هذا المبدأ شيء مختلف كل الإختلاف”(31).

الصراع محور الجدل الماركسي:

كان هيغل يعول أهمية على دور الحرب في صياغة التاريخ، وزعم أن له قيمة أخلاقية تتفوق على القيمة الأخلاقية للسلم. ويعكس الجدل، عند هيغل وماركس، محورية فكرة الصراع. وهو عند الأول صراع بين أمم، وعند الثاني صراع بين طبقات. وفي كلتا الحالتين، فإن تركيز التاريخ حول محور الصراع، يدفع بالتطلعات الإنسانية نحو السلام إلى مواقع متدنية المشروعية، بحجية دعاوى تاريخية، تزود أنصار الحرب بمدد معنوي، هو في حقيقته سلاح حاد يغتال المعاني العظمى للإنسانية: الحب والعدل والسلام؛ معطيات إرادة الخير الواعية بالجذر الواحدي للوجود المشترك للناس جميعا، ولما هو أكبر من الناس.

الصراع تفسير غير مطلق:

ونشأت عن فكرة الصراع التاريخي مقولة التناقض بن الموضوع ونقيضه، واستعملها هيغل وماركس في وصف العلاقة بين الوقائع، وتجاهلا أن العلاقات بين الوقائع متباينة؛ فإذا كان بعضها تناقضي، فإن بعضها الآخر تعاضدي. فالعلاقات بين عمال أوين، ورب العمل أوين، لم تكن علاقات تناقض، عكس علاقات أخرى بين العمال وأرباب العمل.إن مقولة التناقض، وفكرة الصراع التاريخي، والجدلية برمتها، لا تسع الوقائع جميعها، مما يترك فسحة أمام العقل لطرح مبادىء تفسيرية أخرى للتاريخ والعلاقات الإنسانية؛ أو، بصورة أعم، رؤى فلسفية أخرى يحق لها الزعم أنها تشرف على جانب من الوجود الحيوي وغير الحيوي. والرؤى كلها عطاء عقلي انفتاحي؛ وبهذه الماهية، فهي مشروعة كلها، ولكن إلى الحد الذي تبدأ عنده مشروعية رؤية أخرى، وإذا تم تجاوز هذا الحد، فهو لا يتم إلا بمشروعية فاعلية واحدية، تتوسع بالكينونة الفردة بكينونة فردة أخرى، لا بالجور والشطب، وإنما بالإثراء الذي يأتي من طريق  الإنفتاح الإيجابي، بالغير، على الغير.

الحقيقة لا ينفرد بها فرد:

والرؤى الفلسفية التي تنماز عن الرؤى الفنية، تنماز بالإرادة العقلية. واتجاهات هذه الأخيرة متعددة، وليس منها اتجاه يحق له أن يزعم أنه وحده يمسك بالحقيقة التامة؛ فإن من شأن هذا الزعم أن يمثل حكما على مزعومه بالإنغلاقية. وما تدعيه النظرية الماركسية من انفراد بالحقيقة، هو انغلاق في وهم تبدده الأفكار الأخرى التي لا تسلم للماركسية بأنها تصوير نهائي حاسم للحياة وللوجود عامة، منبثق عن مبدأ الجدلية المستعار من هيغل ذي الفلسفة العقلية الصارمة الجافة؛ فإن الإعتراض الذي تسجله فلسفة كيركغور (1813 – 1855م) – مثلا – ضد فلسفة هيغل، هو في الوقت ذاته، اعتراض فلسفي على الحتمية التاريخية الماركسية – الراجعة أصولها إلى جدلية هيغل – ذات الطابع العقلي الضروري للوجود الإنساني التاريخي التي تنفي المشروعية الوجوية لاستثناءات تبدعها الإرادة في صيغ انفعالية تتمرد على الخط المستقيم للمنطق العقلي الذي لا يرى في مخارج العاطفة إبداعات وجودية لازمة عن الحياة ولها.

يعتقد كيركغور أن الحقيقة ذاتية فردية لا كلية مطلقة كما اعتقد هيغل وماركس عن التزام بالصرامة العقلية للمنهج الجدلي عندهما، المهيمن على فاعلية الإختيار الإنساني، المحددة له الطريق باعتباره كشفا عن مصداقية المبدأ الجدلي فحسب. فالحركة التاريخية لا تملك، وفقا لجدلية هيغل وماركس، حرية الخروج عن المسار الحتمي لها الذي رسمته لها مثالية هيغل أو مادية ماركس. أما كيركغور، فيلسوف الوجودية المؤسس، فقد رفض هذا الإتجاه الذي يخنق حيوية الوجدان، وحيوية الفعل الإنساني بدافع إرادي تلقائي.

“لقد وضع كيركغور الإرادة قبل العقل، وذهب إلى أنه لا يتعين علينا أن نكون علميين أكثر مما ينبغي في كل ما يتعلق بالإنسان. فالعلم، الذي لا يستطيع أن يبحث إلا فيما هو عام، لا يمكنه أن يمس الأشياء إلا من الخارج. وفي مقابل ذلك يعترف كيركغور بطرق التفكير “الوجودية” التي تنفذ إلى باطن الأشياء، وفي حالة الإنسان على وجه التحديد، يرى أننا نغفل ما له أهمية حقيقية إذا ما حاولنا فهمه بطريقة علمية، فالمشاعر النوعية الخاصة لأي فرد لا يمكن أن تفهم إلا وجوديا”(32).

الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ:

تتراجع أهمية الفرد في المذاهب التي تولي أهميتها الأولى للنسق الكلي، كما فعل صاحب الجدلية المادية، متابعا هيغل، وكأن النسق أو النظام الاقتصادي “هو الذي ينبغي التصدي له، لا الشرور أو الأضرار الجزئية”(33). فالجدلية – حتى في حال صدقها – استخلاص عام لنتيجة عامة، تكونان نسقا كليا، لا يصدق على كل واقعة بمفردها، ومهما زادت نسبة مطابقة القانون العام على الحالات الفردية، فإن هناك حالات تند عن هذا القانون، وتبطل دعوى وحدانيته كمبدأ تفسيري مطلق. فليست الوقائع الإنسانية جميعها قابلة للتفسير بمبدأ جدلي يحصر الأنشطة الإنسانية كلها في نشاط واحد، هو النشاط الاقتصادي، أو يردها إلى هذا النشاط على اختلاف دوافعها وألوانها. فما هو الدافع الاقتصادي وراء إنفاق أبي بكر الصديق أمواله كلها في سبيل الله؟ وما هو الدافع الاقتصادي وراء دعوة القرآن الكريم إلى “إنفاق العفو (وهو ما زاد عن الحاجة)” من المال؟ هذه وغيرها وقائع تاريخية، وهي، فوق ذلك، ظواهر تاريخية لازمت تغيرا تاريخيا أبدع أمة جديدة، قادت حركة الإنسانية قرون عديدة؛ ولم يحدث هذا الإبداع التاريخي على شروط الجدلية المادية، فلم يحصل عن تغير أساليب الإنتاج، ولم ينجم عن صراع طبقي؛ ولكنه كان إبداعا لفاعلية الاستجابة لدعوة “غيبية”، متنزلة من لدن وجود “ليس كمثله شيء”، وهي دعوة إلى “حياة غيبية” لا يرتكز الإيمان بها، والسعي إليها على برهان مادي، ولا برهان اقتصادي، ولا مبدأ جدلي؛ ومع ذلك، غيرت وجه الحياة، وبعثت حركة تاريخية جديدة مقدامة وواسعة.

الوقائع تصوغ نظرياتها التفسيرية:

والجدلية المادية التي تفسر التاريخ على أنه صراع اقتصادي بين طبقات، ينفجر التناقض بينها مع تغير وسائل الإنتاج، تصطدم – الجدلية المادية – مع وقائع تاريخية لا تتوافق كيفياتها مع المعيار الماركسي الصارم؛ هذه الوقائع المخالفة تسلب الجدلية المادية الاقتصادية مشروعية مطلقيتها، لا مشروعيتها على الإطلاق. فالجدلية الماركسية مشروعة في حدودها الخاصة، التي يتطابق فيها الواقع مع التفكير، باعتبار التفكير عقلنة للواقع؛ فالماركسية صحيحة بشرط توفر عناصر تكوينها، وهي ليست باطلة في غياب توفر عناصرها الموضوعية، ولكنها – في الحالة الأخيرة – ليست في الوارد؛ فالوقائع وحدها تصيغ نظريات تفسيرها، وتقرر مبادئها. الوقائع، التاريخية خاصة، أي ما تم وقوعه، لا تخلقها النظريات؛ فإذا سجل التاريخ وقوع تغيرات اجتماعية ابتدأت من المجتمع المشاعي البدائي، وتقدمت نحو المجتمع الرأسمالي، عبر مجتمعات العبودية والإقطاع، وأن هذه التغيرات نتائج حتمية لتغير وسائل وعلاقات الإنتاج التي فجرت الصراع الطبقي؛ فإن هذا التاريخ محكوم بالجدلية المادية الماركسية. على أن هذا لا يعني أن التاريخ الإنساني سيواصل التقدم، بحتمية جدلية مادية، نحو قيام مجتمع اشتراكي ثم شيوعي على أنقاض المجتمع الرأسمالي الذي لا بد له وأن ينهار نتيجة الصراع الطبقي بين العمال وأرباب العمل، على نحو ما تزعم الماركسية. إن ما يصدق على الماضي، لا يصدق – بالضرورة – على الحاضر والمستقبل. إن وقائع الحاضر، وما سيقع في المستقبل، أحداث متولدة من عواملها التكوينية التي تولدت منها وقائع الماضي. وقائع الحاضر والمستقبل كائنات لها تفردها عن كائنات الماضي، وجدلية الماضي ليست بالضرورة جدلية الحاضر والمستقبل؛ فالماضي ليس له حق الهيمنة – المطلقة – على الحاضر والمستقبل؛ فإن هذه الهيمنة سلب وجودي، وتعميم قانون يرجع نسبه للماضي، على الحاضر والمستقبل؛ هو سلب وجودي لكل من الحاضر والمستقبل لن يتحول – بالطبع – إلى حقيقة واقعية. ولكن قصد تحويله إلى حقيقة واقعية، يمنح جنينه الواعد بتفتح وجودي متجدد للحياة، يمنحه حق رد الهيمنة الفكرية السلفية إلى ما وراء حدودها.

العلم لم يقف عند زمان ماركس:

بيد أن هذه الحدود التي ينبغي على جدلية النظرية الماركسية التوقف عندها، لها بعد أفقي إلى جانب بعدها الرأسي، وعلى فرض صحتها، فإنها تصح في مدة، وفي امتداد؛ أي أنها تصح، ما صحت، بتطبيقها على تاريخ أمة – أو أكثر – من الأمم، لا على تاريخ الأمم كلها. لم تكن قد اجتمعت بين يدي ماركس مجملات التواريخ الإنسانية وتفاصيلها كلها. وأن يزعم ماركس، ومعه إنجلز، ومعهما من شاء، أنهم استوفوا دراسة دقيقة للتواريخ كلها، فإن هذا زعم لا يستقيم مع دعوى العلمية التي تحرص الماركسية على ادعائها. فالعلم، بحقوله كلها، لم يكن زمن ماركس قد استوفاه وأغلق الأبواب أمام تكشفات علوم جديدة، تسوق حقائق جديدة، أو تمنح معطيات أخرى. إن في الكتب تأريخ كثير، وليس كل تأريخ تأريخا؛ أي: ليس كل ما تحفظه الكتب الموضوعة في مادة التاريخ، تاريخا وقع في الواقع؛ فالمادة التاريخية أشد مواد العلوم عرضة للتزوير أو التحوير أو لهما معا. والمؤرخون القدامى كانوا جامعي حكايات تتداولها الأجيال من غير تحقيق لا من الأجيال المتتابعة ولا من المؤرخين لها، فلم يكن الأخيرون مؤهلين بأدوات تحقيق علمي يرجحون بها صدق الخبر من كذبه، والتاريخ ترجيح في أكبر جسمه، وهو ترجيح من المؤرخ المحكوم باعتبارات كثيرة قد لا تكون الأمانة والنزاهة والحيادية أهمها. فلا يؤمن إلى استنتاجات المؤرخين لدواعي بعضها ذاتي وبعضها موضوعي. وما وصل من التأريخ إلى مؤسسي الماركسية لا يبرأ من الشبهات الدائرة حول التأريخ كله، وأهم تلك الشبهات عقيدة المركزية الأوربية التي عكسها الفكر الأوربي، والتي توهم بها الأوربيون أن الحضارة هي حضارتهم، وأن التاريخ تاريخهم، وأن الحاضر لهم والمستقبل لهم، كل ذلك من دون الناس جميعا. وتبرز هذه المركزية الموهومة في النظرية الماركسية المبنية على جدلية خاصة بالتاريخ الأوربي، وبالحاضر والمستقبل الأوربي أيضا. ولدت الماركسية من وقائع تاريخية أوربية، واسترجعت الماضي الأوربي، واستبقت المستقبل الأوربي؛ فالرأسمالية، بصراعها الطبقي وأساليب وعلاقات إنتاجها ظاهرة حضارية أوربية، ومولود شرعي للنظام الأوربي الرأسمالي؛ وهو – المولود الماركسي – فرع عائلي منه؛ إذا صحت دعوى الماركسية فلا تصح إلا تحت سقف عائلة أمها وأبيها. الجدلية الماركسية محدودة الإمتداد الأفقي، صدرت عن تأريخ لبعض الإنسانية، وليس ثمة ضمانات تؤيد صدق المدونات التاريخية التي استندت إليها في صياغة نظريتها التي زعمت أنها تفسير للتاريخ الإنساني كله، هذا الذي لم يكن مطروحا، بمجمله وتفصيلاته على مائدة بحث ماركس وإنجلز، هذا المتباين في معانيه وتجلياته عن معاني وتجليات التاريخ الأوربي، حضن الماركسية وتراثها وأفقها ومصدر مشروعيتها ومقوم إبداعها. تاريخ أوربا تجليات للفاعلية الأوربية لا تجليات للفاعليات الإنسانية الأخرى، ذات الحق وذات الأهلية لتبدع تواريخها، ولتستقل بالنظريات التفسيرية لها، المتطابقة مع وقائعها ومع خصوصياتها وطموحاتها الحبلى بها؛ وكل حضارة حبلى بالطموحات المنمازة بشخصيتها المتفردة بموقعها الوجودي وعناصر تكوينها التاريخي؛ والزعم بأن جدلية الماركسية مبدأ يفسر مسار التاريخ الإنساني كله، هو مصادرة لمعطيات الوقائع التاريخية المتباينة عن معطيات الحضارة الأوربية، وشطب للتراث الإنساني غير الأوربي، وتضخم مرضي للذاتية الأوربية، يعمق العدوانية الملازمة للنظام الرأسمالي الأوربي النسب، ويعمق ، كذلك، حجة من يزعم انغلاقية النظرية الماركسية وجدليتها التاريخية، بحجة أن الماركسية تنغلق، في واقع الحال لا بالدعوى التي تروج لها، على الذاتية الحضارية الأوربية المتضخمة بالوهم وبالعدوانية الرأسمالية معا.

يهودية ماركس تؤهله للمادية:

وأوغلت الجدلية الماركسية في مسار الإنغلاق، بمحاصرة تفسيرها للحركة التاريخية بالدوافع الإقتصادية: “فبينما كان للمادية الجدلية قيمتها في إيضاح أهمية المؤثرات الإقتصادية في تشكيل حياة المجتمع، نجدها تخطىء حين تفرط في تبسيط الأمور على أساس هذه الفكرة الرئيسية”(34).

على أنه لم يكن أمام جدلية ماركس غير التوغل في الإنغلاقية التي عبرت عنها بمقولة التفسير الإقتصادي للتاريخ بضرورة تكوينها البنيوي المنبثق عن عواملها التكوينية الموضوعية والذاتية. فالأهمية المبالغ فيها للدور الإقتصادي في التاريخ، منعكس عن هيمنة العامل الإقتصادي على القيم الحضارية الأوربية المادية، أو على الأقل، عن محوريته المركزية التي تضخمت في عصر ولادة النظرية الماركسية، لتفاقم السلوك الرأسمالي الإستغلالي، وتضخم مشاعر الاستلاب المادي، وما يصحبه من استلاب معنوي لطبقة العمال، مما هيأ مناخ الصراع على المصالح الإقتصادية، الذي تأثر به ماركس وشارك فيه. ولكن ماركس، المؤسس الأبرز للنظرية الماركسية، لم يكن منفك الصلة عن تراثه اليهودي:

“كان ولا شك يهوديا في أعمق أعماقه، وكانت زمرته التي يأوي إليها على الأكثر من شذاذ اليهود، وأصحاب الفضول منهم، كما جاء في كلام “باكونين” عنه، وكان هو يتشبه بالأسلاف والآباء اليهود كما وصفتهم كتب التلمود، فيرسل لحيته ويطلق جمته ويحب أن يتراءى للناس كأنه أب من آباء العبرانيين في أيام إسرائيل الأولى”(35).

صاغت يهودية ماركس أهليته الذهنية المادية على قدر المساحة الكبيرة التي تفترشها الدوافع المادية في التراث اليهودي الذي لا تبرأ الحضارة الأوربية من خطيئة تضخيمها لدى اليهود، بتقويتها لشهوة المال عند اليهودي التي جاءت كرد يهودي دفاعي من خلف حصون العزلة التي عاش فيها اليهود الأوربيون، لأسباب أراد اليهود بعضها، وأكرهتهم المجتمعات الأوربية على بعضها الآخر. هل كانت نظرية ماركس، في جانب منها، إسقاط مشاعر يهودية قديمة تجاه البيئة التي مارست على اليهود سياسة قمع وإذلال؟ هذا فرض له ما يسوغه؛ فالمفكر، شأن كل إنسان، لا ينخلع عن وجدانه الذي يظل يعمل، جهرا أو في الخفاء، فيلون نشاطات صاحبه دون استثناء للفكر مما يتلون من نشاطات؛ وله ما يسوغه أيضا بالدلالة الصريحة على أن ماركس تمثل عنصرا هاما في التراث اليهودي، عنصر النبوءة، والنبوءة بماذا؟ النبوءة بالخلاص! كان الدور الأهم لأنبياء بني إسرائيل هو التبشير بالمستقبل الذي يتخلص فيه اليهود من نقمة الرب، وما زال اليهود ينتظرون المسيح المخلص من نقمة الرب. فهل تمثل ماركس عقيدة شعبه المرهونة بمبعث المسيح المخلص، وتمادى في هذا التمثل فظن أنه المسيح المنتظر، لكن، لا ليخلص اليهود من نقمة الرب، ولكن ليخلص الوجدان اليهودي من عقدة القمع والذل الناتجة مما أوقعته بهم المجتمعات الأوربية؟ وهل أسقط الوجدانية اليهودية المقموعة الذليلة على طبقة العمال التي كانت في عصره مقموعة بما يوقعه عليهم أرباب العمل الرأسماليين؟ أم هو استبطن واقع العمال البائس وحايثه وتماهى معه، فانحاز إليه نيابة عن يهوديته الموتورة ضد طبقة الرأسمالية الأوربية، التي زاحمت المادية اليهودية، وقصدت دحرها من ميدان المال كما دحرتها إلى سجون “الغيتو” الذي ظل اليهود وراء أسواره؛ ولم ينج منه ماركس ذاته، فصنع “غيتوه” المادي الإقتصادي، وجمح به الخيال، تحت وطأة عزلة نفسية تراثية، فتمثل دور النبوة المخلصة (بضمة على الميم وفتحة على الخاء وشدة على اللام المكسورة)، فجاءت بشارته الشيوعية جنة للبروليتاريا، وكأنه أراد أن يبشر بجنة خلاص اليهود؛ فالبلوريتاريا في وجدان ماركس، هم اليهود المقموعون المذلولون، الذين لا وسيلة لهم لمصارعة القمع والذل غير السيطرة على دولاب الإقتصاد، وهي الوسيلة ذاتها التي حرض ماركس العمال على الإستيلاء عليها إذا أرادوا الخلاص من واقع الاستلاب الوجودي الذي يعيشونه.

… ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة:

لم ينج ماركس من يهوديته، وقد يكون ذلك حدث رغم مشيئته الواعية. لم يفلت ماركس من اليهودية، ومن ثم، وقع أسير دائرتها المنغلقة، التي انعكست في النظرية الماركسية، وفي صورة المجتمع الذي يحلم الماركسيون ببنائه؛ المجتمع المحكوم بنظرية تدعي الشمول، وتدعي أنها حل الحلول، وتفرض دعاواها بوسائل القمع والإذلال وسلب الوجود؛ وكما اليهود هم “شعب الله المختار”، فإن النظرية الماركسية، لدى الماركسيين، هي “نظرية الله المختارة”؟! أسقط ماركس انغلاقيته، وانغلاقية يهوديته على المجتمع الذي تخيله والذي أغلق عليه الأفق كله  بنظرية زعم أنها معصومة عن الخطأ؛ لكنها انغلقت عليه، وقبل أن تنغلق على سواه. وبعد، هل نقول أن الجدلية الماركسية التي زعم ماركس أنها مبدأ يفسر الوجود كله، إنما هي إسقاط وجداني، تحايل بالعقل، ليصوغ العلاقة اليهودية الأوربية، والعلاقة اليهودية الإنسانية في نسق تناقضي جدلي، ينهار فيه النظام اليهودي المعزول، وينهار معه النظام الأوربي والإنساني، ليلد النظام الإنساني المحكوم بـ “الطبقة اليهودية” التي يسميها ماركس”طبقة العمال”، والتي تنبأ بانتصارها في صراعها ضد طبقة أرباب العمل، أو ضد النظام الأوربي، ومن ثم الإنساني كله؟ هل نقول هذا أم هو قول شطط؟ هو جائز، ولا نقول هو حق على القطع، فالقطعية منهجية انغلاقية؛ وإن أسوأ عيوب الماركسية، قطعيتها التي تعكس اعتقادا دينيا مغلقا، لا يبرأ بدوره، من أثر الديانة اليهودية على منهجية ماركس العقلية؛ لا يبرأ منها ورغم ما قد يقال: كيف هذا، واليهودية ديانة سماوية، والماركسية دعوة ملحدة؟ أقول: لم يبرأ ماركس من يهوديته، وفي هذه المسألة أيضا، فالماركسية لا تخالف اليهودية مخالفة جوهرية في مسألة الألوهية، فالرب في كلاهما هو المال، والوجود في تصوريهما هو الحياة الدنيا المنغلقة على ذاتها، والعقل لديهما رؤية منغلقة مكتفية بذاتها، فلا دين من الله إلا دين اليهود، ولا صح من العقول إلا عقل الماركسية!!

القطعية منهاج منغلق عادم:

المنهجية القطعية مغلاق الأفكار ومقتلها. وبهذه المنهجية المغلقة العادمة، تنبأ ماركس، وبحكم الضرورة التاريخية بزعمه، بسقوط الرأسمالية أمام اكتساح ثورة طبقة العمال لها، لتقوم المجتمعات الإشتراكية مقدمة للمجتمع الإنساني الشيوعي. ضيق ماركس على نفسه النبوءة فحددها في بريطانيا وألمانيا، بحجة نضج البيئة الصراعية بين العمال وأرباب العمل فيهما. لكن وقائع الزمان اللاحقة شددت على نبوءة ماركس قبضة التضييق، فتنامى النظام الرأسمالي في بريطانيا وألمانيا، ثم ابتلعت ألمانيا الرأسمالية سميتها الإشتراكية بعدما كانت – الأخيرة – قد أكرهت على الإشتراكية بالقهر المدجج بسلاح ثاني أكبر القوى العسكرية في التاريخ كله: دولة الإتحاد السوفييتي الماركسية السابقة. وتنامى النظام الرأسمالي العالمي وهزم النظم الإشتراكية الأوربية التي لم يقم نظام منها بنبوءة ماركس، والتي تصدعت بانهيارها النظرية الماركسية، التي رسمت خطا مستقيما ومتقدما لجدلية تاريخية مادية يتوجها المجتمع الشيوعي، فأبطلت الوقائع وهم التقدم نحو الشيوعية الماركسية، وأثبتت واقع تقدم الرأسمالية العالمية.

دونية وسيلة الصراع:

الحياة التي لا تتجدد تفنى. والأفكار تحيا بقدرتهاالتجددية. والتجددية لا تضاف إلى الأفكار، هي خاصة للأفكار المطبوعة على التجدد. وتتباين القدرات التجددية للأفكار على قدر تباين السعة الوجودية لها؛ أي: درجة تعمق الفكرة في الكينونة الوجودية لموضوعها. فالماركسية، المتموضعة بواقعة صراع طبقي محدودة في سعتها الوجودية، حصرت فكرتها في هذه السعة المحدودة، فلم تتعمق في كينونة واقعة الصراع الطبقي، فلم تتجذر فكرتها وجوديا، لذا، ظلت عائمة، في مواجهة حركة تاريخية أشد تعمقا في الكينونة الوجودية للإنسان، تتكشف بها دافعية التملك التي لم تنفك، ولن تنفك، عن إرادة الحياة. ودافعية التملك ليست أعمق أنسجة البنية الوجودية للإنسان، فهي لا تعدو صفة الأداة الحيوية للكينونة الوجودية الإنسانية، ولكن التملك أداة أوسع وجوديا من أداة الصراع التي تموضعت بها النظرية الماركسية، والصراع مستوى أقل عمقا من مستوى التملك في البنية الحيوية للكينونة الوجودية للإنسان، فالتملك لا يقع بالصراع وحده، ولا يبدأ من الصراع، والصراع وسيلة متأخرة لطلب التملك، تلجأ إليه الكينونة الحيوية عندما تنغلق أمامها فرصة تحقيق خاصة التملك بالأساليب الأدنى إلى المعنى الوجودي للتملك؛ فالتملك دفاعية وجودية حيوية، فإذا تيسر حفظ الحياة بدفاعية لا صراعية، كان هذا مدافعة ضد احتمالات الهلاك التي تنطوي وسيلة الصراع عليها. فالصراع تحد لكينونة أخرى تجور على كينونة المصارع، وجور الآخر يحمل إرادة حياة منقلبة على نفسها، فصارت إرادة موت للآخر؛ فإذا انتصرت هذه الإرادة المميتة للآخر، هلك الآخر، المصارع، فيكون طلبه للتملك بالصراع، طلبا للموت، وهذا ضد للحياة، الطالبة الأصلية للتملك بالصراع. إن الصراع وسيلة للدفاع عن الحياة الوطيئة للموت، والحياة ليست وطيئة للموت دوما، فهي أكبر من الموت، ووسائل طلبها أكبر من وسيلة طلب الموت، والموت أداة لها، ولكنه أداة للحياة عندما تشرف على الإنغلاق.

الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية:

والصراع الطبقي في التحليل الماركسي قوة دافعة للتاريخ نحو التقدم، أي: وسيلة دفاعية للطبقة المقهورة تتحدى بها قهر الطبقة القاهرة، أو تتحدى عدوانية الطبقة القاهرة السالبة لحق كينونات أخرى في ممارسة تامة للوجود، بالجور على مساحة من الحق الوجودي للآخر وامتصاصها في “الأنا” التي تتضخم بهذا الإمتصاص، ويتفاقم تضخمها، وفقا للتحليل الماركسي، حتى تصل تخوم الإنفجار الذي تغدوه حركة طبقة العمال الثورية، الكاشفة لقانون التقدم التاريخي عبر الصراع الطبقي، تقوم الحركة العمالية بدور تاريخي حتمي، دور قدري، لمواجهة وتدمير العدوانية الإقتصادية، ذات الأبعاد الإنسانية، أو لتحرير “الأنا” من عدوانيتها على “الآخر”، حيث “الأنا” هي الطبقة المهيمنة اقتصاديا، و”الآخر” هو الطبقة المسخرة اقتصاديا لمصلحة الطبقة المهيمنة، ويتواصل الصراع بين الطبقتين إلى أن تنتهي ظاهرة الطبقية الإقتصادية، ويلد المجتمع الشيوعي، الذي تتحرر فيه “الأنا”، وإلى الأبد، من عدوانيتها الإقتصادية، التي تفسر، من وجهة النظر الماركسية، كل الأشكال العدوانية الأخرى.

الصراع الطبقي هو أداة التحرر من عدوانية الرأسمالية، هذا ملخص الجدلية التاريخية الماركسية، وهو دليل فسادها. أما دليل الوقائع فقد أثبتته وقائعة انهيار التجارب الماركسية في السنوات الأخيرة، ورغم كل ما يدعيه أنصار الماركسية من أن وقائع انهيار النظم السياسية للماركسية لا يدل على فساد النظرية التي قامت على أساسها، أو باسمها، النظم السياسية الإشتراكية، رغم هذا الادعاء، فإن الراجح لدينا أن فساد التجريب يعكس فساد النظرية، وأن الفساد داء عضال، حل بالمقولة التي تلخصها، وتفشى منها إلى الجسد كله. لقد خال للماركسيين المؤسسين والتابعين أن نهاية الصراع لا بد وأن تؤول إلى المجتمع الشيوعي الذي تتفجر فيه كل طاقات الحياة الإنسانية، وتتحقق به أقصى درجات الحرية، وترفرف عليه راية سلام تلف أرضه وسماواته. بكلمات قلائل، المجتمع الشيوعي الماركسي كل يملك الفرد ويملكه الفرد. ولكن، ما مأتاه؟ مأتاه حرب ضارية يتغيا مفجروها الحياة بأداة تملكية لا تستغرق الأدوات التملكية كلها، وهي أداة لاغتيال الحياة بمغامرة قد تهلك بها حياة الأطراف المشتبكة بنار وطيس، كلها. وما مأتاه حرب، هل يأتي منه سلام؟!

نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا منفتحا:

على وفق ما تنبأت به الماركسية، تنتصر طبقة العمال على طبقة أرباب العمل، بواسطة صراع ينتهي بسيطرة طبقة العمال التامة على المجتمع، وتحكمه بالنظرية الماركسية التي تلغي كل نظرية سواها؛ أي: يؤول الحكم إلى رؤية مغلقة، تمارسها طبقة مغلقة، ويؤول إلى نظام قامع لكل قوة تحاول أن تعبر عن حيويتها الوجودية التي لا تلتزم معايير وحدود الحيوية الوجودية الماركسية، وإنما تلتزم تحقيق إمكانات وجودية لا تحصرها الحدود الزمانية والمكانية التي أنتجت النظرية الماركسية وأنتجت لها أفقها الوجودي الخاص الذي لا تملك تجارب ترجمتها في الواقع أكبر مما تعطيه الإمكانات النظرية أو إمكانات الولادة الفارقة. فالصراعية التي تطلب الماركسية الحياة بها، لا تستغرق الحياة الحياة، والنظرية التي تعطي الصراعية مشروعيتها الوجودية، لا تحوز مشروعية وجودية مطلقة، بحكم محدودية ولادتها، ومحدودية أفقها، ومحدودية أداتها، فكيف لنظرية محدودة كل هذه المحدوديات أن تبدع المجتمع الشيوعي المنفتح إلى غاية الإنفتاح؟‍ كيف يلد من حرب دامية(ضد الظلم) سلام ينهي عصور الظلم وإلى أبد الآبدين؟ هل تلد الحرب السلام، هل يلد الضد ضده؟!

الحرب لا تلد السلام:

لم يثبت في التاريخ أن ثمة سلاما  كان مولود حرب، و‘إذا  كان للحرب مولود فهو الاستسلام لا السلام، والاستسلام حالة ذل يقبلها الناس على كراهية، وتحت سطوة سوط القهر وأداة الهلاك؛ ويقبل الناس ذل الاستسلام عندما تفرضه عليهم قوة غشوم مغلقة، ولا تستطيع حركة منغلقة على ذاتها بنظريتها المنغلقة، لا تستطيع إلا تصدير الطبيعة المنغلقة عندما تملك حرية التعبير عن خاصتها المطبوعة بها عليها. وعندما تمتلك حركة طبقة العمال زمام حكم المجتمع بالصراع، فإنها تمتلك حرية التعبير عن طبيعتها المنغلقة، بأسلوب يغلق على حركة الحياة وسائل التعبير عن إمكانات الحياة الإنسانية، ولن تمتلك حركة طبقة العمال عند سيطرتها على مقاليد المجتمع، لن تمتلك حرية سوى الحرية التي تتكشف بها انغلاقيتها، فلا تمنحها طبيعة تكوينها غير صورة منفردة للتعبير عنها؛ فالإنغلاقية عقيمة إلا من الإنغلاق، والإنغلاق عقيم ولو أنجب ألف ولد وبنت؛ ولن ينجب الحب، ولن ينجب العدل ولا السلام، القيم التي تقيم المجتمع المفتوح إلى أقصى مداه الوجودي لا المحدود بوقائع معينة لها ظروف ولادتها وظروف تناميها الخاصة، ولها إمكاناتها المحدودة عندما تنعكس على صفحة الوعي وتصير نظرية؛ ولكنها لا تصير النظرية الوحيدة التي تصدق على التاريخ الإنساني كله، الماضي والحاضر والمستقبل.

النظرية التي لا ترى الحياة الإنسانية إلا وسائل إنتاج، ولا ترى السلام إلا السلام المفروض بالصراع، نظرية لا يصلح رحمها لنمو جرثومة السلام؛ فالسلام والإنغلاق ضدان، تضاد الحياة والموت: الحياة الزاخرة بالأشكال والألوان، التي تسع كل اجتهاد، الحياة القادرة على اجتياز حدود الدوائر المنغلقة، لأن الدوائر المنغلقة حالات موات، والحياة، بماهيتها، موت الموات، والحياة التي تمنح من ذاتها بعضا لهذا الكائن أو ذاك، تمنح بالعدل، وليس من طبيعة العدل أن يجور فكر على ما سواه من الأفكار، فيزعم أنه الحقيقة كلها، وهو زعم يكذبه الواقع، ويرده إلى حدوده المشروعة له، ولا يشرع لكائن أن يتوسع في الوجود إلى ما وراء ما تؤهله له عوامل تكوينه؛ فلا يشرع للماركسية ادعاء السعة الوجودية بما يفوق عوامل تكوينها التاريخية المقيدة بتاريخ نشوئها، وهو تاريخ مربوط بالمكان والزمان الخاصين بها.

 

 شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع

 

إن الشيوعية الماركسية صورة أخاذة، غذت أحلاما إنسانية عريقة، وشحذت إرادة مواجهة عدوانية الرأسمالية، بخيال جامح شطب حقيقة التاريخ الإنساني المنقضي، وبشر بالسلام الأبدي، وبالبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني؛ هذا الخيال، داعب أملا راقدا في  الطبقة الجوهرية للتكوين الإنساني، ونشط مفهوما للوجود له أنصاره الكثيرون بين محبي الحب ودعاة العدل والمسلمين للسلام. فعلت صورة الشيوعية ذلك، ودفعت إلى تغيير الوقائع، وانتصرت في معارك عديدة، وهيجت مشاعر الثورة لدى المقهورين في أرجاء المعمورة… ومع ذلك كله، فالشيوعية الماركسية صورة شاعرية، لها حق في الوجود المستخال لا في وجود الأعيان. الشيوعية في المساق النظري الماركسي حلم معزول عن الوقائع، أو هي حلقة منغلقة على ذاتها، تعكس انغلاقية الماركسية وتوكدها؛ فالمسار التاريخي الجدلي المفترض أن يتأدى إليها، يفترض أن يتجاوزها أيضا؛ ولكن الجدلية الماركسية تجعل من الشيوعية مغلاقا للجدلية التي تقرر انهيار كل نظام كائن بفاعلية إفرازه لنقيضه، أما الشيوعية الماركسية فلا تلد نقيضها الذي يهدمها، ولكنها تلد، وعلى الدوام، إمكانات تجددها واستمراريتها المطلقة.

شيوعية ماركس صورة شاعرية، ترسم بلغة مخالفة للشعر الفني لوحة راقصة لحالة تهتز لها مشاعر المقهورين أجمعين؛ ولكنها، ومثلما هو الشعر كله، لا تقدر على شيء، غير هز المشاعر، وتحريك الأمل في مرقده… أما تحقيق عالم الحب والعدل والسلام، فيحتاج، مع الشعر، إلى رؤية منفتحة على الوجود كله، لا تنحصر في المضائق التاريخية!!

 

هوامش

 

(1)  أفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ترجمة عربية، دار التقدم، موسكو، 1979م، ص 234، 235.

(2)  المصدر السابق، ص 21.

(3)  نشر بداية عام 1848م.

(4)  الموسوعة الفلسفية، الترجمة العربية، بيروت، ط 1، 1974م، ص 89. وهي تتناول موادها من وجهة نظر ماركسية صريحة.

(5)  المصدر السابق، ص 250.

(6)  رسل، حكمة الغرب، ج 2، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983م، ص 229، 230.

(7)  سييف، مصدر سابق، ص 23.

(8)  الموسوعة..، مصدر سابق، ص 545.

(9)  سييف، مصدر سابق، ص 255.

(10) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 404.

(11) المصدر السابق، ص 545.

(12) سييف، مصدر سابق، ص 25.

(13) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 538.

(14) روجيه غارودي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق، دمشق، د. ت.، ص 30، مقتبس عن: ماركس، رأس المال، الجزء الأول، مقدمة الطبعة الثانية، 1872م.

(15) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 529.

(16) غارودي، مصدر سابق، ص 31.

(17) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 130.

(18) سييف، مصدر سابق، ص 255.

(19) المصدر السابق، ص 79.

(20) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 147.

(21) المصدر السابق، الصفحة ذاتها.

(22) أنظر: المصدر السابق، والصفحة ذاتها، و: سييف، مصد سابق؛ وهو يتناول قوانين ومقولات الماركسية بالتفصيل.

(23) سييف، مصدر سابق، ص 83.

(24) المصدر السابق، ص 82.

(25) فانا لييف، المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، ترجمة: هنري دكر، دار الجاهير، دمشق، بالاشتراك مع: دار الفارابي، بيروت، د. ت.، ص 162.

(26) أوردها: Popkin, Stroll, Philosophy, Made simple books, W.H.Allen,London, 1969, p. 83.

(27) عالجنا انغلاق اليهودية في: رؤية دينية للدولة الإسرائيلية، دار الفرقان، عمان، 1984.

(28) نيكيتين، أسس الاقتصاد السياسي، الترجمة العربية، ط 2، دار التقدم، موسكو، 1974، ص 501.

(29) عباس محمود العقاد، الشـــــيوعية والإنســانية، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت. ص 62. ونستند إلى هذا المصدر عند نقل شهادات العارفين بماركس أو كتاب (جمع كاتب) سيرته التي أورها العقاد في فصل “صاحب المذهب”، ص 28 وما بعدها.

(30) H.L. Bhatia, History of economic thought, Vikas Publishing House,New Delhi,  third edition, 1981, p.262.               (31) رسل، مصدر سابق، ص 175.

(32) المصدر السابق، ص 195.

(33) المصدر السابق، ص 229.

(34) المصدر السابق، ص 232.

(35) العقاد، مصدر سابق، ص 64.

 الموضوعات

 

فاتحة                                                                 ص 1

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية                                   ص 2

عوامل التكوين الماركسي                                             ص 7

الإستجابة للواقع  (ص7). ماركس من المثالية إلى المادية (ص8). طبقية الماركسية (ص9). التناقض أو وحدة وصراع الأضداد (ص10). الصراع لازمة للأنا العدوانية (ص12). التفسير الفاعلي للوجود (ص13). القهر مذبح المجتمعات (ص13).

انغلاق الماركسية                                                    ص 15

انغلاق يلد انغلاقا (ص16). شيوعية ماركس جنةاليهود (ص 17). إباحة المال؟! (ص17). غيتو ماركس (ص18). شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر (ص18). النظرية القمعية لا تعطي الحرية (ص19). ماركس منغلق أخلاقيا (ص19). الشيوعية تضاد الأنا المغلقة (ص20). لماذا ينكر الماركسيون الله؟! (ص21). تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي)  (ص21).

نقد الجدلية الماركسية                                               ص 24

الصراع محور الجدل الماركسي (ص24). الصراع تفسير غير مطلق (ص24). الحقيقة لا ينفرد بها فرد (ص25). الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ (ص25). الوقائع تصيغ نظرياتها التفسيرية (ص26). العلم لم يقف عند زمن ماركس (ص27). يهودية ماركس تؤهله للمادية (ص28). ..ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة (ص29). القطعية منهاج منغلق عادم (ص30). دونية وسيلة الصراع (ص30). الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية (ص31). نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا مفتوحا (ص32). الحرب لا تلد السلام (ص32).

شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع                            ص 34

هوامش                                                              ص 35

 

***********************************

 

تمت في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: 27 ربيع الثاني 1413هـالموافق 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م

تجليّات الأمل – جماعة الواحديين: المبادئ

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com

إهداء

إليكن أيتها العيون الناعسات

أيتها الأزاهير الغواني يا سنابل يا نضرة

أيها الموج العاتي والقارب

يا أيها الصدر المفعم بالأمل

يا أمل

يا مناط الشوق وانبعاثه

يا بهجتنا وحريتنا وسعادتنا وجمالنا وسلامنا

يا كينونتنا الواحدية

*************************************

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الروحي)

أستدراك:

رسمت هنا مبادىء لجماعة حلمت بها ولم أزل.. وتعود هذه “المبادىء” إلى مرحلتي الفلسفية الواحدية التي تقدمت منها نحو مرحلتي الفلسفية النورانية التي لا تتعارض مع فلسفتي الواحدية ولكنها تتقدم بها.. ولتقديري لقانون التطور الذي لا تنجو منه كيانية وجودية فإنني لن أتدخل في النص الذي أبدعَته لحظة مغايرة للحظتي الراهنة للتأكيد على أن لكل كيانية وجودية حق في التجلي. وأحسب أن “مبادئي” وفلسفتي بكل مراحلها هي نضال يتطلع إلى التأكيد على هذا المبدأ..الأمل..

اعترافان:

1- حملت الدعوة إلى “جماعة الواحديين” من دار غربتي الطويلة إلى شيء من وطني المسمى غزة عند عودتي إليها قبل ما يزيد عن سبعة أعوام.. لكنني وجدت أن “الشيء من الوطن” ضيق لا يحتمل دعوة لعقا منفتح مستنير.. ولكن إيماني العميق بدور الوجدان العقلي المستنير قاوم “ظلامية الأهل” بحب خالص وواع فدفعتني واقعية غزة إلى تطوير روحانيتي نحو “النورانية”.. كانت هذه مكافأة الحب الذي لا تهزمه الظلامية!!

2- تقف تجربة حب مرت بي سريعا وراء تجلياتي الروحية التي تكشـّـفت خلال شروحي للمبادئ التي كنت قد وضعتها في فترة سابقة وظلت في صيغتها المختصرة الضيقة إلى أن ظهرت في حياتي “أمل” المرأة التي اختفت على عجل ولكنها ظلت روحا تتجلى فيما تتضمنه هذه التفلتات من الضيق الذي كان يحاصرها.. ليبقى المجد لشموس الحرية وأقمارها المتجددة كل صباح وكل مساء!!

واعترافا بفضل الحب فإني أضفت إلى العنوان الأصلي لهذه “الرسالة” والذي هو “جماعة الواحديين – المبادىء”  عنوان “تجليات الأمل” وجعلته عاليا مقدَّما.. إن حقَّ الحب أن يظل عاليا مقدَّما!!

دير البلح – غزة – فلسطين

4/1/03

جماعة الواحديين – المبادئ

—————————————————————————–

الواحديون جماعة فرشها الحب والعدل قوامها والسلام عقيدتها

*

الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق

*

الوجود التام وميض حاضر

*

الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته

*

جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة

*

الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية

*

حرية الوجود تبدع الجمال

*

الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد

*

التباين حق لا يشطر الواحد

*

الظلم جمود في زمان متدفق

*

الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

*

الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة

*

العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها

*

تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتصْلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود

*

الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل

*

سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق

*

كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض

*

صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر

*

واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار

*

الواحديون أمة مشرعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل

*

 التعلم فض بكارة ودم يروي ظمأ البادرات

*

التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل

*

الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان

*

الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح

*

الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا

*

القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل

*

الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها

*

الموت حياة في حيوات وعشق سائر

*

الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون

*

الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر

*

الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل

*

وإنْ غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها

*

الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه

*

يبدع كل ومضٍ الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد

*

الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان

*

الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونة

*

الكل واحد والفاعلية سرمدية

*

إذا انغلقت آن في آن تلاشت

*

إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح

*

أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. إصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك فلا تقبض عليه إلا وميضا..

الواحدية سلام يبدعه المحبون..

الحب جمال الكينونات. الحب فعل خالق، يبدع السلام. والواحدية – التي نتبنى هنا الدعوة إليها – سلام يبدعه المحبون؛ يبدعونه بعقل واع بالحقيقة الواسعة العميقة للوجود، المنطلق بالحرية في أفق الفاعلية المتجددة ومضا من ومض، وكينونة من كينونات.. فلا جمود فالجمود هلاك.. والوجود حياة متدفقة منذ الأزل وإلى الأبد.

ومنذ كانت الكينونات، كان الحب هو الأصل وهو المنشود. منذ كان الإنسان، كان الحب مذهبا لأولئك الذين يؤمنون بالسلام للكل، في رحاب الكل النضر الواحد. وجماعة الواحديين، كما نراها، إبداع لمذهب الحب القديم المتجدد، المفتوح على الأصل الواحد، المنطلق بالشوق إلى التحقق التام بالواحدية الخالقة.

الواحدية – في دعوتنا – أزاهير غرسها الحرث العتيق للأرض المفتوحة على السماوات اللامتناهية المدى، بسواعد وأرواح كثيرة ساهم كل منها بعطاء ما زال يجدد ذاته، ويواصل التنامي..

الواحدية، وجماعة الواحديين، حلم عريق.. ما زال غضا.. ومن غير الأحلام العظام، فالحياة عقم.. لكن الحياة ولود..

ها هنا دعوة إلى ولادة جديدة من حلم عريق.. هذه دعوة إلى جماعة الواحديين؛ الحضن الدافىء لبادرة الحب والعدل والسلام.. لنناهض جهالة العدوانية.. وننشد الخلاص من مأزق الوجود.. لنحرر الإنسانية من مأزقها الآسن.. لندفع حدية الهلاك إلى وساعة الحرية المبدعة للجمال..

لنمتلىء بالحياة المزدهرة بالوجدان العاقل.. بحياة لا تنهكها الأبواب والنوافذ المغلقة..

لننطلق.. بالأمل الكبير.. في الوجود الكبير..

لننطلق.. بالمجد.. للخلود..

فلتتجدد.. بالواحدية.. بجماعة الواحديين.. الشمس والأقمار.. فليشرق الحب والبناء والعدل والسلام والحرية والجمال..

وسلاما أيتها الصاحبات أيها الصحاب.. سلاما؛ سلاما لكم.. سلاما منكم لكم..

صنعاء: أول أيام عيد الأضحى – 21 مايو / 1414هـ – 1994م

تجليات الأمل (جماعة الواحديين – المبادئ)

(1) الواحديون جماعة فرشها الحب.. والعدل قوامها.. والسلام عقيدتها..

فاعلية الإنسان المحضة هي الحرية. والحب أساس الحرية. الحب فاعلية كل كائن، وهو علاقة استمرارية الكائنية؛ فما دام الكائن مستمرا فهو مستمر بالحب. الحب هو علاقة الإمكان بالتحقق،علاقة الأم بالإمكان بالأم بالولادة. الوجود كله إمكانات وتحققات: إمكانات كائنه، وتحققات تجدد الوجود وتبعثه من ذاته وتخلق إمكانات جديدة. ولما كان الوجود هو فاعلية صيرورة الكائنات إلى تحققات؛ فإن الحب هو نسيج الوجود الحيوي [الحركي] كله. إن صيرورة الفاعلية الوجودية هي فعل الحب، هي إبداع الحب. الأم إبداع للحب: حبها للرجل حبا طبيعيا نفسيا، حبها لأن تصير أما بالتحقق، حبها لموضوع أمومتها؛ حبها لاكتمالها الوجودي، لتحقق إمكاناتها الوجودية الأنثوية.. هذا الحب، بتنوعاته، هو الذي بصنع من المرأة أما، ويصنع، بها منها، خلقا جديدا بالتجدد الوجودي: تحققا متجددا من إمكانات كائنة. يبدع الحب من المرأة إمكانات متجددة لتحققات مأمولة.

نحن، فردا فردا، إبداع الحب. الحب يملأ كينونتنا، هو كينونتنا، الحب خالقنا. فكيف يصير هذا الحب، ذو الوجود الصميمي في كل فردية، حبا جماعيا؟ كيف نحقق حرية فاعلية الحب على مستوى الإجتماع الإنساني؟ يكون ذلك ممكنا إذا صار الحب فرشا إجتماعيا.. الواحديون جماعة فرشها الحب.. جماعة الواحديين ليست حزبا؛ الحزبية نسقية منغلقة، بينما الواحدية رؤية منفتحة على بكل كائن، على مطلق الوجود: على كائن. الواحديون جماعة منفتحة على مدى صفحة الزمان والمكان إلى أقصى الوساعة. الواحدية شعار كل الذين يؤمنون بالحرية الفاعلة بالحب. جماعة الواحديين تفترش الحب ولكنها لا تلتحفه؛ الحب قاعدة لكنه ليس سقفا دون السماوات الذرا.. سقف الواحدية هو السلام؛ والسلام سقف من البلّور الصافي اللطيف، السلام ليس حدّا أو نهاية؛ هو، ومع كل آن، بداية متنامية.. وراء السلام لاشيء، هو غاية الغايات؛ أليس الله هو السلام؟! أليست الجنة دار السلام؟! أليست التحية بين الناس سلاما سلاما؟! ولا يقوم سلام أصيل وحقيقي كامل مع التحزب. الواحديون جماعة وليسوا حزبا ، لأن الواحدية رؤية العقل المنفتح بالحب الفاعل؛ المنفتح بالحرية المبدعة للسلام. إنغلاق الفردية على ذاتها مشكلة المشاكل؛ حبس الفاعلية في كيانية مغلقة مضاد لطبيعة الفاعلية المطلقة. وعندما تجابه الفاعلية حالة انغلاق، فإنها تكون قد أكرهت على مضادة طبيعتها المطلقة، وبحكم طبيعتها المطلقة الأصلية، بضرورة لا مهرب منها، فإنها لا تملك إلا أن تفلت من طروء الكراهية فيها؛ فتلغي حالة الإنغلاق [= الموت]، لتستأنف حرية طلاقتها؛ وهي تستأنف طلاقتها بفاعلية الحب: حب الممكنات لتحققاتها. الحرية إمكان وجودي أصيل، هو الفاعلية الوجودية المطلقة. السلام هو تحققات إمكان الحرية. لن يقوم سلام بين اثنين يتصارعان على رغيف خبز واحد؛ يتصارعان ليأكا أحدهما الرغيف كله. لن يقوم سلام إذا كان ثمة صراع على من يرهن نفسه ويسلمها للإذلال من قبل ما هو ملك له؛ أي من قبل ما يطلب إمتلاكه. يقوم السلام بين أولئك الذين يملكون – ملكا جماعيا – رغيفا بقتسمونه بالعدل. السلام لا يقوم بغير العدل بين الناس جميعا. العدل قوام السلام؛ العدل قوام جماعة الواحديين والسلام عقيدتها. يومن الواحديون بالسلام لأن السلام – وحده – هو الذي يحقق إمكانات الوجود الأصلية: الوجود الواحد، الفاعل، الحر.. الوجود الذي هو لنا كلنا، فردا فردا، لنا معا، وعلى قدر سواء. والسلام عقيدة تنبت في أرض الحب. فإذا كان الحب أساس بناء الجماعة، فإننا سنقتسم الرغيف الواحد بعدل تام، سنقتسمه بدوافع أصيلة، بغير صراع.. سأقتسم معك اللقمة لأني أحبك.. أحبك يا ابن أمي وأبي.. أحبك لأنك تحقق وجودي الأصلي الواحد؛ كما أنا أيضا أحقق لك وجودك الأصلي الواحد.. أحبك حبي لنفسي.. فأنا وأنت أبعاض الواحد الحر. بحبي لك أتحرر من شهواتي المهلكة؛ أنت كذلك تتحرر.. بالحرية نتقدم في وساعة وجودنا العميق.. نتحقق بذاتيتنا الأصلية: ذاتية الواحدية الوجودية: فنفتح الأول على الآخر؛ نفتح الحرية على السلام، بقوامية العدل. فإذا قام العدل في الأرض والسماء، فما حاجتنا للصراع؟ إذا رنونا إلى القمر معا، وشربنا كأس الصفاء معا، وترنمت القلوب بموسيقى الشوق معا، وغنينا ورقصنا وصلينا معا؛ فهل للصراع محل؟! فإذا لم يكن صراع كان عالمنا سلاما: إذا لم يكن صراع وكان عدل في الحقوق وفي الواجبات؛ إذا كانت الحرية إبداعا؛ إذا كانت الواحدية – بفاعليتها – منهجا؛ كان العالم سلاما. وعالم السلام مفتوح لا ينغلق: السلام أمان لكل فرد ليحقق ذاتيته الوجودية تحقيقا بريئا من الجهالة والعدوانية: بريئا من انغلاقية البغضاء وانغلاقية الحيازة لما يفيض عن الحاجة، أو انغلاقية الحيازة لما هو حاجة ضرورية للأخوات والإخوة. السلام قيمة وجودية مطلقة ما دام للجميع؛ وهو لا بد أن يكون للجميع بحكم أن الوجود للجميع، والوجود مطلق..

(2) الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق..

 مطلقية الوجود لا تسلب الفردية مشروعيتها وحقوقها. الوجود المطلق واحد؛ هذه مقولة أساسية في الرؤية الواحدية، وإليها يرجع المفهوم الواحدي كله. وهو مفهوم له كينونته في الفاعلية الوجودية الواحدية. وكينونته واحدية. وفي الواقع، الكينونات كثر: هذه (س) وهذا (ص) وتلك (ن).. وكل كينونة هي وجود واحد. الواحدية المطلقة [= الكلية] هي أصل كل كينونة؛ هي فاعل الفعل [الفعل = الكينونة]. والفعل شيء من ذاتية فاعله؛ الفاعل يكون في فعله، الفاعل يكون فاعلا إذا كان له فعل، وفعل الفاعل لا يخالف صميميته: الفعل من صميمية الفاعل، هو صميمية الفاعل. الواحدية الوجودية هي صميمية الفاعل المطلق؛ هذه الصميمية تخلق كل فعل؛ تخلقه بها، منها، لا من شيء آخر. الواحدية هي صميمية كل فعل منفرد [= الكينونة]. كل فعل فردي ذو وجود عميق في وجود الفاعل المطلق؛ ولهذا الوجود الفردي مشروعية تامة الحقوق: فله كل الحقوق المترتبة على كونه فاعلية للفاعل المطلق؛ له كل الحقوق التي يقتضيها تكوينه الصميمي من قِبَـل الفاعل المطلق الحر الواحد [الأحد] الذي تعشق ممكناته تحققاته؛ بقوامة العدل، ولغاية السلام. لكل فرد حق وجودي تام [مساو لفرديته] مساو لحق الآخر في الوجود؛ بحكم التساوي بين الأفراد من جهة أن صميميتهم هي الفاعل الواحد الحر الحب المطلق السلام..

(3) الوجود التام وميض حاضر..

الوجود التام بريء من استطالات الزمان الذاتي. هو – الوجود التام – لا يجاوز وميضا زمانيا. الزمان في التقسيم التقليدي ماض وحاضر ومستقبل. لا تُسلِّم الرؤية الواحدية [لدينا] بهذا المفهوم للزمان. ليس للزمان الثلاثي وجود حقيقي. أين (الماضي)؟ لا يوجد. أين (المستقبل)؟ لا يوجد. (الماضي) كان وجودا؛ و(المستقبل) لم يكن بعد؛ وما كان وما لم يكن بعد هو وجود غير مكتمل. الحاضر هو الوجود المكتمل؛ الحاضر هو ماهو كائن. إننا لا نستطيع أن نشير إشارة حقيقية إلا إلى ما هو كائن. فإذا قيل: الحاضر وليد الماضي؛ وأن الحاضر لم يوجد إلا بعد وجود الماضي؛ فهذا لا ينفي القول بأن الحاضر وحده هو الوجود الحقيقي. نحن نعني بـ (الماضي) شيئا (كان) حاضرا: كان وجودا مكتملا بذاته، كان مكتملا بحاضريته: كان فاعلا بحاضريته، كان كينونة. فلما جاوزته الحركة، صار عاملا في كينونة الحاضر الذي لا يكون هو و(الماضي) شيئين متطابقين. (الماضوية) تسلب الشيء كينونته. والمسلوب الكينونة وجود غير تام: غير مستقل بذاته. المسلوب الكينونة وجود في الذاكرة؛ هو بعض كينونة الذاكرة؛ وهو عامل تكويني في الكينونات الحاضرة؛ فهو [بذاته التي كانت] وجود غير حقيقي: غير تام. ووجود (الماضي) في الحاضر ليس وجودا لـ (الماضي)، هو وجود للحاضر. كان (الماضي) حاضرا. كان (الماضي) حاضرا، فكان كينونة فردية مباينا لغيره. حضوره في الحاضر هو تخلٍّ عن الفردية المباينة للغير؛ فغدا عاملا تكوينيا مشاركا في كينونة حاضرة [= فعل حاضر: وكل فعل حاضر]. لقد مات أبي، هو غير موجود كفرد مباين لأفراد آخرين موجودين وجودا فعليا. غدا وجوده من خلالي، وخلال وجودات أخرى. هو موجود كعامل تكويني في فعلي، وأفعال أخرى؛ وليس موجودا كفعل حاضر. لا بدّ للفعل أن يكون حاضرا؛ فلا كيانية إلا بحضورية. الحضورية هي العامل الحاسم لصيرورة الممكن إلي كيانية عيانية. والعاملية – أيضا – محكومة بالحضورية. فالفعل لا يتكون من عوامل متفاوتة زمانيا. لا بد لعوامل فعل واحد   من أن تحضر معا في زمان واحد [غير منقسم = وميض]. بهذه المعية الزمانية [الحضورية التامة] يلد فعل جديد؛ الفعل هو حضور تام لعوامل التكوين. وهو حضور زماني بمقدار وميض: زمان غير ممتد؛ فلو امتد لصحت قسمة الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل؛ ومن ثمّ، لصحت قسمته إلى وجود عياني ماضوي محله الذاكرة، ووجود عياني فردي كائن في الحاضر، ووجود عياني متخيل. والعيانية الأولى والثالثة ليست عوامل تكوينية للفعل. لا يتكون فعل وجود الفرد من تذكر ولادته بعد وقوعها ولا من تخيلها قبل حدوثها. والتذكر لا ينتمي للـ (ماضي)؛ هو معايشة حاضرة لصورة منطبعة في الذاكرة الحاضرة، وهذه الصورة لكائن حاضر. والتخيل ليس رؤية لحادثة ستقع في (المستقبل)؛ هو وعي بعياني في المخيلة يتكون من عوامل تكوينية حاضرة جميعها في المخيلة. وهو – الخيال – كائن حاضر، ولأنه لم يقـع خـارج المخيلة ننسبه للـ (مستقبل)؛ و(المستقبل) تصور لما ننتظر وقوعه، والتصور جار في الحاضر، وعيانيته هي تصوره لا مزيد. ومكونات التخيل يجب أن تنسب إلى التخيل ذاته؛ ووقوع شيء مطابق للتخيل يلي وقوع حادثة التخيل يمثل عيانية أخرى غير عيانية التخيل؛ مع اعتبار أنه لن يقع شيء مطابق للتخيل؛ باعتبار أنه لا يقع شيئان متطابقان وجوديا لاختلاف عوامل التكوين لكل حادثة. الحاضر شاغل للوجود شغلا تاما، فلا حيز – وجودي – لغير الحاضر؛ وما ليس له حيز وجودي فلا وجود له. الوجود يشغل ذاته دوما، وهو كامل بالنسبة إلى الومض الكائن [الحاضر]، ولا حاجة للوجود إلى غير؛ فلا غير له. ونمو الوجود صيرورة حاضر _ في الحاضر – لحاضر. الحاضر لا يفتقر إلى (الماضي) أو (المستقبل)؛ فلا (ماض) ولا (مستقبل). الحقيقة هي الحاضر: الحيقيقة هي اكتمال الوجود، وهو مكتمل دائما، لا يصح تصوره ناقصا؛ فلو صح تصوره ناقصا لجاز وجود غيره؛ وهو واحد ممتلىء بذاته، فلا إمكان لوجود غيره. فلماذا يكتنز الناس ما يزيد عن حاجتهم للحاضر؟ الكانزون يخالفون – بجهالتهم – الحقيقة الوجودية. نحن لا نملك إلا الحاضر، والاكتناز وهم بامتلاك غير الحاضر، ولا غير للحاضر. الاكتناز إعاقة للنفس من بلوغ كمالها الذي تبلغه بالإنعتاق الواعي من الأوهام وبالتحقق بالحقيقة الوجودية. الواحديون يعتقدون أننا نبلغ كمالنا الاجتماعي – الوجودي الإنساني – بالانعتاق من شهوة امتلاك ما يزيد عن إقامة وجودنا في الوميض الحاضر: وجودنا التام المتجدد التمامية وميضا بعد وميض؛ أي: حاضرا من حاضر. الاكتناز مفهوم لا تقبله الواحدية، كما لم يقبله القرآن الكريم، بدعوته الصريح للمؤمنين، لينفقوا $العفو#. والعفو – لغة – ما زاد عن الحاجة؛ وبمصطلح واحدي، فهو توهم أن الزمان قابل للنفخ ليصير أكبر من وميض، فيقبل القسمة إلى حاضر و(ماض) و (مستقبل)؛ والواحديون يجاهدون للتحرر من الأوهام..

(4) الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته..

يرفض مفهومنا الواحدي فكرة الإكتناز لإيمانه بمشاعية الوجود لذاته؛ أي: لكل وجود فردي. فالوجود وجود في الفرديات: فردياته؛ ففردياته هي وجوده. والأم لا تبخل على تحققاتها: بناتها وبنيها؛ فهي تعطي لهم كل ما تمتلك. هذا العطاء هو صميمها، هو وجودها المحض. الوجود هو الأم – المطلقة / الكلية لكل الفرديات. الفردية هي عطاء الوجود. والفردية عيان ذو حاجيات لازمة لمواصلة الوجود الفردي. إعطاء الفرد حاجياته استمرار – لازم – لعطاء الفردية بزوغها الوجودي في البدء. الفردية ولادة مستمرة من ذاتها التي هي عطاء الوجود الكلي الحاضر / الكائن دوما. الفردية تلد، بالتجدد، في كل ومض زماني. والولادة غير متخلفة زمانيا عن الكينونة في كل ومض. الومض الزماني جامع للولادة والكينونة في زمان غير متراخ. الوجود يخلق فردياته: يخلق ذاته خلقا متواصلا في كل ومض. فالخلق المتجدد في كل ومض – كل خلق / كل فرد – له الحق التام في الوجود؛ أي: له الحق التام في الامتلاء الوجودي امتلاء بريئا بالوجود الكلي المشاع لكل فرد هو بعض الكل، وهو من بني الأم الكبري. الوجود مشاع لذاته كما الأم مشاع لبناتها وبنيها. ذات الوجود ليست شيئا آخر غير فردياته: الوجود هو فردياته / تحققاته في الحاضر. الوجود مشاع لتحققاته؛ كما لبن الأم مشاع لبنيها الحاضرين. ولبن الأم لبن الحياة؛ فهو مشاع للحياة. لبن الأم مشاع لبني الحياة المتجددة حاضرا من حاضر. الوجود أم أكبر من أمهاتنا، لبنها والسلام الذي يعمر قلبها بيتنا الكبير وحقنا المشاع لنا..

(5) جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة..

وفي مشاعية أمنا الكبرى لنا، لا يحق لإبن أن يجور على أخت أو أخ. لن يجور فرد على فرد إذا كانت لنا حقوق متساوية في الحياة بلبن الصدر الحاني الحبيب. ليس للجور من سبب إذا اقتسمنا – بالعدل – وجودا يسعنا جميعا. هو يسعنا لأنه هو خالقنا. ولو أن رزقنا فوق وساعته لكان خلقنا فوق قدرته الخالقة. الخلق ليس فعلا أجوف؛ هو فعل ممتلىء بذاتية الفاعل وقدرته. رزقنا من ذاتية الفاعل وقدرته. الفاعل لا يفعل فعلا ليلقي به في الخواء: فلا خواء. الفاعل المطلق يملأ مقولة الوجود كلها. فأينما وكيفما صار الوجود فهو ملاء ملاء. لا يحق لفرد أن يجور على فرد لأن الجور  منافاة لحقيقة الوجود: حقيقة أن الفاعل المطلق هو الوجود الحق؛ والفاعل المطلق هو ذاتية كل فعل منه؛ فهذا من هذا: هذا هذا. حقيّة الفردية من حقيّة  هي هي حقيّة الواحد المطلق. بالحق كان الوجود الفردي، بفاعلية الفاعل كان ويكون.. المحض الوجودي للواحد المطلق هو كينونة الوجود / الفعل الفردي.. من محض الوجود الكلي بزغ الفردي: محض الفردية من محض الكلية [هي من ذاتها هي]. الجور على الفردية وحقها في الوجود المشاع جور على المحض الكلي الذي هو حقيقة الحقائق. وكل جور نار وقودها الجور. يحرق الجور ذاته ليبقى الفاعل الكلي ممتلئا بالسلام / ذروة التحققات: أمّا نار وسلام فكلاّ.. وكلاّ!..

(6) الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية..

الجور تهلكة. وانفتاح الفرد على الفرد حياة السلام. الإنفتاح صدور عن الحقيقة التي هي: الوجود ينفتح بالفردي المنفتح على الفردي. انفتاحية الفردي هي الحبل السُـرّي الذي يصل [يفتح] الجنين بالأم. فإذا لم يكن الإنفتاح كان الإنغلاق، والإنغلاق موت. يستمد الفرد وجوده – كل ومض – من اتصاله بالوجود الواسع. وبهذا الإتصال نتحرر – كل ومض – من شرك الهلاك؛ أي: من حد المفعولية. يحدث هذا التحرر بفاعلية الفعل / فاعلية الفاعل المطلق. الفعل ينفتح على الفاعل بتحرر الفعل من كينونة المفعولية التي نسقط فيها بالإمكان؛ ولكننا سرعان ما ننهض بالتحقق الوجودي بالفعلية المحققة للفاعلية. تحررنا من الهلاك بالمفعولية هو انفتاحنا – بالكلي – على الوجود الكلي. بالتحررية يتواصل الوجود: فعل التواصل الحيوي هو فعل – وهو الفعل الأهم – استمرارية الوجود؛ فعل استمرارية الفردية بفردية متجددة. الحرية فعل مضاد للسقوط في المفعولية؛ والذين يسقطون في مفعولية اشتهاء التملك لما يزيد عن حاجة الوميض يقعون في مجرى مضاد لمسار الحقيقة التي تقرر – برؤيتنا الواحدية – أن الوميض الحاضر ذروة الوجود الذي هو حاضر دوما. اشتهاء التملك لما يزيد عن الحاجة الملحة وقوع في مخنق الوهم. والفاعلية تواصل مسارها المنطلق بحرية وعلى رغم المفعولية وعلى عنقها المنكوس. الغوص في طلب التملك بشهوة مفعولية جور على الحقيقة الفردية المنتشرة في فرديات كثر لكل منها حق مشروع وتام في أن ينهل من العطاء الوجودي بحرية الفاعلية المطلقة لا بحرية التملك بشهوة ظلوم لما ليس للفرد حق فيه: ليس للفرد حق اكتناز ما لا يحتاجه الوجود في الوميض. الطلب بشهوة ظلوم انغلاق في محدودية الشهوة؛ انغلاق قبالة الآخرين؛ مجافاة للحقيقة المنثورة بالبراعم الصائرة إلى الإزهار والثمر الجنيّ: الإنغلاق على الذات بطلب الشهوة الجائرة على غير حاجة الوميض جور على الذات التي استمدت – وتستمد – وجودها من الفاعلية المنطلقة بالحرية التي تتواصل وميضا من وميض. من يسقط في شهوة الإكتناز يبني سورا من الظلام يفصله عن الجماعة ويحرقه في مضيقه الوجودي. الإكتناز / سور الظلام اعتداء بتوهم أنه يمكن تقطيع أوصال كل واحد لا يتقطع ولكن التوهم هو الذي يتبدد أمام حقيقة انطلاق الفاعلية بحرية نحو السلام / ذروة التحققات؛ والسلام عطاء انفتاح الفردي على الفردي، بالفردي؛ وانفتاح الكلي على الفردي بالفردي المنطلق بحرية الفاعلية الكلية. هذا المفهوم -الواحدي – حقيقة لا ينفيها توهم أولئك الظانين أن في مقدور الفرد أن يعيش تحت ركام ما يكتنز من مال الوجود الذي هوملك مشاع للوجود كله: قال القرآن الكريم: لقد خلق الله ما في الأرض [كله] للناس جميعا؛ وهذا مفهوم مشاعي قرآني يوكده قول الله تعالى: $ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [= ما زاد عن الحاجة]#. حرية الفعل ملزومة بصميمية الفاعل، وهـي منها. ولأن حرية الفعل صميمية الوجود في الفاعل؛ فإن أي فعل ينافي حرية أي فعل آخر إنما هو ينافي حرية الفاعل الصميمية الوجود؛ وما ينافي صميمية الوجود ينفي ذاته. ومن صميمية الوجود انفتاحه على ذاته: أليست النبتة الغضة بذرة انفتحت على الأرض والسماوات؟! لو حبسنا البذرة الحية في منغلق يفصلها عن ماء الأرض وعناصرها وعن شمس السماء وهوائها، هل تنبت؟ هل تقدر أن تتحرر من ومض الحاضر الكائن إلى ومض يمكن أن يكون؟ كلاّ. وكلا، لن يواصل الوجود  إلى غايته السامقة / الواسعة من يحبس نفسه – بالإشتهاء الظلوم الجائر – وراء جدران القطيعة مع حرية الواحدية المنطلقة بـ / في الكل المطلق / الواسع. الحرية انطلاق في النور على أجنحة النور ذاته.. الحرية أن نسري ونبحر معا.. لنكتب اغنية للحب معا.. لنبدع السلام لنا.. لنتوحد في وصال يبدع الحياة في ومض متجدد.. هذي الحقيقة فلا تزوغوا.. فلنحج إلى بيتنـــا العتيق، إلى زمزم.. زمزم هناك / هنا.. لنستولد أبعاضنا أبعاضا ونزغرد.. لنفضّ البكارات ونزغرد.. سحقا للنفاق سحقا.. بالصدق نجاهر.. فتعالوا نصلي ونزغرد.. تعالوا ننتشي بذوب الوصل والرحيق ونزغرد..

(7) حرية الوجود تبدع الجمال..

حرية الوجود تبدع الجمال.. ومن القبح أن تفقأ عيني.. يا أيها الأعور الذي زرع العمى ويحصده، إن العمى قبح وفسق وحضيض أنت فيه سجين قعيد. أما الحرية فهي بصيرة إلى أعماق الوجود نفّاذة؛ نفّاذة إلى الصميم؛ إلى الحقيقة التي تسع الحقائق كلها. والإبداع لا يكون بغير بصيرة. الإبداع خلق متجدد بفاعلية حرة منطلقة من أغلال الآن المظلم الظلوم. إذا قيدنا الزمان صار قيدنا؛ إذا حررنا زماننا إنفتحت لنا أبواب الحرية ونوافذها.. لإشراقات الشموس تفتح الحرية ذواتنا. وما الجمال إلاّ إشراقات الشموس وظلالها وتموجات وبعثرة ضيائها. من خيوط الظل والنور يبدع الفنانون موسيقى الصوت والصورة.. يبدعونها نموا من الغور العميق للمعنى الوجودي الواحدي: الفاعل الحر المتجدد كل آن، مبدع البديع من الواقع والخيال؛ الخالق من الوجود الكائن والوجود الكائن وجودا يكون. في نقطة التلاقي، في وميض هو النور الخالص الصافي، يلد وميض هو النور الخالص الصافي.. لكن العبودية فعل القبح ودنس السواد والانغلاق. الجمال أن لا نستر لنا فعلا.. الجمال ضياء يحرق الثوب وينشر مكنون الصدور. الجمال حقيقة مكشوفة، هي الصدق ولماذا أكذب والكذب عيبة الواهمين المنخورين؛ أما السامقون بالحرية والحقيقة فلا يزورون ولا يخدعون. الكذب قناع يخفي به الضعاف وهنهم.. قناع كريه الرائحة يعافه ذو البصيرة؛ ذو الوساعة الوجودية..

(8) الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد..

الواحدي حر لا يكذب، لأن الواحدية مفهوم نابع من الحقيقة الأوسع؛ حقيقة $الوجود واحد بالعقل لا ينقسم#. واحدية الوجود معنوية متكثرة بفاعليته. ولما كان الوجود الواحد مالىء لمقولة الوجود، فلا تصح فرضية عبوديته. العبودية علاقة مع غير، وباعتبار الوجود مالىء لمقولته، فلا غير. ومن كان في الفلاة ولا غير معه، فهو حر لا كما المقيد بعلاقات العمران. إذا كان الوجود واحدا بلا غير، فهو حر حرية مطلقة من العلاقات بالغير، لعدمية الغير. حرية الوجود الواحد صفة ذاتية له فاعلة؛ وليست مفهوما سلبيا؛ هي مقولة صميمية بدليل أن الوجود الواحد يمارس حريته بفاعليته الحرة. فهو، لطبيعته الفاعلة، الصميمية فيه، لا بد أن يكون حرا؛ أي: مبدعا لذاته كل آن. فلو لم يبدع الوجود ذاته كل آن لجمد في حالة ما تلبث أن تصير فناء. لكنه ممتنع على الفناء لامتناعة أن يصير عدما. الوجود لا يصير عدما إلا باعتبار العدمية مقولة وجودية لا ضد وجودية؛ إن الوجود لا يسع ضده، لعدم وجود ضده. وعدم وجود ضده لعدم وجود إمكان وجود غير الوجود. إن كل وجود كائن أو ممكن هو وجود لا غير. حقيقة الوجود هي أنه واحد لا ينقسم. فلو انقسم لتعدد تعددية تعني أنه مختلف إلى نهاية معناه، وهو ليس مختلفا إلى نهاية معناه؛ فالوجودية شاملة موحدة لكل وجود كائن أو متخيَّـل. على هذا الشمول الموحِّد، ترتكز الرؤية الواحدية. لكن الواحدية – لدينا – لا تلغي الكثرة؛ فهي رؤية للكثرة المشمولة بالوحدة. الكثرة وجود حقيقي عياني وتخيلي. ولأن الوجود – بواحديته – حر فهو يخلق ذاتيات متجددة / جديدة. وهي لا تنافي الواحدية؛ الكثرة فاعلية الواحدية. والكثرة لا تقسم الوجود الواحد. الوجود الواحد لا ينقسم، كما الصفر لا ينقسم ولا ينضاف الصفر إلى الصفر فيكون الناتج صفران: الناتج يظل صفرا. ومهما أنتج الصفر، فلن ينتج إلا أصفارا؛ فالشيء ينتج (من) ذاته. ولوطرح من الصفر صفر لكان الناتج صفرا. الوجود (مثل) صفر كبير واحد يلد الأصفار كل حين. الصفر وميض الوجود الذي لا ينقسم.. هو الكينونة المبدعة كل آن فلا تنقسم إلى (ماض وحاضر ومستقبل)؛ هي الآن الحاضر الموحد لـ (الماضي والحاضر والمستقبل). الصفر أسّ التعددية في مفهوم الواحدية..

(الوجود أصفار.. أليس وجودي حياة وموت في كل آن [: 1-1=0]؛ لكن الصفرية الواحدية فاعلة. فكل مقولات الوجود الواحدي فاعلة؛ فهي مقولات وجود فاعل بذاتيته، لا تتخلف فاعليته عن التحقق في كل تحققاته. والصفرية تحقق من تحققات الواحدية الوجودية. وهي – الصفرية – آلية التوازن الذاتي التي تحكم حركية الوجود، فتضبطها؛ فلا يختل الوجود، ولا ينقص ولا يزيد)..

(9) التباين حق لا يشطر الواحد..

هل نحن أصفار، لكنها متباينة اللون والمذاق والكثافة والحجم؟ يبدو أن الأمر كذلك. فإن صح أننا أصفار فلماذا ينتفخ بعضنا ورأس دبوس صدىء قادر على أن يبعط البالون المنتفخ؟! أما جماعة ليس من بين أعضائها منتفخ، فهي تحت الراية الواحدية $جسد واحد إذا اشتكي منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمـى#. النـاس كثر هو كثر الواحد. نحن – جميعا – أبناء أم ترضعنا لبنا / ينبوعا حيا متدفقا من وجود حي متدفق.. أبناء الحيّ المتدفق بالحب وبالشوق إلى النمو والتمامية نحن.. بالحب نهضنا من سديمية الوجود.. بالحب كثرنا.. وبالحب فلنقتسم الرغيف إذا ندر الخبز وضاقت المعائش.. بالحب هدهدتنا الأمهات.. بالحب نُزفّ إلى العرائس.. إلى الجمال.. وبالحب نعشق الأزاهير ونرعاها ونسقيها ونحرثها.. الحب جامع الواحديين وعنوانهم. والحب يُسلِّم بالكثرة؛ فلو لم تكن كثرة فما الحب؟! الحب نسق يجمعني معك.. أنا وأنت القادمين من واحدنا القديم.. أنا وانت المتقدمين نحو واحدنا المعقول. الواحدية أولنا الواحدية آخرنا. من أولنا نقصد آخرنا.. بالحب نسعى، بالحب نبقى.. أنا بعض يحب كله.. أنت كلي وأنا كلك.. أنتم كلي ونحن كلك. نحن كثر لكننا غزل فاعلية الحب الوجودي الواحدي؛ الخيوط كثر والغازلة أم واحدة. التباين حق لكنه لا يشطر الواحد.

إن قسمتم – بالحب – رغيفكم بينكم، قويتم وزرعتم أرضكم، فيكون وفرا.. فترقصون وتصلون ويعمكم السلام؛ حينئذ، لن تغلقوا بابا ولا نافذة.. إمّا إن أنشبتم أظفاركم وأنيابكم في لحومكم، فستحرقكم النار، ثم تذرو الرياح رمادكم في القفار. إن زهرة تسقونها حبا، تثمر أقمارا في مدلهمّ الليالي والأيام!

(10) الظلم جمود في زمان متدفق..

من لا يزخر فؤاده بالحب فهو جاحد ظالم جامد. هو ظالم لنفسه بجحوده وجموده؛ وظالم نفسه ظالم لغيره؛ فالزمان يتدفق بالتجدد كل آن؛ وكل كيانية هي حالة من القبول للتجدد؛ والتدفق والتجدد يضادان الظلم والجحود والجمود لمضادة الحب لطلب الهلاك. إن ما يبدعه الفاعل الحر هو فاعل حر كذلك؛ الحرية صميمية كل كيانية. الحرية حق وواجب كل كيانية بالتعقل؛ فالحق والواجب هو فاعلية الكيانية: فاعلية الحرية. الكيانية في حقيقتها هي الحرية. أمّا أولئك الذين يسعون لقسر الطبيعي العقلي على التخالف الحركي مع اتجاه الفاعلية الحرة؛ فإنما هم يجدفون ضد الحقيقة وعكس تيار الفاعلية العميق العالي الأمواج الجارف. الذين يعاكسون اتجاه حركة المطلق / الفاعل الحر هم الذين اختاروا مصير الهلاك وراء الأسوار المغلقة على جمود ظلوم. يكون جامدا ظلوما من يغلق على ذاته أبوابه ونوافذه.. من يصم عينيه وأذنيه وعامة حواسه وعقله عما يتدفق من حوله.. من يغلق أناه عليه؛ ينغلق في آن من الزمان، يبلعه بحر الزمان ولا يبالي.. تأكله النار فلا تُبقي له ذكرى.. يرتمي في حضيضية الهلاك ورأسه منكوس وقلبه من عفن.. من لم يُسلِّم نفسه للفاعلية الحرة المنفتحة يبددها في قفار الليل البهيم.. وتُواصل الفاعلية تجددها وتحررها من الآنات ومن الأنانية..

(11) الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

لا يتوقف الكل عن حركته. الكل هو الوجود الفاعل. كل وجود هو في الوجود الكلي الفاعل. كل وجود فردي ينعزل عن الفاعلية  [يتجمد] يهلك ويبقى الوجود الكلي فاعلا؛ يبقى كذلك لأن الفاعلية صفة ذاتية صميمية له. وما كان ذاتيا صميميا لا ينفك عن وجود ذاتيته. الوجود والفاعلية ليسا اثنين؛ هما واحد. إذا ذكرنا الوجود عنينا الفاعلية، وإذا ذكرنا الفاعلية عنينا الوجود. ولو تخيلنا شيئا غير فاعل فإننا نتخيل – مع الخيال الأول ومن غير تراخ – شيئا غير موجود وجودا عيانيا [غير متحقق]. ولما كان ليس ثمة شيء إلا وهو وجود في العيان أو الخيال [ وجود الخيال عياني أيضا]؛ فإن كل شيء فاعل. كل شيء هو بعض الكل. والكل فاعل. وكل بعض من الكل الفاعل فاعل أيضا. الكل فاعل والأبعاض فاعلة. لكن فاعلية البعض ليست مطابقة لفاعليـة الكل. الكل واسع [مطلق] وفاعليته واسعة [مطلقة]. الكل يسع الأبعاض كلها. الكل معنى تنتظم به / فيه العيانات. ولا يُعرف الكل إلا بأبعاضه. لا نعي الكل إلا بإدراك أبعاضه، [لا كل أبعاضه]؛ كما نعي الفاعل بأفعاله، [لا كل أفعاله]. يتكون الوعي الواحدي بإدراك هذا الفعل وذاك؛ بإدراك التجدد الوجودي بفعل وفعل وفعل… ونعي من كثرة الفعلية وتجدداتها أن ثمة فاعل. من الفعلية الكثر المتجددة نفترض وجود الفاعل. نعي الفاعلية في باطنية الفعلية. الفعلية والفاعلية معنى واحد؛ وإنما يتباينان بالوساعة الوجودية: الفاعل فعل وفعل وفعل… والفعل فاعل محدود بمقدار الفعلية المتحصلة للفعلية من الفاعل؛ أي: من فاعليتها. الفعلية كثر والفاعل واحد. ولا تستوجب كثرة الأفعال تعدد الفاعل المطلق الحر. فلو تعدد الفاعل فهو ليس مطلقا حرا، وهو لا يملأ مقولة الوجود. أما من كان مطلقا حرا مالئا للوجود فلا غير له؛ فأين يسكن الغير؟ وماذا يفعل الغير إذا كانت الفاعلية مشغولة بكليتها ولا فسحة ثمّ ولا إمكان؟! الفاعل واحد وأفعاله متناهية بذاتها وتناهيها يوجب كثرتها..

(12) الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة..

يستمد العقل الواحدي مفهومه الأساسي من العيانية الوجودية؛ أي: مما هو طبيعي. وهو – العقل الواحدي – طبيعي باعتباره فاعلية ذات طبيعة وجودية. وليس بين الطبيعي والوجودي اختلاف. الطبيعية وصف للوجودي. والوجودية طبيعة لكل كائن. وكل كائن طبيعي. العقل الواحدي كائن [طبيعي]. والمتخيل هو من العقل الواحدي أيضا. والمتوهم من المتخيل. المتخيل فاعلية عقلية طبيعية وهي نشاط للمخيلة؛ والمخيلة كائنة [طبيعية]؛ ونشاطها كائن [طبيعي]. المتخيل بعض المتعين وهما وجودان طبيعيان؛ لكن يتباين المتخيل بمكانه. المتخيل نشاط يدور في العقل. غير المتخيل من العياني كائن في الوجود باستثناء العقل. ولمّا كان كل عيان وجودا، فهو واحد واحدية تامة؛ لأن كل وجود هو واحد واحدية تامة. الإدراك يتعامل مع الكثرة؛ ولكن الوعي هو الذي يكشف عن واحدية الكثرة. الوعي نشاط تخيلي يجاوز محدودية المدرك: التخيل يعمق [يوسع] المدرك بنشاطه التخيلي. العلاقة الواحدية بين أخوين ليست مدركة؛ ولكن العقل – التخيل – يعيها بنشاطه التحليلي التركيبي. ووعي العقل التخيلي عيان وجودي منماز بمكانيته؛ أي: بأداتيته الخاصة. العقل يعي واحدية الكثر: كل واحد كثر؛ كل واحد – منا – له أعضاء وأحوال وشهوات وغايات. وتكوّن من عناصر متعددة: من أم ومن أب ومن جغرافيا ومن زمان ومن تراب ومن شمس ومن هواء ومن ماء.. وهذه عوامل مدركة.  كثرة العوامل التكوينية لفرد لا تنفي أنه واحد. الواحدية انتظام كثرة عوامل مدركة في نسق؛ النسق غير مدرك؛ أي: لا يقبل الإشارة إليه بقولنا: هذا الشيء الذي نراه أو نلمسه أو نسمعه أو نشمه أو نتذوقه هو ما نعنيه بقولنا: إنه نسق. النسق مقولة نترجم بها وعينا بوجود علاقة [واحدية] بين عوامل كثيرة، ندرك كل منها على حدة، ولا ندرك [بالحواس] وجود العلاقة؛ ولكننا نعي فاعليتها. ونعي أنها $العامل# المغزول به عوامل كثيرة بمغزل الواحدية. النسقية الواحدية تتجاوز $إنفصالية# العوامل التكوينية الكثر. في $الواحد الغير# الماء ليس هو الماء، والهواء ليس هو الهواء.. الماء والهواء في $الواحد الغير# مباينان للماء والهواء كعيانين لكل منهما وجوده (المستقل)؛ أي: وهما وجودان تامان. في $واحد# غير الماء والهواء هما ليسا وجودين تامين؛ هما عاملان في وجود تام ليس هو الماء أو الهواء. في الإنسان لا يوجد الماء منفصلا عن العوامل اتكوينية الأخرى للإنسان؛ والوجود (المنفصل) غير الوجود غير (المنفصل). فاعلية الماء المنفصل ليست هي فاعلية الماء المرتبط مع عوامل أخرى مكونة لعيان آخر غير الماء. الارتباط ليس موضوعا للحس [الإدراك]؛ هو موضوع للوعي [العقل الواحدي]. الإدراك (عقل) ضيق، والوعي (عقل واسع [عميق]). بالإدراك نتوهم وجود الماء (منفصلا)، وبالوعي يتبدد وهم (الإنفصالية). لا عنصر في الوجود هو منفك عن الإرتباط بالغير. الماء لا يكون ماء إلا تحت ظروف واسعة معينة. إذا تغيرت ظروف المناخ لا يبقى الماء ماء؛ فيتبخر أو يتجمد. الإرتباط بما هو واسع عامل تكويني في كل فعل [كينونة]. لا نحس بهذا العامل لأنه واسع ولا بد من فاعلية واسعة لوعيه؛ والحس فاعلية ضيقة: عقل ضيق. الوعي [العقل الواحدي] لا ينفي النشاط الإدراكي / وجود الكثرة؛ الواحدية تتغور الكثرة إلى مستوى واحديتها. الواحدية تعمق الوجود الفردي بالكشف عن جذوره الضاربة في الطبقة الأصلية / الصميمية للوجود المطلق الفاعل الحر المبدع السلام. العقل الواحدي يكشف للفرد قيمته العليا التي هي موروثه من الأصل الكبير الخالد. العقل بصيرة الوجود؛ والعقل الواحدي يتبصر الطبيعة الوجودية – بكثرتها – ويعي توجه فاعليتها ليستهدي الإنسان بالحقيقة كما هي في الكينونات المتباينة والمتسقة معا، وفي آن واحد: في ومض لا ينقسم. العقل وعي بما هو كائن، وبما يمكن أن يكون: هو وعي بالمتحققات وبالإمكانات. الفردية عيان واحدي مرتبط بالعيانية الوجودية. والعيانية الوجودية هي فعلية الفاعلية الوجودية المطلقة بالحرية. الفردية مرتبطة بالفعلية التي تخلقها الفاعلية المطلقة الحرة. علاقة الإرتباط اكتشاف عقلي. العقل [الواحدي] يوسع وجودية الفردي بالكشف عن ارتباطاته الوجودية بالمطلق الحر. يكشف العقل الواحدي – أيضا – عن الأصل الواحدي للفردي، الذي لم يكن إلا بفعلية وحدت عوامل متعددة. العقل الواحدي يكشف – كذلك – عن أن استمراية الفردي مربوطة باستمرارية وجوده في نسق واحدي يجمعه مع الفرديات الأخرى التي هي فعليات أخرى للفاعل الواحد المطلق الحر الواسع. الفردي يبدأ بفعلية واحدية، ويتواصل وجوديا بفعلية واحدية. لقد جاء كل منا من أم وأب؛ لم يبقيا اثنين بينما كانا يزرعان بذرتنا.. واحدا صارا.. واحديتهما هي وميضنا الذي أبدعنا.. في وميض الوصل بزغ فعل واحدي.. في وميض يلد من وميض يستمر الوصال فنستمر في الوجود.. وعندما لا يصبح في مقدور صدورنا أن تتقبل هواء جديدا تنثرنا الحياة في المدى الوسيع.. تنتهي الحياة الفردية عندما تفشل الفردية في مواصلة فتح المداخل والمخارج بينها وبين الوجود الواسع.

الواحدية حقيقة الوجود الطبيعي / الطبيعي؛ ومطلب الوجود الطبيعي / الإجتماعي. الإتصال المبدع بين أبي وأمي، لم يكن طبيعيا / طبيعيا وحسب؛ كان طبيعيا / اجتماعيا أيضا. تواصلا ليدعما مشروع أسرة تربطها العلاقة الواحدية. وتواصلا بمشروعية اجتماعية تضمن أمن الأسرة التي أسساها ومنذ اللحظة الأولى بفعل اتصالي انفتح [انكشف] به كل منهما على الآخر انكشافا فاضحا [صريحا]. النظام الإجتماعي ينبني على علاقة الإنكشاف الفاضح بين مرأة ورجل؛ انكشاف هو فاعلية الشوق للتمام الوجودي الذي يحصل بالسلام. إن من ينجبا بنات وبنين يرجوَا لهما الأمن والسلام. فعل الإنجاب يتطلب الأمن والسلام. نظام الأسرة مسعى اجتماعي لتوفير متطلب الأمن والسلام للوجود المتجدد. السلام هو الغاية القصوى لفاعلية الوجود . السلام – في الرؤية الواحدية كما نتبناها – حاصل تلقائي لانفتاح الفرد على الفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. فعل التواصل – الأنثوي الذكري – انفتاح طبيعي / طبيعي [وطبيعي / اجتماعي] بين فرد وفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. السلام الإنساني مطلب يحصل بالوعي بقيمته الوجودية / الإنسانية. بالسلام ينعم الإنسان بالأمان الذي يوفر له متطلبات الوجود الإجتماعي بالعدل. السلام الإجتماعي [الذي يحصل بالإرادة الإنسانية الواعية] يفسح أمام فعل التواصل – الأنثوي الذكري – المدى الواسع للاستمرار الوجودي الذي يكرس وميض الإبداع الأول: لحظة ذوبان الثنائية الأنثوية الذكرية في واحدية زمانية لا تنقسم، وواحدية عيانية أعطت واحدا لا ينقسم.

ولا يقوم اجتماع بشري إلا بالواحدية: من وصلة الغرام والشوق بدأنا.. ولولا أنك تحصد الزرع وأنا أشعل نار الفرن ما طعمنا ولا بقينا.. لولا أني أجمع قمامة بيتي وبيتك، وأنت تدير دفة الحكم من فوق الكرسي الكبير، ما استقام لنا شأن ولا تدبرنا أمرنا.. فلا تتوهمن أنك الأشرف الأكرم.. فلولا أني أعفيك من أوساخك لهلكت – أنت وأهلك ومن تعشق – بذبابة أو أوهى.. ولولا شروق البدور ما تبينّا ظلمات الرؤوس والصدور..

(13) العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها..

دور العقل الواحدي هو التنبيه على حقيقة الأصل الواحد والكيانية العلاقية الواحدية للوجود المتكثر؛ ومن ثم، الدعوة إلى واحدية جماعية / إنسانية تتحرر بالشوق إلى السلام لتتسق الحياة الإنسانية مع الحقيقة الطبيعية للوجود. إن من يخالف الطبيعة يودي بحياته إلى التهلكة. دعوة الواحدية هذه، هي رسالة الواحديين وجماعة الواحديين.. هي أمانة في أ‘عناقهم يحملونها إيمانا بها باعتبارها حقا وواجبا وحبا للإنسانية وإيمانا وحبا بالوجود المطلق الحر الواسع. الواحدي ذو رسالة رسالته العقل الواعي بالأصل المشترك وبالكائن المشترك وبالمصير المشترك للإنسانية. هذه الشراكة مصدر إيمان الواحدي بالحب والعدل والسلام. والواحدي بهذا الإيمان مثالي النزعة؛ حالم بتحقق وجودي يتراجع فيه الظلم والجهل والعدوان. مسوغ حلم الواحدية الطبيعةُ الوجودية الفاعلة الحرة المبدعة ذاتها كل حين، إبداعا جماليا ينير زوايا القبح ويفتح جحور الإنغلاق لضياء الشمس؛ فيحرر الذوات من قابلية الهلاك ومن وهم الإنفصالية. الواحدية حلم يصل الأبعاض بالإنفتاح على الأصل الواحد انفتاحا جماعي الفاعلية مبدعا للسلام؛ هي حلم بانفتاح الأبعاض على أزلية وسرمدية الوجود انفتاحا عقليا / عيانيا موازيا للإنفتاح الطبيعي الأصلي للعيني على الوجود الواسع الممتد من الأزلية إلى الأبدية. الإنفتاح الواحدي انفتاح بالشوق (الطبيعي) لحالة متخيلة بالعقل. ليس بين العقلي والطبيعي تضاد؛ العقلي طبيعي [حالة للطبيعي]. العقلي هو جمال الطبيعي ولطافته وأفقه ومقداميته؛ هو المشرّع وهو النبض الحيوي. العقل الواحدي رؤية تنبع من الأصل المتخيل للعقل الجامع للأبعاض، المتغلغل في الكينونات، المتعمق إلى أوسع المدى الوجودي الكائن والممكن؛ بإمكاناته – الضمير للعقل – الحاصلة وإمكاناته القابلة للحصول. وكما الوجود يسري، بذاته، في ذاته، من ينبوع الأصل الواحد، وتتواصل وجوديته في مفاصله وأعضائه الطبيعية / الطبيعية، والطبيعية / الإجتماعية؛ كذا العقل الواحدي يسري – بالتخيل – من الأصل إلى المفاصل والفقرات، ومن الكائن إلى ما يمكن أن يكون؛ من وميض كان إلى وميض كائن إلى وميض سيكون. وكما الوجود واحد كثر؛ فالعقل الواحدي واحد جامع للكثر جمعا عضويا [لا كوميا]؛ جمعا يرى الفاعلية الواحدة في فعل وفعل وفعل.. كل فعل هو فاعلية الفاعل على قدر وساعة الفعل، الذي تتقدم وساعته بتعمق انفتاحيته على الفاعلية المطلقة بالحرية؛ هذا التقدم الذي يحصل – أساسا –  برؤية عقلية واسعية كما الرؤية الواحدية التي نتبنى الدعوة إليها. وكما الوجود واحد متجدد فالعقل الواحدي متجدد بتجددية الوجود بقدر ما يسهم – العقل – في تجديد الوجود، بلزوم العلاقة العضوية الحميمية بين الوجود والعقلي؛ أي: بلزوم بعضية العقلي الوجودية. يتجدد العقل الواحدي بالحرية الوجودية المطلقة التي هي صميم الوجود (الذي منه العقل). العقل الواحدي ليس مغلقا. لا يزعم الواحدي أن الحقيقة [كلها] تنكشف دفعة واحدة وإلى الأبد. لا يسلم الواحدي بدعوى من يدّعي أن الحقيقة مملوكة له دون الناس. العقل الواحدي – في رؤيتنا – يعي أن الفاعل الحر المطلق لا ينحصر بكليته في فعل من أفعاله؛ الفعل لا يحد الفاعل الحر المطلق. الحيقيقة هي وجودية الفاعل الحر المطلق بكاملها؛ هذه الوجودية لا يستوعبها فعل من أفعال الفاعل المطلق الحر. الفاعل يتحقق بأفعاله؛ لكن أيا من أفعاله لا تحققه بالكامل. ولو تحقق الفاعل بالكامل لما كان مطلقا حرا؛ لو تحقق الفاعل بالكامل لتحدد بتحققه ولما صح أنه متجدد متدفق سرمدي. الفعل يضيء خبيء الفاعل، لكنه لا يفضح حقيقته كلها؛ لأن الفعل غير مطابق بالوجود للفاعل. العقل الواحدي – شأن كل عقل آخر – فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة. ولكل كيانية امتيازها، وامتياز الرؤية الواحدية انفتاحها على الحقيقة؛ نوكد: انفتاحها على الحقيقة لا احتكارها للحقيقة. ما نؤمن به عقيدة لنا، عقيدة مفتوحة لا تزعم انها الحق المطلق؛ ولو زعم الواحديون أنهم الجماعة التي تحتكر الحق المطلق، فهم – بهذا الزعم – ينقضون دعوتهم من أساسها. أساس الدعوة الواحدية هو الحرية النابضة من الحب والشوق  إلى التمامية. والحب والشوق للتمامية مقولة واسعة تحتضن كل أولئك المتمتعين بحق الوجود؛ وهو حق يؤمن بأنهم أحرار لا عبيد لغير. ومن كان حرا فهو بعض الحقيقة الوجودية: حقيقة أن الوجود فاعل حر، وأن الفعلية [الفردية] كيانية الحرية. العقل الواحدي فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة، هو تكشف من تكشفاتها،هو تحقق من تحققاتها، يتجدد بها معها، يتفتح ياستمراريتها، يتوسع بدأبها على التنامي بالشوق إلى انسياح ذاتها بذاتها في ذاتها. فاعلية العقل الواحدي من فعليته الواعية بانفتاحها على الواحد المطلق المتدفق، كل آن، خلقا جديدا يتجدد به الواحد الفاعل بالتنامي [الذاتي في الذاتي]. فاعلية العقل الواحدي لا تطابق فاعلية الوجود المطلق بالوساعة؛ ولكنها شوق التلاحم مع الفاعلية الواحدية بفعلية ذات طبيعة وجودية صميمية تُستقى ، بدون كدر، من الطبيعة الصميمية [الجامعة] للأبعاض؛ طبيعة الواحدية المتجددة، لا (الواحدية) المعطاة مرة واحدة وإلى حد النهاية. واحديتنا لا تفرض للوجود حدا ونهاية: واحديتنا رؤية منفتحة بالغير على الغير، ومع الغير على الكل.. الواحدي منفتح على الغير، قابل للتجدد بوعي.. هو دم حر.. حار دفّاق..

(14) تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتَصْـلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود..

الإنفتاح على الغير صلاة النار والنور.. تحرق النار مغاليق الآنات، فتصير الآنات ومضا هو النور. تحرق الصلوات الهاوياتِ الفاصلةَ فيسيل الزمان ومضا يشعله ومض.. يصير الزمان نورا في السماوات والأرض.. يصير نورا يضيء حدودي وحدودك.. نورا واحدا تصير حدودي وحدودك.. من النور يصير قلبي وقلبك [عقلي وعقلك].. يصير عقلي وعقلك [قلبي وقلبك] ضياء.. نبع ضياء يصير الواحدي.. النور عن النور لا ينفصل.. النور واحد.. الوجود كله نور.. إذا أحببتك كما نفسي وأكبر، نورا كلي أكون.. نورا كلك تكون.. نورا – معا – نكون.. نور الصلاة نكون.. الصلاة انفتاح بالحب.. بالصلاة ننفتح علينا.. على الكل المطلق الحر الفاعل المتشوق لتمامه ننفتح؛ به ننفتح.. النار تحرق قبحنا ونورها يبدد ظلمات الوجود فيبدع جمالنا.. نور النار يضيء جيوب الركود في مستنقعات الوجود.. الماء الآسن يستضيء بالنور ويغدو روحا من العقل فينمو الحب أكبر.. وتزدهر الواحدية..

(15) الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل..

إذا نما الحب أكبر، فليس لأحدنا مال يستوجب الزكاة.. زكاتنا – نحن الواحديين – تنامي أرواحنا.. تناميها للروح الواحدة.. زكاتنا من زرع صدورنا، وانطلاق عقولنا من إسار الجهالات فيكون بذلي في سبيلك وبذلك في سبيلي صافيا.. إنا نبذل البذل وفوقه.. نبذل المحض العميق، فيصير بذلنا من ذروة الوجود؛ يصير حرية.. يصير إنفاقا لما سوى الومض..

(16) سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق..

فإذا صار البذل حرية سرت الروح في مطلق الوجود، تسري حرة لا تحمل الهوى ولا يحملها على الطلب.. فلا يطلب الطالب إلاّ صمت العمق الأعمق.. البحر الذي لا يبدأ ولا ينتهي.. بحر الحرية من شوائب التعلقات.. في بحر الحرية تغدو الروح وتجيء ولا تغدو ولا تجيء؛ بحر الحرية نور صاف يتألق بالعشق الذي لا يشوبه الهوى ولا يرجو مزيدا.. بعد العشق المتألق بنور الحرية الصافي ينقطع المدد.. يتحرر البعض بالكل.. الكل الغني بذاته.. أنا بك غني.. أنا بك ممتلىء، وأنت بي ممتلىء؛ تلك حريتنا.. هبني محضك أكن محضك؛ فماذا يشوبني بعد؟ لا شيء وقد غدوت أنا أنت وأنت أنا. حريتك تمامك.. وحريتي تمامك..

(17) كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض..

الحب المتورد على الوجنات وفي العيون هو شموس الحرية وأقمارها وأية التمام.. نبدع التمام بالحب الذي يسقى زرعا وتتفتح به الأزاهير.. بالحب نبدع التمام فتبدعنا الحرية.. الحب لا أن أملكك ولا أن تملكني؛ الحب سعادة إبحار زورقينا في القلب العميق الواسع المتدفق للمحيط الهادر مالىء الوجود.. فإذا ولجت بإبحارك محضي [قلبي] تفجرت ينابيع السعادة في قلبك وقلبي.. ها أنت بسطت الصفحة البكر فرسمت منها بكارة متجددة.. إن فضضت بكارة جددت البكارة؛ إن فضضت بكارة فأنت حامل الشمس، أنت فاتح الزاوية النائية.. أنت حامل شرور النفس على أن ترحل وتبيد.. وهذي هي السعادة.. السعادة نورك يصل نوري، ونوري يصل نورك؛ فلا ظلمات بعد تفصلني عند أو تقصيني عن حبك وتقصيك عن حبي..

(18) صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر..

السعادة صوفية الواحدية. الواحدية – في وجه من أوجهها – تصوف عقلي، أو عقل متصوف. وما يبلغه الصوفيون برياضة النفس، يعيه الواحديون بالتغور [=التوسع] العقلي. الحقيقة مشاع لكل طالب، بكل منهاج شرطه الحريه. الصوفية ممارسة المشاعية، ينهجها الصوفيون الذين بلغوا درجة التسامي فوق شهوات الأنا المغلقة الظلوم؛ فلا يملكون إلاّ وميضا. ومن يملك الحقيقة لا يعوزه سوى الوميض. الحقيقة وجود فاعل مطلق لا تقيده الحدود ولا يفنى بفناء اللحظات. الحقيقة وجود واحد: وتر يرقص كل ومض رقصة التحرر من حالات الجمود.. الحقيقة روح يهز الشوقُ خواصرَها بنغم الخلود، بموسيقى الحب العميق للحقيقة ذاتها. الواحدي شاعر يبدع أيات الجمال بوجدان لا يفارق العقل.. بالواحدية تتناغم تحققات الإنسانية: عقل ودين وشعر.. من تحققات الإنسانية تصدح الحقيقة متأوهة جذلى.. في هدأة الليل ومطالع الأصابيح: الروح جذلى بسعادة الحرية.. الحرية أجمل البديع وأعمق غايات الوجود. يعشق الواحدي الجمال؛ فالجمال شوق الإنسانية وشوق الوجود إلى امتلاك حقيقته امتلاكا متحررا من الفناء.. بالتجلي التام لإمكاناته..

(19) واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار..

الواحدي الذي يتشوق إلى التجلي بالحقيقة التامة ينشد التحقق بالوساعة الوجودية المطلقة التي هي أصل الوجود لكل فرد وأفق الوجود للكل والفرد. هذا المنشد الواحدي يحرر من التورط في معركة تخوضها النفس لحيازة مملوك غير الوميض. كل مملوك غير الوميض عبء على الكاهل يشل الحركة المتجاوبة مع الحقيقة الكلية المطلقة؛ حقيقة أن الفردية فعل وجودي واحدي حر من القيود المفروضة على الفاعلية. الملك – زيادة عن الوميض – قيد على حرية الفردية، أو قسر لها على التعاكس مع الحقيقة الوجودية المطلقة [=الحرة]؛ والذين يجدفون عكس تيار البحر العارم، إنما يجدفون في تعاكس مع تيار الحياة المتطابق مع وجهة الكل المطلق. لا يبذل الواحدي كرامته في طلب رزقه، لا يعطي حريته الأصيلة مقابل عبوديته لظالم جائر على حقوق الغير: ظالم جائر باستحواذه على ما ليس له؛ علي ما يزيد عن الوميض. الواحدي يطلب الحق الذي هو له بقانون الحقيقة المطلقة التي هي أصله ووسيلته ومنشده؛ يطلبها بروح العظيم الذي لا يصغر قبالة الصغار (بكسرة على الصاد) وقبالة الصغار (بفتحة على الصاد). بهذه الروح العظمى، الواحدي أكبر من الطلب بمذلة؛ فهو فوق المطلوب وسيد المواقف.. فلا يهن ولا يجمد ولا تشوب بياض صفحته مشاعر الحسرة. إن يطلب يفعل ذلك بالحق الذي هو له، وبحقه في الوميض. الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار، وعو في عميقه، لا يطلب ولا يدبر. ومن لا يطلب ولا يدبر لا يقعد في وجه تيارات الكدر. وكيف يطلب الواحدي أو يدبر وهو النسائم الهفهافة على أجنحة موج البحر العميق الهدار؟! من أين يأتيه الكدر والكل كله؟! حقيقة الكل محوزة له، كما هو للكل سواء بسواء؟! مطلوب الواحدي لامحدود، مطلوبه المطلق [المتحرر] والمطلق يعطي ذاته كل ذاته، لا يضنّ فلا مضنون به لدى المتحقق بالحرية. الخلق من أصله كرم المطلق، الخلق فاعلية مستمرة وكرم المطلق مستمر باستمرارية الفاعلية الخالقة. الكرم من فاعلية الخالق التي لا تفارق ذاتيته. الكرم طبيعة الحرية الفاعلة المطلقة تعطي كما تشع الشمس ضوءا على المشارقة والمغاربة والدانين والقاصين.. من الثقة والطمأنينة نفس الواحدي مجبولة.. ومملوءة بإيمانه أنه تجلي الحقيقة في أبهى الصور؛ أي: هو الحقيقة في أوسع تجلياتها وأعمقها.. هو الحرية المنشودة.. هو السلام..

(20) الواحديون أمة مشرّعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل..

وبوساعة الواحدي، فإن الواحديين أمة لا تتقاسم الحقيقة قسمة ينكفىء بها الفرد على فرديته في منغلق له يقصيه عن حقيقته وحقيقة الكل. الواحديون أمة مفتوحة لا تغلق لها أبواب ولا نوافذ. تستمد الجماعة الواحدية مشروعيتها من استجابتها الأصيلة للحقيقة الأصلية. والحقيقة الأصلية شمس لم تتخلف عن الشروق منذ الأول. كل يوم هو يوم جديد بإشراقته، بأمله، بفاعلية تتقدم نحو وساعة أكبر. أما أولئك الذين يغلقون على ذواتهم أبواب ونوافذ الظلمة، فهم المحجوبون عن تجدد الإشراقات والآمال، الكافرون بالحقيقة. دين الواحدي عقل منفتح متنام. ويوافق الواحدي على أنه ليس بوسع العقل الفردي امتلاك نواصي الحقيقة كلها؛ فالعقل فاعلية للكل، وفاعلية الكل منثورة في فعل وفعل وفعل.. والذين يغلقون على أنفسهم الأبواب والنوافذ، يقترفون خطيئة الجهالة التي توهمهم أنهم ملكوا النواصي.. فلا حقيقة ثمّ أكبر مما اغتصبوا(؟!).. ولا شمس ثمّ غير ما اكتنزوا(؟!).. أما المنغلقات فقبور وإن كان أهلوها في حراك! الواحدي منفتح بالحقيقة، عليها، بالشوق إلى التجلي بها كل يوم وكل ليلة. الواحدية مشاعية الشموس والأقمار.. فلا اسوداد يشوب صفحة الواحدي وصحفته، لا الوسن يكدر ماءه.. تبدد الشموس والأقمار كل ظلمة ووسن.. الحقيقة وضاءة وبراءة.. ووضّاء بريء طالبها..

(21) التعلم فضّ بكارة ودم يروي ظمأ البادرات..

التفتح المتنامي هو فاعلية الواحدي العقلية. العقل الواحدي، كل آن، وكما الوجود كله، بكر، والفاعلية تفض بكارة ذاتها كل ومض. نحن، بالتعلم، نقتحم مجهول الوجود؛ نقتحمه بشمس جديدة هي بكر أيضا. الكائن بادرة غضة رواؤها دم يكسبه العقل بتجدده؛ باستجابته للفاعلية الوجودية المتدفقة المتجددة دوما. ولادتنا فعل له نهاية، لكنه فيل يبطن إمكانات الأصل الذي أبدعه؛ إمكانت الفاعلية الحرة المطلقة. الفاعلية ليست كينونة واحدة، إنها كينونات. وللكينونة الوجودية حد. عند هذا الحد تجاهد الفاعلية للخروج من مأزقيته (من مأزقية الحدية)، بقوة طبيعتها الحرة المطلقة الكامنة؛ فتتواصل ديمومتها. وباختراق الفاعلية لحد الفعلية (الكينونة) يفض الكل بكارة جديدة بصيرورته كينونة جديدة. هذه الحركية الوجودية هي حركة العقل أيضا. فما هو أصلي مطلق في الكل، لا يتخلف عن التحقق في الفردي.

العقل كينونة فردية؛ هو أداة التفتح التي تنجلي بها وساعة الوجود الأصلية المطلقة. العقل يخلق من الكائن بالإمكان كائنا مستقلا. الكينونة المستقلة حد، لكن العقل، الذي هو أداة لواسعية الوجود، لا يفنى عند حدية الكينونة المستقلة. العقل متدفق كما الوجود الكلي الذي لا يجمد في حال. العقل الواحدي لا يجمد في حال. الجمود هلاك. والعقل الواحدي ممتنع على الهلاك لارتباطه الحميم بصميمية الوجود المطلق الحر. وكما الوجود الكلي لا ينكشف دفعة واحدة، فالعقل لا يكتشف الحيقيقة العلمية دفعة واحدة. يلد كل منا باستعداد عقلي، لكن التنمية العقلية مهمة تقوم بها الحياة ابتداء من درجة الاستعداد الأولي الفطري. الحياة مجال تنمية العقل؛ والعقل أداة تنمية الحياة. العقلي مرتبط، بحميمية واحدية، مع الحيوي. العقلي أصفى تجليات الحيوي. قد يقوم سبب يعيق فاعلية العقل، فتكون ثمة حياة بلا عقل؛ لكن مثل هذه الحياة لا تصنف كحياة إنسانية. الحياة الإنسانية عقلية. وقد بزغ العقل منذ بزوغ الفجر الإنساني، بموازاة تامة مع بزوغ الفجر الإنساني ببزوغ العقل. العقلي والإنساني كيانية واحدية. واحدية الجسدي والعقلي الإنسانية هي الدرجة التي بلغ بها الوجود – حتى الآن – تمامه. الوجود الإنساني يتنامى بالعقل؛ الوجود الكلي يتنامى بالعقلي الإنساني. العقل ينمو بالتعلم. التعلم فعل توحد العقل بقانونية [حركية] الوجود ذات المجال المطلق. توحد العقلي بمطلقية الوجود هو دم التنامي الوجودي العقلي والوجودي الكلي؛ التنامي الكلي مطلقا..

(22) التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل..

والتعلم الذي ينفتح به الفردي على ما وراء حدود الفعلية عملية مجتمعية معطاة للحاجات البشرية وللكينونة التطورية للمجتمع والفرد. التعلم تكيف بشري مع الوجود الأوسع يدافع به الفرد عن كينونته التي تتهددها عوامل حبس الفعلية داخل حدود عازلة عن سريان الفاعلية. التعلم انفتاح الفعلية، بالفاعلية، على الفاعلية. الفعلية الأولى  [الوميض الأول للفاعلية لفعلية ما] هي “لبن الأصل”. الفاعلية الحرة المطلقة هي “الأصل”. فاعلية الأصل لبن يسري من فعل إلى فعل؛ سريانا للفاعلية من وميض إلى وميض. والوميض فعل للفاعلية المطلقة. لبن الأصل قديم، والأصل قديم؛ قديم متجدد. لبن الأصل متجدد. يتجدد الإنسان بالتربية التي هي فعل اجتماعي يتهذب به الحيواني في الإنسان بفاعلية القيم الإجتماعية المتطورة عن الأداء الوجودي الحيواني. الحيوانية لا تغيب في الإنسان؛ الفاعلية الوجودية في الإنسان فاعلية حيوانية أوسع [=أرقى] منها في الحيوان. التربية – بالتعليم – هي أداة صيرورة الفاعلية الوجودية من الحيوانية إلى الإنسانية. “التربية تحلية بالعسل [تهذيب] للبن القديم”. التربية توسيع للحيواني بالعقلي؛ هي تلطيف الفعل الوجودي الكثيف واقتراب من الصفاء المطلق بالحرية التي ينماز بها السلوك العقلي المتحرر من محدوديات المطلوب بالشهوات إلى وساعة المطلوب بالعقل الواحدي: السلام والجمال. العقل الواحدي فعل يناضل للتفلت من المأزق الوجودي الذي يناضل الوجود الكلي، كل وميض، لاستيعابه. هذا العقل الواحدي المناضل قبالة الفناء، اغتذى من لبن الأصل ابتداء؛ ويطلب لبن الأصل مرة أخرى طلبا توحديا يعطي لبن الأصل معنى الحرية المطلقة. اللبن الأمومي والعسل عطاءان خالصان لا يقبض معطياهما ثمنا له، هما عطاءان صافيان وبصفائهما – كما يعي العقل الواحدي – يصفو العاقل (بعقل واحدي). معطيا لبن الأمومة والعسل (وهو لبن أمومي أيضا) يجنيان السعادة القصوى بفعل عطائهما؛ فيتحققان تحققا وجوديا تاما. لبن الأصل هو لبن التحقق الوجودي التام؛ بالتربية الواحدية يكون للبن الأصل فعله الوجودي التام. تحلية لبن الأصل بالعسل هو فعل تربوي واحدي: توحيد النافع بالحلو [=المحبب] والإنساني بالحيواني [العسل منتج حيواني] بالنباتي [غذاء العسل نباتي] بالجماد [وعاء العسل جماد]؛ توحيد عوامل هي معطيات حرة من المقايضة السوقية؛ معطيات الحب الأمومي: الحب الأكبر..

(23) الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان..

التربية الواحدية عقلية أخلاقية. هي انفتاح – بالعقل – على ما هو أكبر من الفردي؛ أي: نسج علاقة حميمية بين الفرد والكل فردا فردا. الصدق لحمة العلاقة التي تربط هذا بهذا. والواحدي صادق بطبيعته الواحدية؛ بطبيعة نشدانه الحقيقة للتحقق بها. الذين يتحلون بالصدق هم الذين يملكون القوة على التجرد من الأقنعة التي تفصل الفرد عن أمه الكل.. هم الذين يملكون شجاعة يقتحمون بها المجهول طلبا للحقيقة.. هم الذين يقتحمون النار المتلظية عرايا ليروا الحقيقة عارية من زيوف الوهن. الأخلاق الفاضلة تبني واحديا فاعلا ليس مدعيا كاذبا مشطورا منافقا وبوقا وأجوفا بلا مضامين اجتماعية. الواحدية رؤية جامعة، فهي أكبر من محيط العقلي، وفاعليتها تترامي من العقلي إلى السلوكي. قد نعي الحقيقة دون أن نتحقق بها. الأخلاق الواحدية مؤسسة على الوعي بالحقيقة، ومزدانة بجمال تطبيقها والتمثل بها. هذا التطابق المنشود بين الوعي والسعي حميمي إلى درجة تصير به الأخلاقية كينونة مطبوعة في العقلي؛ إل درجة ينعجن فيها العقلي بالسلوكي، فلا يتمايزان. وبتوحد العقلي بالسلوكي تصير الواحدية “عقدا منقوشا من الياقوت والياسمين على جيد الحسان”.. ستكون جيد الحسان فوّاحة بالعطر الطبيعي الأصلي؛ فواحة بالجمال، داعية إلى تعميق شوق الوجود بالصيرورة من تمامه إلى تمامه.. دعوة لتعميق فاعلية الفعلية.. وعلى جيدكن أيتها الحسان أبني عشي وأرعى حبي وأنطلق في المدى حرا بالفاعلية الصميمية..

(24) الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح..

الحقيقة علمية جمالية.. بالعلم نطوي المسافات الفاصلة بيننا وبين الحق.. بالعلم نروح ونغدو بالحق.. نروح ونغدو عرايا من جهالاتنا.. بالأخلاق الواحدية نروح ونغدو عرايا من ظلاماتنا.. بالحقيقة الواحدية نروح ونغدو نرقص في الهواء الطلق على ألحان موسيقي تنبعث ألوانا من عواطف الوجود، آتية من الأعماق والآفاق، بريئة براءة العري القديم.. نرقص في أنغام الصبح المشرق فينا بالأمل المتجدد بالشوق إلى التمام.. نرقص لينفتح التمام على التمام.. عرايا نراقص الحقيقة تحت سماوات الحقيقة.. لماذا نحجب الحقيقة عن الشموس الساطعة وقد غدونا نحن الحقيقة في أوسع مراتبها؟! ماذا يحجب الثوب من عيوبي والثوب لا يستر أنياب الذئاب؟! إن لم يطهرني الثوب من شهوة أكول تحسب الآخرين مأكلي وملبسي ومسكني ومنامي، فالثوب جريمتي وأكذوبة أجدادي وأمهاتي! الحقيقة أنت ناهض وأنا ناهض.. أنت الحقيقة وأنا.. أنت الجمال أنت جمالي وكمالي.. فينا جمالنا وكمالنا.. فينا يرتسم الجمال عاريا.. فاهتكوا أستار الكذب يبعثكم الشوق إبداعا عارما.. عراة من أقنعة الأكذوبة ولدنا.. كنا قادمين من الحقيقة الناصعة للتو.. تعالوا يا ثلة العشق نعانق الحقيقة العارية من ضلالاتنا لينبلج بنا نور في الليالي.. لينبلج بنا حب ترقص له الشموس والأقمار والأزاهير والبحار والجن والطين والحيوان..

(25) الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا..

إجمعوا يا ثلة العشق مالكم.. تعالوا ننثره في الأرض لينبت زرعا لنا.. لا تكنزوا عذابا منه تعطون فتحسبون أنكم الكرماء.. إن كنزتم ذهبا وفضة أكلتكم النار.. إصنعوا من الذهب والفضة عقودا زينوا بها صدور الحسان وراقصوهن بشوق الأصابيح.. أجورا لا تعطوا.. إن تعطوا فلن تعطوا إلا من ذهب مكنوز، مسروق.. أعطوا لبن الأصل عسلا ينبع من قلوبكم بشوق التمام إلى التمام.. تمام الحقيقة المطلقة العارية الجميلة.. إن أبقيت في جعبتك ذهبا وفضة أبقيت لك ولنا شقاء وتهلكة.. أنت عاق إن اقترفت إثم التملك لغير الوميض، ستجفوك الحقيقة فقد جفوتها.. تغتصب حق إخوانك ثم تعطيهم ليقال أنت كريم.. بل لئيم أنت.. أنت الظلوم.. فلا يهلكنّك ونحن الفناء.. المملوك فان يفنيك ويفنينا.. أما الشوق، فهو وحده يبقيك ويبقينا.. فلا يخدعنك بريق الزيوف.. تعال، تعالوا إلى حض الواحد النابض بالحب الفياض.. تعلوا لننهض بقانون الحب.. لنمتلىء بالحب..

(26) القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل..

لكل جماعة قانونها. قانون الواحديين غير مسلط على الرقاب. وبه تطاول رقاب المسحوقين الذرا الشاهقات عدلا وسلاما وحبا وجمالا. قانون الحب هو نبض الواحد الكبير. هو نبض يتردد في كل الصدور قلبا مفعما بالفاعلية الحرة الطليقة المبدعة للسعادة المتجددة مع كل إشراقات الأصابيح. لكن البلاء قائم. القصور في كينونتنا بعض كينونتنا. كيف نجبر العظام المكسورة؟ كيف نشق العيون المغمضة لتستنشق نسائم نور الوجود الصميمي؟ ليست الواحدية سراب فكر. بل هي رؤية تسترشد بها جماعة العاشقين للحق والحرية والجمال. ولا تقوم جماعة إلا بقانون يضبط حركتها ويناهض قصور الإنسانية ويقيل عثرات العرج ويعين الواهنين. قلب أمنا الكبرى هو المشرع لقانوننا نحن جماعة الواحديين؛ قلب أمنا ينبض في قلوبنا كلنا.. قلب أمنا الكبرى يد حانية تغسل أوساخنا.. تبدد غشاوة عيوننا..تعالج، بحنان، مواطن الداء ليسلم الكل.. قلب الأم لا يجور ولكن، إذا كان خلل نشطت دقاته بالحب والعدل والسلام ليستقيم من الأمر ما اعوّج.. بحب وعدل وسلام من قلب أمنا الكبير ولدنا.. من قلب أمنا الكبير ولدنا فولدناه..

(27) الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها..

القلب الكبير جامعة الواحديين التي لا تضيق على غير. في القلب الكبير نغدو ونروح ونفيق وننام يجمعنا البيت الواحد أسرة في جوار محمود. أجل، الأسرة جوار محمود.. لا رأس فيها ولا ذنب.. فيها قلوب وشوق.. الأسرة جوار محمود لا مالك يرهن مملوكا أو صيدا يوقع في الشباك صيادا. قوة الذكورة الغالبة اغتصبت أنوثتنا.. زرعنا.. ثم اغتصبت مالا واغتصبت بالمال أنوثتنا.. المرأة لا تشترى.. المرأة معطاء الأزاهير والثمر.. لا مداس هي.. جمال هي فادنوا منه بحقه.. حق المرأة أن تهبكم حضنا يلد الفاعلية متجددة غضّة بضّة.. بالمرأة تلد الفاعلية حريتها.. وكن أبا للكل الذين من صلبك وصلب أخيك نبتوا.. كن أبا في جماعة مفتوحة للشموس والأقمار.. لا تغلق أبوابك ونوافذك دون البراعم في قريتك.. لا تحمل أبناء تمتد باسمك أسماؤهم، لا تحملهم على كاهلك وتمضي في دروب العتمة.. ليكن قلبك، مرتعا لكل القصائد.. مع أحباب الله ارقص وانشد ترانيم الخلود.. صل النسوة كلهن.. لنجعل من أمومتنا وأبوتنا رسالة واحدية.. فلتستولد أبوتنا وأمومتنا ذاتها حبوا وركضا وفتوة.. ولنتقدم من أفق إلى أفق أروى وأصبح..

(28) الموت حياة في حيوات وعشق سائر..

فإذا أبحرنا أسرة واحدة، صار الموت حياة في حيوات وعشقا سائرا.. من أمي وأبي استولدت الفاعلية المطلقة كينونتي.. في كينونتي تحيا أمي وأبي.. في كل أبناء أمهاتنا في مماتي أحيا.. يموت فعلي وأصير فعلا.. وفعلي لا ينتهي.. فعلي مفتوح بالفاعلية المطلقة على الأبدية والأزلية.. أنا فعل عاشق سائر في كل الخلايا.. بحب وشوق للحرية والسلام أنا خالد.. الموت لا ينهيني؛ الموت حيوات يبثها الشوق في كينونات تتجدد بها كينوناتنا.. الموت عشق الفعل للفاعلية فتبذر الفاعلية فعلها في الأرض والسماوات لتنبت غضة بضة مرة أخرى. الواحدي لا يهاب الموت فالموت صيرورة التجدد بالشوق والوصال.. الموت واحدية في ذروتها.. هو تمام التمام.. الموت يزرعني في كل قلب.. الموت ينثرني في بطون إخواني في الثرى، وفي رؤوس إخواني في ذروة الوجود..

(29) الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون..

الموت سلام يتوج حياة السلام الواحدية. الموت ليس نهاية الكينونة لكنه نهاية حديتها. هو بداية انفتاح الفعل إنفتاحا أبديا على الفاعلية يتلقى به الفعل خير الفاعلية المطلق من غير ضن.. وماذا يبغي السلام غير السلام؟ الفعل المنفتح بالسلام في الحياة، فعل منفتح بالسلام في الموت. وليس بعد السلام خير. الواحدية خير في الحياة خير في الممات. هذا الخير يبدعه الحب؛ يبدعه المحبون لا بالهوى..  المحبون بالعقل المستنير بالحقيقة الحرة الطليقة من حديات الفعلية؛ كما الموت حياة منطلقة من حديات الفعلية. الحب هو أداة الانطلاق من حديات الفعلية. الحب أداة تواصلنا وقانون اشتراكنا في قلب كبير مشاع للكل.. ولكل ما يملأ وميضا.. الواحدي منار وارف..

(30) الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر..

لكن السلام الواحدي ليس هوانا.. الواحدي شامخ الهامة رحب النفس عظيم الهمة. يأبى الواحدي الجور ويناهض العدوانية والظلامة ويفتدي بقوته كلها بادرة رهيفة إذا ما عرض لها خطر أو أنهكتها النوائب. هو فرس وفارس مقدام في الخطوب معطاء على تقلب الأحوال.. الواحدي ومض هاد هادر بالشوق والسلام. الواحدية ثورة العقل على السلب والنفي والاحتواء، أداتها الحقيقة الصميمية للوجود الكلي الحر الطليق من نهايات الأنوات المنغلقة المتجمدة في بهيميات الليالي الباغيات الهالكات المهلكات. لا يكون سلام وعلى الأرض مسلوب مقهور. سلام الواحدية حب مناضل لكل جائر. الواحدية لا تبغض وتناضل الجائر حبا للمهضوم وحبا لإنسانية الهاضم رجاء أن يهتدي ويحسن وينبعث حرا طليقا من أوهام ظلامات النفوس.. رجاء أن يستقيم بالعدل فنزرع حقلنا الكبير معا.. ونجني البر والأزاهير معا.. ونصلي ونرقص معا.. ونعشق معا.. ويبدعنا الشوق والوصال ونبدعه معا.. إن الذي يبلع الرغيف وأنا والنسوة والبنات والأبناء نحلم بلقمة نلملمها من أكوام مزابله، هذا الذي سرقنا قد ألهب النار في صدور النار دفء لها لكن النار تأكلك أيها الجائر.. أيها البعض من كلٍ نحن بعضه، دعوتنا سلام لك سلام لنا.. لكن لا سلام ونحن في بطنك.. فليكن سلاما.. سلاما بالحرية والعدل فليكن..

(31) الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل..

السلام ديننا نحن الواحديين. والحرية شريعتنا. السلام حرية والحرية سلام. السلام هو القوة في أسمى تجلياتها. ليس القوة أن يقهر هذا هذه أو هذا ولا هذه هذه أو هذا.. القوة أن نتحررمن شهوة القهر ومن نزعة الانقهار.. القوة أن نتحرر من كل شهوة تجاوز الوميض؛ فما جاوز الوميض خالف الحقيقة الصميمية العميقة. القوة فعل تغدوه وساعة الفاعلية المطلقة وإلى مستوى الحقيقة الصميمية العميقة. من يدين بالحقيقة يملك الكل لكن لا بشهوة الأكول الظلوم.. يملك بعقل طاهر وواع بأن الكل للكل، وأن الفردية تقوم بالكلية والكلية بالفردية. من لا يملك شهوة أكبر من الوميض يملك الحرية له ولنا، يملكها ملكا يحرره من ظلامات نفسه ومن حدية الآن وجمود الفعلية. وكل دين لا يكون سلاما وحرية ليس دينا.. إن كل الأرض لنا، لنا سويا.. أما الجائر فمجاف للحقيقة معاد للفاعلية التي أنجبته وأنجبتنا وأنجبت معنا حقوقنا على قدر سواء.. كلما يلد ولد، يلد بحقه التام في الوجود التام.. ولا يتم الوجود لوجود ما بقي فينا جائر يأكل حقه وحق غيره. ما بقي فينا جائر فلا سلام.. ودين يعطي لأيٍ حقا غير حقه، والحق وميض لا أكبر، هو ليس الدين.. دين لا يبدع السلام ليس دينا.. ليس ديننا.. دين لا يأتي بالسلام لن يأتي بالحرية والعدل والحب والجمال..

الأرض حق لنا كلنا. حقنا في الأرض كلها حق من الحق الأصلي العميق الواسع. ومن هذا الحق العميق الواسع حقنا أن نزرع الأرض سويا ونحصد خيرها سويا. إذا كانت الفاعلية المطلقة [= الحرة] للوجود هي الحقيقة العميقة الواسعة، فإن الفعلية هي وجودية الفاعلية المطلقة. نحن فعلية لفاعلية الوجود المطلقة. الفاعلية فاعلية بنا. فينا من الفاعلية بقدر ما تسع فعليتنا. الفاعلية حرة مبدعة إبداعا متجددا؛ فعليتنا إذن، مبدعة إبداعا متجددا. ومن الإبداع أن نحرث ونغرس ونسقي. من لا يفعل ذلك يجافي الحقيقة العميقة الواسعة. من لا يفعل ذلك يحد الفاعلية الحرة المطلقة بجمود فعليته. الفعلية الجامدة لا حق لها في شيء غير جمودها وما يترتب عليه من هلاك. لا حق لهالك في الحياة. الجامد يفقد فرصته في الحياة الفردة، وتأكله نار الفناء وتذرو الرياح رماد جسده في الأرض لتثمر الأرض بفعلية أخرى الثمار والأزاهير والموسيقى والصلاة والرقص والعشق والسلام والحرية والوصال في هدأة الأقمار ومع إشراقات البكارى..

(32) وإن غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها..

فإذا كان الدين سلاما والحرية شريعة فما انغلاقكم وراء أبوابكم ونوافذكم؟! الله لا يسرق الله. الله انفتاح لا ينغلق. هو انفتاح من أول بلا بداية إلى آخر بلا نهاية. الأبواب والنوافذ لا تحد مطلقا سرمديا واحديا كل أبعاضه فيه وبه ومنه. ما الذي يقصي الأسود عن الأبيض والناعم عن الخشن والكل أبعاض الواحد الكل؟! ماذا يقصيك عني والسلام دعوتي والحرية شريعتي والحب أرضي والعدل قوامي والجمال مرآي ومسمعي؟! بين أيدي المحبين يتراقص الواحد وتتلولوب خواصره فينتشر فوح الموسيقى في المدى الطليق. فإن غدت الموسيقى مشاعا فلا أبواب ولا نوافذ عازلات فارقات.. ولا يقصيني ستر عنك. وماذا يسترك بعد وقد تحققت؟! الحقيقة عارية.. الحقيقة نور غامر هل يستر النور الغامر؟! جدرانك وهم لا يحجب الشمس. أنت أنا وأنا أنت فانكشف واقترب.. انكشف فالفضيلة انكشاف.. الفضيلة العظمى صدق بريء من  أكاذيب اجتماع القاهر والمقهور وتأويلات الكروش المنفوخة والهراوات الغليظة والجماجم القاتمة. الحرية فضيلتنا نحن الواحديين.. الحرية شريعة فضلى نبتت من بكارة الوجود.. تنبت الحرية من كل بكارة أفنانا مغردة آناء الليل والنهار بموسيقى الشوق للتحقق من تمام إلى تمام..

(33) الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه..

ما يقصيك عني وديننا حب كبير وسع السماوات والأرضين وأكبر. إن أحببتني هذا الحب الكبير فأنت الكريم.. ليس الكريم من يسطو ثم يعطي. ليس الكريم من يسطو على الرقاب ويرغمها على المراغم بشهوة جامحة طاغية سالبة. ليس كبيرا من كان ذا بطن كبير وحاشية كبيرة وذا مهارة في الاختلاس كبيرة. ليس كبيرا من يسطو على أكبر الكراسي بالرغم عنا فلا ينخلع منه إلا بالرغم عنه. كبير الحب هو الكبير هو الكريم هو المفتدى.. كبير السطو كبير اللئام. فداك أبي وأمي وإبني وأخي يا كبير الحب الواسع فلا تقصيك عني ولا تقصيني عنك النوائب والفواجع ولا شهوة أكبر من وميض. أنا بك أنت بي أنا وأنت لنا.. فما إغلاق البيت دوني والبيت بيتي وبيتك.. البيت لنا نحن أبعاض الواحد.. فإذا غدت بيوتنا زجاجا روقا ورَوْحا غدت نفوسنا فضيلة الحرية وغدونا الكرام الكرام.. إذا كان بيتك زجاجا يقيك برد الشتاء فلا شيء تعطيه فأنت الكريم الكريم..

(34) يبدع كل ومض الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد..

إذا غدت بيوتنا زجاجا صافيا غدا الواحد منا ومضا فردا: واحديا لا ينقسم.. واحديا يلج واحدا فتبدع الفاعلية المطلقة ذاتها من جديد زغرودة انتصار غض، هو ومض واحدي بكر. الفاعلية ومض يبدع ومضا؛ هي فعل يبدع الفاعلية. الفعل [الومض] يبدع الواحدية الفاعلية بواحديته. في ومض الوصل، واحد فرد يدخل واحدا فردا فيكون واحد فرد بكر. تلك الحقيقة نتشوقها، فلماذا نختبىء في عتمة الجدران ونغلق الأبواب والمنافذ؟! الحقيقة لا يحجبها حجاب.. لكن الأحرار هم الذين يفعلونها ويجاهرون بها ويفاخرون ويجاهدون في سبيلها..

(35) الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان..

الحقيقة أكبر من أن تدفن بين فرش وسقف وجدران.. الحقيقة مشاع.. هي منثورة في الأرض والسماوات.. هي الأرض والسماوات وما بينها وما هو أكبر.. الحقيقة في هذا وذاك على قدر السعة للهذا وللذاك.. الحقيقة منثورة في كل وجود بكينونته.. تتعين الحقيقة في الآنات والأعيان.. فلا تزعم أنك ملكت الحق كله وليس لك من الحق إلا ما يملأ عينك وآنك.. على قدر ما تسع من الوجود تسع من الحقيقة.. وأنت لا تسع الوجود كله.. فأنا حقيقة بوجودي المنماز عن وجودك.. الحقيقة بيني وبينك على قدرنا..

(36) الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونته..

إيمان المؤمنين بالله والنبوة يجعل من قضيتي الله والنبوة كينونة. وكل كينونة حق. ولكل حق وساعته الوجودية. ووساعة الكينونة تطابق قوة فعليتها بميزان الفاعلية الحرة المطلقة. الله في عقيدة المتدينين حق سلام عادل لا أول له ولا آخر محب رزاق واحد جميل له الأسماء الحسنى؛ والإيمان بالله إيمان بالقيم العليا التي تجسدها صفات الله وأسماؤه الحسنى. والمؤمن مدعو لتمثل هذه القيم العليا التي هي قيم الواسعية الواحدية التي توسع فعلية المومنين فتوسع كينونتهم ووجودهم، فتقوى فيهم درجة الفاعلية بحقيقتها الصميمية. وبالنبوة انفتح الوجود الإنساني الدنيوي على وجود أخروي خالد، فتعمق الفعل الإنساني بقوة فاعلية منفتحة ومن ذات الفاعلية الواحدية الحرة المطلقة. هذا العمق الوجودي النظري يتبلور في سلوكيات المؤمنين بانفتاح على الخير والديمومة؛ أي: يتبلور في كينونة واسعة مملوءة بقدر أكبر من الفعلية الفاعلية الحرة المطلقة التي هي الحقيقة الوجودية الصميمية..

(37) الكل واحد والفاعلية سرمدية..

الوجود بالإطلاق لا يتعدد. الوجود المطلق يملأ مقولة الوجود. والوجود فاعل بطبيعته؛ الوجود والفاعلية مقولة واحدة. الوجود فاعلية سرمدية. الفاعلية حركة متمايزة في ذاتها تمايزا لا يعددها. ولولى تمايزها لكانت جمودا وذات حد، ولخالفت فاعليتها السرمدية؛ لولا التمايز لانكشفت دفعة واحدة ثم آلت إلى الفناء. لكن لا فناء للوجود، فلا بد لها من التمايز؛ هذه طبيعتها كما الواحدية طبيعة لها طالما أن الوجود مملوء بذاته فلا فسحة لغير. والسلام الذي تدعو الواحدية إليه مرتكز إلى مقولة ” الكل واحد..” فنحن أفعال الفاعلية الواحدة؛ أي: نحن أبناء أم واحدة؛ فلماذا يعدو الأخ على أخيه؟! أنا وأخي من ذات واحدة؛ فكيف أعدو على ذاتي؟! العدوان بين الناس عدوان على الحقيقة. السلام هو الحقيقة..

(38) إذا انغلقت ذات في آن تلاشت..

من واحدية الكل وسرمدية فاعليته تستمد الذاتية الفردة حيويتها. فإذا تضاد الفعل الحيوي لذات فردة مع حقيقة واحدية الكل وفاعليته المتصلة من الكلي للفردي ومن الفردي للكلي؛ من الجماعة للفرد ومن الفرد للجماعة؛ إذا وقع هذا التضاد فهو يضع المنغلق على ذاته في خنقة وجودية؛ فيها لا بد من التخلص من حالتها المأزقية التي وقعت لها بالجمود وفقدان القدرة على مواصلة الحركة؛ أي: لا بد للمطلقية من التخلص من الذات المنغلقة ليستأنف الوجود حركته السرمدية. تهلك الأحياء إذا انغلقت عليها أبواب التواصل مع الوجود الأكبر. والأمم التي تتكلس في زمان لم يعد واقعا لا تتأهل للبقاء اللائق بالفعل الإنساني المبدع بانفتاحه على الفاعلية الوجودية الحرة المطلقة المبدعة..

(39) إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح..

إن من يغلق الأبواب والنوافذ دون الشموس المشرقة والأقمار الناعسة والنجوم الشاهقة، يغلق على نفسه بيتا من ذئاب وعقارب وحوض آسن. الفاعلية تتجدد كل آن بانفتاح فعل على فعل، انفتاحا مبدعا. وكل انفتاح إبداع.. ما الإبداع إلا انفتاح.. حياة الآن هي فعلها المنفتح بالفاعلية الحرة المطلقة المبدعة المتجددة. هذا الفعل فعل يتصل بفعل آن أخرى منفتح هو أيضا على صميميته، يغترف منها ويهبها تجددا وسرمدية. ولا ينفك الآن عن الآنات غيره كما لا ينفك الكائن عما كان والنتيجة عن عواملها السببية. انفتاح كينونة على غيرها لا تقوم في فعل انفتاح الكينونة على ذاتيتها التاريخية فحسب. الفعلية ذات ارتباط حميم بما كان وبما هو كائن. الأمة التي تقلع حاضرها من تربته الثقافية، تقلع نفسها من التربة الوجودية؛ ومن تذروه الريح لا يفيد من شيء مما حوله. لا يقوم لأمة مشروع حضاري لا يضرب جذوره في ذاتيته، ضربا لا يعيق الانطلاق في الراهن الحضاري للإنسانية كلها؛ وبمنهج الواحدية المنفتح بالحرية الداعي للحب والعدل والسلام للناس كافة..

(40) أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. اصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك إلا وميضا..

أقبلوا – أيها الواحديون – على الحياة بجماعكم كله.. ببهجة تضيء لكم دروبكم أقبلوا.. من يُقبل على الحياة بجماعه كله.. ببهجة.. تُقبل عليه الحياة بجماعها كله.. ببهجتها كلها.. الذين يُقبلون على الحياة بجماعهم كله.. ببهجة القلوب والعقول.. يفعلون ذلك بمحضهم الوجودي..

المحض الوجودي مفهوم الواحدية: أصل الوجود واحد؛ واحديا كان الوجود.. إثنان أو أكثر لم ولا يكون.. كل فعل يفعله الوجود هو فعل الواحدية الوجودية.. كل كائن هو فعل الوجود الواحدي.. هل يفعل الوجود الواحدي غير فعل واحدي؟ كل فعل لفاعل هو فعل بطبيعة الفاعل.. الفاعل واحد، كل ما يفعله الواحد واحدي بطبيعة الفاعل الواحد.. الواحد يفعل واحدا.. الوجود الواحد فاعل يفعل كيانات واحدية.. كل كيان هو واحدي بطبيعته.. واحدية كل كائن هي محضه [قلبه / أصله] الوجودي. هذا المحض الوجودي لكل كائن هو المحض الوجودي للوجود [الحر المطلق] الواحد.

من يُقبل على الحياة بمحضه الوجودي.. ببهجة.. يكون قد أقبل على الوجود كله بمحضه الوجودي الكلي البهيج؛ أي: واحدية كيانية – هي أصل كل فرد وطبيعته – تُقبل على وجودية كلية واحدية هي أصل الوجود المطلق كله.. هكذا تُقبل طبيعة على طبيعة هما ذات واحدة.. هكذا تنفتح طبيعة على ذاتها.. هكذا تنفتح طبيعة محدودة بكيانيتها على الطبيعة المفتوحة على أبعاضها، بأبعاضها.. الطبيعة [الكلية] تنفتح على أبعاضها بفعلها البعضي..

امرأة ببهجة الفؤاد أينعت وأثمرت.. هذه امرأة أم.. الأم أصل؛ هي أصل فاعل.. الأم واحد.. البنات والبنون أفعال لأصل واحد فاعل.. فعل الولادة / البهجة – في كل مرة – بعض من فاعلية الولادة التي هي المحض الوجودي للمرأة؛ الذي هو فاعلية المرأة (فاعلية المرأة دون ولادة تكون قابلية إنسانية غير تامة مغلقة من جهة ذاتيتها الوجودية كأم).. الوظيفة الوجودية الأصلية للمرأة هي فاعلية الولادة والإبهاج. من لم تلد ليست امرأة [كاملة بالإمكان والتحقق].. الرجل لا يلد البنات والبنين.. الرجل يلقي بذرة ويمضي.. الأم تغذو بدمها – ببهجة بلّورية – هذا الجنين وهذا الجنين.. كل جنين كينونة واضحة بذاتيتها.. وجود كل جنين من أمه.. الأجنة، لأم واحدة، كثر.. تلد الأم الواحدة الأشقاء الكثيرين؛ الشق جانب أو بعض من كل.. تلد الأم في كل مرة شِقّا؛ بعضا.. ومنذ يبدأ شقها في التكون، يبدأ منفتحا عليها ومنفتحة هي عليه.. تبدأ فاعليتها بالانفتاح بفعلها على فعلها.. وتستمر فاعلية الأمومة باستمرار حيوية الجنين.. ويبقى الجنين حيا ما بقي موصولا بحياة أمه؛ والجنين محض حياتها.. وحياة الأم محض حياة الجنين.. حياة – بإقبال الكل وبالبهجة – تنفتح على حياة.. حياة أصل تنفتح على حياة شقٍّ من هذا الأصل. ولو أن الشق قرر أن يرفض أمه، وأن يوقف فاعلية انفتاحه عليها، فهو يكون قد قرر هلاكه.. يهلك هو وتبقى الأم قابلة للانفتاح من جديد، بفعل جديد، وببهجة، على محضها الوجودي.. إذا لم يُقبل الشق على كله.. إقبالا تاما، ببهجة بريئة بكر كل آن، هلك وانتثر..

قبول الفردية على الكلية، وببهجة،  هو الرضا؛ رضا طبيعي [عقلي]. فهو طبيعة يعيها العقل بالكشف عنها؛ والتكيف بها وتنميتها.

تقوم علاقة الرضا – الرضا على قاعدة الشوق البهيج الذي هو العلاقة بين الفاعل وفعله.. الأم زاخرة بالشوق المبتهج المبعج للولادة، وزاخرة بالشوق لأبنائها والبهجة بهم؛ فعل الولادة استنبات مبهج للشوق. الشوق هو منتج النموات من الطبيعة.. الأم طبيعة والولادة فعل طبيعي متنام. الشوق عامل تكويني بهيج في فاعلية الطبيعة النامية. النمو الفاعلي هو فاعلية طبيعية [وجودية].. هذه الفاعلية تتطلب السلام.. إذا قتلنا الأم قتلنا شوقها وقتلنا طبيعتها النامية؛ السلام بيئة نمو الشوق البهيج.. الواحدية دعوة للسلام.. والبهجة.. ليس واحديا من لا يدعو للسلام.. ببهجة.. يدعو الواحدي للسلام.. ببهجة يدعو: “قولوا سلاما رددوه”.. النمو بالشوق المبتهج فعل غير جامد.. دعوة السلام البهيج الواحدية فعل غير جامد.. الواحدي يدعو للسلام البهيج ويمضي.. يمضي قُدما.. “وامضوا..”؛ ودعوة السلام الواحدية مليئة: “اصنعوا سلاما”.. ليكن السلام فعلا واقعا لا زعما.. و”غنوا له”.. ليكن نبعا من بهجة الوجدانات ومن وعي عقلي مبتهج.. ليتعضون بالكينونة الإنسانية الواحدية.. الإنسان عقل ووجدان؛ واحد هما العقل والوجدان..  وجهان متكاملان هما.. فليكن السلام أنشودة البهجة الجماعية.. فليكن جمالا تعشقه العقول.. ليكن منشدا متناغما مع حقائق الكون.. فلنكيف به الحقائق تكييفا جماليا.. السلام البهيج كشف الحقيقة المحضة.. هو أغنية الأماجد.. هو الذي يبدع وجودنا المطلق من الاستعباد.. السلام البهيج يبدع الحرية.. الحرية مفهوم واحدي يبدع الواحديين.. الحرية التي تبدع الواحديين تبدع السلام البهيج الذي أبدعه الشوق المبتهج الذي أبدعه الرضا بالحق.. والحق بهجة.. الحرية هي روح لا يستذلها الملك.. أليس الملك هو العبودية؟ أليس المالك – في الحقيقة – مملوكا لما يملك؟ المملوك ليس حرا.. ليس مطلقا.. ليس متشوقا ببهجة لنمو وجودي يصنع السلام ويغني له.. الواحدية ترفض مبدأ التملك لأنها ترفض مبدأ الاستذلال.. ولكن طلب ما تقتضيه الحاجة لاســـتمرار الحياة مشروع بل هو واجب.. وهذا هو “الوميض” (الومض) [= نور في خطفة].. وما زاد عن الوميض تملك يستذل الروح..

تمت كتابتها في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: أول أيام عيد الضحى1414هـ الموافق 21 أيار (مايو) 1994م